المطلب الخامس
التوحيد دعوة جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام
يجب أن يبلغ كل من أشرك بالله -تعالى- أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- دَعَوْا أقوامهم إلى عبادة الله وحده دون ما سواه، وأن الحجة قد قامت على جميع الأمم، وما من أمة إلا بعث الله فيهم رسولًا، وكلهم يَدْعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له (١) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] (٢) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (٣) وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] (٤).
فبين سبحانه في هذه الآيات عن طريق العموم أن جميع الرسل دعوا إلى "لا إله إلا الله"، وخلع جميع المعبودات من دون الله (٥) وفصَّل ذلك في مواضع أخرى من كتابه، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] (٦) ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥] (٧) ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣] (٨)
стр. 352
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥] (١) ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] (٢).
وهذا بلاغ مبين من الله لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
فالداعية إلى الله -تعالى- يقوم بإيصال هذه الحكم القولية إلى الناس، ويبين لهم ذلك، فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها، وما ربك بظلام للعبيد.
стр. 353
المطلب السادس
الغلو في الصالحين سبب شرك البشر
من أعظم الحكم القولية في دعوة من تعلق بغير الله -تعالى- أن يبين لهم أن الغلو في الصالحين هو سبب الشرك بالله -تعالى-، فقد كان الناس منذ أُهبِط آدم ﷺ إلى الأرض على الإسلام، قال ابن عباس ﵄: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام" (١).
وبعد ذلك تعلق الناس بالصالحين، ودب الشرك في الأرض، فبعث الله نوحًا ﷺ يدعو إلى عبادة الله وحده، وينهى عن عبادة ما سواه (٢) وردَّ عليه قومه: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] (٣).
وهذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبد حتى إذا هلك أولئك ونُسِي العلم عُبِدَت" (٤).
وهذا سببه الغلو في الصالحين، فإن الشيطان يدعو إلى الغلو في الصالحين وإلى عبادة القبور، ويُلقي في قلوب الناس أن البناء والعكوف عليها من محبة أهلها من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بها والإقسام على الله بها، وشأن الله أعظم من أن يُسأل بأحد من خلقه، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم إلى دعاء صاحب القبر وعبادته وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثنًا تعلق
стр. 354
عليه الستور، ويطاف به، ويُسَلِّم ويُقَبِّل، ويذبح عنده، ثم ينقلهم من ذلك إلى مرتبة رابعة: وهي دعاء الناس إلى عبادته واتخاذه عيدًا، ثم ينقلهم إلي أن من نهى عن ذلك فقد تَنَقَّص أهل هذه الرتب العالية من الأنبياء والصالحين، وعند ذلك يغضبون (١).
ولهذا حذر الله عباده من الغلو في الدين، والإفراط بالتعظيم بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، ورفع المخلوق عن منزلته التي أنزله الله -تعالى-، كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] (٢) ولهذا حذر رسول الله ﷺ عن الإطراء فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» (٣) وقال: «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (٤).
وحذر ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور؛ لأن عبادة الله عند قبور الصالحين وسيلة إلى عبادتهم، ولهذا لما ذكرت أم حبيبة وأم سلمة ﵄ لرسول الله ﷺ كنيسة في الحبشة فيها تصاوير قال: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بَنَوْا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (٥).
стр. 355
ومن حرص النبي ﷺ على أمته أنه عندما نزل به الموت قال: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت عائشة ﵂: يحذر ما صنعوا (١).
وقال قبل أن يموت بخمس: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (٢).
وحذر ﷺ أمته عن اتخاذ قبره وثنًا يُعبد في دون الله، ومن باب أولى غيره من الخلق، فقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣).
ولعن ﷺ من اتخذ المساجد على القبور؛ لينفِّر عن هذا الفعل، فعن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» (٤).
ولم يترك ﷺ بابًا من أبواب الشرك التي تُوَصِّل إليه إلا سَدَّه (٥) قال ﷺ :
стр. 356
«لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» (١).
وقد بين ﷺ أن القبور ليست مواضع للصلاة، وأن من صلى عليه وسلم فستبلغه صلاته سواء كان بعيدًا عن قبره أو قريبًا، فلا حاجة لاتخاذ قبره عيدًا: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٢).
وقال ﷺ : «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني من أمتي السلام» (٣).
وإذا كان قبر النبي ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض وقد نهى عن اتخاذه عيدًا، فغيره أولى بالنهي كائنًا ما كان (٤).
وقد كان ﷺ يطهر الأرض من وسائل الشرك، فيبعث بعض أصحابه إلى هدم القباب المشرفة على القبور، وطمس الصور، فعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته" (٥).
وكما سد ﷺ كل باب يوصّل إلى الشرك فقد حمى التوحيد عما يقرب منه ويخالطه من الشرك وأسبابه، فقال ﷺ : «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» (٦).
стр. 357
فدخل في هذا النهي شدّ الرحال لزيارة القبور والمشاهد، وهو الذي فهمه الصحابة ﵃ من قول النبي ﷺ ، ولهذا عندما أبو هريرة ﵁ إلى الطور، فلقيه بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين جئت؟ قال: من الطور. فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت إليه، سمعت رسول الله ﷺ يقول. «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». . . " (١).
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره ﷺ أو غيره من الأنبياء والصالحين لم يكن عليه أن يوفي بنذره، بل ينهى عن ذلك" (٢).
فتبين أن زيارة القبور نوعان:
النوع الأول: زيارة شرعية يقصد بها السلام عليهم والدعاء لهم كما يقصد الصلاة على أحدهم إذا مات صلاة الجنازة، ولتذكر الموت، بشرط عدم شدِّ الرحال؟ ولا تباع سنة النبي ﷺ .
النوع الثاني: زيارة شركية وبدعية (٣) وهذا النوع ثلاثة أنواع:
١ - من يسأل الميت حاجته، وهؤلاء من جنس عُبَّاد الأصنام.
٢ - من سأل الله -تعالى- بالميت، كمن يقول: أتوسل إليك بنبيك، أو بحق الشيخ فلان، وهذا من البدع المحدثة في الإسلام، ولا يصل إلى الشرك الأكبر، فهو لا يُخْرِج عن الإسلام كما يخرج الأول.
стр. 358
٣ - من يظن أن الدعاء عند القبور مُستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، وهذا من المنكرات بالإجماع (١).
فإذا سلك الداعية هذه المسالك في دعوة الوثنيين بالحكمة القولية وُفِّق بإذن الله تعالى.
стр. 359
المطلب السابع
الشفاعة المثبتة والمنفية
الشفاعة لغة: يقال: شفع الشيء: ضم مثله إليه، فجعل الوتر شفعا (١).
واصطلاحا: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة (٢).
من الحكمة القولية في دعوة من يتعلق بغير الله -تعالى- ويطلب الشفاعة منه أن يبين له أن الشفاعة ملك لله وحده ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤] (٣).
ويمكن أن يرد على من طلب الشفاعة من غير الله- تعالى- بالأقوال الحكيمة الآتية:
أولا: ليس المخلوق كالخالق، فكل من قال: إن الأنبياء، والصالحين، والملائكة أو غيرهم من المخلوقين لهم عند الله جاه عظيم، ومقامات عالية، فهم يشفعون لنا عنده كما يتقرب إلى الوجهاء والوزراء عند الملوك والسلاطين، ليجعلوهم وسائط لقضاء حاجاتهم، فهذا القول من أبطل الباطل؛ لأنه شبه الله العظيم ملك الملوك بالملوك الفقراء، المحتاجين للوزراء والوجهاء في تكميل ملكهم ونفوذ قوتهم، فإن الوسائط بين الملوك وبين الناس على أحد وجوه ثلاثة:
١ - إما لإخبارهم عن أحوال الناس بما لا يعرفونه.
٢ - أو يكون الملك عاجزا عن تدبير رعيته، فلابد له من أعوان؛ لذله وعجزه.
стр. 360
٣ - أو يكون الملك لا يريد نفع رعيته والإحسان إليهم، فإذا خاطبه من ينصحه ويعظه تحركت إرادته وهمته في قضاء حوائج رعيته.
والله ليس كخلقه الضعفاء، فهو تعالى لا تخفى عليه خافية، وغني عن كل ما سواه، وأرحم بعباده من الوالدة بولدها، ومعلوم أن الشافع عند ملوك الدنيا قد يكون له ملك مستقل، وقد يكون شريكا لهم، وقد يكون معاونا لهم، فالملوك يقبلون شفاعته لأحد ثلاثة أمور:
(أ) تارة لحاجتهم إليه.
(ب) وتارة لخوفهم منه.
(ج) وتارة لجزاء إحسانه إليهم.
وشفاعة العباد بعضهم عند بعض من هذا الجنس، فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو رهبة، والله- لا يرجو أحدا ولا يخافه، ولا يحتاج إليه (١)؛ ولهذا قطع الله جميع أنواع التعلقات بغيره، وبين بطلانها، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ - وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣] (٢).
فقد سدت هذه الآية على المشركين جميع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك أبلغ سد وأحكمه، فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه، وحينئذ فلا بد أن يكون المعبود مالكا للأسباب التي ينتفع بها عابده، أو يكون شريكا لمالكها، أو ظهيرا، أو وزيرا، أو معاونا له، أو وجيها ذا حرمة وقدر يشفع عنده، فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه انتفت أسباب الشرك، وانقطعت مواده (٣).
стр. 361
ثانيا: الشفاعة شفاعتان:
(أ) شفاعة مثبتة: وهي التي تطلب من الله ولها شرطان:
الشرط الأول: إذن الله للشافع أن يشفع، لقوله تعالى:. . ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (١).
الشرط الثاني: رضا الله عن الشافع والمشفوع له؛ لقوله تعالى. . . . ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] (٢) ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] (٣).
(ب) الشفاعة المنفية: وهي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، والشفاعة بغير إذنه ورضاه، والشفاعة للكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] (٤) ويستثنى شفاعته ﷺ في تخفيف عذاب أبي طالب (٥).
ثالثا: الاحتجاج على من طلب الشفاعة من غير الله بالنص والإجماع، فلم يكن النبي ﷺ ولا الأنبياء من قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة، أو الأنبياء، أو الصالحين، ولا يطلبوا منهم الشفاعة، ولم يفعل ذلك أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولم يستحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا مجتهد يعتمد على قوله في الدين، ولا من يعتبر قوله في مسائل الإجماع، فالحمد لله رب العالمين (٦).
стр. 362
المطلب الثامن
الإله الحق سخر جميع ما في الكون لعباده
من الحكمة في دعوة المشركين إلى الله -تعالى- لفت أنظارهم وقلوبهم إلى نعم الله العظيمة: الظاهرة والباطنة، والدينية والدنيوية. فقد أسبغ على عباده جميع النعم ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] (١) وسخر هذا الكون وما فيه من مخلوقات لهذا الإنسان.
وقد بين سبحانه هذه النعم، وامتن بها على عباده، وأنه المستحق للعبادة وحده، ومما امتن به عليهم ما يأتي:
أولا: على وجه الإجمال: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] (٢) ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] الآية (٣). ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣] (٤).
فقد شمل هذا الامتنان جميع النعم: الظاهرة والباطنة، الحسية والمعنوية، فجميع ما في السماوات والأرض قد سخر لهذا الإنسان، وهو شامل لأجرام السماوات والأرض، وما أودع فيهما من: الشمس والقمر والكواكب، والثوابت والسيارات، والجبال والبحار والأنهار، وأنواع الحيوانات، وأصناف الأشجار والثمار، وأجناس المعادن، وغير ذلك مما هو من مصالح بني آدم، ومصالح ما هو من ضروراتهم للانتفاع والاستمتاع والاعتبار.
стр. 363
وكل ذلك دال على أن الله وحده هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة والذل والمحبة إلا له، وهذه أدلة عقلية لا تقبل ريبا ولا شكا على أن الله هو الحق، وأن ما يدعى من دونه هو الباطل (١) ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] (٢).
ثانيا: على وجه التفصيل: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ - وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ - وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤] (٣).
وقال بعد أن ذكر نعما كثيرة: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ - وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ - وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ - أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٤ - ١٨] (٤).
стр. 364
أفمن يخلق هذه النعم وهذه المخلوقات العجيبة كمن لا يخلق شيئا منها؟
ومن المعلوم قطعا أنه لا يستطيع فرد من أفراد العباد أن يحصي ما أنعم الله به عليه في خلق عضو من أعضائه، أو حاسة من حواسه، فكيف بما عدا ذلك من النعم في جميع ما خلقه في بدنه، وكيف بما عدا ذلك من النعم الواصلة إليه في كل وقت على تنوعها واختلاف أجناسها؟ (١).
ولا يسع العاقل بعد ذلك إلا أن يعبد الله الذي أسدى لعباده هذه النعم ولا يشرك به شيئا؛ لأنه المستحق للعبادة وحده سبحانه.
стр. 365
المطلب التاسع البعث بعد الموت
استبعد المشركون والملحدون إعادة الأجساد بعد موتها، إذا تقطعت الأوصال، وتمزقت الأجساد، وبليت العظائم وتفتت وتفرقت في أجزاء الأرض، وتحلل الجسد إلى ذرات ترابية، وربما أكلته السباع، فصار غذاء لها واختلط بأجزائها (١).
ومن الحكمة القولية في دعوة هؤلاء إلى الإيمان بالبعث أن تسلك معهم المسالك التالية:
المسلك الأول: الأدلة العقلية .
المسلك الثاني: الأدلة الحسية.
المسلك الثالث: الأدلة الشرعية.
المسلك الأول: الأدلة العقلية:
أولا: حكمة الله - تعالى - وعدله يقتضيان البعث والجزاء: لقد شاء الله أن يجعل الحياة الدنيا دار ابتلاء واختبار وعمل، فأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأمر بعبادته وحده، وجعل دارا أخرى، وذلك من مقتضيات ملكه وحكمته وعدله؛ ليثيب المحسن على إحسانه، ويجازي المسيء على إساءته، ولم يخلق الخلق عبثا، ولم يتركهم هملا، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ١ - ٢] (٢) ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] (٣)
стр. 366
﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٤] (١).
وهو لا يساوي بين الخبيث والطيب، والمحسن والمسيء، والكافر والمؤمن، وقد أنكر على من ظن ذلك (٢) فقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] (٣) ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ - مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦] (٤).
ثانيا: القادر على إيجاد الخلق قادر على إعادته، وهو أهون عليه: الشيء إذا لم يكن ثم كان ثم أعدم فإن إعادته أيسر وأهون على من بدأه أول مرة ثم أفناه، وقد رد الله -سبحانه- على من أنكر البعث بهذا فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] (٥) ﴿وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا - أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٦ - ٦٧] (٦).
وغير ذلك من الأدلة القطعية التي تدل على أن من خلق الخلائق وابتدع
стр. 367
خلقهم على غير مثال سابق قادر على إعادة خلقهم مرة أخرى، وهو أهون عليه، وله المثل الأعلى (١).
ثالثا: الخالق لما هو أعظم قادر على خلق ما هو أصغر بلا شك: من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم، فخلقه لهذه المخلوقات العظيمة وقدرته عليها من أعظم البراهين على بعث الناس بعد الموت؛ لأن من خلق الأعظم الأكبر لا شك في قدرته الكاملة على خلق الأيسر الأضعف الأصغر، وهو أولى بالقدرة والإمكان من الأعظم (٢) قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣] (٣).
رابعا: اليقظة بعد النوم: النوم يعتبر موتا مصغرا، والاستيقاظ يعتبر حياة مصغرة أيضا، وكما تتم عملية النوم للإنسان والحيوان وعملية الاستيقاظ تتم عملية الموت والحياة الكاملة لهما (٤) قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠] (٥).
стр. 368
ومن آيات الله العظيمة الباهرة الدالة على بعث الأرواح والأجساد ما أجراه الله سبحانه على أهل الكهف من نوم ثلاثمائة سنة، وازدادوا تسع سنين، ثم بعثهم بعد هذا النوم الطويل (١) ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف: ٢١] (٢).
خامسا: إخراج النار من الشجر الأخضر: ومن الأدلة على بعث الأجساد والأرواح قدرة الله -تعالى- على إخراج النار اليابسة المحرقة من الشجر الأخضر الذي هو في غاية الرطوبة مع تضادهما وشدة تخالفهما، فالقادر على أن يخلق من الشجر الأخضر نارا أولى بالقدرة على أن يخرج إنسانا حيا من التراب كما خلقه أول مرة (٣) ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] (٤).
المسلك الثاني: الأدلة الحسية:
من الأدلة الحسية التي شاهدها الناس ونقلها لنا أعظم الكتب والمهيمن عليها ما يأتي:
أولا: إحياء الله الموتى في الحياة الدنيا: فمن أعظم البراهين التي تدل على البعث إحياء الله- بعض الموتى في الحياة الدنيا؛ لأن من أحيا نفسا واحدة بعد موتها قادر على إحياء جميع النفوس ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] (٥).
стр. 369
ومن هذا النوع الأمثلة التالية:
١ - قوم موسى حين قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأماتهم الله -تعالى- ثم أحياهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ - ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥ - ٥٦] (١).
٢ - قصة القتيل الذي اختصم فيه بنو إسرائيل، فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرة، ثم يضربوه ببعضها، ثم فعلوا فأحياه الله، فأخبر بمن قتله، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ - فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٢ - ٧٣] (٢).
٣ - قصة القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣] (٣).
٤ - قصة الرجل الذي مر على قرية ميتة فاستبعد أن يحييها الله، فأماته الله مائة سنة ثم أحياه، قال تعالى:
стр. 370
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] (١).
٥ - قصة إبراهيم ﷺ حين سأل الله -تعالى- أن يريه كيف يحصي الموتى، فأمره أن يذبح أربعة من الطير، ويفرقهن أجزاء على الجبال التي حوله، ثم يناديهن فتجتمع الأجزاء بعضها إلى بعض، وتأتي إلى إبراهيم سعيا (٢) قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] (٣).
٦ - ما أخبر الله به عن عيسى ﷺ من أنه كان يحيي الموتى، ويخرجهم من قبورهم بإذن الله تعالى:. . ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] (٤). . . . ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠] (٥).
فهذه أدلة حسية واقعة، وبرهان قطعي على القدرة الإلهية، وأن الذي أماتهم ثم أحياهم قادر على بعثهم يوم القيامة، فإنه لا يعجزه شيء سبحانه (٦).
стр. 371
ثانيا: إحياء الأرض بعد موتها: إحياء الله الأرض بعد موتها برهان قاطع من أعظم الأدلة على البعث بعد الموت؛ لأنه برهان حسي يتجدد بين يدي الناس، ويشاهدون فيه آثار قدرة الله -تعالى- في الإحياء المتجدد؛ ولأن من أخرج النبات وجعل في الأرض من كل زوج بهيج فأحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء الناس بعد موتهم (١) قال الله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩] (٢) ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠] (٣) ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] (٤).
المسلك الثالث: الأدلة الشرعية:
رد الله -تعالى- شبه المنكرين للبعث، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ - قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١٠ - ١١]
стр. 372
(١) ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ - بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ - أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ - قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ١ - ٤] (٢).
فبين سبحانه أنه يعلم ما تأكل الأرض من أجسادهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم، ولا يخفى عليه أين تفرقت، وإلى أين ذهبت، كل ذلك عنده في كتاب مضبوط محفوظ (٣).
وأمر الله رسوله ﷺ أن يقسم بربه -سبحانه- على وقوع البعث ووجوده، وأنه لا يغيب عن الله -تعالى- مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا يعجزه شيء (٤) قال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] (٥) ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] (٦).
فإذا استخدم الداعية إلى الله -تعالى- في دعوته للوثنيين بالحكمة القولية ما جاء في هذه المطالب ومسالكها التفصيلية، كان مصيبا مسددا، فنزلا للناس منازلهم، سالكا طريق الحكمة في دعوتهم بإذن الله تعالى.
стр. 373
المبحث الثالث
حكمة القول مع أهل الكتاب
تمهيد.
المطلب الأول: حكمة القول مع اليهود.
المطلب الثاني: حكمة القول مع النصارى.
المطلب الثالث: البراهين على إثبات الرسالة المحمدية وعمومها.
стр. 374
تمهيد
إن من حكمة القول في دعوة أهل الكتاب إلى الله- تعالى- أن يجادلوا بالتي هي أحسن، بحسن خلق ولطف ولين كلام، ودعوة إلى الحق, وتحسينه بالأدلة العقلية والنقلية، ورد الباطل بأقرب طريق وأنسب عبارة, وأن لا يكون القصد من ذلك مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو، بل أن يكون القصد بيان الحق، وهداية الخلق، كما قال (١) ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (٢) وقال : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] (٣).
ونظير ذلك من الدعوة بالقول الحكيم قوله لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى - فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤] (٤).
ومن ذلك القول اللين كقوله تعالى لموسى:
стр. 375
﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى - فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى - وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٧ - ١٩] (١).
وقد كان النبي ﷺ يستخدم القول الحكيم في دعوته إلى الله ومن ذلك ما روته عائشة ﵂ قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام (٢) عليك. قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: وعليكم السام واللعنة! قالت: فقال رسول الله ﷺ : " مهلا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله ". فقلت: يا رسول الله! أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ : " قد قلت: وعليكم» (٣).
وكان ﷺ يستخدم ذلك حتى في رسائله، ففي كتابه إلى هرقل:
«بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم.
سلام على من اتبع الهدى. أما بعد:
فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (٤) و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٦٤] إلى قوله:. . ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]» (٥).
стр. 376
وعلى أساس دعوة أهل الكتاب بالجدال بالتي هي أحسن والقول الحكيم، فسأتحدث عن ذلك بإذن الله- تعالى- في المطالب الآتية:
المطلب الأول: حكمة القول مع اليهود.
المطلب الثاني: حكمة القول مع النصارى.
المطلب الثالث: البراهين على إثبات الرسالة المحمدية وعمومها.
стр. 377
المطلب الأول
حكمة القول مع اليهود
من حكمة القول مع اليهود في دعوتهم إلى الله- أن يسلك معهم الداعية المسلم المسالك التالية:
المسلك الأول: الأدلة العقلية والنقلية على نسخ الإسلام لجميع الشرائع .
المسلك الثاني: الأدلة القطعية على وقوع التحريف والتبديل في التوراة.
المسلك الثالث: إثبات اعتراف المنصفين من علماء اليهود.
المسلك الرابع: الأدلة على إثبات رسالة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
المسلك الأول: الأدلة العقلية والنقلية على نسخ (١) الإسلام لجميع الشرائع: دعوة الرسل- عليهم الصلاة والسلام - إلى توحيد الله تعالى دعوة واحدة، فقد اتفقوا جميعا على دعوة الناس إلى إفراد الله بالعبادة، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (٢) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (٣).
فأصل دين الأنبياء صلى الله عليهم وسلم واحد، وهو التوحيد، وإن
стр. 378
اختلفت فروع الشرائع (١)؛ ولهذا قال ﷺ : «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات (٢) أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، [وليس بيني وبين عيسى نبي]» (٣).
ثم ختم الله -تعالى- الشرائع كلها بشريعة محمد ﷺ ، فأرسله الله إلى جمح الثقلين: من إنس وجن، ونسخت شريعته جميع الشرائع السابقة، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] (٤).
وقال ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي أو نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (٥).
والله -تعالى- حكيم عليم ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (٦) ولا غرابة في أن يرفع شرع بآخر مراعاة لمصلحة العباد عن علم سابق من علام الغيوب ﵎، ولكن اليهود والنصارى (٧) أنكروا نسخ الشريعة
стр. 379
الإسلامية لجميع الشرائع السابقة (١) فيكون الرد عليهم بالقول الحكيم كالآتي:
أولا: الأدلة العقلية: ١ - ليس هنالك محظور في النسخ عقلا، وكل ما لم يترتب عليه محظور كان جائرا عقلا، فالنسخ جائز عقلا.
٢ - الله -تعالى- يأمر بالشيء على قدر ما تقتضيه المصلحة، فقد يأمر بالشيء في وقت، وينهى عنه في وقت آخر؛ لأنه -سبحانه- أعلم بمصالح عباده، والطبيب الحكيم يأمر المريض بشرب الدواء، أو استعمال دواء خاص في بعض الأزمنة وينهاه عنه في زمن آخر؛ بسبب اختلاف مصلحته عند اختلاف مزاجه، والملك الذي يشفق على رعيته ينقلهم في بعض الأزمنة إلى نوع من السياسة غير النوع الأول، لما في ذلك من المصالح، وقد يسوس الوالد الحكيم ولده في وقت باللطف، وفي وقت آخر بالتأديب، على قدر ما يرى في ذلك من المصلحة (٢) والله ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] (٣) وهو سبحانه لا يفعل شيئا إلا لحكمة بالغة، فهو يحيي ثم يميت ثم يحيي، وينقل الدولة
стр. 380
من قوم أعزة إلى أذلة، ومن قوم أذلة إلى أعزة، ويعطي من شاء ما شاء، ويمنع من شاء (١) ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (٢).
٣ - يلزم من يقول بوقوع النسخ سمعا وجوازه عقلا أنهم ماداموا يجوزون أن يأمر الشارع عباده بأمر مؤقت ينتهي بانتهاء وقته، وقد وقع ذلك سمعا، فليجوزوا نسخ الشريعة الإسلامية للأديان السابقة (٣).
ثانيا: الأدلة النقلية السمعية، وهي نوعان: النوع الأول: ما تقوم به الحجة على منكري النسخ من اليهود والنصارى الذين لم يعترفوا برسالة محمد ﷺ .
النوع الثاني: ما تقوم به الحجة على من آمن برسالة محمد ﷺ ، ولكنهم قالوا: إنها خاصة بالعرب (٤).
النوع الأول: تقوم الحجة على من أنكر نبوة محمد ﷺ مطلقا بالأدلة الواردة في التوراة والإنجيل، والداعية المسلم إذ يورد الأدلة من كتبهم لا يعتقد أن هذه النصوص كما أنزلت، بل يحتمل أن تكون مما وقع عليه التحريف والتغيير، فإن اليهود والنصارى قد غيروا وبدلوا كثيرا من كتبهم، ولكن المسلم يقيم عليهم الحجة بما بين أيديهم من التوراة والإنجيل (٥) لا
стр. 381
لثبوتها، ولكن لإلزامهم بالتسليم، أو يعترفوا بالتحريف ومن ذلك ما يلي:
١ - جاء في التوراة أن الله - تعالى- أمر آدم أن يزوج بناته من بنيه، وورد أنه كان يولد له في كل بطن من البطون ذكر وأنثى، فكان يزوج توءمة هذا للآخر، ويزوج توءمة الآخر لهذا، إقامة لاختلاف البطون مقام اختلاف الآباء والأمهات والأنساب، ثم حرم الله ذلك بإجماع المتدينين من المسلمين واليهود والنصارى (١).
٢ - جاء في السفر الأول من التوراة أن الله -تعالى- قال لنوح عند خروجه من السفينة: " إني جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب، ما خلا الدم فلا تأكلوه "، ثم اعترفوا بعد ذلك بأن الله حرم كثيرا على أصحاب الشرائع، ومن ذلك الخنزير في شريعة موسى، وهذا عين النسخ (٢).
٣ - أمر الله إبراهيم ﷺ بذبح ولده، ثم نسخ هذا الحكم قبل العمل به، وقد أقر منكرو النسخ بذلك (٣).
٤ - الجمع بين الأختين كان مباحا في شريعة يعقوب ﷺ ، ثم حرم في شريعة موسى ﷺ (٤).
стр. 382
٥ - أمر الله -تعالى- من عبد العجل من بني إسرائيل أن يقتتلوا، ثم أمرهم برفع السيف عنهم (١).
وغير ذلك كثير.
النوع الثاني: تقوم الحجة به على من آمن بنبوة محمد ﷺ واعترف بها؛ ولكنه جعلها خاصة بالحرب دون غيرهم، فهؤلاء متى سلموا واعترفوا برسالته ﷺ وأنه صادق فيما بلغه عن الله- من الكتاب والسنة وجب عليهم الإيمان والتصديق بكل ما ثبت عنه، وما جاء به من عموم الرسالة، والنسخ الثابت بالكتاب والسنة (٢) ومن هذا النوع ما يأتي:
١ - قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٦ - ١٠٧] (٣).
٢ - وقال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ - قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣ - ٩٥] (٤).
стр. 383
٣ - وقال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا - وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١] (١).
٤ - وقال سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] (٢).
٥ - وقال : ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] (٣).
٦ - وقال جل وعلا: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ - يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٨ - ٣٩] (٤).
٧ - إجماع سلف الأمة على أن النسخ وقع في الشريعة الإسلامية، كما أن النسخ وقع بها لجميع الشرائع السابقة (٥).
وبهذه الأدلة العقلية والنقلية السمعية التي دلت على جواز النسخ عقلا
стр. 384
ووقوعه (١). نقلا وسمعا- سقطت أقوال منكري النسخ، وأقوال من أنكر عموم رسالة النبي ﷺ (٢) ولله الحمد والمنة.
المسلك الثاني: الأدلة القطعية على وقوع التحريف والتبديل في التوراة:
من حكمة القول في دعوة اليهود إلى الله أن يبين لهم بالجدال بالتي هي أحسن أن الكتب التي بأيديهم قد دخلها التحريف والتبديل والتغيير (٣). .
واليهود والنصارى يقرون أن التوراة كانت طول مملكة بني إسرائيل عند الكاهن الأكبر الهاروني وحده، وتقر اليهود أن سبعين كاهنا اجتمعوا على اتفاق من جميعهم على تبديل ثلاثة عشر حرفا من التوراة، وذلك بعد المسيح ﷺ في عصر القياصرة الذين كانوا تحت قهرهم، ومن رضي بتبديل موضع واحد من كتاب الله فلا يؤمن من تحريف غيره.
واليهود تقر أيضا أن السامرة حرفوا مواضع من التوراة وبدلوها تبديلا ظاهرا، وزادوا ونقضوا، والسامرة تدعي على سائر اليهود بأن التوراة التي بأيديهم محرفة مبدلة (٤).
والذي يحكم بين الجميع هو كلام الله- المنزل على محمد
стр. 385
صلى الله عليه وسلم، المهيمن على ما سبقه من الكتب المصدق لها، فقد سجل التحريف وأثبته على أهل الكتاب، ونسب إليهم أنواعا من تحريفهم للتوراة، كالتالي:
النوع الأول: إلباس الحق بالباطل: كان بنو إسرائيل يخلطون الحق بالباطل، بحيث لا يتميز الحق من الباطل، وقد سجل القرآن الكريم هذا الجرم عليهم، قال سبحانه: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ - وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ - وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٠ - ٤٢] الآية (١) وقال سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران: ٧١] الآية (٢).
ومن أبلغ الصور وأقبحها في إلباس الحق ادعاء الكهنة والأحبار في التوراة التي بأيديهم أن هارون ﷺ هو الذي جمع الذهب من بني إسرائيل، واشترك معهم في صناعة العجل الذهبي، ووافقهم على عبادته من دون الله تعالى، وفي الوقت نفسه يبرئون السامري.
فهارون الذي تحمل المشاق ﷺ في سبيل إقرار فرعون بالتوحيد، جعلوه داعية إلى الشرك والكفر، ولكن القرآن الكريم كان لهذه الدعوى بالمرصاد، فكذبهم، وبين حقيقة الأمر (٣) قال تعالى: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ - فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٧ - ٨٨]
стр. 386
إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي - قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩٠ - ٩١] الآيات (١)؛ فهذا هو الصدق حقا، إنما عمل لهم العجل السامري، أما هارون فنهاهم، ولكنهم عصوه وكادوا يقتلونه (٢).
النوع الثاني: كتمان الحق: لا شك أن الله حق، ولا يقول إلا حقا، والتوراة التي أنزلت على موسى كلها حق؛ لأنها كلام الله تعالى، ولكن بني إسرائيل كانوا يكتمون الحق، قاصدين بذلك إخضاع كتاب الله لأهوائهم وشهواتهم، فالآيات التي يرون فيها منفعة لهم عاجلة أو تكون في جانب حجتهم يقرونها، أما الآيات التي يرون أن فيها دليلا عليهم فيكتمونها؛ ولهذا سجل الله عليهم هذا الكتم في كتابه، فقال سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] (٣).
ومن أعظم ما كتمه أهل الكتاب هو ما وجدوه في كتبهم من صفات محمد ﷺ ، واختيار الله له رسولا إلى الناس أجمعين، وقد كانوا يعرفونه في كتبهم كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم إذا سئلوا عن ذلك كتموه (٤) قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] (٥) ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] (٦).
стр. 387
وقد بين صفاته ﷺ الكاملة في التوراة والإنجيل، فقال :. . . ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧] (١).
ومع هذه الأوصاف العظيمة التي كانوا يعرفونها مكتوبة عندهم، أنكروا نبوته ﷺ ، وكتموا ما علموه (٢).
النوع الثالث: إخفاء الحق: الإخفاء قريب من الكتمان (٣) وقد كان أهل الكتاب يخفون من أحكام التوراة الشيء الكثير، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] (٤).
стр. 388
ومن الأحكام التي أخفاها اليهود حكم رجم الزاني المحصن، فقد «جاءوا إلى النبي ﷺ برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال لهم: " كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ ". قالوا: نحممهما ونضربهما. فقال: " لا تجدون في التوراة الرجم؟ ". فقالوا: لا نجد فيها شيئا. فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم، فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فوضع مدارسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم، فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها، ولا يقرأ آية الرجم، فنزع يده (١) عن آية الرجم، فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما». . . الحديث (٢).
ولهذا قال سبحانه:. . ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١] إلى قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣] (٣) وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣] (٤).
فأنكر سبحانه على أهل الكتاب المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم: التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد ﷺ تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم (٥).
стр. 389
النوع الرابع: لي اللسان: من أنواع تحريف اليهود للتوراة: لي اللسان، فهم يلوون ألسنتهم ويعطفونها بالتحريف، ليلبسوا على السامع اللفظ المنزل بغيره، ويفتلون ألسنتهم حين يقرءون كلام الله -تعالى- لإمالته عما أنزله الله عليه إلى اللفظ الذي يريدونه (١) قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] (٢).
ومن التحريف بلي اللسان ما كان يفعله اليهود مع رسول الله ﷺ بقولهم: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء: ٤٦] ويقصدون معنى: اسمع لا سمعت، أي: يدعون على النبي ﷺ ، وقد كان المسلمون يقولون للنبي ﷺ راعنا، من المراعاة، والمعنى: فرغ سمعك لكل منا، فلما سمع اليهود هذه اللفظة اغتنموا الفرصة في التحريف؛ لأن معناها عندهم السحت والطعن بمعنى: يا أحمق (٣) ولكن الله كشف سترهم، فقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦] (٤).
стр. 390
ونهى الله المؤمنين عن صفات اليهود فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤] (١) النوع الخامس: تحريف الكلام عن مواضعه: أثبت الله على أهل الكتاب هذا النوع من التحريف، فقال : ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] (٢) ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] (٣) وقال : ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] (٤).
وهذا النوع من التحريف له أربع صور كالتالي:
١ - تحريف التبديل: وهو وضع كلمة مكان كلمة، أو جملة مكان جملة.
٢ - تحريف بالزيادة: ويكون بزيادة كلمة أو جملة.
٣ - تحريف بالنقص: وهو إسقاط كلمة، أو جملة من الكلام المنزل على موسى ﷺ .
٤ - تحريف المعنى: تبقى الكلمة أو الجملة كما هي، ولكنهم يجعلونها محتملة لمعنيين، ثم يختارون المعنى الذي يتفق مع أهوائهم وأغراضهم (٥).