توطئة
التابعون هم من القرون المفضلة بنص النبي ﷺ ، فعن عبد الله بن سمعي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته» (١).
وللتابعين مواقف حكيمة يستفيد منها الدعاة إلى الله تعالى، وسأذكر - بعون الله تعالى - نماذج منها على سبيل المثال في المطالب التالية:
المطلب الأول: مواقف سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى.
المطلب الثاني: مواقف الحسن بن يسار البصري رحمه الله تعالى.
المطلب الثالث: مواقف عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.
المطلب الرابع: مواقف أبي حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله تعالى.
стр. 247
المطلب الأول
من مواقف سعيد بن المسيب ﵀
لسعيد بن المسيب (١) مواقف حكيمة تدل على علمه وحكمته ورغبته فيما عند الله تعالى (٢).
ومن هذه المواقف الحكيمة التي صدع فيها بالحق في دعوته إلى الله ولم تأخذه في الله لومة لائم ما فعله مع الحجاج بن يوسف الثقفي (٣) عندما أساء صلاته.
١ - صلى الحجاج مرة بجنب سعيد بن المسيب - قبل أن يلي شيئًا من أمور المسلمين - فجعل يرفع قبل الإِمام، ويقع قبله في السجود، فلما سلم أخذ سعيد بطرف ردائه، وبقي يقول الذّكر بعد الصلاة، والحجّاج ما زال ينازعه رداءه حتى قضى سعيد ذكره، ثم أقبل عليه يؤنبه ويؤدبه بالكلام، فلم يقل له الحجّاج شيئًا حتى صار نائبًا على الحجاز وعندما أتى المدينة نائبًا عليها، فلما دخل المسجد قصد مجلس سعيد بن المسيب حتى جلس بين يديه، فقال له: أنت صاحب الكلمات؟ فضرب سعيد صدره بيده وقال: نعم. قال: فجزاك الله من معلم ومؤدب خيرًا، ما صليت بعدك
стр. 248
صلاة إلا وأنا أذكر قولك، ثم قام ومضى (١).
٢ - قيل لسعيد بن المسيب: ما شأن الحجاج لا يبعث إليك ولا يحركك ولا يؤذيك؟ قال: والله ما أدري، إلا أنه دخل ذات يوم مع أبيه المسجد صلّى صلاة لا يتم ركوعها ولا سجودها، فأخذت كفّا من حصى فحصبته بها. قال الحجاج: فما زلت أحسن الصلاة (٢).
وهذا من أعظم المواقف الحكيمة لسعيد بن المسيب ﵀؛ فإن الحكمة وضع كل شيء في موضعه، وقد تنفع الشدة والقوة إذا كانت الحكمة تقتضي ذلك، فسعيد رأى أن من الحكمة استخدام هذا الأسلوب مع الحجاج؛ ليحسن صلاته، فنفع الله بذلك الحجاج كما ذكر هو عن نفسه، وأنه ما زال يحسن الصلاة بعد ذلك، فرحم الله سعيد بن المسيب، وجزاه خير الجزاء.
стр. 249
المطلب الثاني
من مواقف الحسن البصري ﵀ للحسن البصري (١) ﵀ مواقف حكيمة في دعوته إلى الله ، ومنها على سبيل المثال ما يلي:
١ - موقفه مع الحجاج بن يوسف الثقفي:
من حكمة الحسن أنه لا يرى الخروج على الأئمة العُصاة من المسلمين، فقد جاء جماعة من المسلمين إلى الحسن البصري يستفتونه في الخروج على الحجاج، فقالوا: يا أبا سعيد، ما تقول في قتال هذا الطاغية الذي سفك الدم الحرام، وأخذ المال الحرام. . . وفعل وفعل؟ فقال الحسن: أرى أن لا تقاتلوه؛ فإنها إن تك عقوبة من الله فما أنتم برادي عقوبة الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين، وخرجوا من عند الحسن ولم يوافقوه، فخرجوا على الحجاج فقتلوا جميعًا (٢) ولهذا كان الحسن يقول: لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا ما لبثوا أن يفرج عنهم، ولكنهم يجزعون إلى السيف فيوكلون إليه، فوالله ما جاءوا بيوم خير قط (٣).
ومع ذلك كله فقد أراد الحجاج أن يقتل الحسن البصري مرارًا، ولكن الله عصمه منه. بعث الحجاج إلى الحسن مرة - وقد همّ به - فجاء الحسن إليه، فلما قام
стр. 250
بين يديه قال: يا حجاج، كم بينك وبين آدم من أب؟ قال: كثير. قال: فأين هم؟ قال: ماتوا. فنكس الحجاج رأسه، وخرج الحسن (١).
وهذا من حكمة الحسنِ في دعوته إلى الله، فإن الخروج على الأئمة المسلمين - ولو كانوا فسّاقًا - يسبب شرًّا كثيرًا، وفتنة عظيمة، وإزهاقًا للأرواح، وفسادًا كبيرًا، فَسدَّ الحسن الباب أمام هذه المفاسد.
٢ - موقف الحسن مع عمر بن هبيرة:
عندما ولي عمر بن هبيرة (٢). العراق أرسل إلى الحسن فقدم إليه، فقال له: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك (٣) ينفذ كتبًا أعرف أن في إنفاذها الهلكة، واستفتاه ماذا يصنع أمام هذه الكتب؟ فقال الحسن: يا عمر بن هبيرة، يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله - تعالى - فظ غليظ، لا يعصي الله ما أمره، فيخرجك من سعة قمرك إلى ضيق قبرك، يا عمر بن هبيرة إن تتق الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك ولا يعصمك يزيد بن عبد الملك من الله ، يا عمر بن هبيرة لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل في طاعة يزيد بن عبد الملك نظرة مقت، فيغلق بها باب المغفرة دونك، يا عمر بن هبيرة لقد أدركت ناسًا من صدر هذه الأمة كانوا والله على الدنيا وهي مقبلة أشدّ إدبارًا من إقبالكم عليها وهي مدبرة، يا عمر بن هبيرة إني أخوفك مقامًا خوفكه الله - تعالى -، فقال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] (٤) يا عمر بن هبيرة إن تك مع الله في طاعته
стр. 251
كفاك بائقة يزيد بن عبد الملك، وإن تك مع يزيد بن عبد الملك على معاصي الله وكلك الله إليه، فبكى عمر بن هبيرة وقام بعبرته (١).
وهذا يدل على حكمة الحسن ﵀ وما له في النفوس من مكانة وتقدير، فقد جهر بالحق في هذا الموقف ولم تأخذه في الله لومة لائم. وهكذا ينبغي للدعاة إلى الله - تعالى -، ولكن لا بد من الحكمة، وبالتي هي أحسن، فإن ذلك أدعى لقبول الدعوة، والله المستعان.
٣ - موقفه مع القراء: خرج الحسن من عند ابن هبيرة يومًا فإذا هو بالقراء على الباب (٢) فقال: ما يجلسكم ها هنا؟ تريدون الدخول على هؤلاء الخبثاء؟ أما والله ما مجالستهم مجالسة الأبرار، تفرقوا فرق الله بين أرواحكم وأجسادكم، قد فرطحتم (٣) نعالكم، وشمرتم ثيابكم، وجزرتم شعوركم، فضحتم القراء فضحكم الله (٤) والله لو زهدتم فيما عندهم لرغبوا فيما عندكم، ولكنكم
стр. 252
رغبتم فيما عندهم فزهدوا فيكم، أبعد الله من أبعد (١).
وهذا الموقف حكيم عظيم؛ لأن الداعية إلى الله ينبغي أن يستغني عن الناس وعن أموالهم وصدقاتهم، وخاصة الأكابر والسلاطين، فلا يقف على أبوابهم ولا يسألهم، حتى يكون لدعوته ولعلمه الأثر في نفوسهم وفي نفوس غيرهم، ولهذا وجه الحسن القراء لذلك؛ لأن من استغنى بالله افتقر الناس إليه (٢).
стр. 253
المطلب الثالث
من مواقف عمر بن عبد العزيز
يرى كثير من العلماء أن عمر بن عبد العزيز (١) من المجددين على رأس المائة الأولى، لقوله ﷺ «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يُجدّد لها دينها» (٢) وعلى هذا كان ﵀ أول المجددين (٣) وله ﵀ مواقف كثيرة حكيمة في دعوته إلى الله، منها ما يلي:
(أ) من مواقفه الحكيمة قبل الخلافة: له ﵀ مواقف كثيرة قبل الخلافة مع الخلفاء منها:
١ - أقبل سليمان بن عبد الملك (٤) إلى جيشه ومعه عمر بن عبد العزيز، وفي ذلك المعسكر: الخيول والجمال والبغال والأثقال والرجال، فقال سليمان: ما تقول يا عمر في هذا؛ فقال: أرى دنيا يأكل بعضها بعضًا، وأنت المسئول عن ذلك كله، فلما اقتربا من المعسكر إذا غراب قد أخذ لقمة في فيه من فسطاط سليمان وهو طائر بها، ونعب نعبةً، فقال له سليمان: ما هذا يا عمر؛ فقال: لا أدري. فقال: ما ظنك أنه يقول؛ قال
стр. 254
عمر: كأنه يقول: من أين جاءت وأين يُذهَبُ بها؟ فقال له سليمان: ما أعجبك؟ فقال عمر: أعجب ممن عرف الله فعصاه، ومن عرف الشيطان فأطاعه، ومن عرف الدنيا فركن إليها (١) وهذه كلمات حكيمة في الدعوة إلى الله موجّهَة إلى خليفة المسلمين، استغل عمر توجيهها إليه في الفرصة المناسبة، ملتزمًا طريق الحكمة في ذلك كله.
٢ - وحجّ سليمان بن عبد الملك ومعه عمر بن عبد العزيز فأصابهم برق ورعد، حتى كادت تنخلع قلوبهم، فنظر سليمان إلى عمر وهو يضحك، فقال سليمان: يا أبا حفص، هل رأيت مثل هذه الليلة قط أو سمعت بها؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هذا صوت رحمة الله، فكيف لو سمعت صوت عذاب الله؟ فقال: هذه المائة ألف درهم، فتصدق بها. فقال عمر: أو خير من ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: وما هو؟ قال: قوم صحبوك في مظالم لهم لم يصلوا إليك، فجلس سليمان فرد المظالم (٢).
الله أكبر ما أحكم هذا الموقف وأعظمه! فقد استطاع عمر بن عبد العزيز بعون الله - تعالى - ثم بحكمته أن يؤثر على سليمان حتى جلس ورد المظالم.
٣ - ومن أعظم مواقفه الحكيمة مع سليمان بن عبد الملك أن سليمان قال له: يا أبا حفص، إنا ولينا ما قد ترى، ولم يكن لنا بتدبيره علم، فما رأيت من مصلحة العامة فمر به، فكان من ذلك أن عمر أمر بعزل عمال الحجاج، وأقيمت الصلاة في أوقاتها بعد ما كانت أميتت عن وقتها، مع
стр. 255
أمور جليلة كان يسمع من عمر فيها، فقد قيل: إن سليمان حج فرأى الخلائق بالموقف فقال لعمر: أما ترى هذا الخلق الذي لا يُحصِي عددهم إلا الله؟ قال: هؤلاء اليوم رعيتك، وهم غدًا خصماؤك، فبكى سليمان بكاءً شديدًا (١) فرحم الله عمر، فقد كان حكيمًا في مواعظه وترقيقه للقلوب، وربطها بخالقها، وتخويفها من عقابه، وترغيبها في ثوابه، ويستخدم ذلك في الوقت المناسب، في الحال المناسب.
وله ﵀ مواقف كثيرة مع الخلفاء، ولولا الإِطالة لذكرتها (٢).
(ب) مواقفه بعد أن ولي الخلافة: بعد أن مات معاوية بن أبي سفيان ﵁ سنة ستين للهجرة النبوية، بدأ الظلم، واتسع الخرق والخلاف بين العلماء والخلفاء، فصار بعض الناس في وادٍ، وبعض حكامهم في وادٍ آخرَ، ثم ازدادت الأحوال سوءًا بتسلُّم بعض الولاة الظلمة الحكم أمثال الحجاج، وصاروا يجمعون الأموال وينفقونها في غير حلها بلا حساب ولا نظام، وقد كان الشاعر يدخل على الخليفة أو الوالي فيمدحه، فيكيل له بلا حساب، وقد كان سليمان بن عبد الملك أمثل الخلفاء (٣).
وعندما تسلَّم عمر بن عبد العزيز الخلافة قام بالمواقف الحكيمة لإِنقاذ الأمة مما حل بها، فكانت مواقفه الحكيمة لإِصلاح ما فسد من أمور الناس كالتالي:
стр. 256
١ - بدأ بالتغيير مع نفسه، فغير طريق حياته حتى أنكره من عرفه من قبل، فعندما رجع من قبر سليمان أُوتي بمراكب الخلافة: البراذين والخيل والبغال، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مَراكب الخلافة. فقال: ما لي ولها، نَحُّوها عنِّي، قربوا مني بغلتي، فقُرِّبت إليه بغلته، وأمر بمراكب الخلافة أن تُباع ويجعل ثمنها في بيت مال المسلمين، وقال: تكفيني بغلتي هذه الشهباء (١).
وكان دخله قبل الخلافة أربعين ألف دينار، فترك ذلك كله إلا أربعمائة دينار في كل سنة، ونظر إلى ما في يديه من أرض أو متاع فخرج منه، حتى إنه رّد فصّ خاتم في يده إلى بيت المال، وقال: هذا مما أعطانيه الوليد بن عبد الملك من غير حقه (٢).
٢ - بعد أن بدأ بنفسه بدأ بأهله، فسأل زوجته فاطمة بنت عبد الملك عن الجوهر الذي عندها، من أين صار إليها؟ فقالت: أعطانيه أمير المؤمنين، فقال: إما أن ترديه إلى بيت المال، وإما أن تأذنيني في فراقك، فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت، قالت: لا، بل أختارك على أضعافه لو كان لي، فوضعته في بيت المال (٣).
٣ - بعد أن أصلح عمر نفسه وأهله، بدأ بإصلاح أوضاع بني أمية، فأخذ ما بأيديهم من المظالم وردها إلى أهلها، وإلى بيت المال إن لم يكن لها أهل، وسمى أموالهم مظالم، وأمر مناديه أن يُنادي في الناس: من كانت له
стр. 257
مظلمة فليرفعها، وجاء كل من كانت له مظلمة فجعل يرد المظالم مظلمة مظلمة (١) وأخذ جميع الأموال التي أخذها بنو مروان بغير استحقاق، فوضعها في بيت مال المسلمين (٢).
٤ - كتب إلى الولاة على الأمصار الإِسلامية يأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن معصيته، ويخوفهم من عقابه، ويرغبهم في ثوابه، ويزهدهم في الدنيا، ويضرب لهم الأمثال بمن مضى ممن كان قبلهم من الخلفاء والولاة، وأنهم قد ذهبوا إلى ما قدموا من أعمال، فمنهم الرابح، ومنهم الخاسر، وأمرهم بالعدل مع الرعية، ونهاهم عن الظلم، وأمرهم برد جميع المظالم إلى أهلها، وعزل بعضهم عن الولاية وَوَلَّى من هو أصلح منه، واستدعى بعضهم إلى الحضور لديه ليحاسبه على جوره وظلمه، وحذر الولاة من أخذ الرشوة والهدية من الرعية (٣) وأمر الولاة بوضع الجزية عمن أسلم من اليهود والنصارى، حيث كان بنو أمية لا يضعون الجزية عمن أسلم، فأسلم بذلك خلق كثير، ومن هؤلاء أهل خراسان، فقد أسلم منهم أربعة آلاف في وقت قصير بسبب هذه الحكمة العظيمة (٤).
٥ - من أعظم مواقفه الحكيمة في إصلاح الأوضاع في الدولة الأموية ما أحياه في النفوس من خوف الله ومراقبته، وغرس ذلك في نفوس الناس، ومن ذلك أنه في يوم الجمعة يخطب الناس، فبكى يومًا، وبكى الناس معه
стр. 258
حتى ارتج المسجد بالبكاء، وصار لحيطانه صوت بالبكاء (١).
٦ - فقَّه الناس في دين الله، وغرس في قلوبهم حب الكتاب والسنة، وكان يرسل المرشدين إلى البادية؛ ليُفقِّهوا الناس في الدين (٢).
٧ - لم يكتف عمر بن عبد العزيز بالخطوات الحكيمة السابقة في إصلاح أوضاع المسلمين في الدولة الأموية، بل اهتم بأمور غير المسلمين، فأرسل الدعاة إلى الله ؛ ليبلغوا الناس دعوة الإِسلام، ومن ذلك أنه أرسل إلى أفريقيا مجموعة من الدعاة، فأسلم على أيديهم أمم هائلة من البربر وغيرهم.
وبتوفيق الله ثم بهذه الخطوات الحكيمة السبع، ظهرت مواقف عمر الحكيمة في إصلاح الأمة وتجديد الدين، ونفع الله به البلاد والعباد، وأنقذ الله به من الظلم (٣).
стр. 259
المطلب الرابع
من مواقف أبي حنيفة النعمان بن ثابت ﵀
الإِمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (١) له مواقف حكيمة كثيرة (٢) منها موقفه العظيم الحكيم مع الملحدين في دعوتهم إلى الله - تعالى -، وأنه رب كل شيء ومليكه.
يذكر أنه اجتمع طائفة من الملاحدة بأبي حنيفة ﵀ فقالوا: ما الدلالة على وجود الصانع؛ فقال: دعوني، فخاطري مشغول بأمر غريب. قالوا ما هو؟ قال: بلغني أن في دجلة سفينة عظيمة مملوءة من أصناف الأمتعة العجيبة، وهي ذاهبة وراجعة من غير أحد يحركها ولا يقوم عليها، فقالوا له: مجنون أنت؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: إن هذا لا يصدقه عاقل. فقال لهم: فكيف صدقت عقولكم أن هذا العالم بما فيه من الأنواع والأصناف والحوادث العجيبة، وهذا الفلك الدوَّار السيَّار يجري، وتحدث هذه الحوادث من غير محدث، وتتحرك هذه المتحركات بغير محرك؟ فرجعوا على أنفسهم بالملام (٣) وهذا من أعظم مواقف الحكمة في الدعوة إلى الله، فقد استدل على الخالق بوجود المخلوق، فليس هناك من مخلوق إلا وله خالق ومدبر وهو الله ، كما أنه ليس هناك من صنعة إلا ولها صانع، ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم.
стр. 260
المبحث الرابع
مواقف أتباع التابعين توطئة.
المطلب الأول: مواقف الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى.
المطلب الثاني: مواقف الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
المطلب الثالث: مواقف الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
стр. 261
توطنة أتباع التابعين هم من القرون المفضلة التي امتدحها رسول الله ﷺ بقوله: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. .». " (١). ولتابعي التابعين مواقف حكيمة في دعوتهم إلى الله - تعالى -، وسأذكر منها - بعون الله - نماذج في المطالب التالية:
المطلب الأول: مواقف الإِمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى.
المطلب الثاني: مواقف الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى.
المطلب الثالث: مواقف الإِمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
стр. 262
المطلب الأول
من مواقف الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى
للإِمام مالك (١) ﵀ مواقف حكيمة مشرفة، منها على سبيل المثال ما يلي:
١ - من أعظم مواقف الحكمة التي وقفها: موقفه مع من سأله عن الاستواء. فقد جاء إليه رجل وقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] (٢) كيف استوى؟ فما وجد مالك من شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض, وجعل ينكت بعود في يده حتى علاه الرحضاء (٣) ثم رفع رأسه ورمى بالعود، وقال: " الكيف منه غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك صاحب بدعة " وأمر به فأُخْرِجَ (٤).
وهذا موقف حكيم مُسدّد؛ لأنه أجاب بالإِجابة الصحيحة بعد التأمل والتفكر، فكانت هذه الإِجابة قاعدة ثابتة لأهل السنة والجماعة، تُجْرَى عليها صفات الله - تعالى - كلها، فالكيف للصفة مجهول لنا لا نعرف كيفيتها؛ لأن الله لم يخبرنا بالكيفية، والصفة معلومة بدليلها من الكتاب والسنة الصحيحة أو بأحدهما، والإِيمان بالصفة - التي تثبت بالدليل - واجب، والسؤال عن كيفية الصفة بدعة، وليس المراد بنفي الكيفية تفويض المعنى المراد من الصفات، بل كل صفة من صفات الله - تعالى -
стр. 263
تدل على معنى حقيقي نؤمن به ونثبته لله كما يليق بجلاله (١).
٢ - من مواقفه الحكيمة ما ردّ به على بعض العُبَّاد حينما كتب إليه يعظه ويحضه على الانفراد والعزلة عن الناس، ويحضه على العمل، فكتب إليه مالك: " إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فربّ رجل فُتحَ له في الصلاة ولم يُفتَحْ له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فُتحَ لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر " (٢).
وهذا الرد الحكيم المسدد مما يدل على فقه الإِمام مالك وحكمته، فإن نشر العلم خير أعمال البر، وأفضل من نوافل الصلاة والصوم والصدقة وغير ذلك من نوافل العبادات، لقوله ﷺ : «من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله» (٣).
وقوله ﷺ : «فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم» (٤).
فرحم الله مالكًا فقد نطق بالحكمة، وطبق ما كان يقوله ويُرغِّبُ فيه الناس، فكان هو أولى به حيث قال: " بلغني أنه ما زهد أحد في الدنيا واتقى إلا نطق بالحكمة " (٥).
стр. 264
ولهذا قال الإِمام الذهبي (١) " إلى فقه مالك المنتهى، فعامة آرائه مسددة " (٢).
ولكن الإِمام مالكًا قد أنصف حينما رسم للناس قاعدة يسيرون عليها، حيث قال: " كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر ﷺ " (٣).
وهذا كلام حكيم وعظيم يدل على أن جميع الناس ليسوا معصومين من الخطأ، إنما الذي قد عُصِمَ في تبليغ الشريعة هو محمد ﷺ .
٣ - والإِمام مالك كان يصدع بالحق ولا تأخذه في الله لومة لائم، ومن ذلك قول الإِمام الشافعي: " كان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء، قال: أما إني على بينة من ربي وديني، وأما أنت فشاك، اذهب إلى شاك مثلك فخاصمه " (٤).
وهذا الكلام من الدعوة إلى الله بالحكمة؛ لأن من الناس من يحتاجون إلى الغلظة أحيانًا، ولا يخرج ذلك عن الحكمة؛ لأن الله - تعالى - وهو أحكم الحاكمين - قال لأحكم الناس أجمعين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩] (٥) وقال: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (٦).
стр. 265
وللإمام مالك مواقف حكيمة كثيرة لا يتسع المقام لذكرها (١).
стр. 266
المطلب الثاني
من مواقف الإمام الشافعي ﵀
للإِمام الشافعي (١) ﵀ مواقف حكيمة تدل على حكمته وصدقه وإخلاصه، ومن مواقفه - رحمه الله تعالى -.
موقفه مع أهل الكلام ودفاعه عن علم الكتاب والسنة: وقف الشافعي ﵀ موقفًا حكيمًا مسددًا مع أهل الكلام (٢) فقال - رحمه الله تعالى -: " حكمي في أهل الكلام: أن يضربوا بالجريد والنعال، ويحملوا على الإِبل، ويطاف بهم في الأسواق والعشائر، يُنادى عليهم ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام " (٣).
стр. 267
وقال: " مذهبي في أهل الكلام تقنيع رؤوسهم بالسياط، وتشريدهم في البلاد " (١).
وقال: " حكمي في أهل الكلام حكم عمر في صبيغ " (٢).
وغرس الشافعي في نفوس الناس بغض الكلام وأهله، وحب الكتاب والسنة والتمسك بهما، قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي (٣) قلت للشافعي: إن صاحبنا الليث (٤) كان يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة. فقال الشافعي ﵀: قصر الليث ﵀، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب (٥).
وجاء رجل من أهل الكلام إلى الشافعي - وهو في مصر - فسأله عن مسألة من الكلام فقال له الشافعي: أتدري أين أنت؟ قال الرجل: نعم. قال: هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون، أبلغك أن رسول الله ﷺ أمر بالسؤال عن ذلك؟ قال: لا. قال: هل تكلّم فيه الصحابة؟ قال: لا. قال: هل تدري كم نجمًا في السماء؟ قال: لا. قال: فكوكب منها، تعرف جنسه، طلوعه، أفوله، مم خُلق؟ قال: لا. قال: فشيء تراه بعينك من الخلق لست تعرفه، تتكلم في علم خالقه؟ ثم سأله الشافعي عن مسألة
стр. 268
من الوضوء فأخطأ فيها، ففرعها على أربعة أوجه، فلم يصب في شيء من ذلك، فقال له: شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرات تدع علمه، وتتكلف علم الخالق؟ إذا " هجس في ضميرك ذلك فارجع إلى الله، وإلى قوله - تعالى -: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ - إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٣ - ١٦٤] الآية (١) فاسْتَدَلّ بالمخلوق على الخالق، ولا تَتكلف علم ما لم يبلغه عقلك.
فتاب الرجل (٢) على يد الشافعي من علم الكلام، وأقبل على فقه الكتاب والسنة (٣) وكان يقول بعد التوبة: " أنا خلق من أخلاق الشافعي " (٤).
وقد أصبح هذا الرجل " المزني " عَلَمًا من أعلام الإِسلام في فقه الشافعي.
فهذه المواقف الحكيمة في الدفاع عن الكتاب والسنة، وذم الكلام وأهله، والرد عليهم بأسلوب الحكمة، يدل دلالة واضحة على حكمة الشافعي ﵀.
ومما يدل على حكمته أيضًا أن الله تفضّل عليه وهدى على يديه كثيرًا من أهل الكلام فتركوا باطلهم، وأقبلوا إلى علم الكتاب والسنة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
стр. 269
المطلب الثالث
من مواقف الإمام أحمد بن حنبل ﵀
للإمام أحمد (١) ﵀ مواقف حكيمة تدل على حكمته وصدقه مع الله، وإخلاصه، ومن مواقفه رحمه الله تعالى:
موقفه الحكيم الذي حفظ الله به القرآن الحكيم: كان الناس أمة واحدة، ودينهم قائمًا، حتى ظهرت الخوارج، وكفَّرَتْ سادات الصحابة، ثم ظهرت الروافض والنواصب، وفي آواخر زمن الصحابة ظهرت القدرية، ثم ظهرت المعتزلة بالبصرة، والجهمية والمشبهة بخراسان في أثناء عصر التابعين مع ظهور السنة وأهلها؛ لأن الخلفاء والملوك والولاة لم يكن لهم دور في إظهار البدع والدعوة إليها، إلى ظهور المأمون (٢) فاستجلب كتب الأوائل، وعرَّب حكمة اليونان، ورفع الجهمية والمعتزلة والشيعة رؤوسهم، وأظهر المأمون عام ٢١٢هـ القول بخلق القرآن، وحمل الأمة على القول بذلك، ثم امتحن العلماء وعذبهم عام ٢١٨هـ (٣).
وفي آخر حياته قبل موته بأشهر خرج إلى طرطوس لغزو الروم، وكتب إلى نائبه ببغداد يأمره أن يدعو الناس ويلزمهم بالقول بخلق القران، فألزم
стр. 270
الناس بذلك، وبعث بجماعة من أهل الحديث إلى المأمون، فامتحنهم بخلق القران، فأجابو وأظهروا موافقته وهم كارهون، فردهم إلى بغداد، وأمر بإشهار أمرهم بين الفقهاء ففعل نائبه ذلك، وأحضر خلقًا كثيرًا من أئمة الحديث والفقهاء وأئمة المساجد وغيرهم، ودعاهم إلى القول بخلق القرآن عن أمر المأمون، وذكر لهم موافقة أولئك المحدِّثين له على ذلك، فأجاب منهم جماعة (١) وما زال يُهدّد من امتنع منهم بالضرب وقطع الأرزاق، حتى أجابوه إلى ذلك كلهم أجمعون إلا أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح (٢) ولا شك أن أكثر المحدثين الذين أجابوا إلى ذلك تأولوا قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] (٣).
ثم قُيِّد الِإمام أحمد ومحمد بن نوح بالحديد، وحملا إلى المأمون، وعندما وصلا إلى جيش الخليفة ونزلا دونه بمرحلة جاء خادم من الجيش وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه، ويقول للِإمام أحمد: يعز علي يا أبا عبد الله أن المأمون قد سل سيفًا لم يسله قبل ذلك، ويقسم لئن لم تُجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنَّك بذلك السيف، فجثى الإمام أحمد على ركبتيه، ورمق بطرفه إلى السماء، وقال: اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤونته. فجاء الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل، ففرح أحمد، ثم جاء الخبر بأن المعتصم قد ولي الخلافة، وقد انضم إليه أحمد بن
стр. 271
أبي دؤاد (١) وأن الأمر شديد، فُرِّد أحمد ومحمد إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسارى، ومات محمد بن نوح في الطريق، فصلى عليه أحمد (٢) ووصل أحمد إلى بغداد في رمضان سنة ٢١٨هـ وأُودع السجن نحوًا من ثمانية وعشرين شهرًا، وقيل أكثر من ثلاثين شهرًا، وقد كان في هذه المدة يصلي بأهل السجن والقيود في رجليه (٣) وكان المعتصم يوجه إليه من يناظره في السجن فيفوز عليهم الإمام أحمد بحجته ودليله، فيُزَاد في قيوده، ثم طلب المعتصم حضوره لديه، فَحُمِلَ على دابة وعليه الأقياد، ما معه من يمسكه إلا الله، وكاد أن يسقط على وجهه لثقل القيود، ولكن الله سلَّم، ثم دخل على المعتصم وأحمد بن أبي دؤاد حاضر عنده، وقد جمع خلْقًا كثيرًا من أصحابه (٤) ثم قال المعتصم لأعوانه: ناظروه، فقيل له: ما تقول في القرآن؛ فقال أحمد: ما تقول في علم الله؛ فسكت المناظر له، فقال أحمد: من زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر بالله. فقالوا: يا أمير المؤمنين كَفَرَ وكَفَّرنا.
فقال بعضهم: أليس قال الله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] (٥) والقرآن أليس شيئا؟ فقال أحمد: قال الله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] (٦) فدمرت كل شيء إلا ما أراد الله.
стр. 272
قال أحمد: فكان يتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأرد عليه، فإذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد فيقول: يا أمير المؤمنين، هو والله ضالّ مُضِلّ مبتدع، فيقول المعتصم: كلِّموه، ناظروه، فيكلمني هذا فأرد عليه، ويكلمني هذا فأرد عليه، فإذا انقطعوٍا قال المعتصم: ويحك يا أحمد ما تقول؛ فأقول: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ حتى أقول به. فيقول أحمد بن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلا بهذا وهذا؟ (١) فقال أحمد: وهل يقوم الِإسلام إلا بهما؛ وجرت مناظرات طويلة.
قال أحمد: لقد احتجوا علي بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطلق لساني أن أحكيه، أنكروا الآثار، وما ظننتهم على هذا حتى سمعته، وجعلوا يرغون، يقول الخصم كذا وكذا، فاحتججت عليهم بالقرآن: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] (٢) أفهذا منكر عندكم؟ فقالوا: شبَّه يا أمير المؤمنين، شبَّه. وطال المجلس، وقام المعتصم ورُدَّ أحمد إلى حبس في البيت، ثم وجه إليه من يبيت معه ويناظره، ثم أُحضِرَ أحمد في اليوم الثاني وناظروه إلى قرب الزوال، ثم قام المعتصم ورد أحمد إلى مكانه، وفي اليوم الثالث جيء به فناظروه، وفي هذه الأيام كلها يعلو صوته صوتهم، وتغلب حجته حجتهم، فغلبهم بالحجة والبرهان (٣) حتى قال عنه صاحب شرطة المعتصم (٤) ما رأيت أحدًا لم يداخل السلطان، ولا خالط الملوك كان أثبت قلبًا من أحمد يومئذ، ما نحن في عينه إلا كأمثال الذبان (٥).
стр. 273
وطالت المناظرة، فغضب المعتصم وقال لأحمد: لعنك الله طمعت فيك أن تجيبني فلم تجبني، ثم قال: خذوه واسحبوه، خلِّعوه، فأُخِذَ وسُحِبَ وخُلِّع وجُرِّدَ، ووقف به بين الجمهور؛ لجلده وتعذيبه، فقال أحمد: "يا أمير المؤمنين، اذكر وقوفك بين يدي الله كوقوفي بين يديك ".
فلما رأى المعتصم ثباته وتصميمه وصلابته فكأنه أمسك حتى أغراه أحمد بن أبي داؤد، وقال: "يا أمير المؤمنين، إن تركته قيل: قد ترك مذهب المأمون، وسخط قوله "، فهاجه ذلك على ضربه، ثم بدأ الجلادون يضربون، فيتقدم الرجل منهم فيجلده سوطين، والمعتصم يقول: شد قطع الله يدك.
وأُغمِيَ على أحمد، وذهب عقله مرارًا، ويعيدون الضرب ولم يحس بالضرب، وجاء المعتصم إليه ثلاث مرات وهو يُجْلَد يدعوه إلى القول بخلق القران، فيمتنع، ويعيدون الضرب، ثم أمر المعتصم بإطلاقه، بعد أن ضُرِبَ نيفًا وثلاثين سوطًا، وقيل ثمانين سوطًا، ولكنه كان ضربًا مبرحًا، ولم يشعر الإمام أحمد إلا وهو في حجرة من بيت، وقد أطلقت الأقياد من رجليه، ثم أمر المعتصم بإطلاقه إلى أهله، وكان ذلك في ٢٥ رمضان سنة ٢٢١هـ، ووصل إلى بيته (١) وجاء إليه طبيب في بيته فقال: قد رأيت من ضُرِبَ ألف سوط، ما رأيت ضربًا مثل هذا، وجعل يعالجه ويقطع اللحم الميت من جسده، وأحمد صابر، ويجهر بحمد الله، وبقي أثر الضرب في ظهره حتى مات ﵀ (٢) وجعل كل من آذاه في حل بعد أن شفاه الله إلا أهل البدع، وكان يتلو في ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] (٣).
стр. 274
وبعد أن توفي المعتصم، وولي الخلافة الواثق (١) فأظهر ما أظهر والده من القول بخلق القرآن، ثم جاءت رسالة إسحاق بن إبراهيم إلى أحمد، يقول فيها: "إن أمير المؤمنين قد ذكرك فلا يجتمعن إليك أحد، ولا تساكنني بأرض ولا مدينة أنا فيها، فاذهب حيث شئت من أرض الله".
فاختفى أحمد ﵀ بقية حياة الواثق في غير منزله، ثم عاد إلى منزله عندما طفئ خبره، ولم يزل مختفيًا في البيت لا يخرج إلى صلاة ولا إلى غيرها حتى هلك الواثق (٢) ثم ولي المتوكل (٣) الخلافة فأظهر الله السنة، وفرج عن الناس، وقمع البدع وأهلها، ونصر أهل السنة (٤).
وكتب الإمام أحمد رسالة عظيمة إلى المتوكل، وبيَّن فيها الرد على من قال بخَلْق القرآن، واستدل على أن القران كلام الله بالبراهين القطعية من الكتاب والسنة والآثار عن الصحابة، ودعا للمتوكل بالتوفيق وحسن العاقبة (٥).
الله أكبر! ما أعظم هذه المواقف الحكيمة نحو كتاب الله -تعالى- فإن الناس كلهم في الظاهر قد وافقوا المأمون على القول بخلق القرآن راغبين
стр. 275
وراهبين، ولم يبق مُنكِرٌ لذلك إلا أحمد ومحمد بن نوح، ثم مات ابن نوح، وبقي أحمد وحده، فثبت واستعان بالله، فأثبت للناس أن القرآن كلام الله بقوله ومناظرته وفعله، وصبره على العذاب في عهد المأمون، ثم المعتصم (١) ثم الواثق، ولولا الله وحده ثم الإمام أحمد لساد القول بخلق القرآن بين المسلمين، وخاصة عامة الناس، ولكن الناس ينظرون إلى أحمد وثباته وحججه وبراهينه، فثبتوا على القول بأن القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود، وإن لم يظهروا ذلك للدولة، ولكن يعتقدون ذلك بقلوبهم، فحفظ الله كتابه، وأظهر الحق على يد الِإمام أحمد -رحمه الله تعالى- بهذه المواقف الحكيمة.
стр. 276
المبحث الخامس
نماذج من مواقف الحكمة عبر العصور تمهيد.
المطلب الأول: مواقف الإمام منذر بن سعيد البلُّوطي رحمه الله تعالى.
المطلب الثاني: مواقف سلطان العلماء: العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى.
المطلب الثالث: مواقف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
المطلب الرابع: مواقف شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.
стр. 277
تمهيد بعد أن انقرضت القرون المُفضَّلة التي امتدحها رسول الله ﷺ بقوله: «خير الناس قرني، ثم الذين يَلُونهم». . . ". الحديث (١) بعد ذلك جاء أناس يشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم الضعف والخور، والبدع والخرافات، والصد عن دين الله، ولكن- وللَّه الحمد والمنة- لا يزال حفظ الله لهذا الدين قائمًا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (٢) وتكفل الله باستمرار الحفظ إلى قيام الساعة، ولهذا قال ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» (٣).
وبيَّن ﷺ أن الله يبعث لأمته على رأس كل قرن من يجدد لها دينها، ويبين لها أحكام الكتاب والسنة، فقال ﷺ : «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (٤) وسأتناول- إن شاء الله- في هذا المبحث نماذج من أبطال الرجال وحكمائهم، وأبين بعض مواقفهم التي تظهر فيها الحكمة في الدعوة إلى الله- تعالى- في المطالب التالية:
стр. 278
المطلب الأول: مواقف إمام علماء الأندلس: منذر بن سعيد البلُّوطي ﵀.
المطلب الثاني: مواقف سلطان العلماء: العز عبد العزيز بن عبد السلام ﵀.
المطلب الثالث: مواقف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
المطلب الرابع: مواقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀.
стр. 279
المطلب الأول
مواقف الإمام منذر بن سعيد البلُّوطي
منذر بن سعيد (١) البلُّوطي له مواقف حكيمة في دعوته إلى الله -تعالى- تدلُّ على حكمته، وفضله، وأنه لا تأخذه في الله لومة لائم ومن هذه المواقف الحكيمة على سبيل المثال ما يأتي:
١ - موقفه الحكيم مع سلطان الأندلس: دخل المنذر بن سعيد يومًا على الناصر لدين الله (٢) وقد فرغ من بناء المدينة الزهراء وقصورها، حيث ساق إليها أنهارًا، نقب لها الجبل، وأنشأها مدوَّرةً، وعدة أبراجها ثلاث مئة بُرج، شرفاتها من حجر واحد، وقسَّمها أثلاثًا: فالثلث المسند إلى الجبل قصورهُ، والثلث الثاني دور المماليك والخدم، والثلث الثالث بساتين تحت القصور. وعمل مجلسًا مُشرفًا على البساتين، صَفّحَ عُمُدَه بالذهب، ورصَّعه بالياقوت، واللؤلؤ، وفرشه بمنقوش الرخام، وصنع قدَّامه بحرةً مستديرة ملأها زئبقًا، فكان النور ينعكس منه إلى المجلس، وقعد في هذه القبة المزخرفة بالذهب والبناء
стр. 280
البديع الذي لم يسبق إليه، وجلس عنده جماعة من الأعيان رؤوس دولته وأمراؤه، فقال لهم: هل بلغكم أن أحدًا بنى مثل هذا البناء؟ فقال له الجماعة: لم نرَ ولم نسمع بمثله، وجعل جميع من حضر يثنون على ذلك البناء ويمدحونه وأثنوا وبالغوا، ومنذر بن سعيد القاضي ساكت مطرق لا يتكلم. فالتفت إليه الملك وقال: ما تقول أنت يا أبا الحكم؟ فبكى القاضي وانحدرت دموعه على لحيته، وقال: والله ما كنت أظن يا أمير المؤمنين أن الشيطان أخزاه الله يبلغ منك هذا المبلغ المهلك لصاحبه في الدنيا والآخرة، ولا أنك تمكِّنه من قيادك هذا التمكين مع ما آتاك الله وفضَّلك به على كثير من الناس، حتى أنزلك منازل الكافرين والفاسقين. فقال له الخليفة: انظر ما تقول وكيف أنزلني منازل الكافرين؟ فقال: قال الله -تعالى-: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ - وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ - وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥] (١) فنكس الناصر رأسه طويلًا، وبكى، ثم قال: جزاك الله عنَّا خيرًا وعن المسلمين، وأكثر في المسلمين مثلك، الذي قلت هو الحق ثم قام عن المجلس وأمر بنقض سقف القبة، ونزع الذهب والجواهر (٢).
الله أكبر ما أحكمه من موقف نُزِعَ بسببه الذهب والجواهر، وغُيِّر به المنكر، وتأثر به الخليفة!.
وقد خطب منذر بن سعيد خطبة عظيمة في يوم الجمعة عندما حضر
стр. 281
الناصر في جامع الزهراء (١) فأدخل في خطبته قوله- تعالى-: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ - وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ - وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ - أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ - وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ - إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٣٥] (٢) واسترسل يقول: ولا تقولوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ - إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ - وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦ - ١٣٨] (٣) ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧] (٤).
وقد قيل: إن الناس ضجوا بالبكاء وتأثر الخليفة بهذه الخطبة.
فرحم الله المنذر ما أحكمه!: وجزاه الله خيرًا.
٢ - موقفه الحكيم في تأثيره على الناس: أصاب الناس قحط في بعض السنين، فأمر القاضي: منذر بن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء بالناس، فصام أيامًا وتأهب. وقيل: إن عبد الرحمن الناصر هو الذي أمره بالاستسقاء للناس، فلما جاءته الرسالة قال للرسول: كيف تركت الملك؟ فقال: تركته أخشع ما يكون، وأكثره دعاءً وتضرعًا، ففرح منذر بن سعيد بذلك وأمر غلامه أن يحمل ما يَقِيهم من المطر، وقال. سُقِيتم والله إذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء. ثم قال لغلامه: نادِ في الناس بالصلاة فجاء الناس إلى محل الاستسقاء، ثم خرج القاضي منذر، راجلًا، متخشعًا، ثم وصل المصلي وقام ليخطب، والناس ينظرون
стр. 282
إليه يسمعون ما يقول، فلما رأى الحال بكى، وافتتح خطبته بقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤] (١) ثم أعادها مرارًا فضج الناس بالبكاء والنحيب والتوبة والإنابة، وقال: استغفروا ربكم، وتوبوا إليه، وتقربوا بالأعمال الصالحات لديه، فجأرُوا بالدعاء والتضرع، وخطب فأبلغ، فلم ينفض القوم حتى نزل غيث عظيم (٢).
وأخبار هذا القاضي كثيرة حسنة جدًّا، ومنها: أنه استسقى مرةً فقال يهتف بالخلق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ - إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر: ١٥ - ١٦] (٣) فهذا الموقف من أعظم المواقف الإيمانية الحكيمة؟ لأن الداعية إذا صدق مع الله- تعالى- وتأثر بما يدعو إليه، تأثر الناس في الغالب؟ ولهذا صدق منذر ففتح الله له قلوب الناس، واستجاب الله لهم فأنزل عليهم الغيث بفضله وكرمه.
فحري بالدعاة إلى الله- تعالى- أن يسلكوا مسالك الحكمة في دعوتهم إلى الله تعالى.
стр. 283
المطلب الثاني
مواقف سلطان العلماء: العز بن عبد السلام
العز بن عبد السلام، الملقب بسلطان العلماء (١) له مواقف حكيمة كثيرة في دعوته إلى الله -تعالى-، فقد أزال بإنكاره الحكيم كثيرًا من المنكرات، وباشر تبطيل بعضها بنفسه، ومن ذلك: إبطاله كثيرًا من البدع المنتشرة: كصلاة الرغائب، وصلاة ليلة النصف من شعبان، وبدعة دق المنبر بالسيف (٢) وحكمته في بيع الملوك الأرقاء وصرف ثمنهم في بيت مال المسلمين (٣) وذوده الحكيم عن أموال المسلمين، ومن ذلك أن السلطان وعساكره- عندما دهمت التتار البلاد عقب وقعة بغداد- استشاروا الشيخ فقال: اخرجوا وأنا أضمن لكم على الله النصر، فقال السلطان: إن المال في خزانتي قليل وأنا أريد أن أقترض من التجار، فقال الشيخ عز الدين: إذا أحضرت ما عندك وعند حريمك، وأحضر الأمراء ما عندهم من الحلي الحرام وضربته سكةً ونقدًا، وفرقته في الجيش، ولم يقم بكفايتهم ذلك الوقت اطلب القرض، وأما قبل ذلك فلا. فأحضر السلطان والعسكر ما عندهم من ذلك وامتثلوا أمره فانتصروا بإذن الله -تعالى- (٤).
стр. 284
ومن أعظم مواقفه الحكيمة التي تجلت حكمته فيها في دعوته إلى الله -تعالى- موقفه مع سلطان الديار المصرية: أيوب بن الكامل (١) فقد دخل سلطان العلماء مرةً إلى هذا السلطان في يوم عيد، فشاهد العسكر مصطفين بين يديه وقد خرج على قومه في زينته، وأخذت الأمراء تُقبِّل الأرض بين يديه، والعز بن عبد السلام يرى هذا الموكب العظيم، فالتفت ﵀ إلى السلطان، وناداه: يا أيوب! ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبويء لك ملك مصر ثم تبيح الخمور؟! فقال: هل جرى هذا؟ فقال العز: نعم الخانة الفلانية يباع فيها الخمور، وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة، يناديه كذلك بأعلى صوته والعساكر واقفون. فقال السلطان أيوب: يا سيدي! أنا ما عملته هذا في زمان أبي. فقال العز: أنت من الذين يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] (٢) فرسم السلطان بإبطال تلك الخانة ومنع بيع الخمور. ورجع العز منتصرًا مسرورًا؟ لتغيير هذا المنكر، وقال له بعض تلاميذه (الباجي): يا سيدي كيف الحال؟ فقال العز بن عبد السلام: يا بني رأيته في تلك العظمة، فأردت أن أهينه؟ لئلا تكبر عليه نفسه فتؤذيه. فقال له: يا سيدي! أما خفته؟ فقال. والله يا بني لقد استحضرت هيبة الله -تعالى- فصار السلطان قدَّامي كالقط! (٣).
الله أكبر ما أحكم هذا الموقف الذي بسببه أُزيلت أمّ المنكرات، وأم الخبائث، مع ما أُزيل معها من المنكرات الأخرى، وانتشار الخير بين الناس.
- فرحم الله العز بن عبد السلام، وجزاه الله خيرًا، ورفع درجته.
стр. 285
المطلب الثالث
من مواقف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ منذ نهاية القرن الرابع الهجري بدأت عوامل الضعف والانحلال تدب في كيان الأمة الإسلامية، وتوالت عليهم المحن والنكبات، فتعرضوا لموجات التتار من الشرق، والحروب الصليبية من الغرب، وبقيت بلاد الشام حوالي قرنين من الزمان تحت حكم الأوربيين، فاحتل الصليبيون دمشق وما جاورها سنة ٤٩١هـ، وبيت المقدس سنة ٤٩٢هـ، وظلت الحرب مستمرة بين المسلمين والإفرنج مدة طويلة، ثم احتل الإفرنج مدينة دمياط بمصر، وخرج التتار من أطراف الصين، فاحتلوا بلاد تركستان، ثم منها إلى بلاد ما وراء النهر، مثل سمرقند، وبخارى، وغيرهما، ثم عبرت طائفة منهم إلى خراسان، وإلى حد العراق، ثم تمكن التتار عام ٦٥٧هـ أو ٦٥٦هـ من احتلال بغداد، وبذلك سقطت هيبة الخلافة الإسلامية، وانتهت الخلافة العباسية، وبعد ذلك احتل التتار بلاد الشام، ثم جاء بعد ذلك دور المماليك في القيادة الإسلامية (١).
ومن هذا يعلم أن شيخ الإسلام (٢) ظهر في عصر قد اضطربت فيه السياسة والحكم وظهرت فيه انحرافات في العادات والتقاليد والسلوك والحياة، واشتدت فيه غربة الإسلام، وتفرقت كلمة المسلمين، وظهرت الفرق المخالفة لما كان عليه السلف الصالح في العقائد والفروع، وخيّم الجمود الفكري والتقليد الأعمى، فأثر في الجو العلمي، وظهرت فرق