← Общие книги

Общие книги · id 30918

التدرج في دعوة النبي

إبراهيم المطلق

Полный текст (152 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

[المبحث الثاني الشريعة] [أولا مفهوم الشريعة] المبحث الثاني الشريعة أولا: مفهوم الشريعة: ١ - الشريعة في اللغة: مشرعة الماء، وهو مورد الشاربة. والشريعة: ما شرع الله لعباده من الدِّين، وقد شرع لهم يشرع شرعا، أي سن. والشارع: الطريق الأعظم، وشرعت في هذا الأمر شروعا أي خضت (١) . وفي المفردات: الشرع نهج الطريق الواضح. يُقال: شرعت، والشرع مصدر، ثم جعل اسما للطريق النهج فقيل له: شرعٌ وشريعة واستعير ذلك للطريقة الإلهية شرعة ومنهاجا (٢) . ٢ - الشريعة في الاصطلاح: عندما تطلق الشريعة في الاصطلاح يراد بها معنيان: الأول: عام، وذلك إذا أطلقت مفردة، فإنَّها تشمل كل ما شرع الله من الدين عقائد وأحكاما، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] (٣) ومما وصَّى به نوحا التوحيد، والفضائل، وأصول الشرائع (٤) .

стр. 37

وقد عرف الشريعة بهذا القول الدكتور محمد بن صالح عثمان حيث يقول: الشريعة: " هي النظم التي شرعها الله تعالى، أو شرع أصولها، ليأخذ الإنسان بها نفسه، في علاقته بربه، وعلاقته بأخيه المسلم، وعلاقته بأخيه الإنسان، وعلاقته بالحياة " (١) . وعرفها آخر بقوله: الشريعة: ما شرعه الله لعباده من العقائد والأحكام في شؤون الحياة كلها (٢) . الثاني: خاص، ويقصد بها ما شرع الله من الأحكام والأوامر والنواهي، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] (٣) . ومعلوم أن المقصود في الآية الشرائع دون العقائد، لأن العقائد واحدة في كل أمة، وعلى لسان كل نبي، وقد خصت كل أمة بشرعة تناسبها (٤) . وقد عرف الشريعة بهذا القول الإمام القرطبي حيث يقول: الشريعة في الاصطلاح الشرعي هي: الأحكام التي شرعها الله لعباده، سواء أكان تشريع هذه الأحكام بالقرآن، أم بسنة النبي ﷺ ، من قول أو فعل أو تقرير (٥) .

стр. 38

وعرفها الدكتور ناصر العقل بقوله: الشريعة في الاصطلاح: فروع الدين وأحكامه الفقهية (١) . وهذا المعنى للشريعة هو الذي أعني في بيان التدرج في الدعوة إليه في هذا البحث. [ثانيًا صلة الشريعة بالتوحيد] ثانيًا: صلة الشريعة بالتوحيد: هناك تلازم بين الشريعة والتوحيد، فالتوحيد مستلزم للشريعة، والشريعة متضمنة للتوحيد (٢) فالإيمان يطلق أحيانًا ويُراد به كل من التوحيد والشريعة، يدل على ذلك قوله ﷺ لوفد عبد القيس: «آمركم بالإيمان بالله وحده، قال: " أتدرون ما الإيمان بالله وحده "؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس. . .» (٣) ففسَّر ﵊ الإيمان بالتوحيد والشرائع (٤) ويُطلق الإسلام ويُراد به التوحيد والشريعة، يدل على ذلك حديث جبريل: «قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به

стр. 39

شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدِّي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. .» (١) ففسَّر الإسلام أيضا بالتوحيد والأعمال المشروعة من صلاة وزكاة وصيام. فالتوحيد هو الركن الأساسي والأصل، والشريعة تبع له وثمرة من ثمراته، يدل على ذلك حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت» (٢) فالتوحيد مثاله أوسط الأعمدة في بيت الشعر، وبقية الأركان تمثل الشريعة، فما دام الأوسط قائمًا فالبيت موجود، ولو سقط منها ما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط سقط مسمى البيت، فالبيت بالنظر إلى مجموعه شيء واحد، وبالنظر إلى أفراده أشياء، وأيضًا بالنظر إلى أسه وأركانه، الأس هو الأصل، والأركان تبع وتكملة (٣) فالأس هو التوحيد وهو الأصل، والأركان هي الشريعة.

стр. 40

فأفضل شُعَب الإيمان التوحيد، وهو الأصل والأساس، وباقي الأعمال فروع وثمرات لا تصح إلا بعد صحته (١) يدل على ذلك قوله ﵊: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. .» الحديث (٢) فصحة التوحيد شرط في قبول تلك العبادات، بل إن تلك الأعمال لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت كالحدث إذا دخل في الطهارة (٣) قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧] (٤) وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] (٥) ففي هذه الآية إشارة إلى أن سبب بطلان العمل الكفر (٦) والعمل الذي يقبله الله هو ما يصدر من الموحِّدين (٧) ومما سبق

стр. 41

تتبين صلة الشريعة بالتوحيد من وجوه: ١ - يشملهما مسمى الإيمان والإسلام والدين. ٢ - أحدهما مستلزم والآخر متضمن. ٣ - التوحيد هو الأصل والأساس، والشريعة فرع وثمرة. ٤ - صحة التوحيد شرط في قبول الشريعة. [ثالثا التدرج في الدعوة إلى الشريعة] ثالثا: التدرج في الدعوة إلى الشريعة: اقتضت حكمة البارئ جلَّ وعلا في دعوة عباده إلى الشريعة أن يتدرج معهم على وجه لا يشق عليهم، مراعيا البدء بالأهم فالمهم (١) من هذه الشريعة أركان الإسلام، فقد تدرج الشارع في الدعوة إليها بدءًا بالأهم ثم المهم، فافترض عليهم أول شيء بعد التوحيد الصلاة، وذلك لعظيم أهميتها، يدل على ذلك ما رواه البخاري في كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في حديث الإسراء الطويل، وفيه يقول: قال النبي ﷺ : «ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك، حتى مررت على موسى، فقال: ما فرض الله على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرها، فقال: راجع ربك، فإن أمتك لا تطيق، فراجعته فوضع شطها، فرجعت إليه، فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته، فقال: هي خمس، وهي خمسون، لا يبدل القول لدي. . .» الحديث (٢)

стр. 42

فكان فرض الصلاة متقدمًا قبل بقية أركان الشريعة، يدل على ذلك حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ حيث قالت: «فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي ﷺ ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الأولى» (١) ففي قولها " ثم هاجر " دليل على تقدم فرض الصلاة، وأنها فرضت قبل هجرته ﷺ مما يدل على مزيتها على سائر الفرائض والعبادات، يؤكد هذه الأهمية أنه ﷺ كان يبايع عليها بعد التوحيد، يدل على ذلك ما رواه البخاري، عن جرير بن عبد الله قال: «بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» (٢) يقول ابن حجر مبينًا البدء بالصلاة بعد التوحيد: " وكان النبي ﷺ أول ما يشترط بعد التوحيد إقامة الصلاة لأنها رأس العبادات البدنية، ثم أداء الزكاة لأنها رأس العبادات المالية، ثم يعلم كل قوم ما حاجتهم إليه أمس " (٣) . وكما كان ﷺ يشترط بعد التوحيد الصلاة قبل غيرها، فقد كان ﷺ يقدمها على غيرها في فعله، يدل على ذلك حديث عتبان ﵁ قال: «أصابني في بصري بعض الشيء، فبعثت إلى رسول الله ﷺ إنِّي أحب أن تأتيني فتصلي في منزلي فأتخذه مصلى، قال: فأتى النبي ﷺ ومن شاء

стр. 43

الله من أصحابه. . .» (١) وقد فطن الإمام النووي لفائدة عظيمة في هذا الحديث الكريم حيث يقول: " وفيه البداءة بالأهم فالأهم، فإنه ﷺ في حديث عتبان هذا بدأ أول قدومه بالصلاة ثم أكل " (٢) فدل هذا العمل النبوي الكريم على أهمية التدرج ومراعاة البدء بالأهم فالأهم في الدعوة إلى الشريعة، وقد نبه الإمام القرطبي إلى هذا التدرج الحكيم، فقال: " قال ابن عباس: «بعث النبي ﷺ بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدقوه فيها زادهم الصلاة، فلما صدقوه زادهم الزكاة، فلما صدقوه زادهم الصيام، فلما صدقوه زادهم الحج، ثم أكمل لهم دينهم» (٣) . يدل على ذلك حديث ابن عباس ﵄ حيث يقول: «لما بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى نحو أهل اليمن، قال له: إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم، تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوقّ كرائم أموال الناس» (٤) فقرر ﷺ في هذا الحديث التدرج في الدعوة إلى هذه الأركان، والبدء بالأهم

стр. 44

فالمهم، وإلى هذا يشير النووي بقوله: " ولأنه ﷺ رتب ذلك في الدعاء إلى الإسلام وبدأ بالأهم، ألا تراه بدأ بالصلاة قبل الزكاة " (١) فدل على أهمية مراعاة التدرج في الدعوة والتعليم والبدء بالأهم فالأهم (٢) . وكما تدرج الشارع في الدعوة إلى أركان الإسلام مراعيًا بالبدء بالأهم ثم المهم، فقد راعى هذا الجانب في الدعوة إلى أخلاق الإسلام حيث ابتدأ بالدعوة إلى أصول الأخلاق من الصدق والعدل وأداء الأمانة والعفة (٣) مراعيًا في ذلك جانب التدرج في الوجوب والعلو (٤) حيث حاجة الفرد إليها أمس، وأداؤها عليه أوجب، وقد جاءت الأدلَّة تؤكد اهتمامه ﷺ في هذا الجانب في عهد مبكر من دعوته، من ذلك ما رواه البخاري، عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله، أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان أخبره: «أن هرقل أرسل إليه، فقال: فما يأمركم يعني النبي ﷺ فقال: يأمرنا بالصلاة والصدقة، والعفاف والصلة» (٥) فدل هذا على أن هذه حاله ﷺ مع الناس في ابتداء دعوته (٦) يؤيد هذا حديث جعفر بن أبي طالب ﵁ مع

стр. 45

النجاشي، وفيه قوله: «فأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء. . .» (١) فلما هاجر ﷺ وطبق المسلمون الإسلام وامتد ميدان الدعوة واتسعت البيئة أصَّل الرسول ﷺ الدعوة إلى ركائز أخرى في أخلاق المسلم من التآخي والتراحم والتعاون وترك التباغض والتحاسد حيث حاجة الأمة المسلمة إلى هذه الأخلاق أشد ممتثلًا قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] (٢) وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] (٣) . فكان ﵊ يدعوهم إلى هذا التآخي والمودة، وينهاهم عن سيئ الأخلاق، يدل على ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إيَّاكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا» (٤) . يبين ابن حجر المقصود بهذه الإخوة بقوله: " قال القرطبي: المعنى كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة، والمحبة، والمواساة، والمعاونة والنصيحة " (٥) وكان ﷺ يدعو إلى هذه الفضائل بالثناء على صاحب الخلق

стр. 46

الحسن، فقد «قال ﷺ لأشجّ عبد القيس: إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» (١) فبين ما فيه من الأخلاق الحسنة، وأثنى عليه بهما مبينًا أن الله يحبهما، فالله يحب من عباده ما جبلهم عليه من خصال الخير (٢) وفي ثنائه ﷺ على هذا الرجل دعوة له ولغيره إلى الأخلاق الحسنة التي يحبها الله، والتي فيها خير للمسلمين وصلاح لهم. وكما كان ﷺ يحث أصحابه على التخلق بكماليات الأخلاق فقد كان يحذرهم من الأخلاق السيئة التي تفضي بهم إلى التشبّه بالمنافقين، والتخلق بأخلاقهم (٣) ويستفاد من هذا أنه ﷺ كان يركز في هذا العهد على الدعوة إلى كماليات الأخلاق، التي فيها خير وصلاح للأمة الإسلامية.

стр. 47

[الفصل الثاني التدرج في الدعوة باعتبار الوسيلة] [تمهيد] الفصل الثاني التدرج في الدعوة باعتبار الوسيلة وفيه تمهيد وأربعة مباحث: المبحث الأول: القول المبحث الثاني: السرايا والغزوات المبحث الثالث: الكتب والرسائل المبحث الرابع: الوفود والبعوث

стр. 48

تمهيد بينت في الفصل الأول التدرُّج في موضوع الدعوة فذكرت التوحيد وأهمية البدء به، ثم عقبت ببيان الشريعة وصلتها بالتوحيد وأهمية التدرج في الدعوة إليها، وفي هذا الفصل سوف أبين الوسيلة النبوية التي من خلالها تم عرض هذا الموضوع، فلكل موضوع فكرة ووسيلة، والداعية له وسائله العديدة في إيصال دعوته وتبليغها للناس، ولكل وسيلة زمانها ومكانها الملائم لها، فمن الوسائل ما يصلح لزمان ولا يصلح لزمان آخر، وقد تكون هذه الوسيلة مثمرة لكنها في وقت آخر تصبح مثار سخرية واستهزاء (١) . وبعد تأملي لسيرته ﷺ العطرة تبينت أن وسائله ﵊ في تبليغ الدعوة وحمايتها قد جاءت متدرجة كأنها حلقات في سلسلة، كل حلقة تقود إلى التي تليها فأظهرت لنا هذه الوسائل طبيعة التدرج في السير خطوة خطوة، فبدأ ﷺ بوسيلة القول واستمرت هذه الوسيلة طيلة العهد المكي، ثم لما هاجر ﷺ حيث الجماعة المسلمة وأقام دولة الإسلام اتخذ وسيلة لحماية هذه الجماعة وتلك الدولة وهي السرايا والغزوات، اتخذها ﷺ للدفاع عن الدعوة وحمايتها من المعتدين، ثم بعد أن هادن العدو في الحديبية اتخذ وسيلة بلاغية وهي الكتب والرسائل، اتخذها لتبليغ الدعوة إلى العالم الخارجي، ثم كانت آخر وسائله ﷺ بعث البعوث ليقوموا بمهمة البلاغ والتعليم، وفيما يلي التفصيل في هذه الوسائل.

стр. 49

[المبحث الأول القول] المبحث الأول القول تبرز أهمية وسيلة القول من حيث إنَّها وسيلة فطرية متوفرة لدى الناس إلا من شذّ بسبب خرس أو نحوه (١) ويبرز القول وسيلة دعوية من حيث اهتمام القرآن الكريم به فقد ورد لفظ: " قل " في أكثر من ثلاثمائة آية (٢) من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] (٣) ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] (٤) ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣] (٥) ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه: ٤٥] (٦) ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] (٧) وما من رسول إلا قال لقومه شيئا، وبين لهم، ولذا اقتضت حكمة الحكيم العليم أن يبعث كل رسول بلغة قومه (٨) قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] (٩) فالبيان بالقول هو وسيلة الرسل ﵈ في دعوتهم (١٠) وهو وسيلة النبي ﷺ الأصلية

стр. 50

والأساسية في عرض دعوته في العهد المكي (١) وحين تأملي لسيرته العطرة ﷺ في هذا العهد تبين لي مصداق ذلك، فقد كان ﷺ يعرض دعوته سرًّا بالقول، ثم لما نزل قوله تعالى ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] (٢) جهر ﷺ بالقول فقام خطيبا على جبل الصفا ينذر قريشا ويدعوهم إلى الله (٣) «ودعا ﵊ عمه أبا طالب قائلًا له: أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله» (٤) . ومما يؤكد أن وسيلته ﷺ في هذا العهد القول حديث إسلام عمرو بن عبسة ﵁، فقد روى مسلم عن أبي أمامة قال: «قال عمرو بن عبسة السلمي: كنت وأنا في الجاهلية أظن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفيًا جرآء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: ما أنت؟ قال: " أنا نبي "، فقلت: وما نبي؟ قال: " أرسلني الله " فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: " أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يشرك به شيء. . .» (٥) فقوله: " فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا " هذا الحوار بين رسول الله ﷺ وبين هذا

стр. 51

الرجل يبين أن وسيلته ﵊ في دعوة هذا الرجل هي القول، فلم يتجاوز ﵊ القول إلى سواه يدل على ذلك قوله للرجل حينما قال إني متبعك: " إنك لا تستطيع يومك هذا ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني " فالقول هو وسيلته ﷺ في الدعوة في هذا العهد، من بدايته إلى نهايته، فحينما خرج إلى الطائف دعاهم إلى الله بالقول، يقول ابن إسحاق: " لما انتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف عمد إلى نفر ثقيف. . . فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه. . " (١) وحينما أمره الله بعرض نفسه على القبائل، كان يدعوهم بالقول، يقول ابن إسحاق: " فكان رسول الله ﷺ على ذلك من أمره، كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الإسلام، ويعرض عليهم نفسه، وما جاء به من الهدى والرحمة. . . " (٢) . وبالقول استطاع ﷺ إقناع وفد الأنصار بدعوة الحق حين التقى بهم فقد قال لهم كما يروي ابن إسحاق: " أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن " (٣) وكان القول وسيلة مبعوثيه ﷺ في إقناع مدعويهم، فقد قال مصعب بن عمير وهو مبعوثه ﷺ إلى يثرب لزعيمي بني عبد الأشهل: " أو تقعد

стр. 52

فتسمع، فإن رضيت أمرًا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره؟ " (١) هذه النصوص تبين لنا أن القول هو الأصل في وسائل الدعوة إلى الله تعالى وهو الوسيلة الأولى والأصيلة في إيصال الحق إلى المدعوين (٢) .

стр. 53

[المبحث الثاني السرايا والغزوات] المبحث الثاني السرايا والغزوات بعد أن أدّى القول دوره وسيلة بلاغية في العهد المكي قامت به الحجة على المشركين شرع الله الهجرة لنبيه ﷺ ، ثم شرع له القتال بالسيف وأنزل الحديد لينصر به الحق ويقيم به العدل، وليكون رادعًا لكل من أبى الحق، ولم يقبل شرع الله (١) قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥] (٢) فبين أنه أنزل الكتاب وأنزل العدل، وما به يعرف العدل ليقوم الناس بالقسط، وأنزل الحديد، فمن خرج عن الكتاب والميزان قوتل بالحديد (٣) والمقصود به آلات الجهاد كالسيف والرمح والنصل والدرع، ونحو ذلك من طائرات ومدافع ودبابات (٤) فأمر الله ورسوله ﷺ باتخاذ كافة أسباب القوة (٥) فقال سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (٦) وقد فقه ﷺ هذه التوجيهات الإلهية الكريمة فاتخذ السرايا والغزوات لتكون وسيلة دعوية هامة، تقوم على

стр. 54

حماية الدعوة من اعتداء المعتدين، لما تحدثه من أثر كبير في إرهاب العدو وتحييده وزعزعة ثقته (١) فغزا ﷺ تسع عشرة غزوة يدل على ذلك ما رواه البخاري «عن أبي إسحاق كنت إلى جنب زيد بن أرقم، فقيل له: كم غزا النبي ﷺ من غزوة؟ قال: تسع عشرة، قيل: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة. . .» (٢) فكانت أولى هذه الغزوات غزوة الأبواء، حيث خرج ﷺ يريد قريشًا فوادع بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة من كنانة، وادعه رئيسهم مجدي بن عمرو الضمري (٣) ثم غزا ﷺ غزوة بواط، ووادع فيها بني مدلج من كنانة (٤) وأرسل ﷺ عددًا من السرايا، منها سرية عبد الله بن جحش التي غنمت عيرًا لقريش بعد ما قتلت بعض أهلها، وأسرت الباقين (٥) وقد أدت هذه الغزوات والسرايا دورًا كبيرًا في إرهاب العدو وتحييده. ثم كانت بعد ذلك غزوة بدر الكبرى، وأحد، والأحزاب، وقد كان لهذه الغزوات أثر كبير في دفع الهجوم عن دار الهجرة، ومنع اعتداء المعتدين ثم جاءت غزوات الحديبية وخيبر والفتح وحنين والسرايا المزامنة لها فكانت وسائل في إلزام قريش واليهود والعرب الخضوع للقيادة الإسلامية، ودخول كثير من العرب في الإسلام لما رأوا من نصرة الله لنبيه ﷺ وإعزاز دينه (٦) ثم

стр. 55

جاءت بعد غزوة تبوك السرايا المزامنة لها لتكون وسيلة في بسط نفوذ المسلمين على جزيرة العرب، وإظهار قوة الإسلام وأهله، وإبطال كيد الذين يتربصون بالإسلام الدوائر (١) وقد أشار ابن حجر إلى دور هذه السرايا والغزوات في نشر الدين، ودحض الكفر فقال: " قال ابن دقيق العيد: القياس يقتضي أن يكون الجهاد أفضل الأعمال التي هي وسائل، لأن الجهاد وسيلة إلى إعلان الدين ونشره، وإخماد الكفر ودحضه " (٢) . إضافة إلى ذلك كله فقد كانت تلك السرايا والغزوات بمجموعها وسيلة دعوية مهمة لما تحدثه من أثر في نفوس الأسرى الذين يمن عليهم ﷺ ، فيكون لحسن تعامله معهم وعظيم منه عليهم عظيم الأثر في دخولهم الإسلام (٣) وهي وسيلة دعوية لما تحدثه من تساؤل لدى تلك القبائل العربية المنتشرة حول الدعوة الجديدة وقيادتها، فيكون نتيجة هذا التساؤل معرفة الإسلام، والدخول فيه (٤) .

стр. 56

[المبحث الثالث الكتب والرسائل] المبحث الثالث الكتب والرسائل بعد أن أدت تلك السرايا والغزوات دورا هامًّا في إظهار قوة المسلمين، وإرهاب أعدائهم، والقضاء على صناديد الكفر والطغيان، جاءت الكتب والرسائل بعد صلح الحديبية، لتؤدِّي دورًا في نقل الدعوة إلى خارج محيط العرب ولتكون وسيلة هامة لإسماع الناس نبأ الدعوة، وقد كان بعضهم يجهلها مثل كسرى، وبعضهم ينتظرها مثل قيصر (١) فجاءت هذه الوسيلة بعد أن أصبحت دولة الإسلام أقوى دولة في محيطها، بعد أن هادنتها قريش، لذا اشتملت بعض هذه الرسائل على التهديد بزوال الملك لمن لم يدخل في الإسلام (٢) . جاء ذكر هذه الوسيلة في كثير من كتب السير والسنن (٣) وسأكتفي بما ورد في الصحيحين، فقد روى مسلم عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي، وإلى كل جبار، يدعوهم إلى الله تعالى» (٤) .

стр. 57

فدل هذا الحديث على مكاتبته ﷺ للكفار واتخاذ الكتاب في دعوتهم إلى الإسلام (١) وفيما يلي نص كتابه ﷺ إلى هرقل كما أورده البخاري: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] » (٢) . ، فكان هذا الكتاب وأمثاله وسيلته ﷺ في دعوة هؤلاء القوم، وتبليغهم الإسلام، أشار إلى ذلك ابن حجر بقوله: " وفي الحديث الدعاء إلى الإسلام بالكلام والكتابة " (٣) . وروى البخاري أيضًا عن عبد الله بن عباس ﵄: «أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين يدفعه عظيم البحرين إلى كسرى. . .» الحديث (٤) فدلت هذه النصوص على عمله ﷺ بالكتاب، واتخاذه وسيلة دعوية لتبليغ من لم تبلغهم الدعوة. وقد اتخذ ﷺ كافة الأسباب المؤدية إلى نجاح هذه الوسيلة، فاختار

стр. 58

دعاة مخصوصين لحمل هذه الكتب يستطيعون بيان الدعوة والدفاع عنها حين يسألون (١) واختار ﷺ خاتمًا من فضة (٢) يختم به تلك الرسائل حين علم أنهم لا يقرءون كتابًا إلا مختوما (٣) . والذي يحسن ملاحظته أن وسيلة الكتب والرسائل أفادت كثيرًا في تبليغ الدعوة (٤) فقد كانت سببًا في إسلام بعض ممن كتب إليهم ﷺ (٥) فهي إذا وسيلة دعوية صالحة لكل عصر، متى ما قام بها من يستطيع البيان والبلاغ أفادت الدعوة الإسلامية كثيرا (٦) .

стр. 59

[المبحث الرابع الوفود والبعوث] المبحث الرابع الوفود والبعوث مما لا شكّ فيه أن وسيلتي السرايا والغزوات والكتب والرسائل كان لهما دور بارز في الدفاع عن الدعوة، وإلزام الناس بالانقياد لها، وتبليغ الدعوة إلى الآفاق، فكانت نتيجة ذلك أن جاءت الوفود تبايع رسول الله ﷺ على الإسلام قال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣] (١) فاتخذ ﷺ من هؤلاء الوفود وسيلة تعليمية حيث بعثهم لتعليم أقوامهم، وتبليغهم أحكام الدين، كما بعث ﷺ طائفة من فقهاء أصحابه للقيام بهذه المهمة، وفيما يلي بعض التفصيل حول وسيلة الوفود والبعوث. أولًا: الوفود: لما بعث النبي ﷺ ودعا إلى الله توقّف غالب العرب عن اتباعه، وقالوا: ننظر ما يصنع قومه، فلما فتح ﷺ مكة، وأسلمت قريش، تبعتهم العرب (٢) يقول ابن إسحاق: " لما افتتح رسول الله ﷺ مكة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف، وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه " (٣) فعرف هذا العام - وهو العام التاسع من الهجرة - بعام الوفود، لكثرة من وفد إلى

стр. 60

النبي ﷺ ، فكان من كمال حكمته ﷺ أن أحسن استقبال تلك الوفود، وتلطف في دعوتهم، وعلمهم أمور دينهم، ثم كلفهم دعوة من وراءهم، فكانوا وسيلته ﷺ في تبليغ أقوامهم. فقد كلف ﷺ وفد عبد القيس حفظ ما علمهم به من أمور الدين، وإخبار من ورائهم، فقال: «احفظوهن، وأخبروا بهن من وراءكم» (١) وقوله: «من وراءكم» يشمل من جاءوا من عندهم باعتبار المكان، ويشمل أولادهم وأحفادهم باعتبار الزمان (٢) وكانت وفادة هذا الوفد إلى النبي ﷺ للمرة الثانية سنة الوفود (٣) . وقد أورد البخاري قصة وفد بني تميم وقدوم الأشعريين وأهل اليمن، وقصة وفد طيء، وحديث عدي بن حاتم، وكل هؤلاء وفدوا إلى النبي ﷺ في سنة الوفود (٤) فأحسن استقبالهم، وعلّمهم، وبعثهم دعاة إلى أقوامهم وقد فصّلت كتب السير في الوفود الذين وفدوا عليه ﷺ وكيف اتّخذ ﷺ من هؤلاء الوفود وسيلة بلاغية تعليمية. مما يدل على ذلك ما رواه الإمام البخاري عن مالك بن الحويرث قال: «أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان

стр. 61

رحيمًا رفيقًا، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا قال: ارجعوا فكونوا فيهم وعلموهم وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم» . ففي هذا الحديث دلالة صريحة على اتخاذه ﷺ هؤلاء الوفد وسيلة تعليمية حيث كلفهم بتعليم أهاليهم فقال: «فكونوا فيهم وعلموهم» . ثانيا: البعوث: بعث ﷺ في السنة العاشرة من الهجرة عددًا من فقهاء أصحابه إلى شتى الجهات، وخاصة جنوب الجزيرة، للقيام بمهمة تعليم الناس أمور دينهم، حيث أصبحت الحاجة ماسة إلى معلمين ودعاة (١) من هؤلاء الدعاة أبو عبيدة بن الجراح، فقد بعثه ﷺ مع وفد أهل نجران كما روى ذلك البخاري، عن حذيفة ﵁ قال: «جاء أهل نجران إلى النبي ﷺ ، فقالوا: ابعث لنا رجلًا أمينًا، فقال: " لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حق أمين " فاستشرف له الناس فبعث أبا عبيدة بن الجراح» (٢) فبعثه ﷺ مبلِّغًا ومعلمًا، يقول ابن حجر " وفيه بعث الإمام الرجل الأمين إلى أهل الهدنة في مصلحة الإسلام " (٣) . وروى البخاري أيضا، عن أبي بردة قال: «بعث رسول الله ﷺ أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن، قال: وبعث كل واحد منهما على مخلاف، قال:

стр. 62

واليمن مخلافان، ثم قال: يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا» . . . " الحديث (١) فكانت مهمة كل واحد منهما تعليمية قضائية، وكذلك كانت مهمة معاذ بن جبل ﵁ حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن الدعوة والتعليم، فقد أوصاه ﷺ بقوله: «إنّك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم أن يوحدوا الله تعالى. . . .» (٢) فكانت وصيته ﷺ أن يبدأهم بالدعوة إلى الإسلام فإن أسلموا علّمهم الإسلام، واقتصرت بعثته على التعليم والهداية (٣) . فدلّت هذه النصوص على أنه ﷺ اختار طائفة من فقهاء صحابته، وبعثهم ليكونوا وسيلة دعوية تقوم بمهمة تعليم الناس أمور دينهم (٤) . والذي ينبغي معرفته أن السفر وبعث البعوث للقيام بمهمة الدعوة إلى الله هي مسؤولية المسلمين في كل عصر، وهي إحدى الوسائل المساعدة على القيام بهذا الواجب العظيم (٥) .

стр. 63

[الفصل الثالث التدرج في الدعوة باعتبار الأسلوب] [تمهيد] الفصل الثالث التدرج في الدعوة باعتبار الأسلوب وفيه تمهيد وأربعة مباحث: المبحث الأول: أسلوب العرض المبحث الثاني: أسلوب الحماية المبحث الثالث: أسلوب الإلزام المبحث الرابع: أسلوب التأليف

стр. 64

تمهيد بعد أن بينت في الفصل السابق وسيلته ﷺ في الدعوة، وكيف جاءت هذه الوسيلة متدرجة وفق حاجة الدعوة وظروفها فإني في هذا الفصل سوف أبيِّن الأسلوب الحكيم الذي نهجه ﷺ في دعوته حيث ابتدأ بأسلوب العرض في العهد المكي فلم يكن ثم سوى عرض الدعوة فقط، فلما هاجر ﷺ إلى دار الهجرة اتخذ ﷺ أسلوبا آخر هو أسلوب الحماية، هذا الأسلوب اتخذه ﷺ في الوقت المناسب حيث حاجة الدعوة ودعاتها إلى الحماية، ثم لما هزم الله أعداءه في الأحزاب اتخذ ﷺ أسلوبا جديدا هو أسلوب الإلزام كانت الغاية منه إلزام أعداء الدعوة بالخضوع لها وكسر شوكتهم، فلا تقوم لهم بعد ذلك قائمة، ثم لما أفاء الله عليه بحنين اتخذ ﷺ أسلوبًا دعويًّا آخر هو أسلوب التأليف حيث بذل الكثير من العطايا من أجل تألف المدعوين على الدعوة، وقد جاءت هذه الأساليب متدرجة مراعيا فيها ﷺ ظروف الدعوة زمانًا ومكانًا، وفيما يلي التفصيل في هذه الأساليب.

стр. 65

[المبحث الأول أسلوب العرض] المبحث الأول أسلوب العرض ابتدأ ﷺ بعرض دعوته بالحكمة والقول اللين، وإقامة الدليل على صدق رسالته، وما جاء به، مكتفيًا بالعرض اللطيف، مقتديا بهدي إخوانه من الرسل ﵈، فقد قال سبحانه مخاطبا موسى وهارون، وقد بعثهما إلى فرعون طاغية الأرض في زمانه ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] (١) وقال لرسوله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] (٢) فجعل المطلوب أحد الأمرين إما التقوى أو التذكر (٣) لذا كانت سمة هذه الفترة في دعوته ﷺ العرض بالحكمة واللين لما في ذلك من التأثير في الإجابة (٤) ممتثلا قول الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٥) فأمر الله رسوله أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف وهو أن يسمع المدعو حكمة وهو الكلام الصواب القريب الواقع من النفس أجمل موقع (٦) وهذه الطرق

стр. 66

الثلاثة في الآية هي النافعة في العلم والعمل (١) فعرض ﷺ دعوته على الناس بهذه الطرق الثلاث الحكيمة مراعيًا في ذلك ما يقتضيه المقام من معاني الكلام ومن أحوال المخاطبين من خاصة وعامة (٢) فالذي له فهم وقصد إذا دُعي بالحكمة وبُيِّن له الحق قَبِل واستجاب (٣) فالصديق ﵁ قبل واستجاب حين عرض عليه النبي ﷺ الحق دون تردد يدل على ذلك قوله ﷺ : «إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت - وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله. .» (٤) ومن الأدلة على هذا العرض الحكيم ما رواه مسلم عن ابن عباس ﵄ «أن ضمادًا قدم مكة وكان من أزد شنوءة وكان يرقي من هذه الريح فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي، قال فلقيه فقال: يا محمد: إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء فهل لك؟ فقال رسول ﷺ : " إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أما بعد "، قال: فقال أعد كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات، قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن

стр. 67

ناعوس (١) . البحر، قال: فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه، فقال رسول الله ﷺ " وعلى قومك "، قال: وعلى قومي» (٢) . ولما كانت النفوس غالبًا لا تقبل الحق إلا بما تستعين به من حظوظها التي هي محتاجة إليها (٣) كان ﷺ يعرض دعوته بالترغيب تارة، وبالترهيب أخرى، وذلك لما فيهما من صلاح للقلوب فترغب فيما ينفعها، وترهب مما يضرها (٤) قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأنعام: ٤٨ - ٤٩] (٥) فالترغيب والترهيب من مهام الرسل وأساليبهم في الدعوة قال تعالى واصفا نبيه ﷺ : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] (٦) . يقول الفخر الرازي: " فيه ترتيب حسن، وذلك من حيث إن النبي ﷺ أرسل شاهدًا بقول لا إله إلا الله، ويرغب في ذلك بالبشارة، فإن لم يكف ذلك يرهب بالإنذار " (٧) . فالترغيب يكون بالبشارة بالخير، وتيسير طرقه، والإعانة عليه، والترغيب

стр. 68

فيه بكل ممكن (١) يدل على ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: «أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب» (٢) ففي هذه البشارة ترغيب لخديجة ﵂ بمزيد من العمل الصالح، وفيها بيان فضلها لسبقها نساء الأمة إلى الإيمان، فسنت ذلك لكل من آمنت بعدها (٣) . ومن ذلك حثُّه ﷺ صحابته على الصبر، وتبشيرهم بالتمكين لهم في الأرض بقوله: «والله ليتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله» (٤) . ومما يدل على أنه ﷺ كان يعرض دعوته بأسلوب البشارة ما رواه الإمام أحمد بسند صحيح «أن النبي ﷺ كان يخاطب الناس في ذي المجاز: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» (٥) وفي هذا بشارة بالفلاح لمن آمن

стр. 69

واستجاب، فإذا أبت النفوس إلا الإعراض عن الحق والإصرار على الباطل جاءت الموعظة التي تطرق القلب، وتقرع مشاعر الإنسان (١) وجاء الترهيب ليتخذ طريقه إلى القلوب من خلال ما ركب فيها من غريزة الخوف. روى البخاري عن ابن عباس ﵄، قال: «لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد النبي ﷺ الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر. . . ثم قال ﷺ : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» . . . الحديث (٢) . وروى البخاري أيضا عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثلي ومثل ما بعثني الله كمثل رجل أتى قوما فقال: رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء. .» الحديث (٣) . وتروي كتب التفسير والسير حادثة تصور وقع الإنذار على قلب رجل مشرك حينما استمع إلى النبي ﷺ وهو يقرأ صدرا من سورة فصلت حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] فوضع هذا الرجل يده على فم رسول الله ﷺ وناشده الرحم أن يكف مخافة

стр. 70

وقوع العذاب (١) وإذا أصر الخصم على العناد وردّ الحق وإثارة الشبهات حول الداعية ودعوته فإن الداعية الحكيم يعرض دعوته حينئذ بالمجادلة بالحسنى، فيبطل شبه المشركين، وهذا ما سلكه الرسول ﷺ مهتديًا بهدي من سبقه من أولي العزم من الرسل حيث جادلوا أقوامهم في بيان الحق وإبطال الشبه، وقد أشار الله تعالى إلى هذه المجادلة في كتابه الكريم، فقال تعالى في قصة إبراهيم ﵇ الذي جادله قومه في ذات الله تعالى فأفحمهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] (٢) ولما جادلت قريش النبي ﷺ وبدأت تثير الشبه حول رسالته كان التنزيل الكريم يؤيده ﵊ في دحض شبهاتهم وإبانة الحق، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] (٣) أي: لا يأتونك بشبه في إبطال أمرك إلا جئناك بالحق الذي يدحض شبهة أهل الجهل، ويبطل كلام أهل الزيغ (٤) ومما يدل من السنة على قيامه ﷺ بدحض شبه المشركين ما رواه الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: «جاء العاص بن وائل إلى رسول الله ﷺ بعظم حائل ففتّه فقال: يا محمد أيبعث هذا بعد ما أرم؟ قال: " نعم يبعث الله هذا، يميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم "،

стр. 71

فنزلت الآيات: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] (١) إلى آخر السورة» (٢) .

стр. 72

[المبحث الثاني أسلوب الحماية] المبحث الثاني أسلوب الحماية لولا ما شرعه الله لأنبيائه وعباده المؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك، وذهبت مواضع العبادة من الأرض (١) قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] (٢) . يقول الطبري: لولا دفاع الله بأصحاب محمد عن التابعين ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ﴾ [الحج: ٤٠] (٣) فالجهاد إنما شرع لمقاصد منها دفع الصائل والمؤذي، والتمكن من عبادة الله، وإقامة الشرائع الظاهرة (٤) .

стр. 73

والمتأمل لسيرة إمام الدعاة ﷺ يتبين له حرصه الشديد على القيام بهذه الحماية منذ مقدمه المدينة، فمن أجل حماية جوف المدينة كان أحد بنود الوثيقة المبرمة مع اليهود: (وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة) (١) ومن أجل هذه الحماية كثف السرايا ﷺ والغزوات ليعمل حزامًا أمنيا حول المدينة بمصالحة مجاوريها، وضمهم لصالح قواته أو محايدتهم (٢) . ومن أجل هذه الحماية انتدب ﷺ بعض أصحابه للقضاء على كل من اشتد ضرره على الدعوة ونقض عهده مع الرسول ﷺ ، فقد قال ﷺ : «من لكعب بن الأشرف؟ فإنه آذى الله ورسوله» (٣) فقد كان يهجو النبي ﷺ ويحرض عليه قريشًا، ويشبب بنساء المسلمين (٤) فانتدب إليه بعض أصحابه ﷺ فاغتالوه (٥) وكذلك فعل ﷺ مع أبي رافع عبد الله بن الحقيق حينما آذاه وأعان عليه غطفان ومشركي قريش، فأرسل ﷺ إليه رجالا من الأنصار فقتلوه،

стр. 74

ومن أجل هذه الحماية، بل من أجل الدفاع عن الحق وأهله أذن الله لرسوله ﷺ بالقتال فقال سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] (١) أي بسبب كونهم مظلومين، وهم أصحاب رسول الله ﷺ ، كان مشركو مكة يؤذونهم أذى شديدًا، وكانوا يأتون رسول الله ﷺ بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه، فيقول لهم: اصبروا، فإني لم أومر بالقتال، حتى هاجر فأنزلت هذه الآية، وهي أول آية أذن فيها بالقتال، فقد روى ابن جرير الطبري بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: «لما أخرج النبي ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم ليهلكن، فنزلت ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩] الآية. قال ابن عباس: فهي أول آية أنزلت في القتال» (٢) . والمتأمل لسيرته ﷺ يتبين له أنه ﷺ قاتل المشركين لأنّهم أخرجوه من مكة، وآذوه واستولوا على أموال المسلمين، وقصدوا فتنتهم في دينهم، ولم يقاتل اليهود إلا لأنهم بدءوا بالعداوة للمسلمين، فكان هذا القتال حماية للدعوة من معارضيها المعاندين، والتقصير في هذه الحماية يعرض الدين للزوال (٣) . من أجل ذلك قاتل ﷺ المشركين في بدر، حيث خرجوا من مكة بطرًا ورياءً ومحادّة لله ورسوله كما أخبر الله عنهم في كتابه الكريم، وكما أخبر ﷺ بذلك.

стр. 75

وقاتلهم في أحد دفاعًا عن الحق وأهله، وحماية للإسلام والمسلمين من شرهم، وقد بدءوا هم بالعدوان، وقاتلهم ﷺ في الأحزاب، وقد اجتمع أهل الشرك يريدون الإسلام وأهله، فأمر ﷺ بحفر الخندق ودافعهم حتى هزمهم الله سبحانه، وقتل من قتل من اليهود، وأجلى من أجلى، لأنهم بدءوا بالعدوان ونقضوا العهد معه وآذوه ﷺ ، فأراد بهذا القتل والإجلاء حماية الدعوة وأهلها من شرهم، كما أسلفنا في قصة مقتل كعب بن الأشرف وغيره.
следующие страницы →