стр. 71
← Общие книги следующие страницы →
Общие книги · id 30918
التدرج في دعوة النبي
إبراهيم المطلق
Полный текст (152 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 72
[المبحث الثاني أسلوب الحماية]
المبحث الثاني
أسلوب الحماية لولا ما شرعه الله لأنبيائه وعباده المؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك، وذهبت مواضع العبادة من الأرض (١) قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] (٢) .
يقول الطبري: لولا دفاع الله بأصحاب محمد عن التابعين ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ﴾ [الحج: ٤٠] (٣) فالجهاد إنما شرع لمقاصد منها دفع الصائل والمؤذي، والتمكن من عبادة الله، وإقامة الشرائع الظاهرة (٤) .
стр. 73
والمتأمل لسيرة إمام الدعاة ﷺ يتبين له حرصه الشديد على القيام بهذه الحماية منذ مقدمه المدينة، فمن أجل حماية جوف المدينة كان أحد بنود الوثيقة المبرمة مع اليهود: (وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة) (١) ومن أجل هذه الحماية كثف السرايا ﷺ والغزوات ليعمل حزامًا أمنيا حول المدينة بمصالحة مجاوريها، وضمهم لصالح قواته أو محايدتهم (٢) .
ومن أجل هذه الحماية انتدب ﷺ بعض أصحابه للقضاء على كل من اشتد ضرره على الدعوة ونقض عهده مع الرسول ﷺ ، فقد قال ﷺ : «من لكعب بن الأشرف؟ فإنه آذى الله ورسوله» (٣) فقد كان يهجو النبي ﷺ ويحرض عليه قريشًا، ويشبب بنساء المسلمين (٤) فانتدب إليه بعض أصحابه ﷺ فاغتالوه (٥) وكذلك فعل ﷺ مع أبي رافع عبد الله بن الحقيق حينما آذاه وأعان عليه غطفان ومشركي قريش، فأرسل ﷺ إليه رجالا من الأنصار فقتلوه،
стр. 74
ومن أجل هذه الحماية، بل من أجل الدفاع عن الحق وأهله أذن الله لرسوله ﷺ بالقتال فقال سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] (١) أي بسبب كونهم مظلومين، وهم أصحاب رسول الله ﷺ ، كان مشركو مكة يؤذونهم أذى شديدًا، وكانوا يأتون رسول الله ﷺ بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه، فيقول لهم: اصبروا، فإني لم أومر بالقتال، حتى هاجر فأنزلت هذه الآية، وهي أول آية أذن فيها بالقتال، فقد روى ابن جرير الطبري بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: «لما أخرج النبي ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم ليهلكن، فنزلت ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩] الآية. قال ابن عباس: فهي أول آية أنزلت في القتال» (٢) .
والمتأمل لسيرته ﷺ يتبين له أنه ﷺ قاتل المشركين لأنّهم أخرجوه من مكة، وآذوه واستولوا على أموال المسلمين، وقصدوا فتنتهم في دينهم، ولم يقاتل اليهود إلا لأنهم بدءوا بالعداوة للمسلمين، فكان هذا القتال حماية للدعوة من معارضيها المعاندين، والتقصير في هذه الحماية يعرض الدين للزوال (٣) .
من أجل ذلك قاتل ﷺ المشركين في بدر، حيث خرجوا من مكة بطرًا ورياءً ومحادّة لله ورسوله كما أخبر الله عنهم في كتابه الكريم، وكما أخبر ﷺ بذلك.
стр. 75
وقاتلهم في أحد دفاعًا عن الحق وأهله، وحماية للإسلام والمسلمين من شرهم، وقد بدءوا هم بالعدوان، وقاتلهم ﷺ في الأحزاب، وقد اجتمع أهل الشرك يريدون الإسلام وأهله، فأمر ﷺ بحفر الخندق ودافعهم حتى هزمهم الله سبحانه، وقتل من قتل من اليهود، وأجلى من أجلى، لأنهم بدءوا بالعدوان ونقضوا العهد معه وآذوه ﷺ ، فأراد بهذا القتل والإجلاء حماية الدعوة وأهلها من شرهم، كما أسلفنا في قصة مقتل كعب بن الأشرف وغيره.
стр. 76
[المبحث الثالث أسلوب الإلزام]
المبحث الثالث
أسلوب الإلزام بعد أن هزم الله الأحزاب انتقلت الدعوة إلى أسلوب جديد وهو أسلوب الإلزام، حيث ألزم ﷺ جميع أعدائه الظاهرين بالخضوع لسلطان الدعوة، وقد صرح بهذا بقوله ﵊: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم» فطوعّ قريشًا بمصالحته، ثم بفتح مكة والقضاء على الوثنية والفتنة، وطوع اليهود بإجلائهم من المدينة ثم غزوهم في خيبر والقضاء على شوكتهم، وفيما يلي شيء من التفصيل حول إلزام هاتين الطائفتين.
أولا: إلزام المشركين: لما كانت قريش قد حملت لواء عداوته ﷺ ، وأعلنت الحرب ضده ﷺ وهي زعيمة العرب، لتشرفها بمجاورة بيت الله الحرام، والقيام عليه، كان من كمال حكمته ﷺ حين خرج يريد العمرة هو وأصحابه وبركت ناقته أن عرض عليهم المصالحة فقال: «والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إيّاها» (١) ثم بدأ ﵊ يبين لمبعوثي قريش هدف مجيئه، ويدعوهم إلى مهادنته فيقول: «إنا لم نجئ لقتال، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم،
стр. 77
فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره» (١) فهددهم ﷺ بالمقاتلة إن لم يخلوا بينه وبين الناس ثم طلب من أصحابه البيعة على القتال حينما ارتهنت قريش عثمان ﵁، فلما علمت قريش بتلك البيعة سارعوا في إرسال عثمان وطلب المصالحة (٢) فصالحهم ﵊ على شروط أملوها ظاهرها الشدة على المسلمين، وباطنها النصرة والعزة، حيث كانت تلك الشروط هي عين نصرته ﷺ ، وهي أكبر جند نصبه العدو لحربه من حيث لا يشعر فكانت عاقبتهم الذلة والقهر وعاقبته ﷺ النصر والعزة (٣) يدل على ذلك نزول صدر سورة الفتح في أعقاب تلك المصالحة، وهي قوله : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] (٤) يقول ابن كثير: " المراد به صلح الحديبية " (٥) فكان في هذا الصلح إلزام المشركين بعدم التعرض للدعوة وأهلها، فكان في ذلك النصر المبين، يدل على ذلك ما رواه البخاري عن البراء بن عازب ﵁ قال: «تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة
стр. 78
الرضوان يوم الحديبية. . .» الحديث (١) يعلل ابن حجر ﵀ ذلك بقوله: " لأنها كانت مبدأ الفتح المبين على المسلمين لما ترتب على الصلح الذي وقع منه الأمن ورفع الحرب، وتمكن من يخشى الدخول في الإسلام والوصول إلى المدينة من ذلك " (٢) .
وقد نبّه جماعة من العلماء إلى الحكمة العظيمة والفوائد الجمة المترتبة على إلزام المشركين بهذه المصالحة، فيقول الزهري: " لم يكن في الإسلام فتح قبل فتح مكة أعظم منه - يعني الحديبية - وإنما كان الكفر حيث القتال، فلما أمن الناس كلم بعضهم بعضا، وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكن أحد في الإسلام يعقل شيئًا إلا بادر إلى الدخول فيه، فلقد دخل في تلك السنتين مثل من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر " (٣) .
ويقول النووي: " فكانت تلك المصالحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة وفوائده المتظاهرة، التي كانت عاقبتها فتح مكة، وإسلام أهلها كلهم ودخول الناس في دين الله أفواجًا، وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين فلما حصل اختلطوا بالمسلمين " (٤) .
стр. 79
فكان الإلزام بهذه المصالحة خاصًّا بقريش - العدو الوثني - (١) وقد اعترفت قريش في أعقابه بالكيان الإسلامي اعتراف الند بالند (٢) فكان ذلك مدعاة لدخول كثير من القبائل في الإسلام بعد أن أمنوا من قريش بعد مصالحتها للنبي ﷺ (٣) .
بل كان هذا الصلح مقدمة لفتح مكة، حيث نقضت قريش صلحها مع النبي ﷺ ، فكان ذلك داعيًا لمسيره ﷺ إليهم وفتح مكة (٤) والقضاء على فتنتهم، حيث كانوا يصدون عن دين الله يقول تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] (٥) ؛ ولذا أقبل الناس على دين الله أفواجًا فقد روى البخاري في كتاب المغازي، عن عمرو بن سلمة ﵁ قوله: «وكانت العرب تَلَوَّمُ (٦) بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم وبدر أبي قومي بإسلامهم. .» الحديث (٧) .
стр. 80
ثانيًا: إلزام اليهود: اتسمت سيرة اليهود مع النبي ﷺ بالعداوة الشديدة ونكث العهود، فقابلوا الإحسان بالإساءة، وحاربوا الدعوة الإسلامية حربا لا هوادة فيها، وهموا بقتل النبي ﷺ وهو في دارهم، وسعوا في الإفساد بين المسلمين (١) وبذلوا الكثير في دعم النفاق وأهله، فما كان منه ﷺ إلا أن أمرهم بالجلاء إن لم يستجيبوا لهذا الدين، فقد روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: «بينما نحن في المسجد خرج النبي ﷺ فقال: " انطلقوا إلى يهود " فخرجنا حتى جئنا بيت المدراس، فقال: أسلموا تسلموا، واعلموا أن الأرض لله ورسوله، إني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن يجد منكم بماله شيئًا فليبعه وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله» (٢) وروى مسلم عن ابن عمر «أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله ﷺ فأجلى رسول الله ﷺ بني النضير، وأقر قريظة ومن عليهم حتى حاربت قريظة بعد ذلك فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين إلا أن بعضهم لحقوا برسول الله ﷺ فآمنهم وأسلموا وأجلى رسول الله ﷺ يهود المدينة كلهم: بني قينقاع (وهم قوم عبد الله بن سلام) ، ويهود بني حارثة، وكل يهودي كان بالمدينة» (٣) أجلاهم لأنهم حاربوه ﷺ فتحولوا من معاهدين إلى
стр. 81
حربيين (١) فأمرهم بالجلاء فتحول بعضهم إلى الشام، وتحوّل أشرافهم إلى خيبر.
وبدءوا من خيبر يكيدون لرسول الله ﷺ فمنها انطلق وفدهم الذين حزبوا الأحزاب وقادوهم إلى المدينة (٢) .
ثم لما هزمهم الله في الأحزاب، بدءوا يُبيّتون النوايا للقيام بهجوم واسع النطاق على المدينة مستعينين بإخوانهم من يهود تيماء وفدك ووادي القرى (٣) ومستعينين بحلفائهم غطفان على أن يعطوهم نصف ثمار خيبر إن غلبوا المسلمين.
فما كان من رسول الله ﷺ إزاء هذا الخطر الكامن، وبعد أن أمن جانب قريش بمصالحتهم في الحديبية إلا أن سار إلى هؤلاء لتأديبهم، يدل على ذلك ما رواه البخاري عن أنس ﵁ «أن رسول الله ﷺ أتى خيبر ليلا، وكان إذا أتى قومًا بليل لم يقربهم حتى يصبح، فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوه قالوا: محمد والله محمد والخميس، فقال النبي ﷺ : خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» (٤) فقاتلهم ﷺ وسبى نساءهم وأخذ أموالهم وقوَّض سلطانهم في شبه الجزيرة، فلم يعد لهم شأن يذكر بل أذعنوا لسلطان الإسلام وسطوته، وأمن ﷺ
стр. 82
جانبهم (١) . يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن ابن عمر ﵄ «أن النبي ﷺ قاتل أهل خيبر فغلب على النخل والأرض، وألجأهم إلى قصرهم، فصالحوه على أن لرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء والحلقة ولهم ما حملت ركابهم. . . .» الحديث (٢) .
ثم أبقاهم ﷺ لاستصلاح الأرض على أن ليس لهم فيها ملك، ومتى شاء أن يخرجهم أخرجهم (٣) ولذلك أجلاهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ (٤) فقد روى أبو داود عن عمر ﵁، قال: «أيّها الناس، إن رسول الله ﷺ كان عامل يهود خيبر، على أنّا نخرجهم إذا شئنا، فمن كان له مال فيلحق به، فإني مخرج يهود، فأخرجهم» (٥) .
إذ إن مصلحة الدولة الإسلامية توجب إلزام كل عدو ظاهر العداوة بالخضوع لسلطانها، والقضاء على قوته حتى لا يكون مصدر خطر يهددها.
стр. 83
[المبحث الرابع أسلوب التأليف]
المبحث الرابع
أسلوب التأليف من الحكمة التي يراعيها الداعية إلى الله أن يسلك سبلًا تربطه بالناس، وتؤثِّر في قلوبهم، فالنفوس قد جعل الله لها مداخل وخاصية، وذلك أنها تفتح قلوبها لمن يأتيها من الزوايا التي تريحها، وتقترب لمن يتألفها ويستميلها (١) ومهمة الداعية الحكيم أن يمتلك مفاتيح تلك القلوب ليعرف من أين يدخل إليها ليجد الاستجابة، ومن هذه السبل أن يوثق الدّاعية علاقاته بأصحاب الرأي والتوجيه من الناس لما في ذلك من أثر نفسي لكلمة الداعية، وسرعة لقبول دعوته، وكل هذه السبل مجتمعة في إحسان الداعية إلى مدعويه، فالقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، وقد اجتمعت هذه السبل في دعوته ﷺ ، فقد كان يتعامل مع كل بحسبه فيعطي محبي المال شيئًا يتألف به قلوبهم، ويتعامل مع حديثي العهد بالإسلام بما يرسخ الإيمان في قلوبهم (٢) فتجده ﷺ يؤلف القلوب ببذل العطاء العظيم، كما فعل ﷺ في حنين، بعد أن أغنمه الله أموال هوازن فآثر أناسًا من المؤلفة قلوبهم من صناديد قريش وغيرهم ممتثلًا قول الله :
стр. 84
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] (١) فكان يعطيهم ﷺ ترغيبًا لهم واستمالة لقلوبهم، فالترغيب يكون بكل ممكن مثل أن يبذل الراعي لرعيته ما يرغبهم في العمل الصالح من مال وغيره (٢) .
فأعطى ﷺ أناسا ما زالوا على شركهم، مثل صفوان بن أمية إذ أعطاه ﷺ عطاء عظيما، فقد روى مسلم عن ابن شهاب قال: «غزا رسول الله ﷺ بحنين فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم ثم مائة ثم مائة» (٣) فكيف كان أثر هذا العطاء في هذا الرجل؟
يصف بنفسه ﵁ هذا الأثر فيقول: «والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي» (٤) وهذا هو السر في ترغيبه ﷺ بعض الكفار بالمال لاعتناق الإسلام (٥) .
стр. 85
وممن آثر ﷺ بالعطاء يومئذ صناديد من العرب، أعطاهم يتألفهم ويتألف أقوامهم، فقد روى البخاري عن عبد الله ﵁ قال: «لما كان يوم حنين آثر النبي ﷺ أناسا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى أناسا من أشراف العرب، فآثرهم يومئذ في القسمة. . .» الحديث (١) .
وحينما وجد عليه الأنصار ﵃ بيَّن لهم ﷺ الحكمة من هذا الإيثار، فقال: «إنِّي أعطي رجالا حديث عهدهم بكفر» (٢) .
وفي رواية: «إني أعطي قريشًا أتألفهم لأنهم حديث عهد بجاهلية» (٣) .
وفي حديث سعد ﵁: «إنِّي لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار» (٤) .
يشير أنس ﵁ إلى أثر هذا العطاء فيقول: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا
стр. 86
وما عليها» (١) ففي هذه النصوص بيان أنه ﷺ كان يتألف أناسًا في إيمانهم ضعف، لو لم يعطهم لكبّهم الله في النار (٢) وفيه دليل على جواز بذل المال لأهل الجهالة والقسوة وتألفهم، إذا كان في ذلك مصلحة (٣) وتألف كل من يرجى بعطائه قوة إيمانه أو إسلامه أو إسلام قومه، أو شيء مما يحصل به الخير للمسلمين (٤) .
ومن السبل التي كان يسلكها ﷺ في تأليف مدعويه الإحسان إليهم بالعفو والامتنان، وذلك من كمال حكمته ﷺ حيث كان يتألف الناس بما يعلم فيه صلاحهم، فإن كانوا ممن يؤثر المال تألفهم بالمال، وإن كانوا سوى ذلك تألفهم بما يتناسب وحالهم، فكان ﷺ كثيرا ما يتألف بالعفو ممتثلا قول الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] (٥) وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] (٦) .
стр. 87
ومما يدل على ذلك من أفعاله ﷺ ما رواه البخاري «عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه غزا مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فلما قفل رسول الله ﷺ قفل معه فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه فنزل رسول الله ﷺ وتفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله ﷺ تحت سمرة، فعلق بها سيفه، قال جابر: فنمنا نومة فإذا رسول الله ﷺ يدعونا فجئناه، فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله ﷺ : إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتًا، فقال لي: من يمنعك مني؟ قلت: الله، فها هو ذا جالس، ثم لم يعاقبه رسول الله ﷺ » (١) .
ففي هذا العفو والمن دليل على شدة رغبته ﷺ في تأليف الكفّار ليدخلوا في الإسلام (٢) .
وقد كانت نتيجة هذا العفو كما يرغب ﷺ ، حيث أسلم الرجل ورجع إلى قومه فاهتدى به خلق كثير (٣) .
ويدل على تألفه بالعفو أيضا كريم عفوه وعظيم منِّه على ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، حيث قال: «أطلقوا ثمامة» (٤) فانقلب بغض هذا الرجل المشرك حبًّا وعداوته صداقة، فأسلم وحسن إسلامه، وذلك لما أسداه
стр. 88
إليه النبي ﷺ من العفو والمنّ بغير مقابل (١) ويشير النووي إلى الحكمة النبوية في هذا العفو والملاطفة فيقول: " هذا من تأليف القلوب وملاطفة لمن يرجى إسلامه من الأشراف الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير " (٢) .
وبعد فتح مكة أعلن ﵊ العفو عن عامة أهل مكة، وهم الذين عرفوا فيما بعد بالطلقاء لمنه ﷺ عليهم فلم يعاقبهم ﷺ عملًا بقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] (٣) فقد روى الترمذي عن أبي بن كعب قال: «لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا ومن المهاجرين ستة فيهم حمزة فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يومًا مثل هذا لنُرْبِيَنّ عليهم، قال: فلما كان يوم فتح مكة فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] فقال رجل: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : " كفوا عن القوم إلا أربعة» (٤) فكانت عاقبة ذلك إسلام كثير من هؤلاء الطلقاء.
ومن السبل التي سلكها ﷺ تأليف القلوب بالمصاهرة، فقد روى الإمام أحمد عن عروة بن الزبير «عن عائشة ﵂ قالت: لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم
стр. 89
لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له، وكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملاحة، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها، قالت: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت، فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي، قال: " فهل لك في خير من ذلك "؟ قالت: ما هو يا رسول الله؟ قال: " أقضي كتابتك وأتزوجك "، قالت: نعم يا رسول الله، قال: " قد فعلت "، قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ ، فأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها» (١) فأعتق الناس سباياهم إكراما لها لأنها صارت من أمهات المؤمنين (٢) فظهرت حكمته ﷺ في هذه المصاهرة وهي تأليف هذه المرأة وتأليف قومها على الإسلام، فحينما سارع أصحابه ﵃ بإعتاق ما في أيديهم، وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ دعاهم ذلك إلى الإيمان بالله ورسوله لما رأوا من الكرم وحسن الخلق (٣) .
стр. 90
[الفصل الرابع التدرج في الدعوة باعتبار المدعو]
الفصل الرابع
التدرج في الدعوة باعتبار المدعو وفيه تمهيد وأربعة مباحث: المبحث الأول: البدء بالأقربين
المبحث الثاني: التعرف على المدعوين
المبحث الثالث: العناية بذوي المكانة
المبحث الرابع: عرض الدعوة على عموم المدعوين
стр. 91
تمهيد بعد أن بيّنت التدرج في الدعوة باعتبار الموضوع، عقيدة وشريعة، وذلك في الفصل الأول، ثم بينت التدرج في الدعوة باعتبار الوسيلة في الفصل الثاني، وذكرت في الفصل الثالث كيف تدرج ﷺ في الأسلوب، بقي أن نبين كيف كان ﷺ يتدرج في الدعوة باعتبار المدعوين، وهذا ما سوف أبينه في هذا الفصل إذ قسمته إلى أربعة مباحث:
المبحث الأول: البدء بالأقربين.
المبحث الثاني: التعرف على المدعوين.
المبحث الثالث: العناية بذوي المكانة.
المبحث الرابع: عرض الدعوة على عموم المدعوين.
وسأتناول هذه المباحث فيما يلي بشيء من التفصيل فأقول مستعينا بالله:
стр. 92
[المبحث الأول البدء بالأقربين]
المبحث الأول
البدء بالأقربين حثّ الله تعالى في كتابه الكريم على دعوة الأهل، وخصهم بذلك في أكثر من موضع فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] (١) .
يقول ابن كثير: " قال الضحّاك ومقاتل: حق المسلم أن يعلِّم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم، وما نهاهم الله عنه " (٢) .
وقال تعالى آمرا نبيه ﷺ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] (٣) فأول واجبات الداعية أن يبدأ بدعوة أهله، وهذا ما فعله ﵊، فقد ابتدأ بعرض الدعوة على زوجته خديجة فقص عليها ما رأى من بدء الوحي، ثم قال: لقد خشيت على نفسي، فكان لها السبق في الاستجابة لدعوته، وتأنيسه وتيسير الأمر عليه وتهوينه لديه (٤) مما دل على كمالها، وجزالة رأيها، وقوة نفسها، وثبات قلبها، وعظم فقهها (٥) ﵂، وعرض دعوته على صديقه أبي بكر ﵁ فآمن به، وصدق برسالته دون تردد، وقد بيَّن
стр. 93
ذلك ﷺ بقوله: «إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله. .» (١) .
وعرض دعوته على ابن عمه الغلام علي بن أبي طالب، ومولاه زيد بن حارثة، فآمنا وصدقا، فكان لهؤلاء الأربعة السبق إلى الإسلام، فعلي أول من أسلم من الغلمان، وخديجة أول من أسلم من النساء، وزيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي، وأبو بكر الصديق أول من أسلم من الرجال الأحرار ﵃ أجمعين (٢) .
والمقصود بيانه أنه ﷺ ابتدأ بعرض الدعوة على أهله أولا، فدعا زوجته وصديقه وربيبه ومولاه، ثم دعا الأقربين ممتثلا قول الله : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] (٣) .
فأمره تعالى بإنذار الأقرب فالأقرب من قومه، ويبدأ في ذلك بمن هو أولى بالبداءة، ثم من يليه، وأن يقدم إنذارهم على إنذار غيرهم (٤) ذلك لأن الاهتمام بشأنهم أولى وهدايتهم إلى الحق أقدم (٥) فهم أحق الناس بالإحسان الديني والدنيوي (٦) .
стр. 94
وقد قدم ابن القيم ﵀ مرتبة دعوة الأقربين فجعلها بعد النبوة، مما دل على أهمية البداءة بهم، وتقديم دعوتهم على الآخرين (١) .
وقد عمل ﷺ جاهدًا بعد نزول هذه الآية على دعوة أقربيه وإنذارهم، فقد روى البخاري ﵀ عن ابن عباس ﵄ قال: «لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد النبي ﷺ الصفا فجعل ينادي: " يا بني فهر، يا بني عدي. . لبطون قريش. . .» الحديث (٢) .
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] دعا رسول الله ﷺ قريشا فعمّ وخص، فقال: يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار. . .» الحديث (٣) .
والنكتة في ندائه للقبائل قبل عشيرته ليكرر إنذار عشيرته، ولدخول قريش كلها في أقاربه (٤) ومما يدل على دخول قريش كلها في أقاربه ما رواه البخاري «عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد ﷺ فقال ابن عباس عجلت لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة. . . .» (٥) .
стр. 95
واستمر ﷺ ينذر أقربيه أولا ويدعوهم إلى الله تعالى، والسر في ذلك أن الحجة إذا قامت عليهم تعدت إلى غيرهم، وإلا كانوا علة للأبعدين في الامتناع (١) فلما ظهر من جملتهم الإصرار على الكفر والعناد، ومنعوه من تبليغ دعوة ربه، انتقل إلى الطائف، ودعاهم إلى الله، ثم عاد إلى مكة، وبدأ يعرض دعوته على القبائل، بعد أن يتعرف عليهم.
ويستفاد من هذا التدرج مع المدعو الإلماح إلى درجات المسؤولية التي تتعلق بكل مسلم، وبالدعاة خصوصا، فأدنى تلك الدرجات مسؤوليته عن نفسه، ثم عن ذوي قرباه، ثم قومه، وهكذا (٢) .
стр. 96
[المبحث الثاني التعرف على المدعوين]
المبحث الثاني
التعرف على المدعوين خلق الله الناس من أصل واحد، فأبوهم آدم وأمهم حواء ﵉، ثم جعلهم شعوبًا وقبائل ليتعارفوا (١) .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] (٢) .
قوله: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] أي لتعلموا كيف تتناسبون ولتتعرفوا (٣) يقول القرطبي: " خلق الله الخلق بين الذكر والأنثى، أنسابا وأصهارا، وقبائل، وشعوبًا، وخلق لهم منها التعارف، وجعل لهم بها التواصل " (٤) فبالتعارف يحصل التواصل، فيرجع كل إلى قبيلته، ويعرف قرب القرابة منه وبعدها (٥) فدلت الآية على أن معرفة الأنساب مطلوبة مشروعة؛ لأن الله جعلهم شعوبا وقبائل لأجل ذلك (٦) .
стр. 97
ولقد حث ﷺ على التعرف على المدعوين بفعله، فقد كان يبدأ مدعويه بالتعرف عليهم قبل دعوتهم، فلنتأمل ما ترويه لنا كتب السيرة حيال ذلك. يذكر ابن إسحاق أنه ﷺ في رحلته إلى الطائف، وحينما ألجأته ثقيف إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة التقى غلاما لهما اسمه " عدَّاس " فماذا دار بينهما من حوار (١) ؟
يقول ابن إسحاق: " فقال له رسول الله ﷺ : ومن أي أهل البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟ قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى (٢) .
فبدأه ﷺ بالتعرف على بلاده وديانته، فكان هذا التعرف نقطة البداية في تحول هذا الرجل من دينه إلى دين الإسلام (٣) .
وحينما عاد ﷺ إلى مكة، وأمره الله بعرض نفسه على القبائل، كان يأخذ معه نسابة قريش أبا بكر الصديق (٤) ﵁ ليقوم بمهمة تعريفه بالمدعوين، فالتقيا وفدًا فسألهم أبو بكر: من القوم؟ قالوا: من ربيعة (٥) فتعرفا عليهم أولا ثم عرض عليهم إيواء النبي ﷺ ثانيا، ومما يدل على بداءته ﷺ بالتعرف ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: " ألا رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي "، قال: فأتاه رجل من بني همدان، فقال:
стр. 98
" ممن أنت "؟ قال: من همدان، قال: " فعند قومك منعة؟ " قال: نعم. .» (١) .
فبدأ بالتعرف عليه، ثم طلب منه المنعة، لكن الرجل خشي أن يخفره قومه، فوعده قابلًا.
وحينما التقى ﷺ وفد يثرب، بدأهم بسؤاله: " من أنتم؟ " قالوا: من الخزرج، قال: " أفلا تجلسون أكلمكم؟ ! "، قالوا: نعم " (٢) .
فكان هذا التعرف مبدأ الحوار معهم، حيث عرض عليهم دعوته المباركة، فأسلموا ودعوا أقوامهم، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكره ﷺ (٣) .
وبعد أن هاجر ﷺ إلى المدينة استمر يتعرف على مدعويه من الوفود وغيرهم قبل عرض الدعوة عليهم، من ذلك «قوله ﷺ لوفد عبد القيس حين قدموا عليه: " من القوم أو من الوفد؟ " قالوا: ربيعة، قال: " مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى» (٤) .
وحين قدم عليه مبعوث " هرقل " بجواب رسالته ﷺ وهو في تبوك بدأه بقوله: " ممن أنت؟ يقول: فقلت: أنا أحد تنوخ، قال: " هل لك في
стр. 99
الإسلام، الحنيفية ملة أبيك إبراهيم " (١) .
فتعرف عليه ﷺ قبل أن يعرض عليه الإسلام، فلما عرفه دعاه إلى الإسلام.
هذه الشواهد بينت مدى حرصه ﷺ على التعرف على من يدعوهم قبل أن يعرض الدعوة عليهم، فما الحكمة يا ترى من هذا التعرف؟
المدعو هو الإنسان في قديم الزمان وحديثه، ولكل إنسان بلا شك خصائصه وطبيعته وتقاليده، فالمدعوون ليسوا سواء في ملكاتهم العقلية، واستعدادتهم الفطرية، ولا في أخلاقهم وطباعهم وتصوراتهم، ولا في مكاناتهم الاجتماعية (٢) .
فمن الحكمة في التعرف على المدعوين إنزالهم منازلهم، وقد أشار ابن حجر إلى هذه الحكمة بقوله: " قال ابن أبي جمرة: في قوله: " من القوم؟ " دليل على سؤال القاصد عن نفسه، ليعرف فينزل منزلته " (٣) .
ومن الحكمة في التعرف على المدعوين تطييب نفوسهم، وإزالة الوحشة عنها، وذلك بالترحيب بهم، وملاطفتهم، والثناء عليهم في وجوههم، إذا أمنت الفتنة (٤) ويدل على هذه الحكمة «قوله ﷺ لوفد عبد القيس: " مرحبًا بالقوم غير خزايا ولا ندامى» (٥) . قال صاحب الفتح الرباني: " قال ابن أبي جمرة بشرهم بالخير عاجلًا وآجلًا، لأن الندامة إنما
стр. 100
تكون بالعاقبة فإذا انتفت ثبت ضدها " (١) .
ومن الحكمة في التعرف على المدعو إتاحة الفرصة للداعية في معرفة خصائصه، وعرفه، وطبائعه، وطرق التأثير فيها، وكيفية الوصول إلى إقناعها.
ألا ترى «أنه ﷺ ، حينما رأى سيد الأحابيش قادما عليه وهو في الحديبية، قال: " هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له " فبعثت له واستقبله الناس يلبون» (٢) .
فبمعرفته ﷺ لطبيعة هذا الرجل وتقاليده استطاع إقناعه بيسر وسهولة، حيث عاد الرجل وهو يقول: " سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت " (٣) .
إذا معرفة المدعو وتقاليده وموافقته فيما يميل إليه ويهواه من المباحات عامل مهم في استمالته إلى دين الإسلام، روت عائشة ﵂، قالت: «رأيت النبي ﷺ يسترني، وأنا أنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون في المسجد، فزجرهم عمر، فقال النبي ﷺ : " دعهم أمنا بني أرفدة " يعني من الأمن» (٤) .
فلم يعنف عليهم ﷺ تطييبا لنفوسهم، واستمالة لها إلى الإسلام.
стр. 101
[المبحث الثالث العناية بذوي المكانة]
المبحث الثالث
العناية بذوي المكانة ذوو المكانة هم الكبراء وهم السادة والأشراف من الناس (١) وهم الملأ الذين أشار الله تعالى إليهم في غير ما موضع من كتابه الكريم.
وقد حث الله الأنبياء ﵈ في دعوتهم لهذا الصنف على الرفق واللين والتلطف والتدرج في بيان الحق لهم، قال تعالى مخبرا عن موسى وهارون ﵉: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى - فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤] (٢) فأمرهما الله بدعوة فرعون بكلام رقيق لين سهل، ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ وأنجح (٣) ولما في ذلك من التأثير في الإجابة (٤) ذلك أن الكلام الذي فيه شدة وخشونة بادئ ذي بدء من أعظم أسباب النفرة، وعدم الاستجابة، والتصلب في الكفر (٥) لا سيما إذا كان المدعو من الكبراء الذين تغلب عليهم صفة الكبر والتجبّر (٦) .
وبعد تعرفه ﷺ على المدعوين، كان يولي ذوي المكانة منهم عناية خاصة، بل لقد كان يولي كبراء قومه عناية خاصة، لمكانتهم في قومهم،
стр. 102
ومما يدل على ذلك ما رواه ابن كثير: " اجتمع علية من أشراف قريش. . . فبعثوا إليه إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم رسول الله ﷺ سريعا، وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بدو، وكان حريصًا يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم " (١) .
وهكذا كان موقفه ﷺ مع عمه أبي طالب، وهو كبير قريش، حيث كان يقول له: ". . . وأنت أي عم أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه " (٢) .
وكذلك كان موقفه ﷺ مع عتبة بن ربيعة، وهو أحد سادات قريش، فقد أظهر ﷺ من العناية به والتلطف في دعوته ما جعله يعود بغير الوجه الذي جاء به، ومما يدل على مكانته في قريش قولهم: صبا أبو الوليد لتصبون قريش كلها (٣) .
بل كان يبدأ بعرض الدعوة على ذوي المكانة من الأشراف والسادة، يقول ابن إسحاق: " لما انتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم. . . فدعاهم إلى الله " (٤) .
ثم لما عاد ﷺ إلى مكة كان لا يسمع بقادم يقدمها من ذوي المكانة
стр. 103
والشرف إلا تصدى له فدعاه إلى الله، وعرض عليه ما عنده (١) ثم بدأ يعرض دعوته على وفود العرب في موسم الحج وأسواق العرب، وكانت مناسبات هامة للالتقاء بذوي المكانة من رؤساء العرب، وكان يصطحب معه نسابة قريش أبا بكر الصديق ﵁ (٢) ليقوم بمهمة تعريفه بذوي المكانة والشرف من هؤلاء الوفود فيبدءوهم بعرض الدعوة عليهم (٣) .
و" مصعب بن عمير " وهو أحد تلامذته ﷺ ومبعوثه إلى يثرب ليقوم بمهمة الدعوة والتعليم، هذا الداعية أظهر عناية عظيمة بذوي المكانة من الأشراف والسادة في المجتمع المدني، فقد استفاد من " أسعد بن زرارة " ﵁ وهو من ذوي المكانة في قومه حيث نزل ضيفًا عليه، وأخذ يصطحبه في جولاته الدعوية (٤) ليقوم بمهمة تعريفه بذوي المكانة والشرف ليوليهم عناية خاصة في الدعوة، فحينما دخلا حائط بني عبد الأشهل، وأقبل عليهما أسيد بن حضير لزجرهما، " فلما رآه " أسعد بن زرارة " قال لمصعب بن عمير: هذا سيد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه " (٥) .
وحينما أسلم " أسيد بن حضير " وانضم إلى سلك الدعوة قال لهما
стр. 104
مبينًا مكانة " سعد بن معاذ " في قومه: " إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ " (١) فلما أقبل سعد قال أسعد بن زرارة لمصعب: " أي مصعب، جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان " (٢) .
فكان لهذه العناية بهذين الرجلين الأثر البالغ حيث أسلم بإسلامهما جميع دور بني الأشهل (٣) .
ويبين ﷺ الحكمة في العناية بذوي المكانة بقوله: «لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن اليهود» (٤) .
يقول ابن حجر: " والذي يظهر أنهم الذين كانوا حينئذ رؤساء في اليهود ومن عداهم كان تبعًا لهم " (٥) .
فهؤلاء العشرة الذين هم من علماء اليهود ورؤسائهم والذين يقتدي بهم اليهود، لو أسلموا لقادوا سائرهم إلى الإسلام (٦) وتأمل موقفه ﷺ مع سيد أهل اليمامة ثمامة بن أثال ﵁ يتبين لك مدى عنايته ﷺ بذوي المكانة من الأشراف والسادة الذين يرجى بإسلامهم إسلام أتباعهم.
стр. 105
يقول ابن حجر مبينًا فائدة جليلة في عناية الرسول ﷺ بثمامة: " وفيه الملاطفة بمن يرجى إسلامه إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام، ولا سيما من يتبعه على إسلامه العدد الكثير من قومه " (١) .
وفي هذا الصدد يعلّق النووي قائلا: " هذا من تأليف القلوب، وملاطفة لمن يرجى إسلامه من الأشراف الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير " (٢) .
وقد «صلى ﵊ على رأس المنافقين عبد الله بن أبي، واستغفر له إلى أن نهي عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] » (٣) .
فما السر في عنايته ﷺ بهذا الرجل، وهو من أكبر أعداء الدعوة في عهدها المدني؟
يشير ابن حجر إلى السر في ذلك بقوله: " قال الخطابي: إنما فعل النبي ﷺ مع عبد الله بن أبي ما فعل لكمال شفقته على من تعلق بطرف من الدين، ولتطييب قلب ولده عبد الله الرجل الصالح، ولتألف قومه من الخزرج لرياسته فيهم " (٤) .
ولو تأملت رسائله ﷺ في الدعوة إلى الإسلام لوجدتها تصدر لمن لهم المكانة والتعظيم من قبل أقوامهم: «من محمد رسول الله ﷺ إلى عظيم
стр. 106
الروم» (١) والمراد من تعظمه الروم، وتقدمه للرياسة عليها (٢) .
فدل على عنايته ﷺ بذوي المكانة والرياسة وتقديمهم في الدعوة والمخاطبة، ويشير ابن تيمية إلى نكتة في هذا الشأن فيقول: " وطالب الرئاسة - ولو بالباطل - ترضيه الكلمة التي فيها تعظيمه وإن كانت باطلا، وتغضبه الكلمة التي فيها ذمه وإن كانت حقّا " (٣) .
ومما يدل على عنايته ﷺ بهذا الصنف من المدعوين أنه كان يجزل العطاء لبعض ضعفاء الإيمان ممن لهم المكانة في أقوامهم، ويعلل ذلك بقوله: «إنه رأس قومه، فأنا أتألفهم به» (٤) .
وهكذا فعل ﷺ في حنين، وقد دانت له العرب فقد أجزل العطاء لبعض ذوي المكانة من الأشراف والسادة، فقد روى البخاري ﵀ عن عبد الله بن مسعود قال: «لما كان يوم حنين آثر النبي ﷺ أناسًا في القسمة: فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب، فآثرهم يومئذ في القسمة» . . . " (٥) .
فآثر ﷺ هؤلاء السادة بهذا العطاء ترغيبًا لهم ولأقوامهم في الإسلام، لما لهم من مكانة وسيادة تجعل أقوامهم تبعا لهم (٦) .
стр. 107
[المبحث الرابع عرض الدعوة على عموم المدعوين]
المبحث الرابع
عرض الدعوة على عموم المدعوين لم يأل ﷺ جهدا في عرض دعوته على كل من يلقاه وتبليغها لكل أحد عملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] (١) .
فاتسمت بعثته ﷺ بالعموم ورسالته بالشمول لجميع البشر لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] (٢) ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] (٣) .
ويدل على ذلك من السنة ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ قال: «أُعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي - وفيه - وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» (٤) .
وحيث قد بعث ﷺ في أمة جاهلية يعبدون الأصنام ويشركون بالله تعالى فاقتضت الحكمة أن يبدأ بالدعوة إلى الإسلام ثم لما تكونت الجماعة المسلمة بدأ ﷺ يدعوهم ويربيهم التربية الإسلامية الأصيلة.
стр. 108
وفيما يلي التفصيل حول عرض دعوته ﷺ على غير المسلمين ثم دعوته للمسلمين.
[أولًا دعوة غير المسلمين]
أولًا: دعوة غير المسلمين: لم تشغله ﷺ العناية بذوي المكانة عن دعوة الآخرين فقد كان ﷺ يدعو كل من لقيه إلى الإسلام قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١] (١) وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣] (٢) .
يقول القرطبي: " قال قتادة يعني قريشا " كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير من قبل محمد ﷺ (٣) .
وقيل: العرب قاطبة الذين لم يزالوا خالين من الكتب عادمين للرسل، قد عمتهم الجهالة وغمرتهم الضلالة (٤) فكان ﷺ في مبدأ بعثته يدعو كل من لقيه إلى الإسلام فقط، روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: «لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جعل النبي ﷺ يدعوهم قبائل قبائل» (٥) . وروى مسلم في حديث إسلام عمرو بن عبسة ﵁ وفيه:
стр. 109
" فقلت إني متبعك قال: «إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني» (١) فاكتفى منه ﷺ بالإسلام دون المتابعة، وكذلك فعل ﷺ مع أبي ذر ﵁ حيث قال له: «ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري» (٢) فكان ﷺ في هذه الفترة الزمنية المتقدمة من البعثة يدعو إلى الإسلام فقط فكان لا يسمع بأحد قادم مكة إلا تصدّى له ودعاه إلى الإسلام (٣) وحين قدم سويد بن الصامت إلى مكة حاجا أو معتمرا تصدى له ﷺ ودعاه إلى الإسلام (٤) وكذلك فعل مع وفد بني عبد الأشهل حينما قدموا يلتمسون الحلف من قريش على الخزرج فجاءهم ﷺ ودعاهم إلى الإسلام (٥) .
واستمر ﷺ بعد هجرته يدعو إلى الإسلام فقد روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: «بينا نحن في المسجد خرج رسول الله ﷺ فقال: " انطلقوا إلى يهود " فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس فقام النبي ﷺ فناداهم فقال: " يا معشر يهود أسلموا تسلموا " فقالوا: بلغت يا أبا القاسم، قال: فقال لهم رسول الله ﷺ : " ذلك أريد أسلموا تسلموا. . .» (٦) يقول ابن حجر:
стр. 110
" وجه ذلك أنه بلَّغ اليهود ودعاهم إلى الإسلام والاعتصام به " (١) وكان بعد هجرته ﷺ يشترط على كل من يسلم الهجرة إلى المدينة فما الحكمة في هذا الاشتراط؟
يشير ابن حجر إلى الحكمة في ذلك فيقول: " كانت الهجرة فرضا في أول الإسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع " (٢) فدل على أن الهجرة كانت عينًا على كل من أسلم قبل الفتح لنصرة الإسلام وإكثار سواد المسلمين (٣) فلما فتح الله مكة ودخل الناس في دين الله أفواجًا سقط فرض الهجرة إلى المدينة وبقي فرض الجهاد والنية (٤) قال ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية. . .» (٥) أي: لا هجرة إلى المدينة، أما أصل الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام فهذا قائم إلى أن يرِث الله الأرض ومن عليها (٦) .
[ثانيا دعوة المسلمين]
ثانيا: دعوة المسلمين: كما كان ﷺ يدعو طيلة العهد المكي إلى الإسلام فقد كان طيلة هذا العهد يربي من يدخل في الإسلام التربية الإيمانية الحقة، فقد استطاع ﷺ