← Общие книги

Общие книги · id 30919

الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (539 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٦ - موقفه ﷺ مع الطفيل بن عمرو الدوسي: من مواقف الحكمة ما فعله رسول الله ﷺ مع الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁، فقد أسلم الطفيل ﵁ قبل الهجرة في مكة، ثم رجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فبدأ بأهل بيته، فأسلم أبوه وزوجته، ثم دعا قومه إلى الله- فأبت عليه وعصت، وأبطؤوا عليه، فجاء الطفيل إلى رسول الله ﷺ وذكر له أن دوسًا هلكت وكفرت وعصت وأبت. فعن أبي هريرة - رضىِ الله عنه- قال: «جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول الله ﷺ فقال: إن دوسًا قد عصت وأبت، فادع الله عليهم، فاستقبل رسول الله ﷺ القبلة، ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا. فقال: "اللهم اهد دوسًا، وائت بهم، اللهم اهد دوسًا، وائت بهم» (١). وهذا يدل على حلم النبي ﷺ وصبره وتأنيه في الدعوة إلى الله- ؛ فإنه ﷺ لم يعجل بالعقوبة، أو الدعاء على من رد الدعوة؛ ولكنه ﷺ دعا لهم بالهداية، فاستجاب الله دعاءه، وحصل على ثمرة الصبر والتأني وعدم العجلة، فقد رجع الطفيل إلى قومه، ورفق بهم، فأسلم على يديه خلق كثير، ثم قدم على النبي ﷺ وهو بخيبر، فدخل المدينة بثمانين أو تسعين بيتًا من دوس، ثم لحقوا بالنبي ﷺ بخيبر، فأسهم لهم مع المسلمين (٢)

стр. 177

الله أكبر! ما أعظمها من حكمة أسلم بسببها ثمانون أو تسعون أسرة. وهذا مما يوجب على الدعاة إلى الله العناية بالحكمة في دعوتهم، ولا يحصل لهم ذلك إلا بفضل الله ثم معرفة هدي النبي ﷺ في دعوته. ٧ - موقفه ﷺ مع الشاب الذي استأذنه في الزنا: عن أبي أمامة ﵁ قال: «إن فتًى شابًّا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه! فقال له: " ادنه "، فدنا منه قريبًا، قال: " أتحبّه لأمّك؛ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: " ولا الناس يحبونه لأمهاتهم " قال: " أفتحبه لابنتك؟ " قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال " ولا الناس يحبونه لبناتهم " قال: " أفتحبه لأختك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: " ولا الناس يحبونه لأخواتهم ". قال: " أفتحبه لعمتك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: " ولا الناس يحبونه لعماتهم ". قال: " أفتحبه لخالتك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: " ولا الناس يحبونه لخالاتهم " قال: فوضع يده عليه، وقال: " اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه "، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء» (١). وهذا الموقف الحكيم العظيم مما يؤكد على الدعاة إلى الله أن يعتنوا بالرفق والإِحسان إلى الناس، ولا سيما من يرغَبُ في استئلافهم ليدخلوا في الإسلام، أو ليزيد إيمانهم ويثبتوا على إسلامهم. وكما بين لنا الرسول ﷺ الرفق بفعله بينه لنا بقوله وأمرنا بالرفق في الأمر

стр. 178

كله. فعن عائشة ﵂ قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السامُ عليكم. قالت عائشة: ففهمتها فقلت: وعليكم السامُ واللعنة. قالت: فقال رسول الله ﷺ " مهلًا يا عائشة إن الله يُحبّ الرفق في الأمر كله "، فقلت: يا رسول الله أو لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ : " قد قلت وعليكم» (١). وقال ﷺ : «يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على العُنْف، وما لا يُعطي على ما سواه» (٢). وقال ﷺ : «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنْزَع من شيءٍ إلا شانه» (٣). وبين ﷺ أن من حُرمَ الرفق فقد حُرمَ الخير، قال ﷺ : «من يحرم الرفق يحرم الخير» (٤). وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أُعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حُرمَ حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير» (٥) وعنه ﵁ يبلغَ به قال: «من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من الخير، وليس شيء أثقل في الميزان من الخُلُق الحسن» (٦). وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: «إنه من

стр. 179

أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار» (١). فقد عظّم النبي ﷺ شأن الرفق في الأمور كلها، وبين ذلك بفعله وقوله بيانًا شافيًا كافيًا؛ لكي تعمل أمّته بالرفق في أمورها كلها، وخاصة الدعاة إلى الله ؛ فإنهم أولى الناس بالرفق في دعوتهم، وفي جميع تصرفاتهم، وأحوالهم. وهذه الأحاديث السابقة تُبيّن فضل الرفق، والحث على التخلق له، ولغيره من الأخلاق الحسنة، وذم العنف وذم من تخلق به. فالرفق سبب لكل خير؛ لأنه يحصل به من الأغراض ويسهل من المطالب، ومن الثواب ما لا يحصل بغيره، وما لا يأتي من ضده (٢). وقد حذر النبي ﷺ من العنف، وعن التشديد على أمته ﷺ ، فعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقّ عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» (٣) وكان ﷺ إذا أرسل أحدًا من أصحابه في بعض أموره أمرهم بالتيسير ونهاهم عن التنفير. فعن أبي موسى ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أموره قال: «بشّرُوا ولا تُنفَرُوا، ويسِّرُوا ولا تُعسِّروا» (٤).

стр. 180

وقال ﷺ لأبي موسى الأشعري ومعاذ ﵄ حينما بعثهما في اليمن: «يسِّرا ولا تُعسِّرا، وبشِّرَا ولا تُنفرَا، وتطاوَعَا ولا تختلفَا» (١). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تُنفِّروا» (٢). في هذه الأحاديث الأمر بالتيسير والنهي عن التنفير، وقد جمع النبي ﷺ في هذه الألفاظ بين الشيء وضده، لأن الإنسان قد يفعل التيسير في وقت والتعسير في وقت، ويبشر في وقت وينفر في وقت آخر فلو اقتصر على يسروا لصدق ذلك على من يصر مرة أو مرات، وعسر في معظم الحالات؛ فإذا قال ولا تعسِّروا انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه وهذا هو المطلوب. وكذا يقال في يسّرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا؛ لأنهما قد يتطاوعان في وقت ويختلفان في وقت وقد يتطاوعان في شيء ويختلفان في شيء، والنبي ﷺ قد حث في هذه الأحاديث وفي غيرها على التبشير بفضل الله وعظيم ثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، ونهى عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير، وهذا فيه تأليف لمن قرب إسلامه وترك التشديد عليه، وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان، ومن بلغ، ومن تاب من المعاصي كلهم ينبغي أن يتدرج معهم ويُتلطّف بهم في أنواع الطاعات قليلًا قليلًا، وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج فمتى يُسِّرَ على الداخل في الطاعة، أو المريد للدخول فيها سهلت عليه وكانت عاقبته غالبًا الازدياد منها، ومتى عُسِّرت عليه أوشك أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك أن لا يدوم ولا

стр. 181

يستحليها (١). وهكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج، ولهذا كان النبي ﷺ . يتخوّل أصحابه بالموعظة في الأيام كراهة السَّآمة عليهم (٢). فصلوات الله وسلامه عليه فقد دل أمته على كل خير وحذرهم من كل شر، ودعا على من شق على أمته، ودعا لمن رفق بهم كما تقدم في حديث عائشة وهذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس، وأعظم الحث على الرفق بهم (٣). ٨ - موقفه ﷺ مع من شفع في ترك إقامة الحد: قد كان النبي ﷺ أعدل البشر في جميع أموره وأحكامه، ومما يضرب به المثل في عدله إلى يوم القيامة قصة المخزومية التي سرقت فقطع يدها بعد أن شفع فيها أسامة، ولكن الرسول ﷺ لم يحابِ في ذلك، ولم يقبل الشفاعة في حد من حدود الله تعالى. فعن عائشة ﵂ «أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا. من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حب رسول الله ﷺ فأُتي بها رسول الله ﷺ ، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول الله ﷺ فقال: " أتشفع في حد من حدود الله؟ " فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله! فلما كان العشي قام رسول الله ﷺ فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله، فقال: " أما بعد، أيها الناس. إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ".

стр. 182

ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتيني فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ » (١). إن العدل خلاف الجور، وقد أمر الله به في القول والحكم، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢] (٢) وقال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] (٣). ولا شك أن هذا الموقف الحكيم وغيره من مواقفه ﷺ مما يوجب على الدعاة تطبيقها أسوة به ﷺ (٤). ٩ - موقفه ﷺ الحكيم في الكرم والجود: عن أنس ﵁ قال: «ما سُئِلَ رسول الله ﷺ على الإِسلام شيئًا إلا أعطاه قال: فجاءَه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا؛ فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة» (٥).

стр. 183

وهذا الموقف الحكيم العظيم يدل على عظم سخاء النبي جمعيه، وغزارة جوده (١). وكان ﷺ يعطي العطاء ابتغاء مرضاة الله ، وترغيبًا للناس في الإسلام، وتأليفًا لقلوبهم، وقد يُظهر الرجل إسلامه أولًا للدنيا ثم - بفضل الله تعالى، ثم بفضل النبي ﷺ ونور الإِسلام - لا يلبث إلا قليلًا حتى ينشرح صدره للإِسلام بحقيقة الإِيمان، ويتمكن من قلبه، فيكون حينئذ أحب إليه من الدنيا وما فيها (٢). ولهذا شواهد كثيرة، منها: ما رواه مسلم في صحيحه «أن النبي ﷺ غزا غزوة الفتح - فتح مكة - ثم خرج ﷺ بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة. قال صفوان: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي» (٣). وقال أنس ﵁: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإِسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها» (٤).

стр. 184

وإذا رأى ﷺ الرجل ضعيف الإِيمان، فقد كان ﷺ يجزل له في العطاء، قال ﷺ : «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يُكبَّ في النار على وجهه» (١). ولذلك كان ﷺ «يعطي رجالًا من قريش المائة من الإِبل» (٢). ومن مواقفه الحكيمة العظيمة في ذلك ما فعله ﷺ مع المرأة المشركة صاحبة المزادتين، فإنه ﷺ بعد أن أسقى أصحابه من مزادتيها، ورجعت المزادتان أشد ملاءة منها حين ابتدأ فيها «قال لأصحابه: " اجمعوا لها "، فجمعوا لها - من بين عجوة ودقيقة وسويقة - حتى جمعوا لها طعامًا كثيرًا وجعلوه في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، فقال لها: " اذهبي فأطعمي هذا عيالك، تعلمين والله ما رزأناك (٣). من مائك شيئًا، ولكن الله هو الذي أسقانا». وفي القصة أنها رجعت إلى قومها فقالت: لقيت أسحر الناس، أو هو نبي كما زعموا، فهدى الله ذلك الصرم (٤) بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا (٥). وفي رواية: فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون الصرم الذي هي منه، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإِسلام؛ فأطاعوها، فدخلوا في الإِسلام (٦). وقد كان سبب إسلام هذه المرأة أمران: الأمر الأول: ما رأته من أخذ النبي ﷺ وأصحابه من مزادتيها ولم ينقص ذلك من مائها شيئًا، وهذا من معجزات النبي ﷺ التي تدل على صدق رسالته. الأمر الثاني: كرم النبي ﷺ حينما أمر أصحابه أن يجمعوا لها، فجمعوا لها طعامًا كثيرًا. أما قومها، فقد أسلموا على يديها، لأن المسلمين صاروا يراعون قومها بإقرار النبي ﷺ على سبيل الاستئلاف لهم، حتى كان ذلك سببًا لإِسلامهم (٧). وهذه الأمثلة التي سقتها ما هي إلا قطرة من بحر من كرم النبي ﷺ ، فما أحوجنا، وما أولى جميع الدعاة إلى الله إلى الاقتداء بالنبي ﷺ والاقتباس من نوره وهديه في دعوته وفي أموره كلها، والله المستعان. ١٠ - مواقف النبي ﷺ مع زعيم المنافقين عبد الله بن أُبَيّ: قدم النبي ﷺ المدينة، وقد أجمع الأوس والخزرج على تمليك عبد الله بن أُبي، ولم يختلف عليه في شرفه اثنان، ولم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين، وكانوا قد نظموا له الخرز، ليُتَوِّجوه ثم يملِّكوه عليهم، فجاءهم الله - تعالى - برسول الله ﷺ وهم على ذلك، فلما انصرف قومه عنه إلى الإِسلام امتلأ قلبه حقدًا وعداوة وبغضًا، ورأى أن رسول الله ﷺ قد استلبه ملكه، فلما رأى قومه أبوا إلا الإِسلام، دخل فيه كارهًا، مصرًا على النفاق والحقد والعداوة (٨) ولم يأل جهدًا في الصدّ عن الإِسلام، وتفريق جماعة المسلمين، والذب عن اليهود ومساعدتهم.

стр. 185

وقد ظهرت مواقفه الخبيثة في معاداته لدعوة الإِسلام، ولكن عن طريق التستر والنفاق، وقد كان النبي ﷺ يقابل عداوته بالعفو والصفح والحلم؛ لأنه يُظهر الإِسلام، ولأن له أعوانًا من المنافقين، هو رئيسهم وهم تبع له، فكان ﷺ يحسن إليه بالمقال والفعال، ويقابل إساءته بالعفو والإِحسان في عدة مواقف، منها على سبيل المثال ما يأتي: (أ) شفاعته لليهود (بنو قينقاع) عندما نقضوا العهد: نقض بنو قينقاع العهد بعد بدر بكشف عورة امرأة من المسلمين في السوق، وبقتل رجل نصرها من المسلمين (١) فسار إليهم رسول الله ﷺ يوم السبت للنصف من شوال، على رأس عشرين شهرًا من الهجرة، وحاصرهم خمسة عشر يومًا، وتحصنوا في حصونهم، فحاصرهم أشد الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ فأمر بهم فَكُتِّفُوا، وكانوا سبعمائة مقاتل، فقام إلى النبي ﷺ عبد الله بن أُبي حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن في موالي، فأبطأ عليه رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد، أحسن في موالي، فأعرض عنه، فأدخل يديه في جيب درع النبي ﷺ ، وقال: والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربع مائة حاسر، وثلاثمائة دارع (٢) قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر، فوهبهم النبي ﷺ له (٣) وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذرعات من

стр. 186

أرض الشام، وقبض منهم أموالهم، وخمس غنائمهم صلوات الله وسلامه عليه (١). (ب) ما فعله مع النبي ﷺ يوم أحد: خرج النبي ﷺ إلى معركة أحد، فلما صار بين أحد والمدينة انخزل عبد الله بن أبي بنحو ثلث العسكر، ورجع بهم إلى المدينة فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر ﵄ فوبّخهم، وحضهم على الرجوع، وقال: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع، فرجع عنهم وسبهم (٢). فلم يعاقبه رسول الله ﷺ على هذا الجرم العظيم، وتخذيل المسلمين. (جـ) صده الرسولَ ﷺ عن الدعوة إلى الله تعالى: «ركب النبي ﷺ إلى سعد بن عبادة، فمر بعدوّ الله عبد الله بن أُبي وحوله رجال من قومه، فنزل ﷺ فسلم ثم جلس قليلًا، فتلا القرآن، ودعا إلى الله ، وذكَّر بالله، وحذر وبشر وأنذر، وعندما فرغ ﷺ من مقالته، قال له عبد الله بن أُبي: يا هذا، إنه لا أحسن من حديثك هذا، إن كان حقًّا فاجلس في بيتك فمن جاءك له فحدثه إياه، ومن لم يأتك فلا تغته (٣) ولا تأته في مجلسه بما يكره منه» (٤) فلم يؤاخذه ﷺ ، وعفا عنه وصفح.

стр. 187

(د) تثبيته بني النضير: عندما نقض يهود بني النضير العهد بهَمِّهِم بقتل النبي ﷺ ، بعث إليهم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده، فبعث إليهم أهل النفاق - وعلى رأسهم عبد الله بن أُبي - أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم، إن قُوتلتم قاتلنا معكم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم، فقويت عزيمة اليهود، ونابذوا رسول الله ﷺ بنقض العهد، فخرج إليهم حتى نزل بهم وحاصرهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وأجلاهم النبي ﷺ وخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام (١). وترك النبي ﷺ عبد الله بن أُبي فلم يُعاقبه على ذلك. (هـ) كيده وغدره للنبي ﷺ ومن معه من المسلمين في غزوة المريسيع: في هذه الغزوة قام عبد الله بن أُبي بعدة مواقف مخزية توجب قتله وعقابه، منها: ١ - دبر المنافقون في هذه الغزوة قصة الإِفك، وتولى كبره عبد الله بن أُبي ابن سلول (٢). ٢ - وفي هذه الغزوة قال عبد الله بن أُبي: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] (٣).

стр. 188

٣ - وفٍي هذه الغزوة قال عدو الله: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] (١). وقد ظهرت الحكمة المحمدية، وتجلت السياسة الرشيدة في إخماد النبي ﷺ نار الفتنة، وقطع دابر الشر - بفضل الله ثم بصبره - على عبد الله ابن أُبي، وتحمله له، والإِحسان إليه، ومقابلة هذه المواقف المخزية من هذا الزعيم المنافق بالعفو؛ لأن هذا الرجل له أعوان، ويخشى من شرهم على الدعوة الإِسلامية؛ ولأنه يظهر إسلامه، ولهذا قال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب - حينما قال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق -: «دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» (٢). فلو قتله رسول الله ﷺ لكان ذلك منفرًا للناس عن الدخول في الإسلام؛ لأنهم يرون أن عبد الله بن أُبي مسلم، ومن ثم سيقول الناس: إن محمدًا يقتل المسلمين، فعند ذلك تظهر المفاسد، وتتعطل المصالح. فظهرت حكمة النبي ﷺ وصبره على بعض المفاسد خوفًا من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم؛ ولتقوى شوكة الإِسلام، وقد أمر بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر.

стр. 189

وقد ظهرت الحكمة لعمر بعد ذلك في عدم قتل عبد الله بن أبي فقال: " قد والله علمت, لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري " (١). وهكذا ينبغي للدعاة إلى الله أن يسلكوا طريق الحكمة في دعوتهم اقتداء بنبيهم ﷺ .

стр. 190

المبحث الثاني مواقف الصحابة ﵃ توطئة. المطلب الأول: مواقف أبي بكر الصديق ﵁. المطلب الثاني: مواقف عمر بن الخطاب ﵁. المطلب الثالث: مواقف عثمان بن عفان ﵁. المطلب الرابع: مواقف علي بن أبي طالب ﵁. المطلب الخامس: مواقف مصعب بن عمير ﵁. المطلب السادس: موقف ضمام بن ثعلبة ﵁. المطلب السابع: موقف سعد بن معاذ ﵁. المطلب الثامن: موقف الحسن بن علي ﵄. المطلب التاسع: مواقف جماعة من الصحابة ﵃.

стр. 191

توطئة كما كان للنبي ﷺ مواقف حكيمة، فإن للصحابة مواقف مشرفة، تزخر بالحكمة؛ لأنهم تلقوا الحكم العالية من النبي ﷺ . وسأشير - إن شاء الله تعالى - إلى مواقف بعض الصحابة على سبيل المثال لا الحصر في المطالب التالية: المطلب الأول: مواقف أبي بكر الصديق ﵁. المطلب الثاني: مواقف عمر بن الخطاب ﵁، الفاروق ﵁. المطلب الثالث: مواقف عثمان بن عفان ﵁. المطلب الرابع: مواقف علي بن أبي طالب ﵁. المطلب الخامس: مواقف مصعب بن عمير ﵁. المطلب السادس: موقف ضمام بن ثعلبة ﵁. المطلب السابع: موقف سعد بن معاذ ﵁. المطلب الثامن: موقف الحسن بن علي ﵄. المطلب التاسع: مواقف جماعة من الصحابة ﵃.

стр. 192

المطلب الأول من مواقف أبي بكر الصديق ﵁ له ﵁ مواقف حكيمة تدل على عظم شأنه وصدقه مع الله ، ومن هذه " المواقف على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي: ١ - دفاعه عن النبي ﷺ والقيام بنصرته: عن عروة بن الزبير ﵁ قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ ، قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي مُعيط، فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبلِ أبو بكر، فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله ﷺ وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] (١). وهو أشجع الصحابة ﵃، فقد رُوِي عن علي ﵁ أنه خطب، فقال: أيها الناس أخبروني من أشجع الناس؟ قالوا: أنت يا أمير المؤمنين! قال: أما إني ما بارزت أحدًا إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس! قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: أبو بكر. إنه لما كان يوم بدر، جعلنا لرسول الله ﷺ عريشًا، فقلنا: من يكون مع الرسول ﷺ لئلّا يهوي إليه أحد من المشركين، فوالله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر، شاهرًا بالسيف على رأس رسول الله ﷺ لا يهوي إليه أحد إلَّا أَهْوى إليه، فهذا أشجع الناس. قال علي ﵁: ولقد رأيت رسول الله ﷺ وأخذته قريش، فهذا يحاده، وهذا يتلتله (٢) وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلهًا

стр. 193

واحدًا، فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر، يضرب هذا، ويجاهد هذا، ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم، ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨] ثم رفع علي بردة كانت عليه، ثم بكى حتى اخضلت لحيته، ثم قَال علي: أنشدكم الله، أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟ فسكت القوم. ثم قال: ألا تجيبوني؛ فوالله لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مثل مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه (١). ٢ - تصديقه للنبي ﷺ والحرص على حمايته: عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لما كذبني قريش قمت في الحجر، فجَلّى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» (٢). وقد افتتن ناس كثير عقب الإِسراء، فجاء ناس إلى أبي بكر فذكروا له قصة الإِسراء بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس، فقال أبو بكر: أشهد أنه صادق، فقالوا: وتصدقه بأنه أتى الشام في ليلة واحدة ثم رجع إلى مكة؟ قال: نعم، إني أصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء، فسُمّي بذلك الصديق (٣).

стр. 194

وقد كان ﵁ يحرص على حماية النبي ﷺ أشد الحرص، فقد ذكر رجال على عهد عمر ﵁، فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر، فبلغ ذلك عمر، فقال: والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر، وليوم من أبي بكر خير من آل عمر، لقد خرج رسول الله ﷺ ليلة انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر، فجعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، حتى فطن رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا بكر، ما لك تمشي ساعة خلفي، وساعة بين يدي؟» فقال: يا رسول الله، أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك، فقال: «يا أبا بكر، لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني»؛ " قال: نعم، والذي بعثك بالحق، فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار، فدخل فاستبرأه، حتى إذا كان ذكر أنه لم يستبرئ الجحرة (١) فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ، فدخل فاستبرأ، ثم قال: انزل يا رسول الله، فنزل. ثم قال عمر: والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر (٢). وعندما دخل أبو بكر الغار مع النبي ﷺ صار يخاف عليه من قريش حينما رآهم، فقال ﵁ وأرضاه: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا، فقال: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن فإن الله معنا» (٣).

стр. 195

ولهذا قال ﷺ : «إن أمنَّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليَلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أُخُوَّة الإِسلام ومودَّته» (١). وقال: «لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلًا» (٢). ٣ - إنفاقه ماله في سبيل الله تعالى: عندما أسلم أبو بكر ﵁ كان من أثرى أثرياء قريش، فكانت عنده أموال كثيرة، وقد كان في منزله يوم أسلم أربعون ألف درهم أو دينار، فاستخدم أمواله كلها في طاعة الله، ومن ذلك ما يأتي. (أ) إنفاق المال في إعتاق الرّقاب: أعتق ﵁ رقابًا كثيرة، حُفِظَ منهم سبع رقاب: بلال، وعامر بن فهيرة، وزنيرة، والهندية وبنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، وجارية بني مؤمل، وأم عبيس، رضي الله عن الجميع. وقد كانت هذه الرّقاب يُعذّب معظمها على إسلامها، فأنقذها الله بأبي بكر الصديق ﵁، وأخذ ﵁ ينفق أمواله في خدمة الإِسلام والمسلمين (٣).

стр. 196

(ب) أخذه جميع ماله يوم الهجرة لإِنفاقه على رسول الله ﷺ : حمل الباقي من ماله عندما هاجر مع النبي ﷺ إلى المدينة، ولم يبق لأهله شيئًا، فعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: لما خرج رسول الله ﷺ وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر معه ماله كله، خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم، فانطلق بها معه، قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قالت: قلت: كلَّا يا أبت، قد ترك لنا خيرًا كثيرًا، قالت: فأخذت أحجارًا فجعلتها في كوة (١) في البيت - كان أبي يجعل فيها ماله - ثم جعلت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: ضع يا أبت يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، إن ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا لكم بلاغ، قالت: " ولا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكن أردت أن أسكِّن الشيخ بذلك " (٢). (جـ) تصدُّقه بماله كله في غزوة تبوك: وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : " ما أبقيت لأهلك؟ " قلت: مثله. قال: وأتى أبو بكر ﵁ بكل ما عنده، فقال له رسول الله ﷺ : " ما أبقيت لأهلك؟ " قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: والله لا أسبقه إلى شيء أبدًا» (٣).

стр. 197

وأبو بكر ﵁ أولى الأمة بقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى - وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى - إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى - وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ١٧ - ٢١] (١). ٤ - موقف أبى بكر عقب وفاة النبي ﷺ (٢): أُصيب المسلمون يوم وفاة الرسول ﷺ بمصيبة عظيمة، وهزّة عنيفة أفقدت الكثير منهم صوابهم، حتى أن عمر أنكر موت النبي ﷺ وخرج الناس وخطبهم، وقال: والله ما مات رسول الله ﷺ وليبعثنه الله فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم. وأقبل أبو بكر ﵁ على فرس من مسكنه بالسُّنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يُكلّم الناس حتى دخل على عائشة ﵂ فتيمم رسول الله ﷺ وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليه موتتين، أما الموتة التي كُتِبَتْ عليك فقد متها (٣) ثم خرج أبو بكر - وعمر يُكّلم الناس - فقال: أيها الحالف على رسْلِك، وقال: اجلس يا عمر،

стр. 198

فأبى عمر أن يجلس، فلما تكلم أبو بكر أقبل الناس إليه وتركوا عمر، فجلس عمر ﵁ فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدًا ﷺ فإن محمدًا ﷺ قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (١) وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] (٢). فوالله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل الآية حتى تلاها أبو بكر ﵁، وقال عمر. والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي ﷺ قد مات. وقال الراوي: " فتلقاها الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها، ونشج الناس يبكون " (٣). إن المصيبة عظيمة، والأمر كبير، والحادث جليل، والخلاف واقع؛ ولكن أبا بكر ﵁ بفضل الله تعالى - حل الخلاف، وألف بين القلوِب وثبّتها، ولا يقدر على هذا إلا من أُوتي قلبًا ثابتًا، وشجاعة فائقة، وعقلاَ راجحًا، وحكمة بالغة، ﵁ وأرضاه.

стр. 199

وفي اليوم الثاني - يوم الثلاثاء - خطب أبو بكر الناس، وبين، عليهم، وما لهم، فقام ﵁ وأرضاه - فحمد الله وأثنى بالذي هو أهله، ثم قال: أيها الناس، فإني قد وُلِّيتُ عليكم وليست بخيركم، فإن أحسنت فأعينُوني، وإن أسأت فَقَوِّمُوني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه (١) حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قطّ إلا عمّهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فيكم فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله (٢). وقوله ﵁: ولِّيتُ عليكم ولست بخيركم: من باب التّواضع، وإلا فإن الصحابة كلهم مُجمِعُون على أنه أفضلهم وخيرهم، ﵃ أجمعين (٣). ٥ - موقفه ﵁ في إنفاذ جيش أسامة بن زيد ﵄: ظهرت حكمة الصديق ﵁ أثناء تنفيذ جيش أسامة زيد ﵄ من عدة وجوه: (أ) تنفيذه بعث أسامة ﵁ على الرغم من شدة الأحوال ومعارضة بعض الصحابة، وذلك امتثالًا لأمر النبي ﷺ .

стр. 200

بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد ﵄ في مرضه الذي توفي فيه (١) وندب الناس إلى غزو الروم، وكان تجهيز جيش أسامة قبل وفاة النبي ﷺ بيومين، وكان ذلك يوم السبت، وقد كان ابتداء ذلك قبل مرض النبي ﷺ ، ثم اشتد به مرضه، فأمر بإنفاذ جيش أسامة، وتوفي ﷺ فَعَظُم الخطب، واشتد الحال، وظهر النفاق بالمدينة، وارتدت أحياء من العرب حول المدينة، وامتنع آخرون من دفع الزكاة، ولم يبق للجمعة مقام في بلد سوى مكة والمدينة، وكانت جواثا من البحرين أول قرية أقامت الجمعة بعد رجوع الناس إلى الحق؛ وثبتت ثقيف بالطائف على الإِسلام لم يرتدوا. وعندما وقعت هذه الأمور أشار كثير من الناس على أبي بكر الصديق ألَّا ينفذ جيش أسامة لاحتياجه إليه فيما هو أهم؛ لأن ما جُهِّز بسببه في حال السلامة. وكان من جملة من أشار بذلك عمر بن الخطاب ﵁، فامتنع الصديق من ذلك، وأَبى أشد الإِباء إلا أن ينفذ جيش أسامة، وقال كلمته العظيمة الحكيمة: والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله ﷺ ، ولو أن الطير تخطفنا والسّباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين، لأُجَهِّزَنّ جيش أسامة، وأمر الحرس أن يكونوا حول المدينة. (ب) ثم إن بعض الناس أشار على أبي بكر أن يولي أمر الجيش رجلًا أقدم سنًّا من أسامة؛ فغضب ﵁ لذلك؛ لأن الرسول ﷺ هوَ الذي أَمَّرَ أسامة على هذا الجيش، فلا يريد ﵁ أن يغير شيئًا فعله رسول الله ﷺ .

стр. 201

(جـ) وخرج أبو بكر ﵁ يشيع الجيش ويودع أسامة وجيشه، وأبو بكر يسير على قدميه، وأسامة راكبًا، فقال له أسامة: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب، وإما أن أنزل، فقال أبو بكر: والله لست براكب ولست بنازل، وما علي أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله. (د) واستأذن أبو بكر ﵁ من أسامة لعمر بن الخطاب وقد كان عمر من ضمن الجنود في جيش أسامة، فَأَذِنَ أسامة لعمر بن الخطاب - رضي الله عن الجميع - وأرضاهم. فكان خروج أسامة إلى الروم بأرض الشام في ذلك الوقت من أكبر المصالح، فساروا لا يمرون بحي من أحياء العرب إلا أُرعبوا منهم وأخذهم الخوف والفزع، وقالوا: ما خرج هؤلاء القوم إلا وبهم شديدة، وسنتركهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم وبقوا أربعين يومًا - وقيل سبعين يومًا - ثم أتوا سالمين غانمين، وعندما رجعوا جهزهم أبو بكر مع الجيش لقتال أهل الردة ومانعي الزكاة (١). الله أكبر ما أعظم هذا الموقف، وما أحكمه! فقد ظهرت حكمته وشجاعته وطاعته لرسول الله ﷺ ، وهي سبب النصر والفلاح، وبتنفيذ هذا الجيش أدخل الله الرُّعب في قلوب المرتدين، واليهود، والنصارى وهذا كله بفضل الله، ثم بامتثال أمر رسول الله ﷺ بإنفاذ جيش أسامة زيد ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (٢).

стр. 202

وهذا مما يؤكد على كل مسلم أن يعتني بأمر رسول الله ﷺ ويبتعد عن نهيه، وذلك كله هو مدار السعادة والفلاح، والفوز والنجاح في الدنيا والآخرة. ٦ - موقف أبى بكر ﵁ مع أهل الردة ومانعي الزكاة: عندما توفي رسول الله ﷺ ارتدت أحياء كثيرة من العرب، وظهر النفاق، وقد كان أهل الردة على قسمين: القسم الأول: ارتدوا عن الدين، ونابذوا الملّة، وهذه الفرقة طائفتان: (أ) مُدّعُو النبوة وأتباعهم. (ب) والطائفة الأخرى ارتدوا عن الدين، وتركوا الصلاة والزكاة، وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية. القسم الثاني: هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة، فأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها. وهذا القسم هو الذي وقع فيه الخلاف، فثبت أبو بكر ﵁، ثم وافقه جميع الصحابة على قتال جميع المرتدين ومانعي الزكاة ﷺ فعن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقّه، وحسابه على الله»؟ فقال أبو بكر: والله لُأقَاتِلنّ من فرّق بين

стр. 203

الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عِقَالًا (١) كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت الحق (٢). وفي رواية: أن أبا بكر ﵁ قال: " والله لأُقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عَناقًا (٣). يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. . . " (٤). وفي هذا الموقف الحكيم لأبي بكر أدلّ دليل على شجاعته ﵁ وتقدّمه في الشجاعة والعلم على غيره، فإنه ثبت للقتال في هذا الموطن العظيم الذي هو أكبر نعمة أنعم الله - تعالى - بها على المسلمين بعد رسول الله ﷺ ، واستنبط ﵁ من العلم بحكمته، ودقيق نظر ورصانة فكره، ما لم يُشاركه في الابتداء به غيره، فلهذا وغيره مما أكرمه الله، أجمع أهل العلم بالحق على أنه أفضل أمة محمد ﷺ (٥).

стр. 204

فرضي الله عن أبي بكر وأرضاه، وجزاه عن أمة محمد خير الجزاء؛ فإنه قد قام بما يجب عليه نحوها، من ترسيخ معاني الإِسلام في قلوب ونفوس وحياة أمة محمد ﷺ ، وأمرها بالثّبات على دين الله الذي جاء به النبي ﷺ من غير زيادة ولا نقص، وطبق ذلك تطبيقًا عمليًا على نفسه، وعلى جميع من بايعه، وقاتل من أنكر شيئًا من ذلك، فقد أعزّ الله به الإِسلام والمسلمين، وخذل به أعداء الله وأعداء الدين، ولهذا لم ينقص الدين في حياته كما قال ﵁ لعمر بن الخطاب حينما أشكل عليه قتال مانعي الزكاة: إنه قد انقطع الوحي وتمّ الدّين، أفينقص وأنا حي؟ والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، أليس قد قال رسول الله ﷺ : " إلا بحقها "، ومن حقها: إيتاء الزكاة، والله لو خذلني الناس كلهم لجاهدتهم بنفسي " (١). وصدق ﵁، فقد حفظ الله به الدين، ولم ينقص وهو حي، ولهذا كانت خلافته مليئة بالأعمال الجليلة التي تحتاج إلى السنوات الطوال لإِنجازها على الرغم من قصر مدة خلافته ﵁، فهي لم تزد على سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، وهذا يدل على حكمة أبي بكر العظيمة ووعيه التام بالإِسلام، وعزيمته الثابتة الراسخة كالجبال الرَّوَاسِي، وإيمانه الذي لو وُزِنَ وإيمان الأمة كلها (٢) لرجح إيمان أبي بكر بإيمان أمة محمد ﷺ ، ولهذا يعدّ ﵁ هو الذي أرسى الدعائم بعد وفاة النبي ﷺ ، وأثبت المفاهيم، فرضي الله عنه وأرضاه (٣).

стр. 205

المطلب الثاني من مواقف عمر بن الخطاب ﵁ لعمر ﵁ مواقف مشرفة حكيمة كثيرة جدًّا، منها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي: ١ - موقفه في إظهار إسلامه وهجرته: عندما أسلم عمر ﵁ على يد النبي ﷺ أراد أن يعلم قريش بإسلامه، فسأل عن أنقلهم للحديث، لينقل خبر إسلامه إلى قريش، فقيل له: جميل بن معمر الجمحي، فذهب عمر ﵁ إلى جميل، وقال له: أعلمت يا جميل أنّي قد أسلمت ودخلت في دين محمد؟ فقام جميل بن معمر يجر رداءه مُسرعًا حتى قام على باب المسجد، ثم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ، فقال عمر وهو واقف خلفه: كذب، ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ ، فثار عليه قريش من أنديتهم حول باب الكعبة، وقاتلهم وقاتلوه، واستمر القتال بينهم وبينه في هذا الموقف حتى قامت الشمس على رؤوسهم، وقد تعب عمر ﵁ فقعد وقاموا على رأسه، وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل لتركناها لكم، أو لتركتموها لنا، وبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلّة حبرة، وقميص مُوشح، حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر، فقال: فمه، رجل اختار لنفسه أمرًا فماذا تريدون؟ أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم هكذا؟ خلُّوا عن الرجل! قال عبد الله بن عمر: فوالله لكأنما كانوا ثوبًا كشط عنه, قال: فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبت من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك، - جزاه الله خيرًا؟ - قال

стр. 206

يا بُنَي ذاك العاص بن وائل - لا جزاه الله خيرًا - (١). وبإسلام عمر وإظهاره إسلامه ﵁ أعزّ الله به الإِسلام، وفرّق به بين الحق والباطل، فسُمِّي الفاروق ﵁، وأظهر الصحابة صَلاتهم حول الكعبة، وقريش ينظرون إليهم (٢). قال عبد الله بن مسعود ﵁: " ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر " (٣). وقال ﵁ أيضًا: " كان إسلام عمر فتحًا، وهجرته نصرًا، وإمارته رحمة، والله ما استطعنا أن نُصلّي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نصلي " (٤). وقد كان عمر ﵁ يتعرّض لرؤوس الكفر، ويعلن أمامهم إسلامه، بل يذهب إلى بيوتهم ويطرق أبوابهم ليخبرهم بأنه قد أسلم، لعلّهم يقومُون بشيء ضدّه فيُصيبه ما يُصيب إخوانه المسلمين، ويستطيع في الوقت نفسه أن ينتقم من تلك الرؤوس، ولم يُرد عمر أن يكون هو في

стр. 207

نعمة وعافية وراحة، والمسلمون في إيذاء وتعذيب، فعندما أعلن إسلامه، وبدأت قريش تقاتله وثب على عتبة بن ربيعة فبرك عليه، وأدخل أصبعه في عينيه، فجعل عتبة يصيح، فتنحى الناس عن عمر، وقام عمر، فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ شريف من دنا منه، حتى تراجع الناس عنه (١) وعندما اشتد أذى المشركين على المسلمين، وأذن لهم رسول الله ﷺ بالهجرة من مكة إلى المدينة، وابتدأت وفود المسلمين متجهة إلى المدينة وكلها مختفية في هجرتها وانتقالها، إلا هجرة عمر بن الخطاب ﵁، فقد رُوِي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: ما علمت أن أحدًا من المهاجرين هاجر إلا مختفيًا، إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهمًا، وأتى الكعبة، وأشراف قريش بفنائها، فطاف سبعًا متمكنًا، ثم أتى المقام فصلى ركعتين، ثم أتى حلقهم، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، فقال: شاهت الوجوه، من أراد أن تَثْكَله أمه وييتم ولده، وترمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي، فما تبعه منهم أحد (٢). ٢ - موقفه الحكيم في تثبيته الناس على بيعة أبى بكر ﵁: عقب وفاة النبي ﷺ اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلّم، فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلامًا قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر، فتكلم أبلغ الناس، فقال

стр. 208

في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر. لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء، وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب دارًا، وأعربهم أحسابًا، فبايعوا عمر، أو أبا عبيدة. فقال عمر: بل نبايعك أنتَ، فأنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس (١). فرضي الله عن عمر وأرضاه، فإنه عندما ارتفعت الأصوات في السقيفة وكثر اللَّغَطُ، وخشي عمر الاختلاف، ومن أخطر الأمور التي خشيها عمر أن يُبْدَأ بالبيعة لأحد الأنصار فتحدث الفتنة العظيمة؛ لأنه ليس من اليسير أن يبايع أحد بعد البدء بالبيعة لأحد الأنصار، فأسرع عمر ﵁ إخمادًا للفتنة، فقال لأبي بكر: ابسط يدك، فبسط يده فبايعه، وبايعه المهاجرون، ثم الأنصار (٢). وعندما كان يوم الثلاثاء جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس، إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت، وما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهدًا عهده إلي رسول الله ﷺ ، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله ﷺ سيُدَبّر أمرنا، يقول: يكون آخرنا، وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله رسوله ﷺ ، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله ﷺ ، ثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعته العامة بعد بيعة السقيفة (٣).

стр. 209

فكان عمر ﵁ يذود ويقوي، ويشجع الناس على بيعة أبي بكر حتى جمعهم الله عليه، وأنقذهم الله من الاختلاف والفرقة والفتنة. فهذا الموقف الذي وقفه عمر مع الناس من أجل جمعهم على إمامة أبي بكر، موقف عظيم من أعظم مواقف الحكمة التي ينبغي أن تسجل بماء الذهب من مواقف عمر الحكيمة. ٣ - موقفه الحكيم في إصلاح الأهل قبل الناس: كان عمر ﵁ مع أهله قويًّا، فكان إذا أراد أن يأمر المسلمين بشيء أو ينهاهم عن شيء مما فيه صلاحهم ونجاحهم وفلاحهم، بدأ بأهله، وتقدم إليهم بالوعظ لهم، والوعيد على خلافهم أمره، فعن سالم بن عبد الله بن عمر، قال: " كان عمر إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شيء جمع أهله، فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وأقسم بالله لا أجد أحدًا منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة " (١). وهذا من أعظم مواقف الحكمة؛ لأن الناس ينظرون إلى الداعية ومدى تطبيقه العملي والقولي لما يدعو إليه، كما ينظرون إلى تطبيقه ذلك على أهله ومن تحت يده. ٤ - موقفه الحكيم في دعوته بتواضعه لله تعالى: كان عمر ﵁ وأرضاه - مع قوته في دين الله، وشجاعته، وشدته، على أعداء الله، وهيبة الناس له، وفرار الشياطين منه، كان مع

стр. 210

ذلك كلّه متواضعًا، وقَّافًا عند حدود الله، وقد كان يقول: أحبّ الناس إلَي من أهدى إلي عيوبي (١) ومن ذلك ما يلي: (أ) عندما مرَّ بالجابية على طريق إيلياء وجلس عندهم، قيل له: أنت ملك العرب، وهذه بلاد لا تصلح بها الإِبل، فلو لبست شيئًا غير هذا - يعنون قميصه المرقع - وركبت برذونًا (٢) لكان ذلك أعظم في أعين الروم، فقال: نحن قوم أعزنا الله بالإِسلام، فلا نطلب بغير الله بديلًا. ثم سار عمر من الجابية إلى بيت المقدس، وقد تعبت دابته، فأتوه ببرذون فجعل يهملج به، فقال لمن معه: احبسوا، احبسوا، فنزل عنه، وضرب وجهه، وقال: لا علّم الله من علّمَك، هذا من الخيلاء، ما كنت أظن الناس يركبون الشياطين، هاتوا جملي، ثم نزل وركب الجمل، ثم لم يركب برذونًا قبله ولا بعده (٣). (ب) ولما قدم عمر بن الخطاب ﵁ الشام عرضت له مخاضة، فنزل عن بعيره، ونزع خُفَّيه، وأمسكهما بيده، وخاض الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة: قد صنعت اليوم صنعًا عظيمًا عند أهل الأرض، صنعت كذا وكذا، فصك عمر في صدره، وقال: أَؤَّه، لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس، وأحقر الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإِسلام، فمهما تَطلُبوا العزة بغيره يُذلّكم الله (٤).

стр. 211

وله مواقف حكيمة في دعوته إلى الله - تعالى -، لا يتسع المقام لذكرها (١). وهذه المواقف العظيمة يبين فيها للناس بقوله وفعله أن العزة والرفعة والتمكين لا تأتي عن طريق الكبر، والغطرسة، والإِعجاب بالنفس أو الجاه أو السلطان، وإنما يأتي ذلك كله لمن تمسك بالإِسلام، ولهذا قال لأبي عبيدة في الخبر السابق: " إنكم كنتم أذلّ الناس، وأحقرَ الناس، وأقلّ الناس، فأعزّكم الله بالإِسلام، فمهما تطلبوا العزة من غيره يذلّكم الله ". رضي الله عن الفاروق وأرضاه، وجزاه عن أمة محمد خيرَ الجزاء، فقد قام بالأعمال العظيمة، وسلك مسلك الحكمة التي من أُوتيها فقد أوتي خيرًا كثيرًا، ونفّذ وصية رسول الله ﷺ في المشركين، من: يهود، ونصَارى، ومجوس، وغيرهم من المشركين، حيث قال ﷺ قُبيَل موته: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» (٢). فطهَّر ﵁ جزيرة العرب من المشركين، ولم يترك أحدًا منهم فيها، طبقًا لأمر رسول الله ﷺ .

стр. 212

المطلب الثالث مواقف عثمان بن عفان ﵁ لعثمان ﵁ مواقف حكيمة كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي: ١ - إنفاقه الأموال العظيمة الكثيرة في سبيل الله تعالى كان عثمان ﵁ من الأغنياء الذين أغناهم الله ، وكان صاحب تجارة وأموال طائلة؛ ولكنه استخدم هذه الأموال في طاعة الله ، ابتغاء مرضاته وما عنده، وصار سبّاقًا لكل خير، ينفق ولا يخشى الفقر. ومما أنفقه ﵁ من نفقاته الكثيرة على سبيل المثال ما يأتي: (أ) عندما قدم النبي ﷺ المدينة المنورة وجد أن الماء العذب قليل، وليس بالمدينة ما يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول الله ﷺ : «من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة» (١). وقال ﷺ : «من حفر بئر رومة فله الجنة» (٢) وقد كانت رومة قبل قدوم النبي ﷺ المدينة لا يشرب منها أحد إلا بثمن، فلما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال له النبي ﷺ : «تبيعنيها بعين في الجنة؟ " فقال: يا رسول الله! ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان ﵁ فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم،

стр. 213

ثم أتى النبي ﷺ فقال: أتجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال: " نعم "، قال: قد جعلتها للمسلمين» (١). وقيل: كانت رومة ركية ليهودي يبيع المسلمين ماءها، فاشتراها عثمان بن عفان من اليهودي بعشرين ألف درهم، فجعلها للغني والفقير وابن السبيل (٢). (ب) بعد أن بنى رسول الله ﷺ مسجده في المدينة فصار المسلمون يجتمعون فيه ليصلوا الصلوات الخمس، ويحضروا خطب النبي ﷺ التي يُصدر إليهم فيها أوامره ونواهيه، ويتعلمون في المسجد أمور دينهم، وينطلقون منه إلى الغزوات ثم يعودون بعدها، ولذلك ضاق المسجد بالناس، فرغب النبي ﷺ من بعض الصحابة أن يشتري بقعة بجانب المسجد، لكي تزاد في المسجد حتى يتسع لأهله، فقال ﷺ : «من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟»، فاشتراها عثمان بن عفان ﵁ من صلب ماله (٣). بخمسة وعشرين ألف درهم، أو بعشرين ألفًا، ثم أضيفت للمسجد (٤). ووسع على المسلمين ﵁ وأرضاه (٥). (جـ) عندما أراد رسول الله ﷺ الرحيل إلى غزوة تبوك حثّ الصحابة الأغنياء على البذل لتجهيز جيش العسرة الذي أعده رسول الله ﷺ لغزو

стр. 214

الروم، فأنفق أهل الأموال من صحابة رسول الله ﷺ كل على حسب طاقته وجهده. أما عثمان بن عفان فقد أنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها، فقد ثبت أنه أنفق في هذه الغزوة ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، وجاء بألف دينار فنثرها في حجر النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ ، يُقلّبها في حجره ويقول: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد هذا اليوم» قالها مرارًا (١). وهذه نفقة عظيمة جدًّا تدلّ على صدق عثمان وقوة إيمانه، ورغبته فيما عند الله - تعالى -، وإيثار الآخرة على الدنيا، - فرضي الله عنه وأرضاه -، فقد حصل على الثواب العظيم والجزاء الذي ليس بعده جزاء. «من جهز جيش العسرة فله الجنة» (٢). ٢ - موقفه العظيم في جمع الأمة على قراءة واحدة ، وحسم الاختلاف: كان من أعظم مواقف الحكمة التي وقفها عثمان جمع شمل أمة محمد ﷺ على قراءة واحدة، فقد كان من مناقبه الكبار، وحسناته العظيمة، أنه جمع الناس على قراءة واحدة، وكتب المصحف على العرضة الأخيرة التي درسها جبريل على رسول الله ﷺ في آخر سني حياته، وكان سبب ذلك أن حذيفة بن اليمان كان في غزوة أهل الشام في فتح أرمينية، وأذربيجان، مع أهل العراق، وقد اجتمع في هذه الغزوة خلق من أهل الشام، ممن يقرأ على

стр. 215

قراءة المقداد بن الأسود، وأبي الدرداء، وأُبي بن كعب، وجماعة من أهل العراق ممن يقرأ على عبد الله بن مسعود، وأبي موسى، وجعل من لا يعلم بجواز القراءة على سبعة أحرف يفضل قراءته على قراءة غيره، وربما خَطَّأ الآخر أو كَفّره، فأدّى ذلك إلى اختلاف شديد وانتشار في الكلام السيئ بين الناس، فركب حذيفة إلى عثمان وقد أفزعه اختلافهم في القراءة، فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى في كتبهم، وذكر له ما شاهد من اختلاف الناس في القراءة، فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك، ورأى أن يكتب المصحف على حرف واحد، وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه، لما رأى في ذلك من مصلحة كفّ المنازعة، ودفع الاختلاف، فأرسل عثمان إلى حفصة ﵂ يستدعي بالصحف التي كان الصديق أمر زيد بن ثابت بجمعها، فكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر، فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين. وعندما جاءت الصحف أمر عثمان زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق من الآفاق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق (١).
следующие страницы →