الناصر في جامع الزهراء (١) فأدخل في خطبته قوله- تعالى-: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ - وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ - وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ - أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ - وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ - إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٣٥] (٢) واسترسل يقول: ولا تقولوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ - إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ - وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦ - ١٣٨] (٣) ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧] (٤).
وقد قيل: إن الناس ضجوا بالبكاء وتأثر الخليفة بهذه الخطبة.
فرحم الله المنذر ما أحكمه!: وجزاه الله خيرًا.
٢ - موقفه الحكيم في تأثيره على الناس: أصاب الناس قحط في بعض السنين، فأمر القاضي: منذر بن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء بالناس، فصام أيامًا وتأهب. وقيل: إن عبد الرحمن الناصر هو الذي أمره بالاستسقاء للناس، فلما جاءته الرسالة قال للرسول: كيف تركت الملك؟ فقال: تركته أخشع ما يكون، وأكثره دعاءً وتضرعًا، ففرح منذر بن سعيد بذلك وأمر غلامه أن يحمل ما يَقِيهم من المطر، وقال. سُقِيتم والله إذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء. ثم قال لغلامه: نادِ في الناس بالصلاة فجاء الناس إلى محل الاستسقاء، ثم خرج القاضي منذر، راجلًا، متخشعًا، ثم وصل المصلي وقام ليخطب، والناس ينظرون
стр. 282
إليه يسمعون ما يقول، فلما رأى الحال بكى، وافتتح خطبته بقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤] (١) ثم أعادها مرارًا فضج الناس بالبكاء والنحيب والتوبة والإنابة، وقال: استغفروا ربكم، وتوبوا إليه، وتقربوا بالأعمال الصالحات لديه، فجأرُوا بالدعاء والتضرع، وخطب فأبلغ، فلم ينفض القوم حتى نزل غيث عظيم (٢).
وأخبار هذا القاضي كثيرة حسنة جدًّا، ومنها: أنه استسقى مرةً فقال يهتف بالخلق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ - إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر: ١٥ - ١٦] (٣) فهذا الموقف من أعظم المواقف الإيمانية الحكيمة؟ لأن الداعية إذا صدق مع الله- تعالى- وتأثر بما يدعو إليه، تأثر الناس في الغالب؟ ولهذا صدق منذر ففتح الله له قلوب الناس، واستجاب الله لهم فأنزل عليهم الغيث بفضله وكرمه.
فحري بالدعاة إلى الله- تعالى- أن يسلكوا مسالك الحكمة في دعوتهم إلى الله تعالى.
стр. 283
المطلب الثاني
مواقف سلطان العلماء: العز بن عبد السلام
العز بن عبد السلام، الملقب بسلطان العلماء (١) له مواقف حكيمة كثيرة في دعوته إلى الله -تعالى-، فقد أزال بإنكاره الحكيم كثيرًا من المنكرات، وباشر تبطيل بعضها بنفسه، ومن ذلك: إبطاله كثيرًا من البدع المنتشرة: كصلاة الرغائب، وصلاة ليلة النصف من شعبان، وبدعة دق المنبر بالسيف (٢) وحكمته في بيع الملوك الأرقاء وصرف ثمنهم في بيت مال المسلمين (٣) وذوده الحكيم عن أموال المسلمين، ومن ذلك أن السلطان وعساكره- عندما دهمت التتار البلاد عقب وقعة بغداد- استشاروا الشيخ فقال: اخرجوا وأنا أضمن لكم على الله النصر، فقال السلطان: إن المال في خزانتي قليل وأنا أريد أن أقترض من التجار، فقال الشيخ عز الدين: إذا أحضرت ما عندك وعند حريمك، وأحضر الأمراء ما عندهم من الحلي الحرام وضربته سكةً ونقدًا، وفرقته في الجيش، ولم يقم بكفايتهم ذلك الوقت اطلب القرض، وأما قبل ذلك فلا. فأحضر السلطان والعسكر ما عندهم من ذلك وامتثلوا أمره فانتصروا بإذن الله -تعالى- (٤).
стр. 284
ومن أعظم مواقفه الحكيمة التي تجلت حكمته فيها في دعوته إلى الله -تعالى- موقفه مع سلطان الديار المصرية: أيوب بن الكامل (١) فقد دخل سلطان العلماء مرةً إلى هذا السلطان في يوم عيد، فشاهد العسكر مصطفين بين يديه وقد خرج على قومه في زينته، وأخذت الأمراء تُقبِّل الأرض بين يديه، والعز بن عبد السلام يرى هذا الموكب العظيم، فالتفت ﵀ إلى السلطان، وناداه: يا أيوب! ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبويء لك ملك مصر ثم تبيح الخمور؟! فقال: هل جرى هذا؟ فقال العز: نعم الخانة الفلانية يباع فيها الخمور، وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة، يناديه كذلك بأعلى صوته والعساكر واقفون. فقال السلطان أيوب: يا سيدي! أنا ما عملته هذا في زمان أبي. فقال العز: أنت من الذين يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] (٢) فرسم السلطان بإبطال تلك الخانة ومنع بيع الخمور. ورجع العز منتصرًا مسرورًا؟ لتغيير هذا المنكر، وقال له بعض تلاميذه (الباجي): يا سيدي كيف الحال؟ فقال العز بن عبد السلام: يا بني رأيته في تلك العظمة، فأردت أن أهينه؟ لئلا تكبر عليه نفسه فتؤذيه. فقال له: يا سيدي! أما خفته؟ فقال. والله يا بني لقد استحضرت هيبة الله -تعالى- فصار السلطان قدَّامي كالقط! (٣).
الله أكبر ما أحكم هذا الموقف الذي بسببه أُزيلت أمّ المنكرات، وأم الخبائث، مع ما أُزيل معها من المنكرات الأخرى، وانتشار الخير بين الناس.
- فرحم الله العز بن عبد السلام، وجزاه الله خيرًا، ورفع درجته.
стр. 285
المطلب الثالث
من مواقف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ منذ نهاية القرن الرابع الهجري بدأت عوامل الضعف والانحلال تدب في كيان الأمة الإسلامية، وتوالت عليهم المحن والنكبات، فتعرضوا لموجات التتار من الشرق، والحروب الصليبية من الغرب، وبقيت بلاد الشام حوالي قرنين من الزمان تحت حكم الأوربيين، فاحتل الصليبيون دمشق وما جاورها سنة ٤٩١هـ، وبيت المقدس سنة ٤٩٢هـ، وظلت الحرب مستمرة بين المسلمين والإفرنج مدة طويلة، ثم احتل الإفرنج مدينة دمياط بمصر، وخرج التتار من أطراف الصين، فاحتلوا بلاد تركستان، ثم منها إلى بلاد ما وراء النهر، مثل سمرقند، وبخارى، وغيرهما، ثم عبرت طائفة منهم إلى خراسان، وإلى حد العراق، ثم تمكن التتار عام ٦٥٧هـ أو ٦٥٦هـ من احتلال بغداد، وبذلك سقطت هيبة الخلافة الإسلامية، وانتهت الخلافة العباسية، وبعد ذلك احتل التتار بلاد الشام، ثم جاء بعد ذلك دور المماليك في القيادة الإسلامية (١).
ومن هذا يعلم أن شيخ الإسلام (٢) ظهر في عصر قد اضطربت فيه السياسة والحكم وظهرت فيه انحرافات في العادات والتقاليد والسلوك والحياة، واشتدت فيه غربة الإسلام، وتفرقت كلمة المسلمين، وظهرت الفرق المخالفة لما كان عليه السلف الصالح في العقائد والفروع، وخيّم الجمود الفكري والتقليد الأعمى، فأثر في الجو العلمي، وظهرت فرق
стр. 286
الشيعة، والصُّوفية المنحرفة والقبورية، ونفاة الصفات: كالجهمية والمعتزلة والقدرية، وطغى علم الكلام والفلسفة حتى حلَّا محلّ الكتاب والسنة لدى الأكثرية من المتعلمين في الاستدلال، هذا كله في داخل المجتمع الإسلامي في ذلك العصر، مع تكالب أعدائه من الخارج، فحصل من البلاء ما الله به عليم (١).
في هذا الجو المعتم عاش شيخ الإسلام، فكيف يعمل حتى يصلح هذه المفاسد ويظهر النور في هذه الظلمات؟ ما هو الموقف الحكيم الذي سلكه حتى أنار الله به الطريق لهذا المجتمع وألزمهم بالكتاب والسنة والإجماع وعقيدة السلف الصالح الصافية النقية؟
وبالنظر في ذلك نجد أن الشيخ ﵀ وقف مواقف حكيمة لإظهار علم الكتاب والسنة، وقمع أهل البدع والأهواء.
ومن مواقفه في رفع وإزالة هذا البلاء الواقع ما يلي:
١ - عنايته بالعلم قبل العمل: عندما علم شيخ الإسلام أنه لا يزيل هذه الظلمات إلا نور علم الكتاب والسنة، بدأ بطلب العلم النافع، فتعلَّم وتفقَّه، وهذا مما يدل على حكمته، لأنه لا حكيم إلا بالعلم النافع، وفاقد الشيء لا يُعطيه.
٢ - بث النور ونشر العلم ونفع الأمة: بعد أن تسلَّح بسلاح علم الكتاب والسنة بدأ يبث النور بنشر العلم في هذا المجتمع المعتم، ويؤسس أركانًا من تلاميذه حتى يستفيد الناس، وكان يحضر المحافل ويناظر ويفحم الكبار، ويأتي بما يُحار منه أعيان البلد في العلم والمواقف الحكيمة في دعوته إلى الله.
стр. 287
٣ - مواقفه الحكيمة مع قازان وقوات التتار: لم يقتصر الشيخ تقي الدين على طلب العلم النافع وتعليمه للناس، وترسيخ العقيدة في أذهانهم، وحثِّهم على الجهاد في سبيل الله تعالى، بل قد قام بتطبيق ما يدعو إليه، ويرغب في ثوابه من الجهاد في سبيل الله -تعالى-، فقد هجم التتار على دمشق، وكانت حينئذ ولاية تابعة لسلطان المماليك في مصر، فجهَّز السلطان جيشًا ليرد التتار عن بلاد الشام، فكانت الوقعة بين الجيش وقوات " قازان " في ٢٧ ربيع الأول ٦٩٩هـ، ولكن كانت الغلبة لجيشي التتار، وعادت عساكر السلطان إلى مصر، ودخل التتار إلى دمشق، وعاثوا في الأرض فسادًا، وحينئذ اجتمع الشيخ تقي الدين بأعيان البلد، واتفقوا على السير إلى قازان في يوم الاثنين الثالث من ربيع الثاني سنة ٦٩٩هـ (١) والتحدث إليه، فلما وصلوا إلى قازان قائد التتار في بلدة النبك، المجاورة لدمشق، قابله الشيخ، وطلب منه الأمان لأهل دمشق، ورد الأسرى من المسلمين وأهل الذمة، ثم تكلم معه كلام الأبطال الشجعان، فأنزل الله الرعب في قلب السلطان، وسأل: من هذا الشيخ؟ فإني لم أرَ مثله، ولا أثبت قلبًا منه، ولا أوقع منه حديثًا في قلبي، ولا رأيتني أعظم انقيادًا لأحد منه، فأُخْبِر بما له وما هو عليه من العلم والعمل، ثم قال له الشيخ بواسطة الترجمان: "إنك تزعم أنك مسلم، ومعك قاض، وإمام وشيخ، ومؤذنون، فغزوتنا، وأبوك وجدك كانا كافرين، وما عملا الذي عملت عاهدا فوَفَّيَا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت، وجُرْت".
ثم قدم لهم قازان طعامًا فأكلوا، ولم يأكل ابن تيمية، فسئل عن ذلك؟ قال: كيف آكل من طعامكم، وكله مما نهبتم من أغنام الناس، وطبختموه
стр. 288
بما قطعتم من أشجار الناس، فطلب منه قازان الدعاء، فقال في دعائه: "اللهم إن كان عبدك هذا إنما يقاتل لتكون كلمتك هي العليا؟ وليكون الدين كلّه لك، فانصره وأيده، وملّكه البلاد والعباد، وإن كان إنما قام رياءً وسمعةً وطلبًا للدنيا ولتكون كلمته هي العليا، وليذلِّ الإسلام وأهله، فاخذله وزلزله ودمره واقطع دابره "، وقازان يرفع يديه ويؤمن على دعائه. وقد خاف الناس على الشيخ القتل في هذا الموقف، ولكن الله أنزل الرعب في قلوب أعدائه (١).
وقد أجابه قازان إلى حقن دماء المسلمين، وبلغه ما أراد، ورد عليه الأسرى من المسلمين، فلم يقبل الشيخ حتى ردَّ جميع الأسرى من المسلمين ومن أهل الذمة من اليهود والنصارى، ثم رجع الشيخ مكرَّمًا معززًا، قد وفَّقه الله ونصره لحسن قصده وإخلاصه في نيته، فنفع الله به المسلمين وأعزَّهم ونصرهم (٢).
ولم يكن هذا الموقف هو الوحيد، بل له مواقف حكيمة ظهرت فيها شجاعته، منها حثِّه السلطان على الجهاد، وذلك أنه ركب إلى مصر يطلب من السلطان أن يُرسل جيوشًا، أو يتخلى عن الشام ويولِّي عليه ابن تيمية غيره، فأجابه السلطان وأرسل الجيوش، وذلك سنة ٧٠٠هـ ثم رجع الشيخ من مصر إلى الشام، ووصل في ٢٧ من جمادى الأولى سنة ٧٠٠هـ، وحثَّ جميع الناس على الجهاد في سبيل الله، فوصلت الجيوش، ورجع جيش التتار، وعبر الفرات (٣) وكفى الله المؤمنين القتال.
ولم يقتصر ابن تيمية على ما سبق، بل له مواقف أخرى تدل على بطولته
стр. 289
وحكمته، فقد جاء التتار بجموعهم مرة أخرى بعد أن عبروا الفرات، فجاءُوا سنة ٧٠٢هـ وهجموا على الديار الشامية، فقام ابن تيمية وحثَّ سلطان مصر على الجهاد ورغَّب فيه، وحثَّ الناس أيضا ورغَّبهم في الجهاد في سبيل الله، ووعدهم بالنصر من الله ، وكان يحلف بالله العظيم: إنكم في هذه الكرَّة منصورون. فيقول له الأمراء ومن معهم: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا. وكان يتأول قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٠] (١) وقد كان الله عند حسن ظنِّه به؟ فإنه كان يحلف لهذه الآية، وثقة بالله- تعالى- وأنه لا يخلف وعده، ثم التقى المسلمون بالتتار في يوم السبت الثاني من رمضان سنة ٧٠٢هـ في وقعة "شقحب "، فامتد القتال من عصر يوم السبت إلى الساعة الثانية من يوم الأحد، واشترك ابن تيمية في المعركة بلسانه ويديه وسيفه، وبكل ما يملك من قوة وبلاغة في تثبيت الأمراء والجنود وجميع الجيش، وقد كان السلطان يقول لابن تيمية في هذه المعركة: يا خالد بن الوليد فيقول ابن تيمية: قل يا ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ - إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٤ - ٥] (٢) واشتدت المعركة، وحلف ابن تيمية للناس بالله الذي لا إله إلا هو إنكم لمنصورون، وأمر الناس بالإفطار، وأفطر هو أمامهم، ثم أنزل الله النصر على المسلمين، ثم هرب التتار، واقتحموا الجبال والتلول والآكام، وصاروا يتساقطون في الأودية، وهربوا ليلًا، وغرق منهم خلق كثير في الفرات بسبب الظلام، وعاد الشيخ ومن معه إلى دمشق في اليوم الخامس من رمضان سنة ٧٠٢هـ، وقد نصرهم الله تعالى (٣).
стр. 290
وله مواقف بطولية فذة حكيمة مع السلاطين، تدل على صدقه وإخلاصه وشجاعته في الحق (١) وقد ظهرت حكمة ابن تيمية - رحمه الله تعالى- أثناء لقائه مع التتار وقائدهم في النقاط الآتية:
١ - طلبه الأمان لأهل دمشق على دمائهم وأعراضهم وأموالهم، فأجابه قازان إلى ذلك.
٢ - إصراره على رد جميع الأسرى من المسلمين وأهل الذمة.
٣ - جرأته وشجاعته في الكلام مع قازان حتى أنزل الله الرعب في قلبه.
٤ - تذكيره لقازان بنقضه للعهد، ولا سيما وهو يدعي الإسلام.
٥ - عدم أكله من الطعام الذي قدَّمه قازان؛ لأنه من أغنام الناس المنتهبة، وقد أوقد عليه بما قطع من أشجارهم.
٦ - دعاؤه الذي دلَّ على حكمته وعدله ونصرته لدين الله تعالى.
٧ - حثِّه سلطان المسلمين على الجهاد في سبيل الله -تعالى-، أو يتخلَّى عن الشام، ويولِّي غيره ممن يحمي حوزة الدِّين ويذبّ عن أعراض المسلمين وأموالهم.
٨ - حثه الناس على الجهاد وإقسامه بأن الله سينزل النصر على المسلمين، وهذا يدل على ثقته بالله -تعالى- وبوعده وأنه لا يخلف الميعاد،
стр. 291
ولهذا ازداد المسلمون شجاعةً وإقدامًا، فأنزل الله النصر، وهزم أعداء المسلمين.
٩ - مشاركته الفعلية في الدفاع عن المسلمين بلسانه ويده وسيفه.
١٠ - قوله لسلطان المسلمين حينما قال له عند اشتداد المعركة: "يا خالد بن الوليد "، فقال ابن تيمية: قل: يا ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ - إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٤ - ٥]
فرحم الله ابن تيمية وغفر له.
وهكذا ينبغي لكل داعية إلى الله أن يظهر من عمله ما يصدق قوله، رغبة فيما عند الله والدار الآخرة، وبذلك يفتح الله له قلوب العباد وأسماعهم، وتظهر دعوته إلى الله، ويظهر أثرها، وأثر إخلاص صاحبها مع الله .
٤ - مناظراته الحكيمة: من مواقفه الحكيمة مناظراته التي غلب فيها أخصامه وأعجزهم، وانقادوا له طوعًا أو كرهًا، فقد كان شيخ الإسلام على عقيدة السلف الصالح، ويعض على هذه العقيدة بالنواجذ، ويبذل جهده ووقته، وفكره في إرجاع جميع الطوائف المنحرفة إلى هذه العقيدة، ويرى رأي إمام دار الهجرة مالك بن أنس من أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، وهو رأي كل حكيم عليم بداء الأمة ودوائها قديمًا وحديثًا.
وكان الشيخ ﵀ شديد الانتصار لمذهب السلف والدفاع عنه بالحجج النقليّة والعقليّة، وقد عقدت له مناظرات في مصر والشام، كان معظمها يحوم حول هذه القضية (١) ومن هذه المناظرات على سبيل المثال لا الحصر، ما يأتي:
стр. 292
(أ) المناظرة الأولى: في العقيدة الواسطية التي كتبها لرضي الدين الواسطي، من أصحاب الشافعي، حينما طلب منه بإلحاح أن يكتب له عقيدة تكون عمدة له ولأهل بيته في مدينة واسط، فكتبها الشيخ، وانتشرت بين الناس، مما أدى إلى ثورة كثير من علماء الجهمية والاتحادية والرافضة، وغيرهم من ذوي الأحقاد، فسعى هؤلاء إلى السلطان في البلاد المصرية، فكتب السلطان إلى نائبه على بلاد الشام يأمره بجمع قُضاة المذاهب الأربعة، وغيرهم من نوابهم، والمفتين، والمشايخ، وعندما وصل الكتاب إلى أمير الشام جمع قضاة المذاهب الأربعة والعلماء، والشيخ تقي الدين في قصر الولاية بدمشق، وذلك يوم الاثنين الثامن من رجب سنة ٧٠٥هـ، ثم بدأ المجلس وقراءة العقيدة الواسطية من أولها، ومناقشة الشيخ ومناظرته بحضور الأمير، فناظرهم الشيخ، ورد عليهم، وبيّن لهم مذهب السلف الصالح، وأن هذه العقيدة هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي التي يدل عليها الكتاب والسنة وإجماع السلف، وصار يناظر أصحاب المذاهب، فكان أعلم بمذاهبهم منهم، وأعجزهم أمام الأمير، ثم انتهى المجلس الأول.
واجتمعوا للمجلس الثاني يوم الجمعة بعد الصلاة الثاني عشر من رجب سنة ٧٠٥هـ، وقد أحضر قضاة المذاهب الأربعة، معهم صفي الدين الهندي، وتكلم مع الشيخ تقي الدين كلامًا كثيرًا، ولكن ساقيته لاطمت بحرًا عميقًا، ثم استلم من ناظره عقبه، فكان كالبحر الزاخر، حتى إن هؤلاء القضاة والعلماء عجزوا عن مناظرته؟ لأنه كان يرد عليهم بالكتاب والسنة والآثار عن السلف الصالح، وكان يلزمهم بالكتاب والسنة، ويدعوهم إلى التمسك بمذهب السلف الصالح، ويبين لهم أنه لم يضع هذه العقيدة من ذات نفسه، وليس لأحد أن يشرِّع للناس ما لم يأذن به الله، وإنما العقيدة تؤخذ من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع سلف
стр. 293
هذه الأمة، فما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ وجب على كل مسلم أن يُثبته لله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف، وما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ وجب نفيه عنه، لأنه تعالى أعلم بنفسه.
وانتهى هذا المجلس بعجز المجلس أمام الأمير عن ابن تيمية، فخرج الشيخ والناس يحملون له الشمع إلى منزله على عادتهم في ذلك.
ثم عُقِد المجلس الثالث في اليوم السابع من شعبان سنة ٧٠٥هـ في القصر، واجتمع الجماعة كلهم على الرضى بالعقيدة الواسطية، وأخذ بعضهم يمدح الشيخ ويُثْنِي عليه، وكان هذا كله أمام رئيس المجلس نائب السلطان (١).
فأظهر الله الحق، وأبطل الباطل، وظهرت حكمة ابن تيمية أمام الجميع، فجزاه الله خير الجزاء.
(ب) المناظرة الثانية التي أعز الله بها أهل السنة وخذل بها أهل البدع والخرافات، وذلك أن الطائفة الأحمدية البطائحية (٢) كانوا يخالفون الشيخ تقي الدين في عقيدة السلف الصالح، وكان يأمرهم باتِّباع الكتاب والسنة، وينكر عليهم فعلهم وأحوالهم الشيطانية.
وفي يوم السبت تاسع جمادى الأولى سنة ٧٠٥هـ حضر هؤلاء المبتدعة في جموع هائلة إلى قصر نائب دمشق، يسألون نائب السلطان أن يكفَّ
стр. 294
عنهم الشيخ ابن تيمية ومذهبه السلفي، وعندما رآهم الناس اجتمع عليهم جمٌّ غفير، ولكن الأمير لم يقبل منهم إلا بحضور الشيخ ومناظرته، فأرسل إليه ووصل، وسأله الأمير، فأخبره ابن تيمية أن هؤلاء من أهل البدع، وقد أفسدوا من دين المسلمين ما الله به عليم، وذكر له جميع ما يعرف عنهم، وأنه ينهاهم عن البدع وهم يأتون بأحوال شيطانية، ومنها دخولهم النار، واستعد الشيخ أنهم إن دخلوا النار في هذا اليوم فسيدخل معهم، ومن احترق فعليه لعنة الله، ولكن بعد غسل الأجسام بالخل والماء الحار؟ لأنهم يطلون أجسامهم بأدوية يصنعونها من دهن الضفادع وباطن قشر النارنج، فإذا غسلت الأجسام بطلت الحيلة، وحضر شيوخهم الأكابر يطلبون من الأمير الإصلاح، والعفو عن الماضي والتوبة، واتباع الكتاب والسنة، فقبل منهم ابن تيمية، ولكن عارض شيخ آخر من الصوفية، فناظره ابن تيمية فغلبه أمام الجموع الغفيرة.
وتحداهم ابن تيمية في مشارق الأرض ومغاربها بأي شيء يصنعونه في النار من حيلهم فسيصنع مثلهم بشرط الغسل.
ولحكمة ابن تيمية قال: يكفي في ذلك قنديل يوقد داخل أصبع المناظر منهم وابن تيمية بعد الغسل، وعندما سمع الصوفية ذلك انهزموا أمام الجموع، وأقروا بالتزام الكتاب والسنة، وطلب ابن تيمية من الأمير أن يضرب عنق من خالف منهم الكتاب والسنة، فأعلن الأمير ذلك للناس، وأن من خالف الكتاب والسنة ضَرِب عنقه، وطلب الصوفية من الشيخ الكتب الصحيحة، فبذلت لهم، وتفرق الجميع على التوبة (١) وسُمِعَ
стр. 295
الناسُ يقولون: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١٨ - ١١٩] (١) وهذا موقف حكيم يدل على حكمة الشيخ ابن تيمية وإخلاصه وصدقه مع الله، ولهذا تاب على يديه هذا الجم الغفير، جعله الله في موازين حسناته يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وهذا ما يطمع فيه الداعية المخلص.
٥ - مواقفه في إصلاح أهل السجون: ومن مواقفه الحكيمة ما فعله في السجون من أعمال حكيمة جبارة، وجهود مشكورة مُسدّدة، نفع الله بها الناس، وأنقذهم بها من الضلال إلى الهدى.
ومن هذه المواقف الحكيمة ما يأتي:
(أ) عندما سجن في سجن القضاة بمصر، في الثامن عثر من شوال سنة ٧٠٧هـ أخذ يعلم السُّجناء ويرشدهم ويعظهم بالأساليب الحكيمة، فهدى الله على يديه خلقًا كثيرًا، وقد كانت تأتيه الفتاوى المشكلة فيكتب عليها بما يُحَيِّر العقول من الكتاب والسنة.
(ب-) وسجن في الإسكندرية في أول يوم من ربيع الأول سنة ٧٠٩هـ فنزل بها ببرج متسع، فوجد بها منكرات عظيمة، فنفع الله به أهل الإسكندرية، فقد بيَّن لهم الحق وحذرهم من البدع والمنكرات.
(ج) وسجن في قلعة دمشق مرات، وآخر ذلك في ستة عشر من شوال سنة ٧٢٦هـ ففرح بذلك وقال: أنا كنت منتظرًا لذلك، وهذا فيه خير كثير
стр. 296
ومصلحة كبيرة، وأقبل في هذه المدة على التلاوة وتصنيف الكتب، والرد على المخالفين، وكتب في مسألة زيارة القبور البدعية، وبيَّن الزيارة الشرعية.
وكان ﵀ داعيةً عظيمًا حكيمًا أينما كان، ولهذا كان لا يهمّه الإفراج عنه من السجن ما دام باستطاعته نشر العلم بقلمه ولسانه، ولهذا كان يقول: "ما يصنع أعدائي بي؟! إن جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي لا تفارقني، إن حَبْسِي خَلْوَة، وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة".
(د) ومن أعظم ما يدل على حكمة ابن تيمية وقوَّته في الحق وثباته عليه ما فعله في آخر حياته في سجن قلعة دمشق من كتابته بالفحم.
ففي التاسع من جمادى الآخرة سنة ٧٢٨هـ مُنِعَ الشيخ من جميع أدوات الكتابة، وأرسلت جميع مسوداته وأوراقه إلى المكتبة العادلية، وكان ذلك في نحو ستين مجلدًا، فصار يكتب بالفحم، وقد كان ذلك له صدمة عنيفة آلمته كثيرًا، ولكنه ثبت واستخدم الفحم، وهذا يدل على قوة عزيمته، مع أنه ختم القرآن مدة إقامته بالقلعة ثمانين مرة، ولكنه بعد هذه الصدمة لم يبق إلا يسيرًا، حيث مات ﵀ يوم الاثنين في ٢٠ من ذي القعدة سنة ٧٢٨هـ (١).
وبفضل الله -تعالى-، ثم بهذه الخطوات الحكيمة أنار ابن تيمية الأرض التي مشى عليها أمة محمد ﷺ ، فقد نشر علم الكتاب والسنة، وجاهد بلسانه ويده، وناظر وغلب جميع أخصامه، وعمل أعماله الحكيمة في السجون فحولها -بفضل الله- من بيئة فاسدة إلى بيئة صالحة مؤمنة، فجزاه الله عن أمة محمد ﷺ خير الجزاء.
стр. 297
المطلب الرابع
مواقف الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ كانت حالة المسلمين قُبَيْل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١) ﵀ حالة لا يرضاها مؤمن، حيث كان الشرك الأكبر قد انتشر في نجد خاصة، وفي غيرها من بلاد المسلمين عامة.
لقد كان في بلدان نجد من الشرك الأكبر والأصغر ما الله به عليم، حيث عدل الناس إلى عبادة الأولياء والصالحين والمجانين: أحيائهم وأمواتهم، يستغيثون بهم في النوازل والحوادث، ويستعينون بهم على قضاء الحاجات، وتفريج الشدائد والكربات، وعبدوا القباب والأحجار والأشجار والغيران، واشتهر في نجد: السحرة والكهنة والعرافون، وسؤالهم وتصديقهم (٢).
وكان الناس يقصدون قبر زيد بن الخطاب ﵁ في قرية الجبيلة، يدعونه لتفريج الكرب، وكشف النوائب، وقضاء الحاجات.
وكانوا يزعمون أن في قريوة في الدرعية قبور بعض الصحابة، فعكفوا على عبادتها، وصار أهلها أعظم في صدورهم من الله خوفًا ورهبةً، فتقرّبوا
стр. 298
إليهم وهم يظنون أنهم أسرع إلى تلبية حوائجهم من الله! وكانوا يأتون في شعيب غبيرًا من المنكر ما لا يعهد مثله، يزعمون أن فيه قبر ضرار بن الأزور، وذلك كذب محض وبهتان مثَّله لهم إبليس، وفي أسفل الدرعية غار كانوا يرسلون إليه اللحم والخبز، ويبعثون بصنوف الهدايا، وكان عندهم رجل من الأولياء -في زعمهم- اسمه تاج، سلكوا فيه سبيل الطواغيت، فصرفوا إليه النذور، وتوجهوا إليه بالدعاء واعتقدوا فيه النفع والضر.
وانتشر الشرك في الحرمين الشريفين، وفي الطائف، وجدة، ومصر، واليمن (١).
فكيف يعمل محمد بن عبد الوهاب في إزالة هذه العظائم، وما هو موقفه الحكيم لتغيير هذه الشركيات والخرافات؟!
خطواته الحكيمة في إصلاح الأمة وتبديد الظلام: عندما رأى الشيخ هذه المنكرات علم أنه لا يزيلها إلا قوة عظيمة، وعلم مبني على فَهْم الكتاب والسنة، وعند ذلك عمل الخطوات الحكيمة التالية:
١ - عنايته بالتوحيد وتطبيقه: من أعظم خطواته الحكيمة أنه بدأ يتعلم التوحيد بأدلته من الكتاب والسنة، وطلب العلم النافع؛ لأنه السلاح الفتاك بهذه الشركيات (٢).
стр. 299
٢ - بدأ بدعوته في عشيرته: بعد أن تسلح بسلاح العلم النافع ومعرفة أحوال الناس بدأ بدعوته في عشيرته في بلدة العيينة، وواصل طلب العلم، ورحل في طلبه، ثم رجع إلى حريملاء، وذلك -والله أعلم- سنة ١١٤٠هـ، لأن والده انتقل إليها سنة ١١٣٩هـ وأخذ يسلك طريق الحكمة في إزالة الشِّركِيات في الأقوال والأفعال، وتوفي والده سنة ١١٥٣هـ، فجهر بالدعوة وازداد نشاطه، وجلس للتدريس والإفادة وتقرير العقيدة وتثبيتها في نفوس أهل حريملاء، ونشر شرائع الإسلام وكاتب العلماء والأمراء، فكثر طلابه؟ ولكنه لم يجد قوة السلطان لدعم دعوة التوحيد (١) فسلك طريق الحكمة للبحث عن ذلك.
٣ - بحثه عن دعم قوة الدعوة بالسلطان: عندما جرب الشيخ أهل حريملاء، ولم يرَ هناك من يقتلع أصول الشركيات، ولا من يحمي الداعية والدعوة حتى تنجح، ولا يمكن أن يُصلح هذه المجتمعات إلا معاول تهدمها، وأيدي سلطة تقلعها؟ لأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن (٢) ولذلك خرج الشيخ من حريملاء إلى العيينة، ونزل على أمير العيينة فأكرمه، وعرض عليه الشيخ دعوة التوحيد فقبلها، ونصر الشيخ ودعوته، وألزم الخاصة والعامة بامتثال أمر الله -تعالى-، فأعلن الشيخ دعوته، وهدم القباب على القبور، وقطع الأشجار، وكسر الأحجار التي يقصدها الناس بالعبادة، ولم يبق شجر، ولا حجر، ولا قُبّة على قبر، ولا وثن يعبد في البلاد التي تحت عثمان بن معمر، وأقيم حدّ الزنا، وعلت كلمة الحق.
стр. 300
ثم إن عثمان تخلى عن نصرة الشيخ بأمر من أمير الأحساء، فهاجر الشيخ إلى الدرعية، وعرض دعوته على محمد بن سعود فرحب به، وقبل دعوته، واستعدّ بنصره وما يدعو إليه، وذلك سنة ١١٥٨هـ (١).
٤ - غَرْس التوحيد في قلوب الناس وتصحيح عقيدتهم: بعد أن حقق الشيخ أمنيته العظيمة من وجود ما يدعّمه من قوة السلطان ووجود الأعوان، لقول عثمان ﵁: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ".
وبعد أن رأى الأنصار والطلاب يفدون إليه في الدرعية، أخذ يغرس في نفوسهم أعظم سلاح، وأعظم قوة ينتصر بها على أعدائه: ألا وهي قوة التوحيد الخالص، والإيمان الكامل، لعلمه ﵀ أن نصرة الحق تحتاج إلى إيمان قوي مبني على فَهْم الكتاب الكريم والسنة المطهّرة، كما تحتاج إلى دعم سلطان وسيف وسنان، يقمع به كل مارد شيطان (٢).
وهذا من أعظم مواقف الحكمة، فإنه عندما دخل الدرعية وجد أهلها في غاية الجهل، وقد وقعوا في الشرك الأكبر والأصغر كغيرهم، والتهاون بالصلاة والزكاة ورفض شعائر الإسلام، فجعل يتخولهم بالتعليم والموعظة الحسنة، ويُفهمهم معنى لا إله إلا الله، ويشرح لهم معنى الألوهية، وأن الإله هو الذي تُأَلِّهه القلوب: محبةً وخوفًا ورجاءً، وأن الإسلام هو الاستسلام لأمر الله -تعالى-، والانقياد له، والإذعان بالعبادة، والخضوع، والذل والإنابة، والتوكل، والرغبة، والرهبة. ويعلمهم
стр. 301
أصول الدين والإسلام، وقواعده، ومعرفة نبيّهم، ونسبه، ومبعثه، وما دعا إليه، وهي لا إله إلا الله، وما تضمنته، وأنهم مبعوثون بعد الموت.
وأخذ على ذلك ما يقارب سنتين -بعد قدومه إلى الدرعية- وهو يغرس هذه الدعائم (١).
ومن أعظم ما غرس في نفوس المهاجرين إلى الدرعية من البلدان المجاورة والأنصار من أهل الدرعية: هو تدريسه لهم جميعًا كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وغرسه في أذهانهم، وكان آل سعود: الأمير محمد وأبناؤه يحضرون دروس الشيخ صباحًا ومساءً، في المسجد، وفي البيت، والمجامع الخاصة، فأثمر ذلك قوة الإيمان في نفوس الدولة الجديدة من الأمير إلى أصغر واحد من المهاجرين والأنصار (٢).
وعندما قام الشيخ بهذا الموقف العظيم الحكيم، واستقر في قلوبهم معرفة التوحيد وضده من الشرك بعد الجهالة والضلالة والعمى والظلام الدامس، بعد ذلك أُشْرِب حب الشيخ وما جاء به من التوحيد في قلوبهم، والتحم رابط المحبة في الله بين أهل الدرعية والمهاجرين إليهم فآووهم، وأصبحت هذه القوة قوة ضاربة قد رُبِّيت على التوحيد، والرغبة فيما عند الله، والدار الآخرة، ودُعِّمَت بقوة السلطان والسيف، والسنان، والحجّة والبرهان، وقُوّة البيان.
وحينئذ أصبح صاحب الدعوة لا يخشى إلا الله وحده سبحانه.
стр. 302
٥ - خطواته الحكيمة في الرجوع بالناس إلى الكتاب والسنة: علم الشيخ أن الناس لا يصلحهم ولا يردهم إلى الحق الواضح والتوحيد الخالص إلا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] (١) وتيقن أن الله سينصره إن هو قام بذلك: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] (٢).
وعند ذلك سلك المسالك الآتية:
(أ) جعل القواعد الأربع التي قرر بها توحيد العبادة (توحيد الألوهية)، فبيَّن أن الله -تعالى- خلق الجن والإنس ليعبدوه وحده، والعبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت كالحدث إذا دخل في الطهارة، ثم أوضح ذلك بهذه القواعد:
القاعدة الأولى: العلم بأن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بتوحيد الربوبية، وأن الله الخالق الرازق المدبر، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام، ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] (٣).
القاعدة الثانية: أنهم يقولون: ما دعوناهم إلا لطلب القربة والشفاعة، ومع ذلك حكم الله بكفرهم. . . ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] (٤)
стр. 303
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] (١).
القاعدة الثالثة: أن النبي ﷺ ظهر على أناس متفرقين في عباداتهم: فمنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الشمس والقمر، وقاتلهم رسول الله ﷺ ، ولم يفرق بينهم فدل ذلك على أن عبادة غير الله باطلة مهما تنوعت واختلفت.
القاعدة الرابعة: أن الشيخ حكم على مشركي زمانه أنهم أشد وأغلظ شركا من الأولين؟ لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زمانه شركهم في الرخاء والشدة ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] (٢) وهذا من المواقف الحكيمة والاستنباطات السديدة (٣).
(ب) بيَّن للناس وأرشدهم إلى ما به الفلاح والنجاح، وجعل ذلك في أربع مسائل تسهل على كل مسلم فيحفظها، ويفهم معانيها، وفهمها من مقتضى الإسلام، وهي كالتالي:
المسألة الأولى: العلم، ثم بيَّن المراد به بأنه معرفة الله، ومعرفة النبي ﷺ ، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
стр. 304
المسألة الثانية: العمل بالعلم.
المسألة الثالثة: الدعوة إليه.
المسألة الرابعة: الصبر على الأذى فيه، وساق على ذلك أدلة من الكتاب الكريم (١) (ج) أرشد الناس، وبين لهم أنه يجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلم ثلاث مسائل،! لعمل بهن:
المسألة الأولى: أن الله خلق العباد ورزقهم، ولم يتركهم هملًا؛ بل أرسل إليهم رسولًا، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.
المسألة الثانية: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته، لا ملَك مقرب، ولا نبي مرسل.
المسألة الثالثة: أن من أطاع الرسول ﷺ ووحد الله لا تجوز له موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب.
وذكر لكل مسألة دليلًا صريحًا (٢).
(د) بين الأصول الثلاثة التي يجب على كل مسلم معرفتها، وهي: معرفة الله، والنبي ﷺ ، ودين الإسلام، بالأدلة من الكتاب والسنة لكل جزئية من هذه الأصول.
وقد جعل الأصل الثالث -وهو معرفة الدين- ثلاث مراتب: الإسلام،
стр. 305
والإيمان، والإحسان، وبين أركان كل مرتبة من هذه المراتب، ومعاني ذلك كله، واستدل بالأدلة من الكتاب والسنة (١).
ثم صاغ هذه الأصول الثلاثة عن طريق السؤال والجواب، لتلقين عامة الناس لكي يرسخ الإيمان الكامل والعقيدة الصحيحة في قلوبهم (٢).
(هـ) لم يغفل الشيخ الفروع والاعتناء بالفقه، بل قد أدى له جملة من الاهتمام، وقد ألزم نفسه ﵀ أن يسير في دعوته على هدي الكتاب والسنة واعتنى بالقواعد الجامعة للأحكام، فوضع أربع قواعد تدور عليها جميع الأحكام، فقال ﵀:
"هذه أربع قواعد من الدين التي تدور عليها الأحكام، وهي من أعظم ما أنعم الله -تعالى- به على محمد ﷺ وأمته، حيث جعل دينهم دينًا كاملًا وافيًا، أكمل وأكثر علمًا من جميع الأديان، ومع ذلك جمعه لهم في ألفاظ قليلة، وهذا مما ينبغي التفطن له قبل معرفة القواعد الأربع. . . " (٣).
واستدل على أن الله جمع ذلك للنبي ﷺ بقوله ﷺ : «وأعطيت جوامع الكلم» (٤) وهو أن الله- جمع له المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة.
стр. 306
ثم ذكر القواعد التي تدور عليها جميع أحكام الدين:
القاعدة الأولى: تحريم القول على الله بلا علم، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] (١).
القاعدة الثانية: أن كل شيء سكت عنه الشرع فهو عفو، لا يحل لأحد أن يحرمه أو يوجبه أو يستحبه أو يكرهه، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١] (٢).
وقال ﷺ : «وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها» (٣).
القاعدة الثالثة: أن ترك الدليل الواضح والاستدلال بلفظ متشابه هو طريق أهل الزيغ، كالرافضة والخوارج، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] (٤).
والواجب على المسلم اتباع المحكم، وإن عرف معنى المتشابه وجده لا يخالف المحكم بل يوافقه، وإلا فالواجب عليه اتباع الراسخين في قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]
стр. 307
القاعدة الرابعة: أن النبي ﷺ ذكر أن «الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات» (١) فمن لم يفطن لهذه القاعدة، وأراد أن يتكلم على مسألة مشتبهة بكلام فاصل فقد ضل وأضل.
فهذه ثلاث قواعد ذكرها الله في كتابه، والرابعة ذكرها النبي ﷺ ، وهذه الكلمات مع اختصارهن يدور عليها الدين، سواء كان المتكلم يتكلم في علم التفسير، أو في علم الأصول، أو في علم أعمال القلوب الذي يسمى علم السلوك، أو في علم الحديث، أو في علم الحلال والحرام والأحكام، الذي يسمى علم الفقه، أو في علم الوعد والوعيد، أو في غير ذلك من أنواع علوم الدين (٢).
ومما سبق يتضح للقارئ أن أهم الأصول التي أحياها الشيخ ودعا إليها واهتم بنشرها أكثر من غيرها كالتالي:
(أ) الرجوع بالإسلام وأهله إلى ما كان عليه الصدر الأول؟ لأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وهو التزام الكتاب والسنة لإجماع الأمة.
(ب) تخليص التوحيد مما شابه من الشرك، والوثنية (٣).
(ج) إنكار التوسل الممنوع شرعًا؛ بالأنبياء والأولياء والصالحين، وتبيين التوسل المطلوب والمسنون، وهو التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته
стр. 308
العليا، وبالأعمال الصالحة التي قام بها الداعي نفسه، وبطلب الدعاء من المسلم الصالح الحي القادر الحاضر.
(د) طرح البدع والخرافات والشعوذة وغيرها من المنكرات (١).
وبهذا كله أسس الشيخ مجتمعًا موحدًا مخلصًا قويًا في إيمانه وعقيدته (٢) وما ذلك إلا بفضل الله وحده ثم بحكمة هذا الشيخ الجليل التي نفع الله بها العباد في هذه الجزيرة وغيرها.
٦ - كتابته الرسائل بأساليب الحكمة والبيان: لم يغفل الشيخ تبليغ التوحيد بالقلم والرسائل، بل اعتنى بذلك كثيرًا، فقد قضى السنتين الأوليين من إقامته في الدرعية في مكاتبة العلماء والرؤساء والبلدان والقبائل المختلفة، بالإضافة إلى العناية بالتربية والتعليم والتوجيه وغرس الفضائل التي سبق بيانها.
وبدأ بأهل نجد، وكاتب أمراءها وعلماءها، فكاتب علماء الرياض وأميرها دهام بن دواس، وكاتب علماء الخرج وأمراءها وعلماء بلاد الجنوب، والقصيم، وحائل، والوشم، وسدير، والأحساء، وعلماء الحرمين الشريفين، وغير ذلك.
ولم يغفل البلدان الخارجية، فقد كتب لعلماء الشام، ومصر، والعراق،
стр. 309
والهند، واليمن، وغير ذلك من البلدان، ولم يزل يكاتب الناس ويقيم عليهم الحجج، ويذكِّرهم ما وقع فيه أكثر الخلق من الشرك والبدع (١).
واصل الشيخ ليله ونهاره في نشر الدعوة، والوعظ والتدريس، وكتابة الرسائل العلمية المدعومة بالأدلة من الكتاب والسنة، وبالحجة والبرهان، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، ولم يبدأ أحدًا بالعدوان، ورعًا منه، وأملًا في أن يهدي الله الضالين، إلى أن حكموا عليه وعلى أتباعه بالكفر، وأباحوا دماءهم وأموالهم، ولم يُثْبِتُوا دعواهم بحجّة من كتاب ولا سنة، مع رفضهم لعقيدة التوحيد، وعدم قبولها، ونصرهم الشرك وأهله (٢).
٧ - آخر مواقف الحكمة: الجهاد بالسيف والسنان: بعد أن بدأ أعداء التوحيد بتكفير الشيخ وإهدار دمه ومن تبعه، وبعد أن بين لهم الشيخ نواقض الإسلام بأدلتها من الكتاب والسنة (٣) فأعرضوا عن ذلك كله وكذبوا به، ورفضوا التوحيد، وحينئذ يكون آخر الطب الكي، فأمر الشيخ بالجهاد لمن عادى أهل التوحيد وسبه وسب أهله، ولم يَنْقَدْ لشرع الله، ولم تنفع فيه الآيات البينات.
واستمرت الحروب سنين عديدة، وكان النصر -بإذن الله- حليف الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود، فكانت القرى والعشائر تسقط واحدة تلو الأخرى بيده، فنشر الله الدعوة وأظهرها
стр. 310
ونصرها، وقمع الباطل وأذل أهله الذين عارضوا التوحيد.
ثم توفي الشيخ ﵀ يوم الاثنين آخر شهر شوال، سنة ١٢٠٦هـ، وله من العمر نحو ٩٢ سنة، فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء (١) فقد أنقذ الله بمواقفه الحكيمة هذه الجزيرة وما جاورها من الشرك، وبدل الظلام، وأنار البلاد بنور التوحيد الخالص.
وهكذا ينبغي لكل داعية يرجو الله واليوم الآخر أن يكون حكيمًا في مواقفه، ناصرًا لدين الله، صابرًا محتسبًا مخلصًا، وبذلك يربح ويفوز في الدنيا والآخرة، والله المستعان.
стр. 311
الفصل الثالث
حكمة القول مع المدعوِّين
تمهيد: إنزال الناس منازلهم.
المبحث الأول: حكمة القول مع الملحدين.
المبحث الثاني: حكمة القول مع الوثنيين.
المبحث الثالث: حكمة القول مع أهل الكتاب.
المبحث الرابع: حكمة القول مع المسلمين.
стр. 312
تمهيد
إنزال الناس منازلهم الداعية الحكيم هو الذي يدرس الواقع، وأحوال الناس، ومعتقداتهم، وينزل الناس منازلهم، ثم يدعوهم على قدر عقولهم وأفهامهم وطبائعهم وأخلاقهم ومستواهم العلمي والاجتماعي، والوسائل التي يؤتون من جهتها، ولهذا قال علي بن أبي طالب ﵁: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله" (١).
وذُكِرَ عن عائشة ﵂ أنها قالت: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نُنْزِلَ الناس منازلهم» (٢) وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" (٣).
وقد بيَّن النبي ﷺ ذلك للدعاة إلى الله ، فقال لمعاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن -داعيًا ومعلمًا وقاضيًا-: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب». . . " الحديث (٤).
فبين ﷺ لمعاذ عقيدة القوم الذين سوف يقدم عليهم حتى يعرف حالهم، ويستعد لهم، ويقدم لهم ما يناسبهم، وما يصلح أحوالهم.
стр. 313
وقال ﷺ لعائشة ﵂: «يا عائشة، لولا قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون» (١).
فترك ﷺ هذه المصلحة، لأمن الوقوع في المفاسد (٢).
فدراسة البيئة والمكان الذي تبلغ فيه الدعوة أمر مهم جدًّا، فإن الداعية يحتاج في دعوته إلى معرفة أحوال المدعوين: الاعتقادية، والنفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، ومعرفة مراكز الضلال ومواطن الانحراف معرفة جيدة، ويحتاج إلى معرفة لغتهم، ولهجتهم، وعاداتهم، والإحاطة بمشكلاتهم ونزعاتهم الخلقية، وثقافتهم، ومستواهم الجدلي، والشبه التي انتشرت في مجتمعهم، ومذاهبهم (٣).
والداعية الحكيم يكون مدركًا لما حوله، مقدرًا للظروف التي يدعو فيها، مراعيًا لحاجات الناس ومشاعرهم، وكل أحوالهم.
والداعية إلى الله -تعالى- لا ينجح في دعوته، ولا يكون موفقًا في تبليغه ولا مسددًا في قوله وفعله حتى يعرف من يدعوهم، وهل هذا المجتمع من المسلمين العصاة، أو من المسلمين الذين انتشرت فيهم البدع والخرافات؟ هل هذا المجتمع من أهل الكتاب؟ فإذا كانوا منهم، فهل هم من اليهود أم من النصارى؟ هل هذا المجتمع من الملحدين الطبيعيين والماديين والدهريين؟ أم من الوثنيين المشركين.
стр. 314
فإذا عرف الداعية هذا كله، فكيف يدعو كل فئة من هذه الفئات بالحكمة؟ وماذا يقدم معهم؟ وماذا يؤخر؟ وما القضايا التي يعطيها أهمية وأولوية قبل غيرها؟ وما الأفكار الضرورية التي يطرحها ويبدأ بها؟
وهكذا، فالداعية الحكيم كالطبيب الحكيم الذي يشخص المرض، ويعرف الداء ويحدده، ثم يعطي الدواء المناسب على حسب حال المريض ومرضه، مراعيًا في ذلك: قوة المريض وضعفه، وتحمله للعلاج، وقد يحتاج المريض إلى عملية جراحية فيشق بطنه، أو يقطع شيئا من أعضائه، من أجل استئصال المرض طلبًا لصحة المريض، وهكذا الداعية الحكيم يعرف أمراض المجتمع، ويحدد الداء، ويعرف الدواء، وينظر ما هي الشبه والعوائق فيزيلها، ثم يقدم المادة المناسبة بدءًا بأمور العقيدة الإسلامية الصحيحة الصافية، مع تشويق المدعو إلى القبول والإجابة.
وبناء على ما تقدم يكون من الحكمة تقسيم هذا الفصل إلى مباحث حسب أحوال الناس، وبيان كيفية دعوتهم بالحكمة القولية كالتالي:
المبحث الأول: حكمة القول مع الملحدين.
المبحث الثاني: حكمة القول مع الوثنيين.
المبحث الثالث: حكمة القول مع أهل الكتاب.
المبحث الرابع: حكمة القول مع المسلمين.
стр. 315
المبحث الأول
حكمة القول مع الملحدين
تمهيد.
المطلب الأول: الأدلة الفطرية.
المطلب الثاني: البراهين والأدلة العقلية.
المطلب الثالث: الأدلة الحسية المشاهدة.
المطلب الرابع: الأدلة الشرعية.
стр. 316
تمهيد
الإلحاد في الأصل هو: الميل والعدول عن الشيء، والظلم والجور، والجدال والمِراء، يقال: لحد في الدين لحدًا، وألحدَ إلحادًا، لمن مال وعدل ومارى وجادل وظلم (١).
واللحد: الشق الذي يعمل في جانب القبر لموضع الميت؟ لأنه قد أميل عن وسط القبر إلى جانبه (٢).
والإلحاد: هو الميل عن الحق، والانحراف عنه بشتى الاعتقادات، والتأويل الفاسد، والمنحرف عن صراط الله والمعاكس لحكمه يسمى ملحدًا (٣).
والمراد بالملحدين في هذا المبحث: هو المعنى المصطلح عليه في هذا العصر، وهم: من أنكروا وجود رب خالق لهذا الكون، متصرف فيه، يدبر أمره بعلمه وحكمته، ويجري أحداثه بإرادته وقدرته، واعتبار الكون أو مادته الأولى أزلية، واعتبار تغيراته قد تمت بالمصادفة، أو بمقتضى طبيعة المادة وقوانينها، واعتبار الحياة -وما تستتبع من شعور وفكر حتى قمتها الإنسان- من أثر التطور الذاتي للمادة (٤).
وسأتناول في هذا المبحث -بعون الله تعالى- كيفية حكمة القول في
стр. 317
الدعوة إلى الله مع هؤلاء الملحدين الماديين الطبيعيين والدهريين في المطالب التالية:
المطلب الأول: الأدلة الفطرية على وجود الله تعالى وربوبيته.
المطلب الثاني: البراهين والأدلة العقلية.
المطلب الثالث: الأدلة الحسية المشاهدة.
المطلب الرابع: الأدلة الشرعية.
стр. 318
المطلب الأول الأدلة الفطرية
الفطر: الشق، والجمع منه فطور (١) قال تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] (٢) وفطر الله العالم. أوجده ابتداءً (٣) وفطر الخلق: خلقهم وبدأهم (٤) ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] (٥) والفطرة: الخلقة التي خلق عليها كل موجود أول خلقه (٦) والخلقة التي خلق عليها المولود في رحم أمه، والدين (٧) والطبيعة السليمة التي لم تُشَبْ بِعَيْب (٨) قال الرسول ﷺ : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء (٩) هل تحسون فيها من جدعاء؟» (١٠) ثم يقول أبو هريرة ﵁:. . ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] (١١).
стр. 319
فمن حكمة القول مع الملحدين أن يستخدم الداعية إلى الله -تعالى- في دعوته لهم الأدلة الفطرية، فيوضح ويبين لهم أن المولود يولد على نوع من الجبلة والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها، وإنما يعدل عنها من يعدل؛ لآفة من آفات الشر والتقليد. . وكل مولود يولد على معرفة الله والإقرار به، فلا تجد أحدًا إلا وهو يقر بأن له صانعًا وإن سماه بغير اسمه، أو عبد معه غيره (١).
والمقصود بفطرة الله التي فطر الناس عليها: فطرة الإسلام (٢) والسلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول للعقائد الصحيحة؛ فإن حقيقة الإسلام هو الاستسلام لله وحده.
وقد ضرب رسول الله ﷺ مثل ذلك فقال: «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟».
فأوضح أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن، وأن العيب حادث طارئ (٣). قال ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎: «إني خلقت عبادي حُنَفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجْتَالَتْهُم عن دينهم، وحرَّمَت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا». . . " (٤).
وقد مثل شيخ الإسلام ابن تيمية الفطرة مع الحق بمثل يوضح ذلك، فقال: "ومثل الفطرة مع الحق مثل ضوء العين مع الشمس، وكل ذي عين لو ترك بغير حجاب لرأى الشمس، والاعتقادات الباطلة العارضة من
стр. 320
تَهَوُّدٍ وتنصّر وتمجّس مثل حجاب يحول بين البصر ورؤية الشمس، وكذلك كل ذي حس سليم يحب الحلو، إلا أن يعرض في طبيعته فساد يحرفه حتى يجعل الحلو في فمه مُرًّا" (١).
وليس المراد بقوله ﷺ : «يولد على الفطرة» أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين ويعتقد الإسلام بالفعل؟ لأن الله يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] (٢).
ولكن المراد أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته، وقبوله وإرادته للحق، وإقراره بالربوبية، فلو خلّي من غير معارض ومن غير مغيِّر لما كان إلا مسلمًا ولم يعدل عن ذلك إلى غيره، كما أنه يولد على محبة ما يلائم بدنه من ارتضاع اللبن حتى يصرفه عنه صارف، ومن ثم شُبِّهت الفطرة باللبن، فهي تستلزم معرفة الله ومحبته وتوحيده (٣).
ويدل على ذلك رواية مسلم: «ما من مولود يولد إلا وهو على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه» (٤).
وقد أخبر الله أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية (٥).