إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي - قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩٠ - ٩١] الآيات (١)؛ فهذا هو الصدق حقا، إنما عمل لهم العجل السامري، أما هارون فنهاهم، ولكنهم عصوه وكادوا يقتلونه (٢).
النوع الثاني: كتمان الحق: لا شك أن الله حق، ولا يقول إلا حقا، والتوراة التي أنزلت على موسى كلها حق؛ لأنها كلام الله تعالى، ولكن بني إسرائيل كانوا يكتمون الحق، قاصدين بذلك إخضاع كتاب الله لأهوائهم وشهواتهم، فالآيات التي يرون فيها منفعة لهم عاجلة أو تكون في جانب حجتهم يقرونها، أما الآيات التي يرون أن فيها دليلا عليهم فيكتمونها؛ ولهذا سجل الله عليهم هذا الكتم في كتابه، فقال سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] (٣).
ومن أعظم ما كتمه أهل الكتاب هو ما وجدوه في كتبهم من صفات محمد ﷺ ، واختيار الله له رسولا إلى الناس أجمعين، وقد كانوا يعرفونه في كتبهم كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم إذا سئلوا عن ذلك كتموه (٤) قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] (٥) ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] (٦).
стр. 387
وقد بين صفاته ﷺ الكاملة في التوراة والإنجيل، فقال :. . . ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧] (١).
ومع هذه الأوصاف العظيمة التي كانوا يعرفونها مكتوبة عندهم، أنكروا نبوته ﷺ ، وكتموا ما علموه (٢).
النوع الثالث: إخفاء الحق: الإخفاء قريب من الكتمان (٣) وقد كان أهل الكتاب يخفون من أحكام التوراة الشيء الكثير، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] (٤).
стр. 388
ومن الأحكام التي أخفاها اليهود حكم رجم الزاني المحصن، فقد «جاءوا إلى النبي ﷺ برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال لهم: " كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ ". قالوا: نحممهما ونضربهما. فقال: " لا تجدون في التوراة الرجم؟ ". فقالوا: لا نجد فيها شيئا. فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم، فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فوضع مدارسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم، فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها، ولا يقرأ آية الرجم، فنزع يده (١) عن آية الرجم، فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما». . . الحديث (٢).
ولهذا قال سبحانه:. . ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١] إلى قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣] (٣) وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣] (٤).
فأنكر سبحانه على أهل الكتاب المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم: التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد ﷺ تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم (٥).
стр. 389
النوع الرابع: لي اللسان: من أنواع تحريف اليهود للتوراة: لي اللسان، فهم يلوون ألسنتهم ويعطفونها بالتحريف، ليلبسوا على السامع اللفظ المنزل بغيره، ويفتلون ألسنتهم حين يقرءون كلام الله -تعالى- لإمالته عما أنزله الله عليه إلى اللفظ الذي يريدونه (١) قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] (٢).
ومن التحريف بلي اللسان ما كان يفعله اليهود مع رسول الله ﷺ بقولهم: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء: ٤٦] ويقصدون معنى: اسمع لا سمعت، أي: يدعون على النبي ﷺ ، وقد كان المسلمون يقولون للنبي ﷺ راعنا، من المراعاة، والمعنى: فرغ سمعك لكل منا، فلما سمع اليهود هذه اللفظة اغتنموا الفرصة في التحريف؛ لأن معناها عندهم السحت والطعن بمعنى: يا أحمق (٣) ولكن الله كشف سترهم، فقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦] (٤).
стр. 390
ونهى الله المؤمنين عن صفات اليهود فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤] (١) النوع الخامس: تحريف الكلام عن مواضعه: أثبت الله على أهل الكتاب هذا النوع من التحريف، فقال : ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] (٢) ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] (٣) وقال : ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] (٤).
وهذا النوع من التحريف له أربع صور كالتالي:
١ - تحريف التبديل: وهو وضع كلمة مكان كلمة، أو جملة مكان جملة.
٢ - تحريف بالزيادة: ويكون بزيادة كلمة أو جملة.
٣ - تحريف بالنقص: وهو إسقاط كلمة، أو جملة من الكلام المنزل على موسى ﷺ .
٤ - تحريف المعنى: تبقى الكلمة أو الجملة كما هي، ولكنهم يجعلونها محتملة لمعنيين، ثم يختارون المعنى الذي يتفق مع أهوائهم وأغراضهم (٥).
стр. 391
وهذه الصور لها أمثلة كثيرة من التوراة لا يتسع المقام لذكرها (١).
وقد بين الله- أن أهل الكتاب يعلمون أن ما جاء به محمد ﷺ هو الحق، لما يجدونه في كتبهم من نعته ﷺ وأمته، وما شرفه الله به من الشريعة الكاملة (٢) قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] (٣) ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] (٤).
ومن رحمة الله -تعالى- بهم وكرمه أنه عندما ذكر ما فعلوه من العظائم دعاهم إلى التوبة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧] (٥) فلو آمنوا بالله وملائكته، وجميع كتبه، ورسله لكفر عنهم سيئاتهم وأدخلهم الجنة (٦) قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ - وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٥ - ٦٦] (٧)
стр. 392
﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] (١).
المسلك الثالث: إثبات اعتراف المنصفين من علماء اليهود:
لا شك أن من حكمة القول مع أهل الكتاب في دعوتهم إلى الله الاستشهاد عليهم بشهادة علماء أهل الكتاب المنصفين، الذين وفقهم الله -تعالى- وقبلوا الحق، وبينوه ولم يكتموه، وهذا من باب قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦] (٢).
وأذكر على سبيل المثال من هؤلاء العلماء الذين يعترف اليهود بأنهم كانوا منهم فأقروا بالإسلام وأنه الدين الحق ما يلي:
١ - عبد الله بن سلام ﵁ وأرضاه: لو لم يسلم من اليهود في زمن النبي ﷺ إلا سيد اليهود على الإطلاق وابن سيدهم، وعالمهم وابن عالمهم، وخيرهم وابن خيرهم، باعترافهم وشهادتهم، لكان في مقابلة كل يهودي على وجه الأرض، فكيف وقد تابعه من الأحبار والرهبان من لا يحصي عددهم إلا الله (٣).
وقد آمن هذا الرجل بالله وبرسوله ﷺ ، فعن أنس ﵁ قال: «بلغ عبد الله بن سلام مقدم النبي ﷺ المدينة، فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي. قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام
стр. 393
يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال رسول الله ﷺ : " خبرني بهن آنفا جبريل " قال ابن سلام: ذلك عدو اليهود من الملائكة. فقال رسول الله ﷺ : " أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الشبه في الولد، فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها، [قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله] قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فادعهم [فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي]، [فأرسل نبي الله ﷺ فأقبلوا]، فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ : " يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله، فوالذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا، وأني جئتكم بحق فأسلموا " قالوا: ما نعلمه- قالوا للنبي ﷺ ، قالها ثلاث مرار - فقال رسول الله ﷺ : " فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ " قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، وأخبرنا وابن أخبرنا، [خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا]، قال: " أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: أعاذه الله من ذلك، حاشا لله، ما كان ليسلم. قال: " أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: حاشا لله، ما كان ليسلم. قال: " أفرأيتم إن أسلتم؟ ". قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال: " يا ابن سلام، اخرج عليهم " [فخرج عليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله]، [يا معشر اليهود اتقوا الله، فوالذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق، فقالوا: كذبت، أشرنا وابن شرنا، ووقعوا فيه]، [فأخرجهم رسول الله ﷺ ]» (١).
стр. 394
وعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: «لما قدم النبي ﷺ المدينة انجفل الناس قبله، وقيل: قدم رسول الله ﷺ ، قدم رسول الله ﷺ ، قدم رسول الله ﷺ ثلاثا، فجئت في الناس لأنظر، فلما تبينت وجهه، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: " يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام, تدخلوا الجنة بسلام» (١).
وقد أثنى الله على هذا العالم الرباني، فعن سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي (٢) على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية (٣) ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] (٤).
٢ - زيد بن سعنة، أحد أحبار اليهود، ﵁: قال ﵁: ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، وقد اختبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وأشهدك
стр. 395
أن شطر مالي -فإني أكثرها مالا- صدقة على أمة محمد ﷺ . قال عمر: أو على بعضهم، فإنك لا تسعهم. قلت: أو على بعضهم. فخرج عمر وزيد إلى رسول الله ﷺ ، فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله "، وآمن به، وصدقه، وبايعه، وشهد معه مشاهد كثيرة، ثم توفي في غزوة تبوك مقبلا غير مدبرا (١) ﵁ ورحمه.
٣ - من أسلم عند الموت: «أتى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه على ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول الله ﷺ : " أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي؟ " فقال برأسه هكذا، أي: لا. فقال ابنه: إي والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: " أقيموا اليهودي عن أخيكم "، ثم ولي كفنه، وحنطه، وصلى عليه ﷺ » (٢).
هذه ثلاثة أمثلة لاعترافات أحبار اليهود بأن محمدا ﷺ حق، وأن صفته موجودة في التوراة، ويعرفه اليهود كما يعرفون أبناءهم ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] (٣).
стр. 396
المسلك الرابع: الأدلة على إثبات رسالة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام:
من حكمة القول مع اليهود في دعوتهم إلى الله -تعالى- إثبات نبوة عيسى ومحمد، عليهما الصلاة والسلام، وذلك بما ظهر على يديهما من المعجزات الباهرات، والآيات البينات الطاهرة التي لا يقدر أحد أن يأتي بمثلها، كالتالي:
(أ) البراهين والبينات على صدق نبوة عيسى ابن مريم ﷺ : ثبتت نبوة عيسى ﷺ بما ظهر على يده من المعجزات الخارقة للعادات من: إحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم، وإبراء الأكمه، والأبرص، وخلق الطير من الطين بإذن الله، والإخبار بالغيوب، وإنزال الطعام من السماء، وولادته من أم بغير أب، وكلامه في المهد (١) وغير ذلك من المعجزات (٢).
ومعجزات عيسى لم تكن دون معجزات موسى، عليهما الصلاة والسلام، فكلا الرسولين اشتركا في المعجزات والآيات الظاهرة، فإن قيل أحدهما قد تعلمها بحيلة، فالآخر يمكن أن يقال ذلك في حقه، وقد أخبرا جميعا أن الله - تعالى- هو الذي أجرى ذلك على أيديهما، وأنه ليس من صنعهما، فتكذيب أحدهما وتصديق الآخر تفريق بين المتماثلين، وليس هناك دليل على أن موسى ﷺ تلقى المعجزات عن الله تعالى إلا وهو يدل على أن عيسى ﷺ تلقاها عن الله تعالى، فإن أمكن القدح في معجزات عيسى أمكن القدح في معجزات موسى، وإن كان ذلك باطلا فهذا باطل أيضا (٣) ولا شك أنه لا يمكن القدح في شيء من ذلك أبدا.
стр. 397
(ب) الحجج والبراهين على صدق نبوة محمد ﷺ : ظهر على يده ﷺ من الآيات والمعجزات الخارقة للعادات عند التحدي أكثر من سائر الأنبياء، والعهد بهذه المعجزات قريب، وناقلوها أصدق الخلق وأبرهم، ونقلها ثابت بالتواتر قرنا بعد قرن، وأعظمها فعجزة: القرآن، لم يتغير ولم يتبدل منه شيء، بل كأنه منزل الآن، وما أخبر به يقع كل وقت على الوجه الذي أخبر به، كأنه يشاهده عيانا، وقد عجز الأولون والآخرون عن الإتيان بمثله ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] (١).
ولا يمكن ليهودي أن يؤمن بنبوة موسى ﷺ إن لم يؤمن بنبوة محمد ﷺ ، ولا يمكن لنصراني أن يقر بنبوة المسيح ﷺ إلا بعد إقراره بنبوة محمد ﷺ ؛ لأن من كفر بنبوة نبي واحد فقد كفر بالأنبياء كلهم، ولم ينفعه إيمانه ببعضهم دون بعض، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا - أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا - وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥٢] (٢).
ولا ينفع أهل الكتاب شهادة المسلمين بنبوة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام؛ لأن المسلمين آمنوا بهما على يد محمد ﷺ ، وكان إيمانهم بهما من الإيمان بمحمد ﷺ وبما جاء به، فلولاه ما عرفنا نبوتهما، ولا سيما
стр. 398
وليس بأيدي أهل الكتاب عن أنبيائهم ما يوجب الإيمان بهم؛ فلولا القرآن ومحمد ﷺ ما عرفنا شيئا من آيات الأنبياء المتقدمين، فمحمد ﷺ وكتابه هو الذي قرر نبوة موسى وعيسى، لا اليهود والنصارى، بل نفس ظهوره ومجيئه تصديقا لنبوتهما؛ فإنهما أخبرا بظهوره، وبشرا بظهوره: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] (١) فلما بعث كان بعثه تصديقا لهما، قال تعالى عن محمد ﷺ : ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] (٢).
فمجيئه تصديق لهما من جهتين: من جهة إخبارهم بمجيئه ومبعثه، ومن جهة إخباره بمثل ما أخبروا به وشهادته بنبوتهم، ولو كان كاذبا لم يصدق من قبله، كما يفعل أعداء الأنبياء (٣).
ومن أعظم الأدلة على صدقه ﷺ أنه قال لليهود لما بهتوه: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] (٤) ولم يجسر أحد منهم على ذلك- مع اجتماعهم غلى تكذيبه وعداوته- لما أخبرهم بحلول الموت بهم إن أجابوه إلى ذلك، فلولا معرفتهم بحاله في كتبهم، وصدقه فيما يخبرهم به لسألوا الله الموت لأي الفريقين أكذب، منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة (٥) ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٦ - ٧] (٦).
стр. 399
وغير ذلك من دلائل نبوته وصدقه (١) ﷺ التي سأذكرها- إن شاء الله- في آخر مطلب من مطالب حكمة القول مع أهل الكتاب.
стр. 400
المطلب الثاني
حكمة القول مع النصارى
من حكمة القول مع النصارى في دعويهم إلى الله- تعالى- أن يسلك معهم الداعية المسلم المسالك الحكيمة الآتية:
المسلك الأول: إبطال عقيدة التثليث وإثبات الوحدانية لله تعالى .
المسلك الثاني: البراهين على إثبات بشرية عيسى وعبوديته لله تعالى.
المسلك الثالث: البراهين على إبطال قضية الصلب والقتل.
المسلك الرابع: البينات على إثبات وقوع النسخ والتحريف.
المسلك الخامس: إثبات اعتراف المنصفين من علماء النصارى.
المسلك الأول: إبطال عقيدة التثليث وإثبات الوحدانية لله تعالى: المقصود بالتثليث عند النصارى ثلاثة أسماء: الآب، والابن، وروح القدس.
وقالوا: الآب هو الذات، والابن هو الكلمة، وروح القدس هو الحياة (١) ويعبرون عن ذلك بأن الله- تعالى عن كفرهم- ثلاثة أقانيم،
стр. 401
والأقنوم في لغتهم هو الأصل (١) والثلاثة أسماء إله واحد (٢) في زعمهم الباطل عقلا وشرعا.
والرد على عقيدة التثليث وإبطالها (٣) ودعوة أصحابها إلى الله بالقول الحكيم يتلخص في الأمور الآتية:
١ - التوحيد دين الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- وأتباعهم: إن عقيدة التثليث لم تكن في أمة من الأمم السابقة من عهد آدم ﵊، إلى رفع عيسى ﷺ .
وعقيدة التوحيد هي دين الأنبياء وأتباعهم، كما أن كتب العهد القديم عند أهل الكتاب ناطقة بأن الله واحد، أزلي، أبدي، حي لا يموت، قادر يفعل ما يشاء، ليس كمثله شيء، لا في الذات ولا في الصفات، وعبادة غير الله حرام، وحرمتها مصرحة في مواضع شتى، وهذا الأمر لشهرته وكثرته في تلك الكتب غير محتاج إلى نقل الشواهد (٤).
стр. 402
٢ - النصارى تلقوا عقيدة التثليث عن أصحاب المجامع: إن المصادر النصرانية الموثوق فيها لا تملك سوى الإقرار بأن دعوة عيسى ﷺ كانت توحيد الله الخالص من الشرك، إلى بداية القرن الرابع الميلادي (١) وذلك أن الله بعث عبده ورسوله عيسى ابن مريم إلى بني إسرائيل، فجدد لهم الدين، وصدق لما بين يديه من التوراة، وأحل لهم بعض الذي حرم عليهم، ودعاهم إلى عبادة الله وحده، فعادوه وكذبوه، ورموه وأمه بالعظائم، وأرادوا قتله، فطهره الله - تعالى- منهم، ورفعه إليه، ولم يصلوا إليه بسوء، وأقام الله- تعالى- للمسيح أنصارا دعوا إلى دينه وشريعته حتى ظهر دينه على من خالفه، ودخل فيه الملوك، واستقام الأمر على السداد بعده نحو ثلاثمائة سنة، ثم أخذ دين المسيح في التبديل والتغيير، ولم يبق بأيدي النصارى منه إلا بقايا: كالختان، والاغتسال من الجنابة، وتعظيم السبت، وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرمته التوراة إلا ما أحلت لهم بنصها، ثم استحلوا الخنزير، وأحلوا السبت، وعوضوا منه يوم الأحد، وتركوا الختان، والاغتسال من الجنابة، وكان المسيح يصلي إلى بيت المقدس فصلوا إلى المشرق، وعظموا الصليب وعبدوه، وعندما أخذ دين المسيح ﷺ في التغير والفساد اجتمعت النصارى عدة مجامع، ثم يفترقون على الاختلاف والتلاعن، ومن أهم هذه المجامع: مجمع نيقية عام ٣٢٥ م، فقد جمع الملك قسطنطين -باني القسطنطينية- ألفين وثمانية وأربعين أسقفا (٢٠٤٨) من جميع بلدان العالم، وكانوا مختلفي الآراء والأديان، واتفق منهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا (٣١٨) على أن المسيح ابن الله -تعالى عن كفرهم- وأنه مساو له في
стр. 403
الجوهر، وأنه نزل من السماء وتجسد من روح القدس، وصار إنسانا، وحمل به، ثم ولد من مريم، وقتل وصلب، ودفن، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجيء مرة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، وقالوا: نؤمن بروح القدس، وأجبر الملك الناس على هذه العقيدة التي أسسها هؤلاء الأساقفة.
ثم عقد مجمع آخر عام ٣٨١ م، وحضره مائة وخمسون أسققا (١٥٠)، وأجمعوا على أن روح القدس خالق غير مخلوق، وبهذا المجمع تم لهم التثليث، وقالوا: بأن الآب والابن وروح القدس ثلاثة أقانيم، وفرض ملوك النصارى هذه العقيدة على الناس.
ثم عقد مجمع سنة ٤٣١ م، وحضره نحو مائتي أسقف (٢٠٠)، وقرروا أن مريم ولدت إلها. . .!
واستمرت المجامع تعقد بعد ذلك، وأشهرها المجامع العشرة التي عقدت على مر العصور، وكلهم يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، فدينهم الذي ابتدعوا قائم على اللعنة (١).
فثبت بهذا الاستعراض أن دين المسيح ﷺ هو التوحيد إلى نهاية القرن الثالث الميلادي، وأن المجامع النصرانية هي التي فرضت عقيدة التثليث، وألزم الملوك الناس بذلك بالسيف والعطاء (٢).
فعلم قطعا بأن عقيدة التثليث عقيدة وثنية مصدرها المجامع النصرانية، بدءا بمجمع نيقية سنة ٣٢٥ م، وهذا من أعظم ما يرد به على النصارى، ولكن بالقول الحكيم، وبالرفق واللين، والجدال بالتي هي أحسن.
стр. 404
٣ - بطلان كون الثلاثة إله واحد: قال المثلثة: الآب، والابن، وروح القدس: الثلاثة أسماء إله واحد، ورب واحد، وخالق واحد، ومسمى واحد، لم يزل ولا يزال شيئا- ناطقا: أي الذات والنطق والحياة (١) ويعبرون عن ذلك بأن الله - تعالى عن كفرهم- ثلاثة أقانيم، وحينئذ يرد عليهم بالقول الحكيم بالآتي:
أولا: لم خصصتم الأقانيم بالثلاثة؟ فإنه قد ثبت أنه: موجود، حي, عليم، قادر، سميع، بصير، كريم، خالق، رازق. . . فيلزمكم على قولكم هذا أن تثبتوا أقنوما رابعا، وهو القدرة، وخامسا وهو: السمع، وسادسا وهو: البصر، وسابعا وهو: الكرم، وثامنا وهو: الخلق، وتاسعا وهو: الكلام. . . وسائر الصفات الثابتة، فإن أسماء الله -تعالى- وصفات متعددة كثيرة، ومنها تسعة وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة (٢).
فإذا كانت أسماء الله كثيرة فالاقتصار على ثلاثة أسماء أو ثلاث صفات باطل مردود (٣).
ثانيا: قولكم: الآب الذي هو ابتداء الاثنين، والابن النطق الذي هو مولود منه كولادة النطق من العقل: كلام باطل؛ لأن صفات الكمال لازمة لذات الله -تعالى- أولا وآخرا، فهو لم يزل ولا يزال حيا، عالما، قادرا، فلم يصر حيا بعد أن لم يكن حيا، ولا عالما بعد أن لم يكن عالما!
стр. 405
ثالثا: قولكم في النطق: إنه الابن، وإنه مولود من الله -تعالى-: إن أردتم به أنه صفة لازمة له، فكذلك الحياة صفة لازمة له، فيكون روح القدس أيضا ابنا ثانيا، وإن أردتم أنه حصل منه بعد أن لم يكن لزم أن يكون عالما بعد أن لم يكن، وهذا مع كونه باطلا وكفرا فيلزم مثله في الحياة وأنه صار حيا بعد أن لم يكن حيا، تعالى الله وتقدس عن ذلك!
رابعا: إن تسمية حياة الله: روح القدس، لم ينطق به شيء من كتب الله المنزلة، فإطلاق روح القدس على حياة الله من التبديل والتحريف للكلم عن مواضعه.
خامسا: إنكم تدعون أن المتجسد بالمسيح هو الكلمة، الذي هو العلم، وهذا إن أردتم به نفس الذات العالمة الناطقة كان المسيح هو الآب، وهو الابن، وهو روح القدس، وهذا عندكم وعند جميع الناس باطل.
سادسا: العلم صفة، والصفة لا تخلق ولا ترزق، والمسيح نفسه ليس هو صفة قائمة بغيرها باتفاق العقلاء، وأيضا هو عند المثلثة خالق للسموات والأرض، فامتنع أن يكون المتحد به صفة، فإن الإله المعبود هو الإله الحي العليم القدير، وليس هو نفس الحياة ولا نفس العلم والكلام، فلو قال قائل: يا حياة الله، أو يا علم الله، أو يا كلام الله اغفر لي وارحمني. . . كان هذا باطلا في صريح العقل؛ ولهذا لم يجوز أحد من أهل الأديان السماوية أن يقال للتوراة أو الإنجيل وغير ذلك من كلام الله: اغفر لي وارحمني، وإنما يقال للإله المتكلم بهذا الكلام -وهو الله وحده-: اغفر لنا وارحمني.
والمسيح عند المثلثة هو الإله الخالق الذي يقال له: اغفر لنا وارحمنا، فلو كان هو نفس علم الله وكلامه لم يجز أن يكون إلها معبودا، فكيف إذا
стр. 406
لم يكن هو نفس علم الله وكلامه، بل هو مخلوق بكلامه حيث قال: (كن)، فكان، فتبين بذلك أن كلمات الله كثيرة لا نهاية لها، ومعلوم أن المسيح ليس هو كلمات كثيرة بل غايته أن يكون كلمة واحدة، إذ هو المخلوق بكلمة من كلمات الله (١).
سابعا: مما لا يشك في صحته عاقل أن عقيدة التثليث باطلة مردودة بصريح النقل وصحيح العقل، ومن المعلوم عند سائر أهل الملل أن الله موجود، حي، عليم، متكلم، قدير، لا تختص صفاته بثلاثة، ولا يعبر عن ثلاثة منها بعبارة لا تدل على ذلك، وهو: لفظ الآب، والابن، وروح القدس، فإن هذه الألفاظ لا تدل على ما فسروها به في لغة أحد من الأمم، ولا يوجد في كلام أحد من الأنبياء أنه عبر بهذه الألفاظ عما ذكروه من المعاني، بل ذلك مما ابتدعه النصارى، ولم يدل عليه شرع ولا عقل (٢).
فتبين أن جميع كتب الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- تبطل مذهب النصارى، فهم بين أمرين:
١ - الإيمان بكلام الأنبياء وبطلان دينهم (عقيدة التثليث).
٢ - تصحيح دينهم وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (٣).
٤ - إبطال عقيدة التثليث بما في كتب النصارى: من الأدلة التي تلزم أصحاب التثليث أن يبين لهم بالقول الحكيم ما في كتبهم التي يعترفون بها، فإن فيها ما يبطل قولهم وعقيدتهم في التثليث، ومن ذلك على سبيل المثال ما يلي:
стр. 407
(أ) جاء في إنجيل يوحنا، أن المسيح ﷺ قال في دعائه: " إن الحياة الدائمة إنما تجب للناس بأن يشهدوا أنك أنت الله الواحد الحق، وأنك أرسلت اليسوع المسيح " (١).
وهذه حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، ولا معبود بحق سواه.
(ب) وقال: " إن الله ما أكل ولا يأكل، وما شرب ولا يشرب، ولم ينم ولا ينام، ولا ولد له ولا يلد ولا يولد، ولا رآه أحد ولا يراه أحد (٢) إلا مات " (٣).
وبهذا يظهر سر قوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] (٤).
وغير ذلك من الأمثلة كثير لا يتسع المقام لذكرها (٥).
٥ - إبطال القرآن الكريم لعقيدة التثليث: القرآن الكريم هو الأصل في تصحيح العقائد، وما سبق من القول الحكيم مع النصارى إنما هو مخاطبتهم على قدر عقولهم بالأدلة العقلية، وبالواقع من تاريخهم، وما جاء في كتبهم، مما يبطل عقيدة التثليث، يثبت أن عقيدة التوحيد هي دين الأنبياء جميعا، عليهم الصلاة والسلام.
والقرآن الكريم - المحفوظ من الله عن التبديل والتحريف- يتولى الرد
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ - مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٧] (١) ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا - لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا - تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا - أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا - وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا - إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣] (٢) ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] (٣).
* فهل بعد هذا القول بيان؟ وهل بعد هذه الحجج من حجج؟ (٤).
وأما قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] (٥) فقد بينها الله تعالى أعظم بيان وأكمله وأبلغه.
(أ) فالكلمة التي ألقاها الله إلى مريم هي: (كن)، فكان عيسى بـ " كن "، وليس عيسى هو الكن، ولكن بالكن كان عيسى، فالكن من الله قوله: (كن)، وليس الكن مخلوقا (٦) قال تعالى:
стр. 410
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ - وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ - قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٥ - ٤٧] (١).
ففي هذا الكلام وجوه تبين أنه مخلوق وليس كما يقول النصارى، وذلك:
١ - قوله تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] وهي نكرة في سياق الإثبات يقتضي أنه كلمة من كلمات الله، وليس هو كلامه كله كما يقول النصارى.
٢ - ومنها أنه بين مراده بقوله: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] وأنه مخلوق حيث قال: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] (٢) وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ - مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٤ - ٣٥] (٣).
فهذه ثلاث آيات في القرآن تبين أن الله قال له: ﴿كُنْ﴾ [مريم: ٣٥] وهذا تفسير كونه كلمة منه.
٣ - وقال: اسمه المسيح عيسى ابن مريم.
٤ - وأخبر أنه وجيه في الدنيا والآخرة.
стр. 411
٥ - وأنه من المقربين.
وهذه كلها صفة مخلوق، والله- تعالى- وكلامه الذي هو صفته لا يقال فيه شيء من ذلك.
٦ - وقالت مريم: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ [آل عمران: ٤٧] فبين أن المسيح الذي هو الكلمة ولد مريم لا ولد الله (١).
(ب) أما الروح التي قال تعالى فيها: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] فلا يجب أن يكون منفصلا من ذات الله، كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] (٢). ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] (٣). ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩] (٤). .
فهذه الأشياء كلها من الله وهي مخلوقة.
وأبلغ من ذلك روح الله التي أرسلها إلى مريم، وهي مخلوقة ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا - قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا - قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٧ - ١٩] (٥). ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] (٦) وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] (٧).
стр. 412
فعلم بذلك أن الروح الذي أرسله الله إلى مريم هو روح القدس، وهو الملك جبريل، ﵇، وهو مخلوق، وهو الذي خلق المسيح من نفخه ومن مريم، فإذا كان الأصل مخلوقا فكيف الفرع الذي حصل به؟
أما قوله عن المسيح: وروح منه فخص بذلك؛ لأنه نفخ في أمه من الروح، فحملت به من ذلك النفخ، وذلك غير روحه التي يشاركه فيها سائر البشر، فامتاز بأن حملت به من نفخ الروح؛ فلهذا سمي روحا منه (١).
أما إضافة الروح إلى الله في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧] فهي إضافة مخلوق إلى خالقه، كقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: ١٣] (٢). ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] (٣) والمضاف إلى الله -تعالى- نوعان:
(أ) إن كان صفة مضافة إلى الله لم تقم بمخلوق: كعلم الله، وقدرة الله، والقرآن كلام الله، وحياة الله، كان صفة لله تعالى.
(ب) وإن كان المضاف عينا قائمة بنفسها أو صفة فيها، أو صفة لغير الله: كالبيت، والناقة، والعبد، والروح كان مخلوقا مضافا إلى خالقه ومالكه.
لكن هذه الإضافة (ناقة الله)، (بيت الله)، (عباد الله)، (روح الله)، إضافة مخلوق إلى خالقه تقتضي التشريف، وبهذا يتبين أنه لا يوجد للنصارى حجة إطلاقا، فسقط قولهم بحمد الله تعالى (٤).
стр. 413
المسلك الثاني: الأدلة والبراهين القاطعة على بشرية عيسى وعبوديته لله: ومن حكمة القول مع النصارى في دعوتهم إلى الله أن يبين لهم أن عيسى ﷺ ، عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، خلقه ، وبين لعباده أنه مخلوق، وأن ذلك لا يعجزه، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ - الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦٠] (١).
فقد خلق الله -تعالى- هذا النوع على الأقسام الممكنة، ليبين عموم قدرته، فخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق زوجته حواء من ذكر بلا أنثى، كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١] (٢) وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح؛ لأن حواء خلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم، وخلق آدم أعجب من هذا وهذا، وهو أصل خلق حواء؛ فلهذا شبهه الله بخلق آدم الذي هو أعجب من خلق المسيح، فإذا كان سبحانه قادرا أن يخلقه من تراب، والتراب ليس من جنس بدن الإنسان، أفلا يقدر أن يخلقه من امرأة هي من جنس بدن الإنسان؟ وهو خلق آدم من تراب، ثم قال له: كن، فكان لما نفخ فيه من روحه، فكذلك المسيح نفخ فيه من روحه، وقال له. كن، فكان، ولم يكن آدم بما نفخ فيه من روحه لاهوتا وناسوتا، بل كله ناسوت، فكذلك المسيح كله ناسوت (٣).
وقد أمر الله رسوله ﷺ أن يباهل النصارى على حقيقة عيسى ﷺ ، وأنه
стр. 414
عبد الله ورسوله، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] (١).
وقد امتثل النبي ﷺ قول الله، فدعاهم إلى المباهلة، فعرفوا أنهم إن باهلوه أنزل الله عليهم لعنته، فأقروا بالجزية وهم صاغرون.
وهذا كله يبين أن عيسى عبد الله ورسوله، وأنه مخلوق، ويبين أن النصارى بامتناعهم عن المباهلة وعن الدخول في الإسلام كانوا ظالمين (٢).
وقد بين حقيقة عيسى، ووصفه وأمه وصفا كاملا لا يدع مجالا للشك، ويقطع كل شبهة ترد على بشرية عيسى وأمه، فقال : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦] إلى قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا - قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا - وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا - وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٢٩ - ٣٢] إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ - مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ [مريم: ٣٤ - ٣٥] الآيات (٣).
وقال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] (٤).
стр. 415
وهو ﷺ عبد الله ورسوله، وأحد أنبيائه ورسله الكرام، ويتصف بصفات البشر، ويأكل الطعام كما يأكله البشر (١) ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] (٢).
وقد شهد رسول الله ﷺ بالجنة لمن شهد أن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، فقال: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (٣).
وحذر ﷺ عن الغلو، وبين أنه من أسباب تأليه النصارى لعيسى ابن مريم (٤).
وبهذه البراهين القطعية من الأدلة العقلية والنقلية يتضح لكل ذي لب أن عيسى عبد الله ورسوله، وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، ومن وصفه بغير ذلك من الصفات التي لم يصفه بها ربه وخالقه فقد خرج عن مقتضى العقل والنقل إلى الجنون أو الجحود والظلم: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٧٢] (٥) ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ - وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠] (٦).
стр. 416
المسلك الثالث: البراهين الدالة دلالة قطعية على إبطال قضية الصلب والقتل: زعم النصارى أن اليهود قتلوا عيسى ﷺ وصلبوه، وقبر، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء (١) وقد كذبهم الله فيما زعموا ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] (٢).
ومن الحكمة القولية في دعوتهم إلى الله وإبطال مذهبهم أن يرد عليهم بالآتي:
١ - الأدلة العقلية: (أ) بما أنكم أجمعتم أيها النصارى على القول بالاتحاد والصلب والقتل (٣) فهل كان الاتحاد موجودا في حالة الصلب والقتل أم لا؟ فإن قلتم كان موجودا، لزمكم القول بأن ابن الله القديم -في زعمكم- مات وصلب؛ لأن جواز القتل كجواز الموت والحركة والسكون والافتراق، وفيه جواز موت الأب والروح، وهذا لا يقولون به.
стр. 417
فإن قالوا: إن الاتحاد بطل، قيل لهم: فيجب ألا يكون المقتول مسيحا؛ لأن الجسد عند انتقاض الاتحاد ليس بمسيح، فبطل قولكم بأن المسيح قتل وصلب.
(ب) أنتم تزعمون أن المسيح قتل وصلب، والمسيح في عقيدتكم كان لاهوتا وناسوتا، فيلزم من ذلك إطلاق القول بقتل إلهكم؛ لأن المسيح عندكم إله مطلق، ومن ضرورة ذلك إطلاق القول بقتل الإله وموته، وذلك مروق عن الدين (١).
فإن قالوا: إنما قتل الناسوت دون اللاهوت. قيل لهم: هذا باطل من وجهين:
١ - أن ناسوته لم يصلب وليس فيه لاهوتا.
٢ - ذكركم ذلك دعوى مجردة فيكفي في مقابلتها المنع (٢).
(جـ) إذا كان عيسى ابن الله -تعالى- قديم الروح بزعمكم فكيف قدر اليهود على أن يقتلوا ابن الله، وهو إله عندكم، والإله لا يقتل!
فإن قالوا: إنما قتل الهيكل دون الروح، قيل لهم: قد بطل الاتحاد الذي ادعيتموه، فكان يجب أن يمنع الروح واللاهوت عن القتل وإتلاف الهيكل والناسوت، فدل ذلك على أنه كان عبدا لله ورسولا له، لا ابنا له (٣).
٢ - أخبار القتل والصلب مصدرها اليهود: من المعلوم يقينا أن أخبار المسيح والصلب والقتل إنما تلقاها النصارى عن اليهود، وقد ثبت أنه لم يحضر أحد منهم، وإنما قال اليهود: قتلناه
стр. 418
وصلبناه، وهم أعظم أعدائه الذين رموه وأمه بالعظائم، وأجمعت اليهود على أن عيسى ﷺ ، لم يدع شيئا من الإلهية التي نسبها إليه النصارى، فحينئذ يقال للنصارى: إن صدقتم اليهود في القتل والصلب فصدقوهم في أنه ليس بإله، بل هو عبد مخلوق! (١).
ومن العجيب أن النصارى يعظمون الصليب، وكان من مقتضى العقول أن يحرقوا كل صليب وجدوه؛ لأنه قد صلب عليه إلههم ومعبودهم بزعمهم. . فبأي وجه بعد هذا يستحق الصليب التعظيم (٢).
٣ - تناقض الأناجيل في قضية الصلب: وقع في قضية الصلب في الأناجيل المعتمدة عند النصارى أكثر من ثلاثين تناقضا، وحينئذ يطبق على هذه التناقضات قاعدة: كل ما تسرب إليه الاحتمال سقط به الاستدلال (٣).
وهذا يدل على أن كل ما تعلق بالصلب اشتبه أمره على النصارى، وغابت عنهم الحقيقة، فهم لا يزالون مختلفين، وبهذا يسقط قولهم؛ لأنهم لا علم لهم ولا دليل يعتمدون عليه (٤).
٤ - إبطال القرآن الكريم لقضية الصلب والقتل: أوضح الله في القرآن الكريم أمر الصلب وبينه وجلاه وأظهره، وأوضحه عنه رسوله ﷺ المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى:
стр. 419
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا - بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا - وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٩] (١).
فعيسى ﷺ لم يفتل ولم يصلب، بل رفعه الله إليه، ولم يمت، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] (٢) وقال تعالى حكاية عن المسيح: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] (٣).
والوفاة هنا بمعنى القبض، كما يقال: توفيت من فلان ما لي عليه، بمعنى: قبضته واستوفيته، فيكون معنى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] أي: إني قابضك من الأرض ورافعك إلي (٤).
وقوله : ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] يعم اليهود والنصارى، فدل ذلك على أن جميع أهل الكتاب يؤمنون بالمسيح قبل موته، وذلك إذا نزل في آخر الزمان (٥).
آمنت اليهود والنصارى بأنه
стр. 420
رسول الله، ليس كاذبا كما يقول اليهود، ولا هو الله كما يقول النصارى (١) ثم بعد أن يحكم بشريعة محمد ﷺ يموت كما يموت البشر قبل يوم القيامة.
فاتضح بذلك -بحمد الله- أن عيسى لم يقتل، ولم يصلب، ولم يمت حتى الآن، فبطل قول النصارى وما قتلوه وما صلبوه والله المستعان.
المسلك الرابع: البينات الواضحات على وقوع النسخ والتحريف في الأناجيل: من حكمة القول في دعوة النصارى إلى الله -تعالى- أن يبين لهم بالأدلة العقلية والنقلية أن دين الإسلام قد نسخ جميع الشرائع السابقة، وأن ما وجد من الكتب السابقة فهو بين أمرين. إما حق قد نسخته الشريعة الإسلامية، وإما كلام محرف أو خلط فيه الحق بالباطل (٢).
ومن المعلوم أن النصارى يقسمون الكتب إلى قسمين: ١ - كتب العهد القديم (٣).
٢ - كتب العهد الجديد (٤).
стр. 421
أما كتب العهد القديم فقد تقدم إثبات وقوع التحريف فيها بالأدلة العقلية والنقلية (١).
وأما كتب العهد الجديد فلا شك أن القول بالتحريف في كتب العهد الجديد عند النصارى أيسر عليهم من القول بالتحريف في العهد القديم؛ لأنهم لا يدعون أن الأناجيل منزلة من عند الله -تعالى- على المسيح، ولا أن المسيح ﷺ أتاهم بها، بل كلهم مجمعون على أنها أربعة تواريخ ألفها أربعة رجال في أزمان مختلفة (٢)؛ ولهذا قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: " الإنجيل بمنزلة ما ينقل من أقوال الأنبياء وسيرهم، ويقع في ذلك الصح والخطأ " (٣).
ولسعة هذا الموضوع سأقتصر على ما يثبت وقوع التحريف في الأناجيل بالأمثلة التالية:
١ - النتيجة التي لا مفر من التسليم بها أن الأناجيل القانونية الموجودة الآن ما هي إلا كتب مؤلفة، وهي تبعا لذلك معرضة للخطأ والصواب، ولا يمكن الادعاء ولو لحظة أنها كتبت بإلهام؛ فلقد كتبها أناس مجهولون، في أماكن غير معلومة، وفي تواريخ غير مؤكدة، والشيء المؤكد أن هذه الأناجيل مختلفة غير متآلفة، بل إنها متناقضة مع نفسها، ومع حقائق العالم الخارجي؛ لأنها فشلت في تنبؤات كثيرة، كالقول بنهاية العالم، وهذا القول قد يضايق النصراني العادي، بل قد يصدمه، ولكن بالنسبة للعالم النصراني
стр. 422
فقد أصبح ذلك عنده حقيقة مسلم بها (١) لما أجراه من أبحاث، ولما علمه من واقع الأناجيل.
٢ - الشواهد على التحريف من الأناجيل:
(١) جاء في إنجيل مرقس: أن المسيح قال لتلاميذه: " اذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها، من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن، وهذه الآيات تتبع المؤمنين يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة جديدة، يحملون حيات، وإن شربوا شيئا مميتا لا يضرهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرءون " (٢).
ففي هذا النص حجة على النصارى من وجهين:
الوجه الأول: قولهم عن عيسى: إنه أمرهم أن يبشروا بالإنجيل، فدل ذلك على أن إنجيلا أتاهم به وليس هو عندهم الآن، وإنما عندهم أربعة أناجيل متغايرة، وليس منها إنجيل ألف إلا بعد رفع عيسى ﷺ بأعوام كثيرة، فصح أن ذلك الإنجيل الذي أخبر المسيح أنه أتاهم به وأمرهم بالتبشير به ذهب عنهم؛ لأنهم لا يعرفون له أصلا، وهذا ما لا يمكن سواه.
الوجه الثاني: قولهم: إنه وعد كل من آمن بدعوة التلاميذ أنهم يتكلمون بلغات لا يعرفونها، وينفون الجن عن المجانين، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرءون، ويحملون الحيات، وإن شربوا شربة قتالة لا تضرهم، وهذا وعد ظاهر الكذب؛ فإن ما من النصارى أحد يتكلم بلغة لم يتعلمها، ولا منهم أحد ينفي جنيا، ولا من يحمل حية فلا تضره، ولا
стр. 423
من يضع يده على مريض فيشفى، ولا منهم أحد يسقى السم فلا يضره، وهم معترفون بأن يوحنا - صاحب الإنجيل- قتل بالسم وحاشا لله أن يأتي نبي بمواعيد كاذبة، وهذا دليل على تحريف النصارى وتناقضهم وتكذيبهم أنفسهم " (١).
(ب) ومن ذلك ما جاء في إنجيل متى أن عيسى ﷺ دعا على شجرة تين خضراء، فيبست التينة في الحال، فتعجب التلاميذ من ذلك، فقال لهم عيسى: " الحق أقول لكم إن كان لكم إيمان، ولا تشكوا أمر التينة فقط، بل إن قلتم أيضا لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر فيكون " (٢).
وهذا فيه حجة على النصارى، وذلك أن الأمر لا يخلو من أن يكون النصارى مؤمنين بالمسيح ﷺ ، أو غير مؤمنين، فإن كانوا مؤمنين، فقد كذبوا المسيح فيما نسبوه إليه في هذه المقالة- وحاشا له من الكذب- فليس منهم أحد قدر على أن يأمر حبة من خردل بالانتقال فتنتقل، فكيف على قلع جبل وإلقائه في البحر!
وإن كانوا غير مؤمنين به فهم بإقرارهم هذا كفار، ولا يجوز أن يصدق كافر (٣).
وبهذا يتبين أن الأناجيل وقع فيها تحريف عظيم، ولا يعتمد عليها، ولا مخرج من هذا التيه إلا بالدخول في الإسلام.
стр. 424
المسلك الخامس: إثبات اعتراف المنصفين من علماء النصارى: من حكمة القول مع النصارى في دعوتهم إلى الله الاستشهاد عليهم بشهادة المنصفين من علماء النصارى، ومن وفقه الله منهم للإسلام، فإن هذا من باب ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦] (١) ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:
١ - النجاشي ملك الحبشة ﵀ ورضي عنه: عندما قرأ جعفر بن أبي طالب ﵁ على النجاشي (٢) صدرا من سورة مريم، بكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكى أساقفته حين سمعوا ما تلي عليهم، وقال النجاشي للوفد: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ فقال جعفر ﵁: يقول فيه قول الله: هو روح الله، وكلمته، أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر. . . فتناول النجاشي عودا فرفعه، فقال: يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد على ما تقولون في ابن مريم ما تزن هذه، وقال للوفد: مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبل نعله (٣).
٢ - سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه: قصة سلمان مشهورة عجيبة (٤) فقد عاش مع مجموعة من علماء النصارى، وعندما كان مع آخر عالم من هؤلاء بعمورية بالروم حضرته
стр. 425
الوفاة، فأوصى سلمان الفارسي وقال: " قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى: بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانه ".
وسافر سلمان ووجد العلامات التي وصفت له، فأسلم ﵁ (١).
٣ - هرقل عظيم الروم: قال هرقل لأبي سفيان في آخر حديثه: ". . . وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه. . . " (٢).
ثم قال للروم بعد ذلك: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ (٣) ولكن رغب في ملكه وضن به، فلم يسلم!
وهذا مما يبين أن عدول أهل الكتاب ومنصفيهم قد شهدوا لرسول الله ﷺ وأنه رسول الله حقا، فلا يقدح قدح المكذبين بعد ذلك (٤).