← Общие книги

Общие книги · id 30919

الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (539 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٣). أمّا بعد: فما خلق الله الجن والِإنس إلا ليعبدوه وحده لا شريك له، كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (٤).

стр. 3

ولما كانت العبادة لا يمكن أن تُعرف أحكامها على التفصيل أرسل الله الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنزل عليهم الكتب؛ لبيان الأمر الذي خلق من أجله الخلق؛ " ولِإيضاحه وتفصيله لهم حتى يعبدوا الله على بصيرة، فقاموا بواجبهم على الوجه الأكمل عليهم الصلاة والسلام. ثم ختم الله تعالى الرسل بأفضلهم وإمامهم وسيدهم نبينا محمد بن عبد الله، عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، ودعا إلى الله على بصيرةٍ سرًّا وجهرًا. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١). وهذه طريقته ومسلكه وسنته، يدعو إلى الله على بصيرة، ويقين، وبرهان عقلي وشرعي (٢). ١ - أهمية الموضوع وأسباب اختياره: ١ - قد بيّن القرآن الكريم طرق الدعوة إلى الله تعالى، ويأتي في مقدمة هذه الطرق: الحكمة في الدعوة إلى الله وقد أمر الله تعالى نبيه محمدا ﷺ بالدعوة إلى الله تعالى بالحكمة، فقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٣). ٢ - من تتبع سيرة النبي ﷺ وجد أنه كان يلازم الحكمة في جميع أموره، وخاصة في دعوته إلى الله ، فأقبل الناس ودخلوا في دين الله أفواجا بفضل الله تعالى، ثم بفضل هذا النبي الحكيم ﷺ الذي ملأ الله قلبه بالِإيمان والحكمة، فعن أنس ﵁ قال: «كان أبو ذر يحدث أن

стр. 4

رسول الله ﷺ قال: " فُرِجَ سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل فَفَرجَ صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست (١) من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي. . .» الحديث (٢). وهذا يُثبتُ أن الحكمة من أعظم الأمور الأساسية في منهج الدعوة إلى الله تعالى، حيث امتلأ بها صدر رسول الله ﷺ وهو صاحب الدعوة، مع الِإيمان، وهو قضية الدعوة في لحظة واحدة، كما يؤكد قيمة وأهمية الحكمة من خلال مجيئها يحملها جبريل وهو روح القدس، في طست من ذهب، وهو أغلى المعادن، في مكة المكرمة، وهي البقعة المباركة، ليمتلئ بها صدر محمد رسول ﷺ وهو خير الخلق، بعد غسله بماء زمزم وهو أطهر الماء وأفضله. كل هذا يؤكد أن الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى أمرها عظيم وشأنها كبير، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] (٣). ثم سار أصحاب رسول الله ﷺ على طريقه وهديه في الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة، فانتشر الِإسلام في عهدهم ﵃ انتشارًا عظيمًا، ودخل في الِإسلام خلق لا يحصي عددهم إلا الله تعالى، وجاء التابعون، وكملوا السير على هذا الطريق في الدعوة إلى الله بالحكمة، وهكذا سارت القرون الثلاثة المفضلة ومن بعدهم من أهل العلم والِإيمان، فأظهر الله الِإسلام وأهله، وأذَلَّ الشرك وأهله وأعوانه.

стр. 5

٣ - من الناس من يظن أو يعتقد أن الحكمة تقتصر على الكلام اللين، والرفق، والعفو، والحلم. . . فحسب. وهذا نقص وقصور ظاهر لمفهوم الحكمة؛ فإن الحكمة قد تكون: باستخدام الرفق واللين، والحلم والعفو، مع بيان الحق علمًا وعملاً واعتقادًا بالأدلة، وهذه المرتبة تستخدم لجميع الأذكياء من البشر الذين يقبلون الحق ولا يعاندون. وتارة تكون الحكمة باستخدام الموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحق والترهيب من الباطل، وهذه المرتبة تستخدم مع القابل للحق المعترف به، ولكن عنده غفلة وشهوات وأهواء تصده عن اتباع الحق. وتارة تكون الحكمة باستخدام الجدال بالتي هي أحسن، بحُسن خلق، ولطف، ولين كلام، ودعوة إلى الحق، وتحسينه بالأدلة العقَلية وَالنقلية، ورد الباطل بأقرب طريق وأنسب عبارة، وأن لا يكون القصد من ذلك مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو، بل لا بدَّ أن يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق، وهذه المرتبة تستخدم لكل معاند جاحد. وتارة تكون الحكمة باستخدام القوة: بالكلام القوي، وبالضرب والتأديب وإقامة الحدود لمن كان له قوة وسلطة مشروعة، وبالجهاد في سبيل الله تعالى بالسيف والسنان تحت لواء ولي أمر المسلمين مع مراعاة الضوابط والشروط التي دلَّ عليها الكتاب والسنة. وهذه المرتبة تستخدم لكل معاند جاحد ظلم وطغى، ولم يرجع للحق بل رده ووقف في طريقه (١). وما أحسن ما قاله الشاعر: دعا المصطفى دهرًا بمكةَ لم يُجب ... وقد لان منه جانبٌ وخطابُ فلما دعا والسيفُ صلتٌ بِكفِّهِ ... له أسلموا واستسلموا وأنابوا (٢)

стр. 6

وصدق هذا القائل فقد قال: قولًا صادقًا مطابقًا للحق (١)؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «إن من الشعرِ حكمة» (٢). ٤ - الحكمة تجعل الداعي إلى الله يقدر الأمور قدرها فلا يزهد في الدنيا والناس بحاجة إلى النشاط والجد والعمل، ولا يدعو إلى التبتل والانقطاع والمسلمون في حاجة إلى الدفاع عن عقيدتهم وبلادهم، ولا يبدأ بتعليم الناس البيع والشراء وهم في مسيس الحاجة إلى تعلم الوضوء والصلاة. ٥ - الحكمة تجعل الداعية إلى الله يتأمل ويراعي أحوال المدعوين وظروفهم وأخلاقهم وطبائعهم، والوسائل التي يُؤتَون من قبلها، والقدر الذي يبين لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم، ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع والتشويق في هذه الطريقة حسب مقتضياتها، ويدعو إلى الله بالعلم لا بالجهل، ويبدأ بالمهم فالذي يليه، ويُعلم العامة ما يحتاجونه بألفاظ وعبارات قريبة من أفهامهم ومستوياتهم، ويخاطبهم على قدر عقولهم، فالحكمة تجعل الداعية ينظر ببصيرة المؤمن، فيرى حاجة الناس فيعالجها بحسب ما يقتضيه الحال، وبذلك ينفذ إلى قلوب الناس من أوسع الأبواب، وتنشرح له صدورهم، ويرون فيه المنقذ الحريص على سعادتهم ورفاهيتهم وأمنهم واطمئنانهم، وهذا كله من الدعوة إلى الله بالحكمة التي هي الطريق الوحيد للنجاح.

стр. 7

والمهم أن تكون أقوال الداعية إلى الله - تعالى - وأفعاله وتدبيراته وأفكاره نابعة من الحكمة، موافقة للصواب، غير متقدمة على أوانها ولا متأخرة، لا زيادة فيها عما ينبغي ولا نقص، مجتهدًا في معرفة نفعه وصلاحه، سالكًا أقرب طريق يوصل إلى ذلك. وهذا يؤكد أن دراسة الحكمة في الدعوة إلى الله - تعالى - من أهم المهمات، ومن أعظم القربات، وأنها بحاجة إلى من يبرزها في صورة ميسرة؛ ليستفيد منها الدعاة في دعوتهم إلى الله ؛ ليقدموا للناس الِإسلام بالطُّرق السليمة التي توصله إليهم بيسر وسهولة، وهذا يحتاج إلى معرفة أحوال المدعوين، سواء كانت اعتقادية أو نفسية أو اقتصادية أو اجتماعية، ثم معرفة الشُّبَه لديهم؛ لِإزالتها بالطرق المناسبة لأحوالهم، وهذا كله يحتاج إلى دراسة علمية دقيقة متكاملة متأنية، ولا سيما أن هذا الموضوع لم يتناوله أحد من الباحثين في دراسة مستقلة شاملة تستوعب جميع جوانبه المختلفة. ولهذه الأهمية، وهذه الأسباب، وللعديد من غيرها، وحُبّا في خدمة هذا الموضوع عقدت العزم، واستعنت بالله، وقررت بعد الاستخارة والاستشارة أن أجعل موضوع رسالتي " الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى ". والله أسأل أن يلهمني رشدي، ويعيذني من شر نفسي، ويوفقني للهدى والسداد، وجميع المسلمين.

стр. 8

٢ - الدراسات السابقة: بالنسبة للدراسات السابقة لهذا الموضوع فحاصل ما اطلعت عليه منها ما يأتي: * لقمان الحكيم وحكمه: لمؤلفه محمد خير رمضان. وقد حاول تعريف الحكمة لغةً واصطلاحًا، وترجم للقمان الحكيم، وسرد بعض الآثار في حِكَم لقمان، وربما يكون بعضها من الإسرائيليات، ولم يتعرض في كتابه للحكمَة في الدعوة إلى الله تعالى. * حكمة الدعوة: لرفاعي سرور. وقد ذكر بعض الجوانب لتعريف الحكمة، ثم ذكر قيام الجماعة الواحدة، وأحكام الفكر الِإسلامي، ولم يتعرض في كتابه إلى شيء من جوانب الخطة التي وضعتها. * وما كتبه ابن القيم - رحمه الله تعالى - حول الحكمة في كتابه: " مدارج السالكين "، فقد اقتصر على تعريفها، وأركانها، وأنواعها، ولم يتعرض ﵀ إلى الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن موضوع كتابه عن: منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] * وما كتبه الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، في كتابه: " الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة في العقائد والفنون المتنوعة الفاخرة "، إذ خصص صفحتين فقط من الفصل السابع عشر من هذا الكتاب عن الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى. ولم تحظ الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى -بعد- بمؤلَّف مستقل شامل يتطرق للموضوع من جميع جوانبه في دراسة علمية متخصصة شاملة، دقيقة متكاملة.

стр. 9

٣ - خطة الرسالة: وقد كانت خطة الرسالة كما يلي: المقدمة: الفصل الأول: الحكمة مفهومها وضوابطها: المبحث الأول: مفهوم الحكمة. المبحث الثاني: أركانها. المبحث الثالث: أنواعها. المبحث الرابع: طرق اكتسابها. الفصل الثاني: مواقف الحكمة: المبحث الأول: مواقف النبي ﷺ . المبحث الثاني: مواقف الصحابة ﵃. المبحث الثالث: مواقف التابعين ﵏. المبحث الرابع: مواقف تابعي التابعين ﵏. المبحث الخامس: نماذج من مواقف الحكمة عبر العصور. الفصل الثالث: حكمة القول مع المدعوين: تمهيد: إنزال الناس منازلهم ومراعاة أحوالهم. المبحث الأول: حكمة القول مع الملحدين. المبحث الثاني: حكمة القول مع الوثنيين. المبحث الثالث: حكمة القول مع أهل الكتاب. المبحث الرابع: حكمة القول مع المسلمين. الفصل الرابع: حكمة القوة الفعلية مع المدعوين: تمهيد: مراتب الدعوة بحسب مراتب البشر. المبحث الأول: حكمة القوة الفعلية مع الكفار.

стр. 10

المبحث الثاني: حكمة القوة الفعلية مع عصاة المسلمين. الخاتمة: وفيها: * ملخص البحث. * أهم النتائج. * التوصيات. الفهارس: ١ - فهرس المراجع والمصادر. ٢ - فهرس الموضوعات. ٤ - منهجي في الرسالة: استخدمت في هذا البحث المنهج الاستردادي التاريخي التحليلي، حيث تتبعت النصوص من القرآن والسنة، ومواقف النبي ﷺ في دعوته إلى الله بالحكمة، وأخذت مواقف الصحابة وأتباعهم فمن بعدهم التي سلكوا فيها طريق الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى من أمهات الكتب. كما استخدمت منهج الاستدلال؛ لأني احتجت إلى الاستدلال العقلي الذي ينبني على قواعد التأمل والتفكر في الوصول إلى الحقائق، واستخدمت هذا المنهج كثيرًا في حكمة القول مع الملحدين، والوثنيين، وأهل الكتاب. وقد راعيت الأمور التالية: ١ - عزوت الآيات القرآنية إلى سورها، وذكرت اسم السورة ورقم الآية منها.

стр. 11

٢ - خرجت الأحاديث والآثار من مصادرها الأصلية. ٣ - حاولت الاقتصار على الأحاديث الصحيحة أو الحسنة. ٤ - أشرت إلى من صحح الحديث أو حسنه من العلماء المحققين إذا كان في غير الصحيحين ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. ٥ - حرصت على جمع المعلومات من المصادر الأصلية مباشرة، ورجعت إلى أكثر من مصدر في المسألة الواحدة ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، مع الاستفادة من المراجع الحديثة. ٦ - بينت في الحاشية بعض الكلمات التي أرى أنها في حاجة إلى البيان. ٧ - حرصت على رسم الآيات القرآنية بالرسم العثماني، اتباعًا لرسم المصحف الشريف، إلا بعض الأحرف؛ لعدم وجودها في الكمبيوتر. ٨ - ترجمت لأصحاب المواقف الحكيمة ما عدا الصحابة ﵃ كما ترجمت لغير المشهورين من الأعلام. ٩ - عملت فهارس تفصيلية للآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، والآثار، وقد ميزت الآثار بذكر اسم صاحب الأثر أمامه، وفهرس الأبيات الشعرية، وفهرس الأعلام المترجم لهم، والمصادر والمراجع، والموضوعات. ولا أدَّعي الكمال، فالكمال من صفات الله تعالى، والنقص والتقصير واختلاف وجهات النظر من صفات الِإنسان، ولكني قد بذلت قصارى جهدي؛ ليخرج هذا البحث المتواضع على الوجه المطلوب، فما كان من صواب وسداد فمن الواحد المنان، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله ﷺ ، وأستغفر الله من ذنبي كله: هزلي وجدي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، إنه سميع مجيب.

стр. 12

٥ - الشكر والتقدير: هذا، والشكر والحمد لله الكريم الحكيم الذي أسبغ علي النعم الظاهرة والباطنة، ووفق عبده الفقير إليه وحده لمعالجة هذا الموضوع، وهو أهل الثناء والمجد. وفي مقامي هذا أمتثل حديث رسول الله ﷺ حيث قال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناسَ» (١). فأشكر أستاذي الفاضل المشرف على هذه الرسالة، فضيلة الأستاذ المشارك الدكتور / فضل إلهي، رئيس قسم الدعوة والاحتساب بكلية الدعوة والِإعلام، بجامعة الِإمام محمد بن سعود الِإسلامية، الذي بذل الكثير من وقته وراحته، ولم يبخل علي بالرأي والمشورة والتوجيهات القيمة لرفع مستوى هذه الرسالة حتى خرجت بهذه الصورة، فقد أفادني كثيرا، فجزاه الله خيرا، وأجزل له الثواب، إنه قريب مجيب الدعوات. كما أشكر الأستاذين الفاضلين: الدكتور / محمد بن عبد الله الفهيد، الأستاذ بكلية أصول الدين، قسم السنة وعلومها، والدكتور / أحمد بن محمد أبابطين، وكيل قسم الدعوة والاحتساب بكلية الدعوة والِإعلام، على تفضلهما بقبول عضوية مناقشة الرسالة وإعطاء الكثير من وقتهما وراحتهما لقراءة الرسالة، فجزاهما الله خيرا. وكذلك أتقدم بالشكر والتقدير لجامعة الِإمام محمد بن سعود الإسلامية، على ما تقوم به من جهود عظيمة في خدمة الِإسلام والمسلمين، فجزى الَلّه القائمين عليها خير الجزاء. كما أتقدم بالشكر والتقدير للمسئولين في كلية الدعوة والِإعلام، وعلى رأسهم فضيلة عميد الكلية الدكتور / زيد بن عبد الكريم الزيد، والدكتور مسفر البشر، وكيل الدراسات العليا بالكلية على ما يبذلونه من جهود في خدمة العلم وطلابه، فجزاهم الله خير الجزاء، وضاعف مثوبتهم إنه سميع الدعاء. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وخيرته من خلقه نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

стр. 13

الفصل الأول الحكمة مفهومها وضوابطها المبحث الأول: مفهوم الحكمة. المبحث الثاني: أنواع الحكمة ودرجاتها المبحث الثالث: أركان الحكمة. المبحث الرابع: طرق اكتسابها.

стр. 14

المبحث الأول مفهوم الحكمة المطلب الأول: تعريفها في اللغة. المطلب الثاني: تعريفها في الاصطلاح الشرعي. المطلب الثالث: العلاقة بين التعريف اللغوي والشرعي.

стр. 15

المطلب الأول تعريف الحكمة في اللغة جاءت الحكمة في اللغة بعدة معان، منها: ١ - تستعمل بمعنى: العدل، والعلم، والحلم، والنبوة، والقرآن، والإنجيل. وأحكم الأمر: أتقنه فاستحكم ومنعه عن الفساد (١). ٢ - والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم (٢). ٣ - والحكيم: المتقن للأمور، يقال للرجل إذا كان حكيمًا: قد أحكمته التجارب (٣). ٤ - والحَكَمُ والحكيم هما بمعنى: الحاكم والقاضي، والحكيم فعيل بمعنى فاعل، أو هو الذي يُحكِمُ الأشياء ويتقنها، فهو فعيل بمعنى: مفعل (٤). ٥ - والحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل (٥).

стр. 16

٦ - والحكيم: المانع من الفساد، ومنه سُمِّيت حَكَمة اللجام؛ لأنها تمنع الفرَس من الجري والذهاب في غير قصد، والسورة المحكمة: الممنوعة من التغيير وكل التبديل، وأن يلحق بها ما يخرج عنها، ويزاد عليها ما ليس منها. والحكمة من هذا؛ لأنها تمنع صاحبها من الجهل، ويقال: أحكم الشيء إذا أتقنه ومنعه من الخروج عما يريد، فهو محكم وحكيم على التكثير (١). ٧ - والحَكَمَةُ: ما أحاط بحنكي الفرس، سميت بذلك؛ لأنها تمنعه من الجري الشديد، وتذلل الدابة لراكبها، حتى تمنعها من الجماح، ومن كثير من الجهل، ومنه اشتقاق الحكمة؛ لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل (٢). ٨ - والحُكْمُ: هو المنع من الظلم، وسميت حكمة الدابة، لأنها تمنعها، يقال: حكمت الدابة وأحكمتها، ويقال: حكمت السفيه، وأحكمته إذا أخذت على يديه، والحكمة هذا قياسها؛ لأنها تمنع من الجهل، وتقول: حكمت فلانًا تحكيمًا: منعته عما يريد (٣). ومما تقدم يتضح ويتبين أن الحكمة يظهر فيها معنى المنع، فقد استعملت في عدة معان تتضمن معنى المنع: فالعدل: يمنع صاحبه من الوقوع في الظلم. والحلم: يمنع صاحبه من الوقوع في الغضب.

стр. 17

والعلم: يمنع صاحبه من الوقوع في الجهل. والنّبوة، والقرآن، والِإنجيل: فالنبي إنما بعث لمنع من بعث إليهم من عبادة غير الله، ومن الوقوع في المعاصي والآثام، والقرآن والِإنجيل وجميع الكتب السماوية أنزلها الله تتضمن ما يمنع الناس من الوقوع في الشرك وكل منكر وقبيح. ومن فسر الحكمة بالمعرفة فهو مبني على أن المعرفة الصحيحة فيها معنى المنع، والتحديد، والفصل بين الأشياء، وكذلك الِإتقان، فيه منع للشيء المتقن من تطرق الخلل والفساد إليه، وفي هذا المعنى قال شيخ الِإسلام ابن تيمية ﵀: " الِإحكام هو الفصل والتمييز والفرق والتحديد الذي به يتحقق الشيء ويحصل إتقانه ولهذا دخل فيه معنى المنع كما دخل في الحد بالمنع جزء معناه لا جميع معناه " (١).

стр. 18

المطلب الثاني تعريف الحكمة في الاصطلاح الشرعي ذكر العلماء مفهوم الحكمة في القرآن الكريم والسنة النبوية (١) واختلفوا على أقوال كثيرة، فقيل: الحكمة؛ النبوة، وقيل: القرآن والفقه به: ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله. وقيل: الإصابة في القول والفعل، وقيل: معرفة الحق والعمل به، وقيل: العلم النافع والعمل الصالح، وقيل: الخشية لله، وقيل: السنة، وقيل: الورع في دين الله، وقيل: العلم والعمل به، ولا يسمى الرجل حكيماً إلا إذا جمع بينهما، وقيل: وضع كل شيء في موضعه. وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة (٢).

стр. 19

وقد ذكر بعضهم تسعة وعشرين قولًا في تعريف الحكمة (١). " وهذه الأقوال كلها قريب بعضها من بعض؛ لأن الحكمة مصدر من الِإحكام، وهو الإتقان في قول أو فعل، فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس، فكتاب الله حكمة، وسنة نبيه ﷺ حكمة، وكل ما ذكر من التفصيل فهو حكمة. وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه. فقيل للعلم حكمة؛ لأنه يمتنع به من السفه، وبه يعلم الامتناع من السفه الذي هو كل فعل قبيح. . " (٢). وعند التأمل والنظر نجد أن التعريف الشامل الذي يجمع ويضم جميع هذه الأقوال في تعريف الحكمة هو: " الِإصابة في الأقوال والأفعال، ووضع كل شيء في موضعه ".

стр. 20

فجميع الأقوال تدخل في هذا التعريف؛ لأن الحكمة مأخوذة من الحكم وفصل القضاء الذي هو بمعنى الفصل بين الحق والباطل، يقال: إن فلاناً لحكيم بيِّن الحكمة، يعني: أنه لبين الِإصابة في القول والفعل، فجميع التعاريف داخلة في هذا القول، لأن الِإصابة في الأمور إنما تكون عن فهم بها، وعلم، ومعرفة، والمصيب عن فهمِ منه بموِاضع الصواب يكون في جميع أموره: فهمًا، خاشيًا لله، فقيهًا عالما، عاملا بعلمه، ورعًا في دينه. . . والحكمة أعم من النبوة، والنبوة بعض معانيها وأعلى أقسامها؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مسددون، مفهمون، وموفقون لِإصابة الصواب في الأقوال، والأفعال، والاعتقادات، وفي جميع الأمور (١). والحكمة في كتاب الله نوعان (٢) مفردة، ومقرونة بالكتاب. فالمفردة كقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٣). وقوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] (٤). وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢] (٥). وهذه الحكمة فسرت بما تقدم من أقوال العلماء في تعريف الحكمة، وهذا النوع كثير في كتاب الله تعالى.

стр. 21

أما الحكمة المقرونة بالكتاب، فهي السنة من: أقوال النبي ﷺ وأفعاله، وتقريراته، وسيرته، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] (١) وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١] (٢) ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] (٣) ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] (٤). وغير ذلك من الآيات. وممن فسر الحكمة المقرونة بالكتاب بالسنة: الِإمام الشافعي والِإمام ابن القيم، وغيرهما من الأئمة (٥).

стр. 22

المطلب الثالث العلاقة بين التعريف اللغوي والشرعي عند التأمل والنظر نجد علاقةً قويةً بين المعنى اللغوي والشرعي، فكلاهما يجعل العلم النافع، والعمل الصالح الصواب المحكم المتقن أصلًا من أصول الحكمة، وعلى هذا فيكون التعريف الجامع المانع للحكمة هو: " الإصابة في القول والعمل والاعتقاد ووضع كل شيء في موضعه بإحكام وإتقان ". والله أعلم. وبهذا التعريف يتبين ويتضح أن الحكمة في الدعوة إلى الله لا تقتصر على الكلام اللين، أو الترغيب، أو الحلم، أو الرفق، أو العفو. . . بل هي إتقان الأمور وإحكامها بأن تنزل جميع الأمور منازلها، فيوضع القول الحكيم والتعليم والتربية في مواضعها، وتوضع الموعظة في موضعها، والمجادلة بالتي هي أحسن في موضعها، ومجادلة الظالم المعاند في موضعها، كما قال : ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (١). وُيوضع الزجر، والقوة، والغلظة، والشدة، والسيف في مواضعها، وهذا هو عين الحكمة. وقد قال أحكم الحاكمين لسيد الحكماء والناس أجمعين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] (٢). كل ذلك بإحكام وإتقان ومراعاة لأحوال المدعوين، والأزمان، والأماكن في مختلف العصور والبلدان، وبإحسان القصد والرغبة فيما عند الكريم المنان (٣).

стр. 23

ومن أراد البرهان العملي على ذلك فعليه أن ينظر إلى ما كان عليه رسول الله ﷺ ، ومعاملته لأصناف الناس، وهو الذي أعطاه الله من الحكمة مما لم يعطِ أحدًا من العالمين (١).

стр. 24

المبحث الثاني أنواع الحكمة ودرجاتها المطلب الأول: أنواع الحكمة. المطلب الثاني: درجات الحكمة العملية.

стр. 25

المطلب الأول أنواع الحكمة الحكمة نوعان: النوع الأول: حكمة علمية نظرية، وهي الاطلاع على بواطن الأشياء، ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها، خلقًا وأمرًا، قدرًا وشرعًا. النوع الثاني: حكمة عملية، وهي وضع الشيء في موضعه (١). فالحكمة النظرية مرجعها إلى العلم والِإدراك، والحكمة العملية مرجعها إلى فعل العدل والصواب، ولا يمكن خروج الحكمة عن هذين المعنيين؛ لأن كمال الِإنسان في أمرين: أن يعرف الحق لذاته، وأن يعمل به، وهذا هو العلم النافع والعمل الصالح. وقد أعطى الله أنبياءه ورسله ومن شاء من عباده الصالحين هذين النوعين، قال تعالى عن إبراهيم ﷺ . ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ [الشعراء: ٨٣] وهو الحكمة النظرية، ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] (٢). وهو الحكمة العملية. وقال تعالى لموسى، ﷺ : ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه: ١٤] وهو الحكمة النظرية ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] (٣) وهو الحكمة العملية. وقال عن عيسى ﷺ : ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠] وهو الحكمة النظرية، ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] (٤). وهو الحكمة العملية.

стр. 26

وقال في شأن محمد ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] وهو الحكمة النظرية، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] (١) وهو الحكمة العملية. وقال في جميع الأنبياء. ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [النحل: ٢] وهو الحكمة النظرية، ثم قال: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢] (٢). وهو الحكمة العملية (٣).

стр. 27

المطلب الثاني درجات الحكمة العملية الحكمة العملية لها ثلاث درجات: الدرجة الأولى: " أن تعطي كل شيء حقه، ولا تعدِّيه حده، ولا تعجله عن وقته، ولا تؤخره عنه ". لما كانت الأشياء لها مراتب وحقوق تقتضيها، ولها حدود ونهايات تصل إليها ولا تتعداها، ولها أوقات لا تتقدم عنها ولا تتأخر، كانت الحكمة مراعاة هذه الجهات الثلاث بأن تعطي كل مرتبة حقها الذي أحقه الله لها بشرعه وقدره، ولا تتعدى بها حدها فتكون متعديًا مخالفًا للحكمة، ولا تطلب تعجيلها عن وقتها فتخالف الحكمة، ولا تؤخرها عنه فتفوتها، وهذا حكم عام لجميع الأسباب مع مسبباتها شرعًا وقدرًا، فإضاعتها تعطيل للحكمة بمنزلة إضاعة البذر وسقي الأرض، وتعدي الحق كسقيها فوق حاجتها، بحيث يغرق البذر والزرع ويفسد، وتعجيلها قبل وقتها كحصاده قبل إدراكه وكماله، وهذا يكون فعل ما ينبغي على الوجه الأكمل في الوقت المناسب (١). الدرجة الثانية: معرفة عدل الله في وعيده، وإحسانه في وعده، وعدله في أحكامه الشرعية والكوِنية الجارية على الخلائق، فإنه لا ظلم فيها ولا جور، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] (٢) وكذلك معرفة بره في منعه، فإنه سبحانه هو الجواد الذي لا ينقص خزائنه الِإنفاق، ولا يغيض ما في يمينه سعة عطائه، فهو سبحانه لا يضع بره وفضله إلا في موضعه ووقته بقدر ما تقتضيه حكمته، فما أعطى إلا بحكمته ولا منع إلا بحكمته، ولا أضل إلا بحكمته.

стр. 28

الدرجة الثالثة: البصيرة، وهي قوة الإدراك والفطنة والعلم والخبرة (١). والبصيرة هي أعلى درجات العلم التي تكون نسبة العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر، وهذه الخصيصة التي اختص بها الصحابة عن سائر الأمة ثم المخلصين من أتباع النبي ﷺ ، وهي أعلى درجات العلماء (٢) قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (٣) فقد أمر الله رسوله ﷺ ، أن يخبر الناس أن هذه طريقته ومسلكه وسنته وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله على بصيرة من ذلك، ويقين، وبرهان، وعلم، وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ ، على بصيرة ويقين، وبرهان عقلي وشرعي (٤) والبصيرة في الدعوة إلى الله في ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن يدعو الداعية على بصيرة فيما يدعو إليه بأن يكون عالمًا بالحكم الشرعي فيما يدعو إليه؛ لأنه قد يدعو إلى شيء يظنه واجبًا وهو في شرع الله غير واجب فيلزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به، وقد يدعو إلى ترك شيء يظنه محرمًا وهو في دين الله غير محرم، فيحرم على عباد الله ما أحله الله لهم. الأمر الثاني: أن يكون على بصيرة في حال المدعو، فلا بد من معرفة حال المدعو: الدينية، والاجتماعية، والاعتقادية، والنفسية، والعلمية، والاقتصادية حتى يقدم له ما يناسبه.

стр. 29

الأمر الثالث: أن يكون على بصيرة في كيفية الدعوة (١) وقد رسم الله طرق الدعوة ومسالكها في آيات كثيرة منها: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] (٢) وهذه الآية قاعدة قوية متينة في الدعوة إلى الله تعالى ثم تكون هذه القاعدة متفرعة إلى ثلاثة أبواب: وهي الدعوة إلى الله: بالحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن (٣) قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٤) قلتَ: والباب الرابع: الدعوة إلى الله باستخدام اَلقوة عند الحاجة إليها كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (٥). ولا شك أن أحسن الطرق في دعوة الناس طريقة القرآن، ومخاطبته لهم ودعوته، ومجادلتهم (٦).

стр. 30

المبحث الثالث أركان الحكمة توطئة: المطلب الأول: العلم. المطلب الثاني: الحلم. المطلب الثالث: الأناة.

стр. 31

توطئة للحكمة أركان ودعائم تقوم عليها، وكل خلل في الداعية إلى الله فسببه الإخلال بالحكمة، فأكمل الناس: أوفرهم منها نصيبًا، وأنقصهم وأبعدهم عن الكمال أقلهم منها ميراثًا. وأركان الحكمة التي تقوم عليها، ثلاثة هي: العلم، والحلم، والأناة. وآفاتها وأضدادها، ومعاول هدمها: الجهل، والطيش، والعجلة، فلا حكمة لجاهلٍ، وطائشٍ، ولا عجولٍ (١). وسأتحدث عن هذه الأركان بالتفصيل - إن شاء الله تعالى - في المطالب الآتية: المطلب الأول: العلم. المطلب الثاني: الحلم. المطلب الثالث: الأناة.

стр. 32

المطلب الأول العلم العلم من أعظم أركان الحكمة، ولهذا أمر الله به، وأوجبه قبل القول والعمل، فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩] (١). وقد بوَّب الِإمام البخاري ﵀ لهذه الآية بقوله: " باب: العلم قبل القول والعمل " (٢). وذلك أن الله أمر نبيه بأمرين: بالعلم، ثم العمل، والمبدوء به العلم في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] ثم أعقبه بالعمل في قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] فدل ذلك على أن مرتبة العلم مقدمة على مرتبة العمل، وأن العلَم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو مقدم عليهما؛ لأنه مصحح للنية المصححة للعمل (٣). والعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول ﷺ ، وقد يكون علم من غير الرسول، لكن في أمور دنيوية، مثل: الطب، والحساب، والفلاحة، والتجارة (٤). ولا يكون الداعية إلى الله حكيمًا إلا بالعلم الشرعي، وإن لم يصحب الداعية من أول قدم يضعه في الطريق إلى آخر قدم ينتهي إليه، فسلوكه على غير طريق، وهو مقطوع عليه طريق الوصول، ومسدود عليه سبيل الهدى والفلاح، وهذا إجماع من العارفين.

стр. 33

ولا شك أنه لا ينهى عن العلم إلا قُطاع الطريق، ونوَّاب إبليس وشرطه (١). [أقسام العلم الذي تقوم عليه الحكمة] وقد قسم الإمام ابن تيمية ﵀ العلم النافع - الذي هو أحد دعائم الحكمة وأسسها - إلى ثلاثة أقسام، فقال ﵀: " والعلم الممدوح الذي دل عليه الكتاب والسنة هو العلم الذي ورثه الأنبياء كما قال النبي ﷺ : «إن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافِر» (٢). وهذا العلم ثلاثة أقسام: القسم الأول: علم بالله، وأسمائه، وصفاته، وما يتبع ذلك، وفي مثله أنزل الله سورة الإخلاص وآية الكرسي ونحوهما. القسم الثاني: علم بما أخبر الله به مما كان من الأمور الماضية، وما يكون من الأمور المستقبلة، وما هو كائن من الأمور الحاضرة، وفي مثل هذا أنزل الله آيات القصص، والوعد، والوعيد، وصفة الجنة والنار، ونحو ذلك. القسم الثالث: العلم بما أمر الله به من العلوم المتعلقة بالقلوب والجوارح من الإيمان بالله من معارف القلوب وأحوالها، وأقوال الجوارح وأعمالها، وهذا يندرج فيه: العلم بأصول الإيمان وقواعد الإسلام، ويندرج فيه العلم بالأقوال والأفعال الظاهرة، ويندرج فيه ما وجد في كتب الفقهاء من العلم بأحكام الأفعال الظاهرة، فإن ذلك جزءٌ من جزءٍ من علم الدين.

стр. 34

والناس إنما يغلطون في هذه المسائل؛ لأنهم يفهمون مسميات الأسماء الواردة في الكتاب والسنة، ولا يعرفون حقائق الأمور الموجودة، فرُب رجل يحفظ حروف العلم التي أعظمها حفظ حروف القرآن ولا يكون له من الفهم، بل ولا من الإيمان ما يتميز به على من أوتي القرآن ولم يؤت حفظ حروف العلم، كما قال النبي ﷺ : «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترُجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب، وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر» (١). فقد يكون الرجل حافظا لحروف القرآن وسوره، ولا يكون مؤمنًا، بل يكون منافقًا، فالمؤمن الذي لا يحفظ حروفه وسوره خير منه، وإن كان ذلك المنافق ينتفع به الغير كما ينتفع بالريحان، وأما الذي أُوتي العلم والإيمان، فهو مؤمن حكيمٌ وعليمٌ، فهو أفضل من المؤمن الذي ليس مثله في العلم مثل اشتراكهما في الإيمان، فهذا أصل تجب معرفته (٢). والعلم لا بد فيه من إقرار القلب ومعرفته، بمعنى ما طلب منه علمه، وتمامه أن يعمل بمقتضاه، فإن العلم النافع - الذي هو أعظم أركان الحكمة التي من أُوتيها فقد أُوتيَ خيرًا كثيرًا - هو ما كان مقرونًا بالعمل، أما العلم بلا عمل، فهو حجة على صاحبه يوم القيامة، ولهذا حذر الله المؤمنين

стр. 35

من أن يقولوا ما لا يفعلون، رحمةً بهم، وفضلاً منه وإحسانًا، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] (١). وحذرهم عن كتمان العلم، وأمرهم بتبليغه للبشرية على حسب الطاقة والجهد، وعلى حسب العلم الذي أعطاهم الله لا يُكلفّ الله نفسا إلا وسعها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] (٢). وهذه الآية، وإن كانت نازلة في أهل الكتاب وما كتموه من شأن الرسول ﷺ وصفاته، فإن حكمها عام لكل من اتصف بكتمان ما أنزل الله من البينات الدالات على الحق، المظهرات له، والعلم الذي تحصل به الهداية إلى الصراط المستقيم، ويتبين به طريق أهل النعيم من طريق أهل الجحيم، ومن نبذ ذلك وجمع بين المفسدتين: كَتْم ما أنزل الله، والغش لعباد الله، لعنه الله، ولعنه جميع الخليقة؛ لسعيهم في غش الخلق وفساد أديانهم، وإبعادهم عن رحمة الله، فجُوزوا من جنس عملهم، كما أن معلم الناس الخير يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء، والطير في الهواء؛ لسعيه في مصلحة الخلق وإصلاح أديانهم؛ ولأنه قربهم من رحمة الله، فَجوزيَ من جنس عمله (٣).

стр. 36

وقد بين ﷺ أن «من سئِل عن علمٍ يَعْلمُه فَكتَمَهُ أُلجِمَ يوم القيامة بلجام من نار» (١). فتبين بذلك وغيره أن العلم النافع الذي هو أحد أركان الحكمة لا يكون إلا مع العمل به، ولهذا قال سفيان (٢) في العمل بالعلم والحرص عليه: " أجهل الناس من ترك ما يعلم، وأعلم الناس من عمل بما يعلم، وأفضل الناس أخشعهم لله " (٣). وقال ﵀: " يُرادُ للعلم: الحفظ، والعمل، والاستماع، والِإنصات، والنشر " (٤). وقال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁: تعلموا، تعلموا فإذا علمتم فاعملوا (٥). وقال ﵁: إن الناس أحسنوا القول كلهم، فمن وافق فعله قوله فذلك الذي أصاب حظه، ومن خالف قوله فعله فإنما يوبخ نفسه (٦). وقال علي بن أبي طالب ﵁: " يا حملة العلم اعملوا به، فإنما العالم من علم ثم عمل، ووافق علمه عمله، وسيكون أقواماً يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يقعدون حلقًا فيباهي بعضهم بعضا، حتى أن الرجل ليغضب

стр. 37

على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله " (١). وقال أبو الدرداء ﵁: لا تكون تقيا حتى تكون عالماً، ولا تكون بالعلم جميلًا حتى تكون به عاملًا (٢). ولهذا قال الشاعر: إذا العلم لم تعمل به كان حجةً ... عليك ولم تعذر بما أنت جاهله فإن كنت قد أوتيت علمًا فإنما ... يصدق قولَ المرء ما هو فاعله (٣) وبهذا يتضح أن العلم لا يكون من دعائم الحكمة إلا باقترانه بالعمل، وقد كان علم السلف الصالح - وعلى رأسهم أصحاب النبي ﷺ مقرونًا بالعمل، ولهذا كانت أقوالهم، وأفعالهم، وسائر تصرفاتهم تزخر بالحكمة، ولهذا قال ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسُلِّطَ على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» (٤). وقد دعا النبي ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄ بالحكمة، والفقه في الدين، فقال ﷺ : «اللهم علمه الحكمة»، وفي لفظ: «اللهم علمه الكتاب» وفي لفظ: «اللهم فقهه في الدين» (٥).

стр. 38

فكان ﵄ حبرًا للأمة في علم الكتاب والسنة والعمل بهما استجابة لدعوة النبي ﷺ . أسباب وطرق تحصيل العلم: والعلم النافع له أسباب ينال بها، وطرق تُسلك في تحصيله وحفظه، من أهمها: ١ - أن يسأل العبد ربه العلم النافع، ويستعين به تعالى، ويفتقر إليه، وقد أمر الله نبيه محمدًا ﷺ بسؤاله أن يزيده علمًا إلى علمه (١) فقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] (٢) وقد كان ﷺ يقول: «اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا» (٣). ٢ - ومنها: الاجتهاد في طلب العلم، والشوق إليه، والرغبة الصادقة فيه ابتغاء مرضاة الله تعالى، وبذل جميع الأسباب في طلب علم الكتاب والسنة (٤). وقد جاء رجل إلى أبي هريرة ﵁ فقال: إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه، فقال أبو هريرة ﵁: " كفى بتركك له تضييعا " (٥). ولهذا قال بعض الحكماء عندما سُئلَ: ما السبب الذي ينال به العلمِ؟ قال: بالحرص عليه يتبع، وبالحب له يستمع، وبالفراغ له يجتمع، [عَلم

стр. 39

علمك من يجهل، وتعلم ممن يعلم، فإنك إن فعلت ذلك علمت ما جهلت، وحفظت ما علمت] (١). ولهذا قال الِإمام الشافعي ﵀: أخي لن تنال العلم إلا بستةٍ ... سأنبئك عن تفصيلها ببيان ذكاءٌ , وحرصٌ , واجتهاد , وبلغة ... وصحبةُ أستاذٍ وطول زمان (٢) ٣ - ومنها: اجتناب جميع المعاصي بتقوى الله - تعالى -؛ فإن ذلك من أعظم الوسائل إلى حصول العلم، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٣) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] (٤). وهذا واضح بين أن من اتقى الله جعل له علمًا يُفَرِّقُ به بين الحق والباطل (٥) ولهذا قال عبد الله بن مسعود ﵁: " إني لأحسب أن الرجل ينسى العلم قد عَلِمَه بالذنب يعمله " (٦). وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: " خمسٌ إذا أخطأ القاضي منهن خطةً (٧) كانت فيه وصمةً (٨) أن يكون: فهمًا، حليمًا، عفيفًا، صليبًا (٩) عالما سئولًا عن العلم " (١٠).

стр. 40

وقال الِإمام الشافعي رحمه الله تعالى: شكوت إلى وكيع (١) سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن علم الله نور ... ونور الله لا يُهدى لعاصي (٢) وقال الإمام مالك للإمام الشافعي - رحمهما الله تعالى -: " إني أرى الله قد جعل في قلبك نورًا فلا تطفئه بظلمة المعصية " (٣). ٤ - ومنها: عدم الكبر والحياء عن طلب العلم، ولهذا قالت عائشة ﵂: «نِعْم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين» (٤). وقالت أم سُليم ﵂: «يا رسول الله، إن الله لا يسْتَحْيى من الحق، فهل على المرأة من غُسلٍ إذا احتلمت؛ قال النبي ﷺ : " إذا رأت الماء» (٥). وقال مجاهد: " لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر " (٦). ٥ - ومنها، بل أعظمها ولُبُّها: الإخلاص في طلب العلم، قال ﷺ : «من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله ، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرَفْ الجنة يوم القيامة» (٧) يعني ريحها.
следующие страницы →