الله ﷺ ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المُطْعمُ بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش إني قد أجرت محمدًا فلا يهجه أحد منكم، فانتهى رسول الله ﷺ إلى الركن، فاستلمه وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته، والمطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته (١).
وفي هذه المواقف العظيمة التي وقفها النبي ﷺ في رحلته إلى الطائف دليل واضح على تصميمه الجازم في الاستمرار في دعوته وعدم اليأس من استجابة الناس لها، وبَحَثَ عن ميدان جديد للدعوة، بعد أن قامت الحواجز دونها في ميدانها الأول.
وفي ذلك دليل على أن النبي ﷺ كان أستاذًا في الحكمة، وذلك لأنه حينما قدم الطائف اختار الرؤساء وسادة ثقيف في الطائف وقد علم أنهم إذا أجابوه أجابت كل قبائل أهل الطائف وفىِ سيل الدماء من قدمي النبي ﷺ وهو النبي الكريم- أكبر مثل لما يتحمله الداعية في سبيل الله من أذى واضطهاد.
وفي عدم دعائه على قومه، وعلى أهل الطائف، وعدم موافقة ملك الجبال في إطباق الَأخْشَبَيْن على أهل مكة أكبر مثل لما يتحمله الداعية في صبره على من رد دعوته، وعدم اليأسِ من هدايتهم، فربما يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا.
ومن حكمته ﷺ أنه لم يدخل مكة إلا بعد أن دخل في جوار اْلمُطْعم بن عدي، وهكذا ينبغي للداعية أن يبحث عمن يحميه من كيد أعدائه؛ ليقوم بدعوته على الوجه المطلوب (٢).
стр. 142
٤ - من مواقفه الحكيمة في الأسواق والمواسم: باشر النبي ﷺ دعوته في مكة بعد عودته من الطائف في شهر ذي القعدة سنة عشر من النبوة، فبدأ يذهب إلى المواسم التي تقام في الأسواق مثل: عكاظ، ومجنة، وذي مجاز وغيرها، التي تحضرها القبائل العربية للتجارة والاستماع لما يُلقى فيها من الشعر ويعرض نفسه على هذه القبائل يدعوها إلى الله- تعالى-، وجاء موسم الحج لهذه السنة فأتاهم قبيلة قبيلة يعرض عليهم الإسلام كما كان يدعوهم منذ السنة الرابعة من النبوة.
ولم يكتف رسول الله ﷺ بعرض الإسلام على القبائل فحسب، بل كان يعرضه على الأفراد أيضًا.
وكان ﷺ يرغب جميع الناس بالفلاح، فعن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، قال: أخبرني رجل يقال له: ربيعة بن عباد، من بني الديل، وكان جاهليًا، قال: «رأيت النبي ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: "يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضئ الوجه، أحول، ذو غديرتين، يقول: إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه، فذكروا لي نسب رسول الله ﷺ وقالوا: هذا عمه أبو لهب» (١).
وقد كانت الأوس والخزرج يحجون كما كانت تحج العرب دون اليهود، فلما رأى الأنصار أحواله ﷺ ودعوته، عرفوا أنه الذي تتوعدهم به اليهود، فأرادوا أن يسبقوهم؛ ولكنهم لم يبايعوا النبي ﷺ في هذه السنة، ورجعوا إلى المدينة (٢).
стр. 143
وفي موسم الحج من السنة الحادية عشرة من النبوة، عرض النبي ﷺ نفسه على القبائل، وبينما الرسول ﷺ يعرض نفسه، مر بعقبة مِنَى فوجد بها ستة نفر من شباب يثرب، فعرض عليهم الإسلام، فأجابوا دعوته، ورجعوا إلى قومهم وقد حملوا معهم رسالة الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله ﷺ (١).
ثم استدار العام وأقبل الناس إلى الحج سنة ١٢ من النبوة، وكان بين حجاج يثرب اثنا عشر رجلا، فيهم خمسة من الستة الذين كانوا قد اتصلوا برسول الله ﷺ في العام السابق، والتقوا حسب الموعد مع رسول الله ﷺ عند العقبة بمنى، وأسلموا وبايعوا رسول الله ﷺ بيعة النساء (٢).
عن عبادة بن الصامت ﵁ «أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: "تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتانٍ تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروفٍ، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب منْ ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئَا فستره الله عليه فأمره إلى الله: إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه " فبايعناه على ذلك» (٣).
وبعد أن انتهت المبايعة، وانتهى الموسم بعث النبي ﷺ مع هؤلاء مصعب بن عمير ﵁ ليعلم المسلمين شرائع الإسلام، وليقوم
стр. 144
بنشر الإِسلام، وقد قام بذلك- ﵁ أتم قيام، وفي موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من النبوة حضر لأداء الحج من يثرب ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان، وكلهم قد أسلموا.
فلما قدموا مكة واعدوا النبي ﷺ عند العقبة، وجاءهم على موعدهم، ثم تكلم رسول الله ﷺ ، ثم قالوا: «يا رسول الله، علام نبايعك؟ فقال: "تبايعوني على: السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة» (١) فقاموا إليه فبايعوه.
وبعد عقد هذه البيعة جعل عليهم رسول الله ﷺ اثني عشر زعيمًا، يكونون نقباء على قومهم، وكانوا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، ثم رجعوا إلى يثرب، وعندما وصلوا أظهروا الإسلام فيها، ونفع الله بهم في الدعوة إلى الله تعالى (٢).
وبعد أن تمت بيعة العقبة الثانية ونجح النبي ﷺ في تأسيس وطن للِإسلام، انتشر الخبر في مكة كثيرًا، وثبت لقريش أن النبي ﷺ قد بايع أهل يثرب، فاشتد أذاهم على من أسلم في مكة، فأمر النبي ﷺ بالهجرة إلى المدينة، فهاجر المسلمون، فاجتمع قريش في يوم ٢٦ من شهر صفر سنة ١٤ من النبوة، وأجمعوا على قتل النبي ﷺ ، فأوحى الله إلى النبي ﷺ بذلك؛ ولحسن سياسته وحكمته أمر عليًّا أن يبيت في فراشه تلك الليلة،
стр. 145
فبقي المشركون ينظرون إلى عليّ من صِير الباب (١) وخرج رسول الله ﷺ ، ومر بأبي بكر، وهاجر إلى المدينة (٢).
وهذه المواقف العظيمة التي وقفها رسول الله ﷺ دليل واضح على حكمة النبي ﷺ ، وعلى صبره، وشجاعته، وأنه ﷺ حينما علم بأن قريشًا قد طغت، ورفضت الدعوة بحث عن مكان يتخذ قاعدة للدعوة الإسلامية، ولم يكتف بذلك، بل أخذ منهم البيعة والمعاهدة على نصرة الإسلام، وتم ذلك في مؤتمرين: بيعة العقبة الأولى، ثم الثانية، وعندما وجد مكان الدعوة الذي يتخذ قاعدة لها، ووجد أنصار الدعوة أذن بالهجرة لأصحابه، وأخذ هو بالأسباب عندما تآمرت عليه قريش، وهذا لا يعتبر جبنًا, ولا فرارًا من الموت؛ ولكن يعتبر أخذًا بالأسباب مع التوكل على الله تعالى، وهذه السياسة الحكيمة من أسباب نجاح الدعوة، وهكذا ينبغي أن يكون الدعاة إلى الله، فإن النبي ﷺ هو قدوتهم وإمامهم (٣)
стр. 146
المطلب الثاني
مواقف النبي ﷺ بعد الهجرة
المسلك الأول: مواقف الحكمة في الإصلاح والتأسيس:
عندما وصل رسول الله ﷺ إلى المدينة كان فيها مجموعات من السكان متباينة في عقيدتها، مختلفة في أهدافها، متفرقة في اجتماعاتها، وكانت لديهم خلافات بعضها قديم موروث، وبعضها حديث موجود، وقد كانت هذه المجموعات على ثلاثة أصناف:
١ - المسلمون، من: الأوس، والخزرج، والمهاجرين.
٢ - المشركون، من: الأوس، والخزرج الذين لم يدخلوا في الإسلام.
٣ - اليهود، وهم عدة قبائل: بنو قينقاع، وقد كانوا حلفاء الخزرج، وبنو النضير، وبنو قُريظة، وهاتان القبيلتان كانتا حلفاء الأوس.
وقد كان هناك خلاف مستحكم بين الأوس والخزرج، وكانت بينهما حروب في الجاهلية، وآخرها يوم بُعَاثٍ ولا يزال في النفوس شيء منها (١).
لقد قام النبي ﷺ بحل هذه المشكلات كلها، بحكمته العظيمة، وحسن سياسته، وكان حله وإصلاحه لهذه الأوضاع، وجمعه لشمل المسلمين كالتالي:
стр. 147
١ - بناء المسجد والاجتماع فيه أولى عمل وحد بين القلوب: كان أول عمل قام به ﷺ في الإصلاح والتأسيس بناء المسجد النبوي، واشترك المسلمون جميعًا في البناء، وعلى رأسهم إمامهم محمد ﷺ ، وكان أول عمل تعاوني عام، وحد بين القلوب، وأظهر الهدف العام للعمل، وقد كان لكل حي في المدينة - قبل قدوم النبي ﷺ مكان يلتقون فيه، فيسمرون ويسهرون، وينشدون الأشعار، فكانت هذه الحال تدل على التفرقة والاختلاف، فعندما بُنيَ المسجد كان مركز المسلمين جميعًا، ومكان تجمعهم، يلتقون به في كل وقت، ويسألون رسول الله ﷺ فيعلمهم ويرشدهم ويوجههم (١).
وبهذا تجمعت الأندية، والتفَّت الأحياء، واقتربت القبائل، وتحابَّت البطون، وانقلبت التفرقة إلى وحدة، ولم تعد في المدينة جماعات، بل جماعة واحدة، ولم تعد زعامات، بل قائد واحد، هو رسول الله ﷺ ، يتلقى من ربه الأوامر والنواهي، ويعلم أمته، فأصبح المسلمون صفًّا واحدًا، وامتزجت النفوس والعقليات، وتقوت الوحدة، وتآلفت الأرواح، وتعاونت الأجسام (٢).
ولم يكن المسجد موضعًا لأداء الصلوات الخمس فحسب، بل كان جامعة يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته، ويجتمعون فيه، وتلتقي فيه العناصر القبلية المختلفة التي طالما نافرت بينها النزعات الجاهلية وحروبها وقاعدة لِإدارة جميع الشئون، وبثّ الانطلاقات، وموضعًا لعقد المجالس الاستشارية والتنفيذية.
стр. 148
ولهذا ما أقام رسول الله ﷺ بمكان في المدينة إلا كان أول ما يفعله بناء جد يجتمع فيه المؤمنون، فقد أقام مسجد قباء حين أقام فيها، وصلى الجمعة في بني سالم بن عوف بين قباء والمدينة في بطن وادي (رانوناء) فلما أن وصل إلى المدينة كان أول عمل عمله بناء المسجد فيها (١).
٢ - دعوة اليهود إلى الإسلام بالقول الحكيم: ومن قواعد الإصلاح والتأسيس التي قام بها النبي ﷺ بعد أن دخل المدينة - الاتصال باليهود بواسطة عبد الله بن سلام ﵁، ودعوتهم إلى الإسلام.
فعن أنس ﵁ قال. «بلغ عبد الله بن سلام مقدم النبي ﷺ المدينة فأتاه، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؛ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال رسول الله ﷺ : "خبرني بهن آنفًا جبريل "، قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقال رسول الله ﷺ : "أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها" [قال. أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله]، قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْتٌ، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بَهَتوني عندك، [فأرسل نبي الله ﷺ فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ : "يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله فواللَّه الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقًّا، وأني جئتكم بحق، فأسلموا"، قالوا: ما نعلمه، قالوا
стр. 149
للنبي ﷺ قالها ثلاث مرات- فقال رسول الله لمجير: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال: يا ابن سلام اخرج عليهم، فخرج، فقال: يا معشر اليهود، اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق، فقالوا: كذبت، [شرنا، وابن شرنا]، ووقعوا فيه» (١).
وهذه أول تجربة تلقاها رسول الله ﷺ من اليهود عند دخول المدينة (٢).
ومن حسن سياسته ﷺ أنه وافق على إخفاء عبد الله بن سلام حتى يسأل اليهود عن مكانته بينهم، وعندما أثنوا عليه، ورفعوا من قدره أمره بالخروج فخرج وأعلن شهادته، وأظهر ما كان يكتمه اليهود من صدق النبي ﷺ ثم ضبطهم ﷺ بالمعاهدة التي ستأتي.
٣ - المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: كما قام النبي ﷺ بالبدء ببناء المسجد ودعوة اليهود إلى الإسلام، قام ﷺ بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وهذا من الرشد، والكمال النبوي، والنضج السياسي، والحكمة المحمدية (٣).
آخى بينهم ﷺ في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلا، نصفهم
стр. 150
من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار آخى بينهم على المواساة، يتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل الله- : ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] (١) ردّ التّوارث إلى الرّحم دون عقد الإخوة (٢).
ذابت عصبيات الجاهلية، فلا حمية إلا للِإسلام، وسقطت فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتقدم أحد أو يتأخر إلا بمروءته وتقواه، وكانت عواطف الأخوة، والإيثار؛ والمواساة، والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال؛ وفي هذه الإخوة أقوى مظهر من مظاهر عدالة الإسلام الإنسانية والأخلاقية (٣).
ولم تكن هذه المؤاخاة معاهدة دونت على الورق فحسب، ولا كلمات قيلت باللسان فقط؛ وإنما كانت مؤاخاة سجلت على صفحات القلوب، وعملا يرتبط بالدماء والأموال، لا كلامًا يثرثر به اللسان، إنها مؤاخاة في القول والعمل، والنفس والمتاع والأملاك، في العسر واليسر (٤).
ومن أروع الأمثلة لذلك ما رواه البخاري في صحيحه «آخى رسول الله ﷺ بين عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع، فقال سعد: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالًا، فسأقسم مالي بيني وبينك نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم
стр. 151
تابع الغدوة ثم جاء يومًا وبه أثر صُفرة، فقال النبي ﷺ : "مَهْيَم؟ " (١) قال: تزوجت امرأة من الأنصار، فقال: "ما سقت فيها؟ " قال: وزن نواة من ذهب، أو نواة من ذهب، فقال: "أولم ولو بشاة» (٢). وهذه المؤاخاة حكمة فذة، وسياسة صائبة، وحل رائع لكثير من المشاكل التي كان يواجهها المسلمون.
٤ - التربية الحكيمة: وقد كان ﷺ يتعهدهم بالتعليم والتربية وتزكية النفوس، والحث على مكارم الأخلاق، ويؤدبهم بآداب الود والإخاء والمجد والشرف والعبادة والطاعة (٣) فقد كان يقول ﷺ : «يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» (٤) ويقول: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» (٥) «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٦).
стр. 152
ويقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (١).
ويقول: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه» (٢).
ويقول: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا- ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه» (٣).
وقال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (٤) وقال: «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين، ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أَنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا» (٥)
стр. 153
وقال: «تعرض الأعمال في كل يوم خميسِ واثنين فيغفر الله- في ذلك اليوم لكل امرئٍ لا يشرك بالله شيئا إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اركوا هذين (١) حتى يصطلحا، اركوا هذين حتى يصطلحا» (٢) وقال ﷺ : «انصر أخاك ظالما أو مظلومًا" قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلوما، فكيف أنصره إذا كان ظالمًا؟ قال: "تحجزه أو تمنعه من الظلم فذلك نصره» (٣) وقال: «حق المسلم على المسلم ست "، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: "إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» (٤) وعن البراء بن عازب قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم، ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن الشرب في الفضة- أو قال: في آنية الفضة- وعن
стр. 154
المياثر (١) والقسي (٢) وعن لبس الحرير، والديباج (٣) والإستبرق» (٤).
وقال: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شئ إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» (٥).
«وسئل ﷺ : أي الإسلام خير؟ فقال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (٦).
ويقول: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (٧).
وقال ﷺ : «من لا يرحم لا يرحم» (٨).
وقال: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله » (٩).
وقال ﷺ : «سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر» (١٠).
وسواء وصلت هذه النصوص للأنصار من النبي ﷺ مباشرة، أو سمعوا بعضها من المهاجرين الذين سمعوا من النبي ﷺ قبل الهجرة، فكل ذلك
стр. 155
تربية منه ﷺ لأصحابه جميعًا، ولمن بلغته هذه النصوص إلى يوم الدين.
وغير ذلك من النصوص التي ربّى بها محمد ﷺ أصحابه فقد كان يحثهم على الإنفاق، ويذكر من فضائله ما يشوق النفوس والقلوب، وكان يحث على الاستعفاف عن المسألة، ويذكر لهم فضل الصبر والقناعة، وكان يرغبهم في العبادات بما فيها من الفضائل والأجر والثواب، وكان يربطهم بالوحي النازل من السماء ربطًا موثقًا يقرؤه عليهم ويقرؤونه؛ لتكون هذه الدراسة إشعارًا بما عليهم من حقوق الدعوة، فضلا عن ضرورة الفهم والتدبر.
وهكذا رفع ﷺ معنوياتهم، ودربهم على أعلى القيم والمثل حتى صاروا صورة لأعلى قمة من الكمال الإنساني.
بمثل هذا استطاع النبي ﷺ أن يبني مجتمعًا مسلمًا أروع وأشرف مجتمع عرفه التاريخ، وأن يضع لمشاكل هذا المجتمع حلا بعد أن كان يعيش في ظلمات الجهل والخرافات، فأصبح مجتمعًا يضرب به المثل في جميع الكمال الإنساني، وهذا بفضل الله وحده، ثم بفضل هذا النبي الحكيم، فَحَريٌّ بالدعاة إلى الله أن يسلكوا مسلكه، ويهتدوا بهديه ﷺ (١).
٥ - ميثاق المهاجرين والأنصار وموادعة اليهود: بعد أن قام رسول الله ﷺ بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، عقد معاهدة أزاح بها كل ما كان من حزازات الجاهلية والنزعات القبلية، ولم يترك مجالًا لتقاليد الجاهلية، وقد وضع في هذه المعاهدة ميثاقًا للمهاجرين والأنصار متضمنًا موادعة اليهود بالمدينة، وهذا من أبرز الجهود التي بذلها ﷺ في الإصلاح والتأسيس.
كتب رسول الله ﷺ كتابًا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه اليهود،
стр. 156
وعاهدهم، وأقرهم على أموالهم، واشترط عليهم، وشرط لهم (١).
وهذا الميثاق في غاية الدقة، وحسن السياسة، وكمال الحكمة من النبي ﷺ ، فقد ربط بين جميع المسلمين في المدينة وبين اليهود، فأصبحوا كتلة واحدة، يستطيعون أن يقفوا في وجه كل من يريد أهل المدينة بسوء. وهذه الخطوات الخمس: بناء المسجد، ودعوة اليهود إلى الإسلام، والمؤاخاة بين المؤمنين وتربيتهم، وكتابة الميثاق، هي التي حل بها النبي ﷺ بفضل الله تعالى- الخلاف المستحكم بين سكان المدينة، وأزال بها جميع آثار الماضي، ووحَّد بها قلوب المسلمين، وطبق بها النظام المتقن داخلِ المدينة، ومن ثم انتشر هذا النظام، والدعوة إلى الله من هذه المدينة إلى جميع أقطار العالم (٢).
المسلك الثاني: مواقف الحكمة في حسن الإعداد للقتال، والشجاعة والبطولة:
بعد أن كوَّن النبي ﷺ مجتمعًا متماسكًا بالمدينة، وأصبح هذا المجتمع كتلة واحدة أمام من يريد العاصمة الإسلامية بسوء- وما ذلك إلا بفضل الله ثم بحكمة المصطفى ﷺ قام ﷺ بالجهاد في سبيل الله، بالقلب واللسان، والدعوة والبيان، والسيف والسنان، فقد أرسل ستّا وخمسين سرية، وقاد بنفسه سبعًا وعشرين غزوة (٣).
ومن مواقفه الحكيمة في ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:
стр. 157
١ - ما فعله في غزوة بدر الكبرى: من مواقفه التي تزخر بالحكمة في هذه الغزوة «أنه ﷺ استشار الناس قبل بدء المعركة؛ لأنه ﷺ يريد أن يعرف مدى رغبة الأنصار في القتال؛ لأنه شرِطَ له في البيعة أن يمنعوه في المدينة مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم وأبناءهم وأزواجهم، أما خارج المدينة فلم يحصل أي شرط، فأراد ﷺ أن يستشيرهم، فجمعهم ﷺ واستشارهم، فقام أبو بكر ﵁ فقال وأحسن، ثم عمر بن الخطاب ﵁ فقال وأحسن، ثم استشارهم ثانيًا، فقام المِقْدَادُ فقال: "يا رسول الله، امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، [نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك، ثم استشار الناس ثالثًا، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله كأنك تريدنا]، وكان النبي ﷺ يعنيهم، لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم، فلما عزم على الخروج استشارهم؛ ليعلم ما عندهم، فقال له سعد: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًّا عليها أن لا ينصروك إلا في ديارها، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرتنا فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فوا لله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فَخضْتَهُ لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنّا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدق في اللقاء، ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فأشرق وجه رسول الله ﷺ وسرَ بما سمع، ونشطه ذلك، ثم قال:
стр. 158
"سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، ولكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» (١).
ومن مواقفه العظيمة في بدر: اعتماده على ربه- ﵎ لأنه قد علم أن النصر لا يكون بكثرة العدد ولا العدة، وإنما يكون بنصر الله- مع الأخذ بالأسباب والاعتماد على الله.
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه (٢) "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض "، فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله- : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]» (٣) فأمده الله بالملائكة (٤)
стр. 159
«وقد خرج رسول الله ﷺ من العريش وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]» (١) وقاتل ﷺ في المعركة، وكان من أشد الخلق وأقواهم وأشجعهم، ومعه أبو بكر ﵁ كما كانا في العريش يُجاهِدَان بالدعاء والتضرع، ثم نزلا فحرضا، وحثا على القتال، وقاتلا بالأبدان جمعًا بين المقامين الشريفين " (٢) وكان أشجع الناس الرسول ﷺ ، فعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "لقد رأَيْتُنَا يوم بدر، ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا" (٣) وعنه- ﵁ قال: "كنا إذا حمي البأس، ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله ﷺ فلا يكون أحدنا أدنى إلى القوم منه " (٤).
٢ - مواقفه الحكيمة في غزوة أحد: من مواقفه في الشجاعة أيضًا، وصبره على أذى قومه ما فعله ﷺ في غزوة أحد، فقد كان ﷺ يقاتل قتالا عظيمًا؛ فإن الدولة كانت أول النهار للمسلمين على المشركين، فانهزم أعداء الله وولوا مدبرين حتى انتهوا إلى نسائهم، فلما رأى الرماة هزيمتهم تركوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله ﷺ بحفظه، وذلك أنهم ظنوا أنه ليس للمشركين رجعة، فذهبوا في طلب الغنيمة، وتركوا الجبل، فكرّ فرسان المشركين فوجدوا الثغر خاليًا قد خلا
стр. 160
من الرماة فجازُوا منه، وتمكنوا حتى أقبل آخرهم فأحاطوا بالمسلمين، فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة، وهم سبعون، وتولى الصحابة، وخلص المشركون إلى رسول الله، فجرحوا وجهه، وكسروا رباعيته اليمنى، وكانت السفلي، وهشموا البيضة على رأسه، وقاتل الصحابة دفاعًا عن رسول الله ﷺ (١) وكان حول النبي ﷺ رجلان من قريش، وسبعة من الأنصار، فقال ﷺ لما رهقوه، وقربوا منه: «من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة"، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضًا فقال: "من يردهم عنا وله الجنة"، فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا» (٢) وعندما اجتمع المسلمون، ونهضوا مع النبي ﷺ إلى الشعب الذي نزل فيه، وفيهم أبو بكر، وعمر، وعلي، والحارث بن الصّمة الأنصاري وغيرهم، فلما استندوا إلى الجبل أدرك رسول الله ﷺ أُبَيّ بن خلف، وهو على جواد له، ويقول: أين محمد لا نجوت إن نجا؛ فقال القوم. يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا، فأمرهم رسول الله ﷺ بتركه، فلما دنا منه تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، فلما أخذها منه انتفض انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله وأبصر ترقوته من فرجةٍ بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه فيها طعنة تدحرج منها عن فرسه مرارًا، فلما رجع عدو الله إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشًا غير كبير. . . قال: قتلني والله محمد، فقالوا له: ذهب والله
стр. 161
فؤادك، والله إن بك من بأس، قال: إنه قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك، فوالله لو بصق عليَّ لقتلني، فمات عدو الله بسرف، وهم قافلون إلى مكة " (١) وعن سهل بن سعد ﵁ أنه سُئلَ عن جرح النبي ﷺ يوم أحد فقال: جُرِحَ وجه النبي ﷺ وكُسِرَت رباعيته، وهُشِمَت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة ﵍ تغسل الدم، وعليٌّ يمسك، فلما رأت أن الدم لا يرتد إلا كثرة أخذت حصيرًا فأحرقته حتى صار رمادًا، ثم ألزقته فاستمسك الدم " (٢) وقد حصل له هذا الأذى العظيم الذي ترتج لعظمته الجبال، وهو نبي الله ﷺ ولم يدع على قومه، بل دعا لهم بالمغفرة، لأنهم لا يعلمون.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًّا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (٣) فالأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- وعلى رأسهم محمد ﷺ قد كانوا (٤) على جانب عظيم من الحلم والتصبر، والعفو والشفقة على قومهم ودعائهم
стр. 162
لهم بالهداية والغفران، وعذرهم في جناياتهم على أنفسهم بأنهم لا يعلمون (١) قال ﷺ : «اشتد غضب الله على قوم فعلوا هذا برسول الله ﷺ "، وهو حينئذ يشير إلى رباعيته، "اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله » (٢).
وفي إصابة النبي ﷺ يوم أحد عزاء للدعاة فيما ينالهم في سبيل الله من أذى في أجسامهم، أو اضطهاد لحرياتهم، أو قضاء على حياتهم، فالنبي ﷺ هو القدوة قد أوذي وصبر (٣).
٣ - ومن مواقفه التي تزخر بالحكمة والشجاعة ما فعله في معركة حنين: بعد أن دارت معركة حنين والتقى المسلمون والكفار، ولَّى المسلمون مدبرين (٤) فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قِبَلَ الكفار. . . ثم قال: "أي عباس، ناد أصحاب السمرة" فقال عباس: - وكان رجلًا صيتًا- فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عَطْفَتهم حين سمعوا صوتي عَطْفَة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك، يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار. . . فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال ﷺ : "الآن حمي الوطيس " (٥).
стр. 163
وظهرت شجاعة النبي ﷺ التي لا نظير لها في هذا الموقف الذي يعجز عنه عظماء الرجال (١) «وسئل البراء، فقال له رجل: يا أبا عمارة، أكنتم وليتم يوم حنين؟ قال: لا والله ما ولى رسول الله ﷺ ، ولكنه خرج شبان أصحابه» جمع شباب. شرح النووي لمسلم ١٢/ ١١٧. وأخفاؤهم (٢) حسرًا (٣). ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فلقوا قومًا رماة لا يكاد يسقط لهم سهم، جمع هوازن، وبني نصر، فرشقوهم رشقًا (٤) ما يكادون يخطئون، فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ وأبو سفيان بن الحارث يقود بغلته، فنزل ودعا، واستنصر، وهو يقول:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
اللهم نزِّل نصرك (٥).
قال البراء: كنا والله إذا احمر البأس (٦) نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي ﷺ (٧).
стр. 164
وفي رواية لمسلم عن سلمة قال: «مررت على رسول الله ﷺ منهزمًا (١) وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله ﷺ : "لقد رأى ابن الأكوع فزعًا". فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: "شاهت الوجوه» (٢) فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله ، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين " (٣).
وقد قال العلماء: إن ركوب النبي ﷺ البغلة في موطن الحرب وعند اشتداد البأس هو النهاية في الشجاعة والثبات، ولأنه أيضًا يكون معتمدًا يرجع الناس إليه، وتطمئن قلوبهم به وبمكانه، وإنما فعل هذا عمدًا، وإلا فقد كانت له ﷺ أفراس معروفة.
ومما يدل على شجاعته تقدمه ﷺ وهو يركض بغلته إلى جمع المشركين، وقد فر الناس عنه، ونزوله إلى الأرض حين غشوه مبالغة في الشجاعة والصبر، وقيل: فعل ذلك مواساة لمن كان نازلًا على الأرض من المسلمين، وقد أخبر الصحابة- ﵃ بشجاعته ﷺ في جميع المواطن (٤).
٤ - ومن مواقفه التي تزخر بالحكمة والشجاعة: ما رواه البخاري ومسلم، عن أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة
стр. 165
ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي ﷺ قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: "لم تراعوا، لم تراعوا"، وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج، في عنقه سيف، فقال: "لقد وجدته بحرًا، أو إنه لبحر» (١).
وهذا المثال وغيره من الأمثلة السابقة تدل دلالة واضحة على أن النبي ﷺ أشجع إنسان على الإطلاق، فلم يكتحل الوجود بمثله ﷺ ، وقد شهد له بذلك الشجعان الأبطال (٢).
قال البراء ﵁: "كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي ﷺ " (٣).
وقال أنس في الحديث السابق: «كان النبي ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس». . . ".
وكانت هذه الشواهد السابقة لشجاعته القلبية، أما شجاعته العقلية فسأكتفي بشاهد واحد؛ فإنه يكفي عن ألف شاهد ويزيد، وهو موقفه من تعنت سهيل بن عمرو، وهو يملي وثيقة صلح الحديبية، إذ تنازل ﷺ عن كلمة "بسم الله الرحمن الرحيم " إلى باسمك اللهم، وعن كلمة: " محمد رسول الله " إلى كلمة: محمد بن عبد الله، وقبوله شرط سهيل على أنه لا يأتي النبي ﷺ رجل من قريش حتى ولو كان مسلمًا إلا رده إلى أهل مكة، وقد استشاط الصحابة غيظًا، وبلغ الغضب حدًّا لا مزيد عليه، وهو ﷺ صابر ثابت حتى انتهت الوثيقة، وكان بعد أيام فتحًا مبينًا.
стр. 166
فضرب ﷺ بذلك المثل الأعلى في الشجاعتين: القلبية، والعقلية، مع بعد النظر، وأصالة الرأي، وإصابته؛ فإن من الحكمة أن يتنازل الداعية عن أشياء لا تضره بأصل قضيته لتحقيق أشياء أعظم منها (١).
وجميع ما تقدم نماذج من شجاعته ﷺ وثباته، وهذا نقطة من بحر، وإلا فإنه لو كتِبَ في شجاعته ﷺ بالاستقصاء لكُتِبَ مجلدات، فيجب على كل مسلم، وخاصة الدعاة إلى الله- أن يتخذوا الرسول ﷺ قدوةً في كل أحوالهم وتصرفاتهم، وبذلك يحصل الفوز والنجاح، والسعادة في الدنيا والآخرة، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (٢)
المسلك الثالث: مواقف الحكمة الفردية:
كان النبي ﷺ أحكم خلق الله، فقد كان يتألف الناس ليدخلوا في الإسلام، ويصبر على أذاهم، ويعفو عن إساءتهم، ويقابلها بالإحسان، وله ﷺ مواقف في الكرم، والجود، والعفو، والحلم، والرفق، والعدل، تظهر في النقاط الآتية:
١ ﷺ مع ثمامة بن أثال، سيد أهل اليمامة: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «بعث رسول الله ﷺ خيلا قِبَلَ نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثمامة بن أثال، سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله ﷺ ، فقال: "ماذا عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي
стр. 167
يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم (١) وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله ﷺ حتى كان بعد الغد، فقال: "ما عندك يا ثمامة " فقال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله ﷺ حتى كان من الغد، فقال: "ماذا عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال، فسل تعط منه ما شئت، فقال رسول الله ﷺ : "أطلقوا ثمامة "، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، يا محمد! والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليَّ، والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليَّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ ، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: [لا والله]، ولكني أسلمت مع رسول الله ﷺ ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ » (٢).
«ثم خرج- ﵁ إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئًا، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ : إنك تأمر بصلة الرحم، وإنك قد قطعت
стр. 168
أرحامنا، وقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فكتب رسول الله ﷺ إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل» (١) وذكر ابن حجر أن ابن منده روى بإسناده عن ابن عباس قصة إسلام ثمامة ورجوعه إلى اليمامة، ومنعه عن قريش الميرة، وَنزول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦] (٢) وقد ثبت ثمامة على إسلامه لما ارتد أهل اليمامة، وارتحل هو ومن أطاعه من قومه، فلحقوا بالعلاء بن الحضرمي، فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين (٣).
الله أكبر، ما أحكم النبي محمدًا ﷺ . وما أعظمه من موقف، فقد كان ﷺ يتألف القلوب، ويلاطف من يرجى إسلامه من الأشراف الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير.
وهكذا ينبغي للدعاة إلى الله- أن يعظموا أمر العفو عن المسيء، لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبًّا في ساعة واحدة؛ لما أسداه النبي ﷺ إليه من العفو والمنّ بغير مقابل، وقد ظهر لهذا العفو الأثر الكبير في حياة ثمامة، وفي ثباته على الإسلام ودعوته إليه (٤).
стр. 169
٢ - موقفه ﷺ مع الأعرابي الذي أراد قتله: روى البخاري ومسلم، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: غزونا مع رسول صلى الله عليه غزوة قِبَل نجد (١) فأدركنا رسول الله ﷺ في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة، فعلق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول الله ﷺ : «إن رجلا أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف، فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتا (٢) في يده، فقال لي، من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت الله، قال: فشام السيف (٣) فها هو ذا جالس»، ثم لم يعرض له رسول الله ﷺ (٤) الله أكبر، ما أعظم هذا الخلق! وما أكبر أثره في النفس! أعرابي يريد قتل النبي ﷺ ثم يعصمه الله منه، ويمكِّنه من القدرة على قتله، ثم يعفو عنه! إن هذا لخلق عظيم، وصدق الله العظيم إذ يقول للنبي ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (٥) وهذا الخلق الحكيم قد أثر في حياة الرجل، وأسلم بعد ذلك، فاهتدى به خلق كثير (٦).
стр. 170
٣ - موقفه ﷺ مع اليهودي زيد بن سعنة، أحد أحبار اليهود: كان النبي ﷺ يعفو عند القدرة، ويحلم عند الغضب، ويحسن إلى المسيء، وقد كانت هذه الأخلاق العالية من أعظم الأسباب في إجابة دعوته والإيمان به، واجتماع القلوب عليه، ومن ذلك ما فعله مع زيد بن سعنة، أحد أحبار اليهود وعلمائهم الكبار (١) جاء زيد بن سعنة إلى رسول الله ﷺ يطلبه دينا له عليه، فأخذ بمجامع قميصه وردائه وجذبه، وأغلظ له القول، ونظر إلى النبي ﷺ بوجه غليظ وقال: يا محمد ألا تقضيني حقي، إنكم يا بني عبد المطلب قوم مُطْلٌ، وشدّد له في القول، فنظر إليه عمر وعيناه تدوران في رأسه كالفلك المستدير، ثم قال: يا عدو الله، أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع، وتفعل ما أرى، فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر في سكون وتُؤَدَةٍ وتَبَسُّمٍ، ثم قال: «أنا وهو يا عمر كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التقاضي، اذهب به يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعًا من تمرٍ"،» فكان هذا سببًا لِإسلامه، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وكان زيد قبل هذه القصة يقول: «لم يبق شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا» (٢)
стр. 171
فاختبره بهذه الحادثة فوجده كما وُصِفَ، فأسلم وآمن وصدق، وشهد مع النبي ﷺ مشاهده، واستشهد في غزوة تبوك مقبلا غير مدبر (١) فقد أقام محمد ﷺ براهين عديدة من أخلاقه على صدقه، وأن ما يدعو إليه حق.
٤ - موقفه ﷺ مع الأعرابي الذي بال في المسجد: عن أنس بن مالك ﵁ قال: «بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مَه مَه (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزرموه (٣) دعوه "، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن "، أو كما قال رسول الله ﷺ .
قال: فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه (٤) عليه» (٥). وقد ثبت في البخاري وغيره أن هذا الرجل هو الذي قال: «اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا»، فعن أبي هريرة ﵁ قال: «قام رسول الله ﷺ في صلاة وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة:
стр. 172
اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فلما سلم النبي ﷺ قال للأعرابي: "لقد حجرت واسعًا» يريد رحمة الله (١) وتفسر هذه الرواية الروايات الأخرى عند غير البخاري، فعن أبي هريرة ﵁ قال: «دخل رجل أعرابي المسجد فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا! فالتفت إليه رسول الله ﷺ فقال: "لقد تحجّرت واسعًا"، ثم لم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع الناس إليه فقال لهم رسول الله ﷺ : "إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين، أهريقوا عليه دلوًا من ماء، أو سجلا من ماء» (٢) قال: يقول الأعرابي بعد أن فقه، «فقام النبي ﷺ إليّ بأبي وأمي فلم يسب، ولم يؤنب، ولم يضرب» (٣) النبي ﷺ أحكم خلق الله، فمواقفه وتصرفاته كلها مواقف حكمة مشرفة، ومن وقف على أخلاقه ورفقه وعفوه وحلمه، ازداد يقينه وإيمانه بذلك.
وهذا الأعرابي قد عمل أعمالًا تثير الغضب، وتسبب عقوبته وتأديبه من الحاضرين؛ ولذلك قام الصحابة إليه، واستنكروا أمره، وزجروه، فنهاهم النبي ﷺ أن يقطعوا عليه بوله.
وهذا في غاية الرفق والحلم والرحمة، يجمع ذلك كله الحكمة، فقد أنكر النبي ﷺ بالحكمة على هذا الأعرابي عمله، فقال له حينما قال: "اللهم
стр. 173
ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا": «لقد حجرت واسعًا»، يريد ﷺ رحمة الله، فإن رحمة الله قد وسعت كل شيء، قال : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] (١) فقد بخل هذا الأعرابي برحمة الله على خلقه. وقد أثنى على من فعل خلاف ذلك حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] (٢) وهذا الأعرابي قد دعا بخلاف ذلك فأنكر عليه النبي ﷺ بالحكمة (٣).
وحينما بال في المسجد أمر النبي ﷺ بتركه؛ لأنه قد شرع في المفسدة، فلو منع ذلك لزادت المفسدة، وقد حصل تلويث جزء من المسجد، فلو منعه ﷺ بعد ذلك لدار بين أمرين:
١ - إما أن يقطع عليه بوله، فيتضرر الأعرابي بحبس البول بعد خروجه.
٢ - وإما أن يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه، أو ثوبه، أو مواضع أخرى من المسجد.
فأمر النبي ﷺ بالكف عنه للمصلحة الراجحة، وهي دفع أعظم المفسدتين أو الضررين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما (٤)
стр. 174
وهذا من أعظم الحكم العالية، فقد راعى النبي ﷺ هذه المصالح، وما يقابلها من المفاسد، ورسم ﷺ لأمته والدعاة من بعده كيفية الرفق بالجاهل، وتعليمه ما. يلزمه من غير تعنيف، ولا سبٍّ ولا إيذاء ولا تشديد، إذا لم يكن ذلك منه عنادًا ولا استخفافًا، وقد كان لهذا الاستئلاف والرحمة والرفق الأثر الكبير في حياة هذا الأعرابي وغيره، فقد قال بعد أن فقه- كما تقدم- في رواية الإمام أحمد: فقام النبي ﷺ إليّ بأبي وأمي، فلم يسبّ، ولم يؤنّب، ولم يضرب (١) قد أثر هذا الخلق العظيم في حياة الرجل (٢) ٥ - موقفه ﷺ مع معاوية بن الحكم: عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: «بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إليّ؟، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني (٣) ولا ضربني ولا شتمني، قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القران "، أو كما قال رسول الله ﷺ .
стр. 175
قلت: يا رسول الله! إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالًا يأتون الكهان، قال: "فلا تأتهم ".
قال: ومنا رجال يتطيرون، قال: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم " (١) (قال ابن الصلاح: فلا يصدنكم)، قال: قلت: ومنا رجال يخطون. قال: "كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك " (٢) قال: وكانت لي جارية ترعى غنمًا لي قبل أحد والجوَانيّة (٣) فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال: "ائتني بها"، فأتيته بها، فقال لها: "أين الله؟ " قالت: في السماء، قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة» (٤) وهذا الموقف من أعظم الحكم البارزة السامية التي أوتيها النبي ﷺ ، وقد ظهر أثر ذلك في حياة ونفس معاوية ﵁؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، ولهذا قال معاوية ﵁: ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه.
стр. 176
٦ - موقفه ﷺ مع الطفيل بن عمرو الدوسي: من مواقف الحكمة ما فعله رسول الله ﷺ مع الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁، فقد أسلم الطفيل ﵁ قبل الهجرة في مكة، ثم رجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فبدأ بأهل بيته، فأسلم أبوه وزوجته، ثم دعا قومه إلى الله- فأبت عليه وعصت، وأبطؤوا عليه، فجاء الطفيل إلى رسول الله ﷺ وذكر له أن دوسًا هلكت وكفرت وعصت وأبت. فعن أبي هريرة - رضىِ الله عنه- قال: «جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول الله ﷺ فقال: إن دوسًا قد عصت وأبت، فادع الله عليهم، فاستقبل رسول الله ﷺ القبلة، ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا. فقال: "اللهم اهد دوسًا، وائت بهم، اللهم اهد دوسًا، وائت بهم» (١).
وهذا يدل على حلم النبي ﷺ وصبره وتأنيه في الدعوة إلى الله- ؛ فإنه ﷺ لم يعجل بالعقوبة، أو الدعاء على من رد الدعوة؛ ولكنه ﷺ دعا لهم بالهداية، فاستجاب الله دعاءه، وحصل على ثمرة الصبر والتأني وعدم العجلة، فقد رجع الطفيل إلى قومه، ورفق بهم، فأسلم على يديه خلق كثير، ثم قدم على النبي ﷺ وهو بخيبر، فدخل المدينة بثمانين أو تسعين بيتًا من دوس، ثم لحقوا بالنبي ﷺ بخيبر، فأسهم لهم مع المسلمين (٢)
стр. 177
الله أكبر! ما أعظمها من حكمة أسلم بسببها ثمانون أو تسعون أسرة. وهذا مما يوجب على الدعاة إلى الله العناية بالحكمة في دعوتهم، ولا يحصل لهم ذلك إلا بفضل الله ثم معرفة هدي النبي ﷺ في دعوته.
٧ - موقفه ﷺ مع الشاب الذي استأذنه في الزنا: عن أبي أمامة ﵁ قال: «إن فتًى شابًّا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه! فقال له: " ادنه "، فدنا منه قريبًا، قال: " أتحبّه لأمّك؛ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: " ولا الناس يحبونه لأمهاتهم " قال: " أفتحبه لابنتك؟ " قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال " ولا الناس يحبونه لبناتهم " قال: " أفتحبه لأختك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: " ولا الناس يحبونه لأخواتهم ". قال: " أفتحبه لعمتك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: " ولا الناس يحبونه لعماتهم ". قال: " أفتحبه لخالتك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: " ولا الناس يحبونه لخالاتهم " قال: فوضع يده عليه، وقال: " اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه "، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء» (١).
وهذا الموقف الحكيم العظيم مما يؤكد على الدعاة إلى الله أن يعتنوا بالرفق والإِحسان إلى الناس، ولا سيما من يرغَبُ في استئلافهم ليدخلوا في الإسلام، أو ليزيد إيمانهم ويثبتوا على إسلامهم. وكما بين لنا الرسول ﷺ الرفق بفعله بينه لنا بقوله وأمرنا بالرفق في الأمر
стр. 178
كله. فعن عائشة ﵂ قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السامُ عليكم. قالت عائشة: ففهمتها فقلت: وعليكم السامُ واللعنة. قالت: فقال رسول الله ﷺ " مهلًا يا عائشة إن الله يُحبّ الرفق في الأمر كله "، فقلت: يا رسول الله أو لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ : " قد قلت وعليكم» (١).
وقال ﷺ : «يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على العُنْف، وما لا يُعطي على ما سواه» (٢).
وقال ﷺ : «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنْزَع من شيءٍ إلا شانه» (٣).
وبين ﷺ أن من حُرمَ الرفق فقد حُرمَ الخير، قال ﷺ : «من يحرم الرفق يحرم الخير» (٤).
وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أُعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حُرمَ حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير» (٥) وعنه ﵁ يبلغَ به قال: «من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من الخير، وليس شيء أثقل في الميزان من الخُلُق الحسن» (٦). وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: «إنه من
стр. 179
أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار» (١).
فقد عظّم النبي ﷺ شأن الرفق في الأمور كلها، وبين ذلك بفعله وقوله بيانًا شافيًا كافيًا؛ لكي تعمل أمّته بالرفق في أمورها كلها، وخاصة الدعاة إلى الله ؛ فإنهم أولى الناس بالرفق في دعوتهم، وفي جميع تصرفاتهم، وأحوالهم. وهذه الأحاديث السابقة تُبيّن فضل الرفق، والحث على التخلق له، ولغيره من الأخلاق الحسنة، وذم العنف وذم من تخلق به.
فالرفق سبب لكل خير؛ لأنه يحصل به من الأغراض ويسهل من المطالب، ومن الثواب ما لا يحصل بغيره، وما لا يأتي من ضده (٢).
وقد حذر النبي ﷺ من العنف، وعن التشديد على أمته ﷺ ، فعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقّ عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» (٣) وكان ﷺ إذا أرسل أحدًا من أصحابه في بعض أموره أمرهم بالتيسير ونهاهم عن التنفير.
فعن أبي موسى ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أموره قال: «بشّرُوا ولا تُنفَرُوا، ويسِّرُوا ولا تُعسِّروا» (٤).
стр. 180
وقال ﷺ لأبي موسى الأشعري ومعاذ ﵄ حينما بعثهما في اليمن: «يسِّرا ولا تُعسِّرا، وبشِّرَا ولا تُنفرَا، وتطاوَعَا ولا تختلفَا» (١).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تُنفِّروا» (٢).
في هذه الأحاديث الأمر بالتيسير والنهي عن التنفير، وقد جمع النبي ﷺ في هذه الألفاظ بين الشيء وضده، لأن الإنسان قد يفعل التيسير في وقت والتعسير في وقت، ويبشر في وقت وينفر في وقت آخر فلو اقتصر على يسروا لصدق ذلك على من يصر مرة أو مرات، وعسر في معظم الحالات؛ فإذا قال ولا تعسِّروا انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه وهذا هو المطلوب. وكذا يقال في يسّرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا؛ لأنهما قد يتطاوعان في وقت ويختلفان في وقت وقد يتطاوعان في شيء ويختلفان في شيء، والنبي ﷺ قد حث في هذه الأحاديث وفي غيرها على التبشير بفضل الله وعظيم ثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، ونهى عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير، وهذا فيه تأليف لمن قرب إسلامه وترك التشديد عليه، وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان، ومن بلغ، ومن تاب من المعاصي كلهم ينبغي أن يتدرج معهم ويُتلطّف بهم في أنواع الطاعات قليلًا قليلًا، وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج فمتى يُسِّرَ على الداخل في الطاعة، أو المريد للدخول فيها سهلت عليه وكانت عاقبته غالبًا الازدياد منها، ومتى عُسِّرت عليه أوشك أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك أن لا يدوم ولا