أما كتب العهد القديم فقد تقدم إثبات وقوع التحريف فيها بالأدلة العقلية والنقلية (١).
وأما كتب العهد الجديد فلا شك أن القول بالتحريف في كتب العهد الجديد عند النصارى أيسر عليهم من القول بالتحريف في العهد القديم؛ لأنهم لا يدعون أن الأناجيل منزلة من عند الله -تعالى- على المسيح، ولا أن المسيح ﷺ أتاهم بها، بل كلهم مجمعون على أنها أربعة تواريخ ألفها أربعة رجال في أزمان مختلفة (٢)؛ ولهذا قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: " الإنجيل بمنزلة ما ينقل من أقوال الأنبياء وسيرهم، ويقع في ذلك الصح والخطأ " (٣).
ولسعة هذا الموضوع سأقتصر على ما يثبت وقوع التحريف في الأناجيل بالأمثلة التالية:
١ - النتيجة التي لا مفر من التسليم بها أن الأناجيل القانونية الموجودة الآن ما هي إلا كتب مؤلفة، وهي تبعا لذلك معرضة للخطأ والصواب، ولا يمكن الادعاء ولو لحظة أنها كتبت بإلهام؛ فلقد كتبها أناس مجهولون، في أماكن غير معلومة، وفي تواريخ غير مؤكدة، والشيء المؤكد أن هذه الأناجيل مختلفة غير متآلفة، بل إنها متناقضة مع نفسها، ومع حقائق العالم الخارجي؛ لأنها فشلت في تنبؤات كثيرة، كالقول بنهاية العالم، وهذا القول قد يضايق النصراني العادي، بل قد يصدمه، ولكن بالنسبة للعالم النصراني
стр. 422
فقد أصبح ذلك عنده حقيقة مسلم بها (١) لما أجراه من أبحاث، ولما علمه من واقع الأناجيل.
٢ - الشواهد على التحريف من الأناجيل:
(١) جاء في إنجيل مرقس: أن المسيح قال لتلاميذه: " اذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها، من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن، وهذه الآيات تتبع المؤمنين يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة جديدة، يحملون حيات، وإن شربوا شيئا مميتا لا يضرهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرءون " (٢).
ففي هذا النص حجة على النصارى من وجهين:
الوجه الأول: قولهم عن عيسى: إنه أمرهم أن يبشروا بالإنجيل، فدل ذلك على أن إنجيلا أتاهم به وليس هو عندهم الآن، وإنما عندهم أربعة أناجيل متغايرة، وليس منها إنجيل ألف إلا بعد رفع عيسى ﷺ بأعوام كثيرة، فصح أن ذلك الإنجيل الذي أخبر المسيح أنه أتاهم به وأمرهم بالتبشير به ذهب عنهم؛ لأنهم لا يعرفون له أصلا، وهذا ما لا يمكن سواه.
الوجه الثاني: قولهم: إنه وعد كل من آمن بدعوة التلاميذ أنهم يتكلمون بلغات لا يعرفونها، وينفون الجن عن المجانين، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرءون، ويحملون الحيات، وإن شربوا شربة قتالة لا تضرهم، وهذا وعد ظاهر الكذب؛ فإن ما من النصارى أحد يتكلم بلغة لم يتعلمها، ولا منهم أحد ينفي جنيا، ولا من يحمل حية فلا تضره، ولا
стр. 423
من يضع يده على مريض فيشفى، ولا منهم أحد يسقى السم فلا يضره، وهم معترفون بأن يوحنا - صاحب الإنجيل- قتل بالسم وحاشا لله أن يأتي نبي بمواعيد كاذبة، وهذا دليل على تحريف النصارى وتناقضهم وتكذيبهم أنفسهم " (١).
(ب) ومن ذلك ما جاء في إنجيل متى أن عيسى ﷺ دعا على شجرة تين خضراء، فيبست التينة في الحال، فتعجب التلاميذ من ذلك، فقال لهم عيسى: " الحق أقول لكم إن كان لكم إيمان، ولا تشكوا أمر التينة فقط، بل إن قلتم أيضا لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر فيكون " (٢).
وهذا فيه حجة على النصارى، وذلك أن الأمر لا يخلو من أن يكون النصارى مؤمنين بالمسيح ﷺ ، أو غير مؤمنين، فإن كانوا مؤمنين، فقد كذبوا المسيح فيما نسبوه إليه في هذه المقالة- وحاشا له من الكذب- فليس منهم أحد قدر على أن يأمر حبة من خردل بالانتقال فتنتقل، فكيف على قلع جبل وإلقائه في البحر!
وإن كانوا غير مؤمنين به فهم بإقرارهم هذا كفار، ولا يجوز أن يصدق كافر (٣).
وبهذا يتبين أن الأناجيل وقع فيها تحريف عظيم، ولا يعتمد عليها، ولا مخرج من هذا التيه إلا بالدخول في الإسلام.
стр. 424
المسلك الخامس: إثبات اعتراف المنصفين من علماء النصارى: من حكمة القول مع النصارى في دعوتهم إلى الله الاستشهاد عليهم بشهادة المنصفين من علماء النصارى، ومن وفقه الله منهم للإسلام، فإن هذا من باب ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦] (١) ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:
١ - النجاشي ملك الحبشة ﵀ ورضي عنه: عندما قرأ جعفر بن أبي طالب ﵁ على النجاشي (٢) صدرا من سورة مريم، بكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكى أساقفته حين سمعوا ما تلي عليهم، وقال النجاشي للوفد: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ فقال جعفر ﵁: يقول فيه قول الله: هو روح الله، وكلمته، أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر. . . فتناول النجاشي عودا فرفعه، فقال: يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد على ما تقولون في ابن مريم ما تزن هذه، وقال للوفد: مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبل نعله (٣).
٢ - سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه: قصة سلمان مشهورة عجيبة (٤) فقد عاش مع مجموعة من علماء النصارى، وعندما كان مع آخر عالم من هؤلاء بعمورية بالروم حضرته
стр. 425
الوفاة، فأوصى سلمان الفارسي وقال: " قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى: بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانه ".
وسافر سلمان ووجد العلامات التي وصفت له، فأسلم ﵁ (١).
٣ - هرقل عظيم الروم: قال هرقل لأبي سفيان في آخر حديثه: ". . . وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه. . . " (٢).
ثم قال للروم بعد ذلك: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ (٣) ولكن رغب في ملكه وضن به، فلم يسلم!
وهذا مما يبين أن عدول أهل الكتاب ومنصفيهم قد شهدوا لرسول الله ﷺ وأنه رسول الله حقا، فلا يقدح قدح المكذبين بعد ذلك (٤).
стр. 426
وقد أسلم الجم الغفير علماء النصارى، وشهدوا بأن محمدا ﷺ رسول الله إلى الناس أجمعين، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢] (١).
فحري بجميع النصارى أن يسيروا على طريق علمائهم المنصفين، ويسلموا لله رب العالمين.
فينبغي للداعية إلى الله أن لا يغفل هذا المسلك في دعوته للنصارى إلى الله تعالى (٢).
стр. 427
المطلب الثالث
البراهين على إثبات الرسالة المحمدية وعمومها
من أعظم الأقوال الحكيمة في دعوة أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن تبين لهم البراهين والأدلة القطعية الدالة على صدق رسالة محمد ﷺ إلى الناس أجمعين:
ولا شك أن الآيات والبينات الدالة على نبوته ﷺ وعموم رسالته كثيرة متنوعة، وهي أكثر وأعظم من آيات غيره من الأنبياء، وجميع الأنواع تنحصر في نوعين:
(أ) منها: ما مضى وصار معلوما بالخبر الصادق كمعجزات موسى وعيسى.
(ب) ومنها: ما هو باق إلى اليوم كالقرآن والعلم والإيمان اللذين في أتباعه، فإن ذلك من أعلام نبوته، وكشريعته التي أتى بها، والآيات التي يظهرها الله وقتا بعد وقت من كرامات الصالحين من أمته، وظهور دينه بالحجة والبرهان، وصفاته الموجودة في كتب الأنبياء قبله وغير ذلك (١) وهذا باب واسع لا أستطيع حصره، ولكن سأقتصر في إثبات نبوته ﷺ وعموم رسالته على المسالك الآتية:
المسلك الأول: معجزات القرآن العظيم.
المسلك الثاني: معجزاته ﷺ الحسية.
المسلك الثالث: عموم رسالته ﷺ .
стр. 428
المسلك الأول: معجزات القرآن العظيم:
المعجزة لغة: ما أعجز به الخصم عند التحدي (١).
وهي أمر خارق للعادة يعجز البشر متفرقين ومجتمعين عن الإتيان بمثله، يجعله الله على يد من يختاره لنبوته؛ ليدل على صدقه وصحة رسالته (٢).
والقرآن الكريم كلام الله المنزل على محمد ﷺ هو المعجزة العظمى، الباقية على مرور الدهور والأزمان، المعجز للأولين والآخرين إلى قيام الساعة (٣) قال ﷺ : «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات على ما مثله آمن البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (٤).
وليس المراد في هذا الحديث حصر معجزاته ﷺ في القرآن، ولا أنه لم يؤت من المعجزات ﷺ كمن تقدمه، بل المراد أن القرآن المعجزة
стр. 429
العظمى التي اختص بها دون غيره؛ لأن كل نبي أعطي معجزة خاصة به، تحدى بها من أرسل إليهم، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه؛ ولهذا لما كان السحر فاشيا في قوم فرعون جاءه موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة، لكنها تلقف ما صنعوا، ولم يقع ذلك بعينه لغيره.
ولما كان الأطباء في غاية الظهور جاء عيسى بما حير الأطباء، من: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وكل ذلك من جنس عملهم، ولكن لم تصل إليه قدرتهم.
ولما كانت العرب أرباب الفصاحة والبلاغة والخطابة جعل الله - سبحانه- معجزة نبينا محمد ﷺ القرآن الكريم الذي (١) ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] (٢).
ولكن معجزة القرآن الكريم تتميز عن سائر المعجزات؛ لأنه حجة مستمرة، باقية على مر العصور، والبراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم، ولم يبق منها إلا الخبر عنها، أما القرآن فلا يزال حجة قائمة كأنما يسمعها السامع من فم رسول الله ﷺ ، ولاستمرار هذه الحجة البالغة قال ﷺ : «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (٣).
والقرآن الكريم آية بينة، معجزة من وجوه متعددة، من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، والبلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أمر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن الله- تعالى- وأسمائه وصفاته وملائكته، وغير ذلك من الوجوه الكثيرة التي ذكر كل عالم ما فتح الله عليه
стр. 430
به منها (١) وسأقتصر على أربعة وجوه من باب المثال، لا الحصر بإيجاز كالتالي:
الوجه الأول: الإعجاز البياني والبلاغي: من الإعجاز القرآني ما اشتمل عليه من البلاغة والبيان، والتركيب المعجز، الذي تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله، فعجزوا عن ذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] (٢) وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ - فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤] (٣).
وبعد هذا التحدي انقطعوا فلم يتقدم أحد، فمد لهم في الحبل وتحداهم بعشر سور مثله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] (٤) فعجزوا فأرخى لهم في الحبل، فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] (٥) ثم أعاد التحدي في المدينة بعد الهجرة، فقال تعالى:
стр. 431
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤] (١).
فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] أي: فإن لم تفعلوا في الماضي، ولن تستطيعوا ذلك في المستقبل، فثبت التحدي، وأنهم لا يستطيعون أن يأتوا بسورة من مثله فيما يستقبل من الزمان، كما أخبر قبل ذلك، وأمر النبي وهو بمكة أن يقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] (٢).
فعم بأمره له أن يخبر جميع الخلق معجزا لهم، قاطعا بأنهم إذا اجتمعوا لا يأتون بمثل هذا القرآن، ولو تظاهروا وتعاونوا على ذلك، وهذا التحدي لجميع الخلق، وقد سمعه كل من سمع القرآن، وعرفه الخاص والعام، وعلم مع ذلك أنهم لم يعارضوه، ولا أتوا بسورة مثله من حين بعث ﷺ إلى اليوم والأمر على ذلك (٣).
والقرآن يشتمل على آلاف المعجزات؛ لأنه مائة وأربع عشرة سورة، وقد وقع التحدي بسورة واحدة، وأقصر سورة في القرآن سورة الكوثر، وهي ثلاث آيات قصار، والقرآن يزيد بالاتفاق على ستة آلاف ومائتي آية، ومقدار سورة الكوثر من آيات أو آية طويلة على ترتيب كلماتها له حكم السورة الواحدة، ويقع بذلك التحدي والإعجاز (٤)؛ ولهذا كان القرآن
стр. 432
الكريم يغني عن جميع المعجزات الحسية والمعنوية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
الوجه الثاني: الإخبار عن الغيوب: من وجوه الإعجاز القرآني أنه اشتمل على أخبار كثيرة من الغيوب التي لا علم لمحمد ﷺ بها، ولا سبيل لبشر مثله أن يعلمها، وهذا مما يدل على أن القرآن كلام الله -تعالى- الذي لا تخفى عليه خافية: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] (١).
والإخبار بالغيوب أنواع: النوع الأول: غيوب الماضي: وتتمثل في القصص الرائعة وجميع ما أخبر الله به عن ماضي الأزمان.
النوع الثاني: غيوب الحاضر: أخبر الله رسوله ﷺ بغيوب حاضرة، ككشف أسرار المنافقين، والأخطاء التي وقع فيها بعض المسلمين، أو غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله، وأطلع عليه رسوله ﷺ .
النوع الثالث: غيوب المستقبل، أخبر الله رسوله ﷺ بأمور لم تقع، ثم وقعت كما أخبر، فدل ذلك على أن القرآن كلام الله، وأن محمدا ﷺ رسول الله (٢).
стр. 433
الوجه الثالث: الإعجاز التشريعي: القرآن العظيم جاء بهدايات كاملة تامة، تفي بحاجات جميع البشر في كل زمان ومكان؛ لأن الذي أنزله هو العليم بكل شيء، خالق البشرية والخبير بما يصلحها ويفسدها، وما ينفعها ويضرها، فإذا شرع أمرا جاء في أعلى درجات الحكمة والخبرة ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] (١).
ويزداد الوضوح عند التأمل في أحوال الأنظمة والقوانين البشرية التي يظهر عجزها عن معالجة المشكلات البشرية ومسايرة الأوضاع والأزمنة والأحوال، مما يضطر أصحابها إلى الاستمرار في التعديل والزيادة والنقص، فيلغون غدا ما وضعوه اليوم؛ لأن الإنسان محل النقص والخطأ، والجهل لأعماق النفس البشرية، والجهل بما يحدث غدا في أوضاع الإنسان وأحواله، وفيما يصلح البشرية في كل عصر ومصر.
وهذا دليل حسي مشاهد على عجز جميع البشر عن الإتيان بأنظمة تصلح الخلق وتقوم أخلاقهم، وعلى أن القرآن كلام الله سليم من كل عيب، كفيل برعاية مصالح العباد، وهدايتهم إلى كل ما يصلح أحوالهم في الدنيا والآخرة إذا تمسكوا به واهتدوا بهديه (٢) قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩] (٣).
وبالجملة فإن الشريعة التي جاء بها كتاب الله- تعالى- مدارها على
стр. 434
ثلاث مصالح:
المصلحة الأولى: درء المفاسد عن ستة أشياء (١) حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والعرض، والمال.
المصلحة الثانية: جلب المصالح (٢) فقد فتح القرآن الأبواب لجلب المصالح في جميع الميادين، وسد كل ذريعة تؤدي إلى الضرر.
المصلحة الثالثة: الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.
فالقرآن الكريم حل جميع المشاكل العالمية التي عجز عنها البشر، ولم يترك جانبا من الجوانب التي يحتاجها البشر في الدنيا والآخرة إلا وضع لها القواعد، وهدى إليها بأقوم الطرق وأعدلها (٣).
الوجه الرابع: الإعجاز العلمي الحديث: يتصل بما ذكر من إعجاز القرآن في إخباره عن الأمور الغيبية المستقبلة نوع جديد كشف عنه العلم في العصر الحديث، مصداقا لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] (٤).
لقد تحقق هذا الوعد من ربنا في الأزمنة المتأخرة، فرأى الناس آيات الله في آفاق المخلوقات بأدق الأجهزة والوسائل: كالطائرات، والغواصات، وغير ذلك من أدق الأجهزة الحديثة التي لم يمتلكها الإنسان إلا في العصر الحديث. . فمن أخبر محمدا ﷺ بهذه الأمور الغيبية قبل ألف وأربعمائة
стр. 435
وعشرة أعوام؟ إن هذا يدل على أن القرآن كلام الله، وأن محمدا رسول الله حقا.
وقد اكتشف هذا الإعجاز العلمي: في الأرض وفي السماء، وفي البحار والقفار، وفي الإنسان والحيوان، والنبات، والأشجار، والحشرات، وغير ذلك، ولا يتسع المقام لذكر الأمثلة العديدة على ذلك (١).
المسلك الثاني: معجزات النبي ﷺ الحسية:
معجزات النبي ﷺ الحسية الخارقة للعادة كثيرة جدا (٢) لا أستطيع حصرها، وسأقتصر بإيجاز على ذكر تسعة أنواع منها على سبيل المثال، كالآتي:
النوع الأولى: المعجزات العلوية، ومنها: ١ - انشقاق القمر: وهذه من أمهات معجزاته ﷺ الدالة على صدقه، فقد سأل أهل مكة رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين حتى رأوا جبل حراء بينهما (٣) قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ - وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢] الآيات (٤). .
стр. 436
٢ - صعوده ﷺ ليلة الإسراء والمعراج إلى ما فوق السماوات: وهذا ما أخبر به القرآن الكريم، وتواترت به الأحاديث، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] (١).
وهذه الآية من أعظم معجزاته ﷺ ، فإنه أسري به إلى بيت المقدس، وقطع المسافة في زمن قصير، ثم عرج به إلى السموات، ثم صعد إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام، ورأى الجنة، وفرضت عليه الصلوات، ورجع إلى مكة قبل أن يصبح، فكذبته قريش، وطلبوا منه علامات تدل على صدقه، ومن ذلك علامات بيت المقدس؛ لعلمهم بأنه ﷺ لم ير بيت المقدس قبل ذلك، فجلى الله له بيت المقدس ينظر إليه ويخبرهم بعلاماته وما سألوا عنه (٢).
وغير ذلك من الآيات العلوية، كحراسة السماء بالشهب عند بعثته ﷺ .
النوع الثاني: آيات الجو: ١ - من هذه المعجزات طاعة السحاب له ﷺ ، بإذن الله -تعالى- في حصوله ونزول المطر وذهابه بدعائه ﷺ (٣).
٢ - ومن هذا النوع نصر الله للنبي ﷺ بالريح التي قال تعالى عنها:
стр. 437
﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩] (١) وهذه الريح هي ريح الصبا، أرسلها على الأحزاب، قال ﷺ : «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» (٢) وغير ذلك.
النوع الثالث: تصرفه في الحيوان: الإنس, والجن والبهائم: وهذا باب واسع، منه على سبيل المثال:
(أ) تصرفه في الإنس: ١ - كان علي بن أبي طالب ﵁ يشتكي عينيه من وجع بهما، فبصق رسول الله ﷺ فيهما، ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع (٣).
٢ - انكسرت ساق عبد الله بن عتيك ﵁ فمسحها رسول الله ﷺ ، فكأنها لم تنكسر قط (٤).
٣ - أصيب سلمة بن الأكوع بضربة في ساقه يوم خيبر، فنفث فيها رسول الله ﷺ ثلاث نفثات، فما اشتكاها سلمة بعد ذلك (٥).
(ب) تصرفه في الجن والشياطين: ١ - كان ﷺ يخرج الجن من الإنس بمجرد المخاطبة. فيقول: " اخرج عدو الله، أنا رسول الله " (٦).
٢ - أخرج الشيطان من صدر عثمان بن أبي العاص، فضرب صدر
стр. 438
عثمان بيده ثلاث مرات وتفل في فمه وقال: " اخرج عدو الله " فعل ذلك ثلاث مرات، فلم يخالط عثمان الشيطان بعد ذلك (١).
(جـ) تصرفه في البهائم: وقد حصل له مرارا، ومن ذلك أنه «جاء بعير، فسجد للنبي ﷺ ، فقال أصحابه: يا رسول الله! تسجد لك البهائم والشجر، فنحن أحق أن نسجد لك، فقال ﷺ : " اعبدوا ربكم, وأكرموا أخاكم, ولو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها». . . " (٢).
النوع الرابع: تأثيره في الأشجار والثمار والخشب: (أ) تأثيره في الأشجار: ١ - «جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ وهو في سفر. فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقال الأعرابي: ومن يشهد لك على ما تقول؟ فقال رسول الله ﷺ : " هذه السلمة " (٣) فدعاها رسول الله ﷺ وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخد (٤) الأرض خدا حتى قامت بين يديه، فأشهدها ثلاثا، فشهدت ثلاثا أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها» (٥).
٢ - «أراد رسول الله ﷺ أن يقضي حاجته وهو في سفر، فلم يجد ما يستتر
стр. 439
به، فأخذ بغصن شجرة وقال: " انقادي علي بإذن الله "، فانقادت معه كالبعير المخشوم (١) حتى أتى الشجرة الأخرى ففعل، وقال كذلك، ثم أمرهما أن تلتئما عليه فالتأمتا، ثم بعد قضاء الحاجة رجعت كل شجرة، وقامت كل واحدة منهما على ساق». . (٢).
(ب) تأثيره في الثمار: «جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: بم أعرف أنك نبي؟ قال. " إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أن رسول الله؟ " فدعاه رسول الله ﷺ فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي ﷺ ، ثم قال: " ارجع "، فعاد، فأسلم الأعرابي» (٣).
(ج) تأثيره في الخشب: «كان ﷺ يخطب في المدينة يوم الجمعة على جذع نخل، فلما صنع له المنبر ورقى عليه صاح الجذع صياح الصبي، [وخار كما تخور البقرة، جزعا على رسول الله ﷺ ، فالتزمه رسول الله ﷺ وضمه إليه وهو يئن، ومسحه حتى سكن» (٤).
стр. 440
النوع الخامس: تأثيره في الجبال والأحجار وتسخيرها له: (أ) تأثيره في الجبال: «صعد النبي ﷺ أحدا، ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم، فضربه ﷺ برجله، وقال: " اثبت أحد، فإن عليك نبي، وصديق، وشهيدان» (١).
(ب) تأثيره في الحجارة: وقال ﷺ : «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن» (٢).
(جـ) تأثيره في تراب الأرض: «عندما كان رسول الله ﷺ في معركة حنين، واشتد القتال، نزل عن بغلته، وقبض قبضة من تراب الأرض، واستقبل به وجوه القوم، فقال: " شاهت الوجوه "، فما خلق الله إنسانا منهم إلا ملأ عينيه من تلك القبضة، فهزمهم الله وقسم غنائمهم بين المسلمين» (٣).
النوع السادس: تفجير الماء، وزيادة الطعام والشراب والثمار: (أ) نبع الماء وزيادة الشراب: هذا النوع حصل لرسول الله ﷺ مرات كثيرة جدا (٤) ومن ذلك:
стр. 441
١ - «عطش الناس في الحديبية، فوضع يده ﷺ في الركوة، فجعل الماء يثور بين أصابعه كالعيون، فشربوا، وتوضئوا، قيل لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة» (١).
٢ - «قدم ﷺ تبوك، فوجد عينها كشراك النعل، فغرف له منها قليلا قليلا، حتى اجتمع له شيء قليل، فغسل فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر، وبقيت العين إلى الآن» (٢).
٣ - قصة أبي هريرة ﵁ وقدح اللبن، وزيادة لبن القدح حتى شرب منه أضياف الإسلام (٣).
(ب) زيادة الطعام وتكثيره لما جعل الله فيه ﷺ من البركة: ١ - «كان النبي ﷺ في ألف وأربعمائة من أصحابه في غزوة، فأصابهم مشقة، فأمر ﷺ أن يجمعوا ما معهم من طعام وبسطوا سفرة، وكان الطعام شيئا يسيرا فبارك فيه، وأكلوا، وحشوا أوعيتهم من ذلك الطعام» (٤).
٢ - «بقي الصحابة والنبي ﷺ في غزوة الخندق ثلاثة أيام، لا يذوقون طعاما، فذبح جابر بن عبد الله ﵁ عناقا، وطحنت زوجته صاعا من شعير، ثم دعا النبي ﷺ ، فصاح النبي ﷺ بأهل الخندق يدعوهم على هذا الطعام اليسير، ثم جاء النبي ﷺ وبصق في العجين وبارك، وبصق في البرمة وبارك، قال جابر ﵄: وهم ألف،
стр. 442
فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي (١) وإن عجيننا ليخبز كما هو (٢).»
وهذا باب واسع لا يمكن حصره.
(جـ) زيادة الثمار والحبوب: ١ - «جاء رجل يستطعم النبي ﷺ فأطعمه شطر وسق شعير، فما زال الرجل يأكل منه وأهله حتى كاله، فأتى النبي ﷺ فقال: " لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم» (٣).
٢ - «كان على والد جابر دين، وما في نخله لا يقضي ما عليه سنين، فجاء جابر إلى رسول الله ﷺ ليحضر الكيل، فحضر، ومشى حول الجرن، ثم أمر جابرا أن يكيل، فكال لهم حتى أوفاهم، قال جابر ﵁: " وبقي تمري، وكأنه لم ينقص منه شيء» (٤).
النوع السابع: تأييد الله له بالملائكة: أيد الله رسوله بالملائكة في عدة مواضع، نصرة له ولدينه، منها على سبيل المثال:
١ - في الهجرة، قال المولى- جل وعلا-:. . . . . ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠] (٥).
стр. 443
٢ - في بدر، قال الله -تعالى-: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] (١).
٣ - في أحد، قاتل جبريل وميكائيل ﵉ عن يمين النبي ﷺ وعن يساره (٢).
٤ - في الخندق، قال الله : ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩] (٣).
٥ - في غزوة بني قريظة: «جاء جبريل إلى النبي ﷺ بعد أن وضع السلاح من غزوة الخندق واغتسل، فقال له جبريل: قد وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه فاخرج إليهم، فسأله النبي ﷺ : " إلى أين؟ " فأشار إلى بني قريظة، فخرج ﷺ ، ونصره الله عليهم» (٤).
٦ - في حنين، قال الله : ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٦] (٥).
النوع الثامن: كفاية الله له أعداءه وعصمته من الناس: هذا النوع من أعظم الآيات الدالة على صدق رسالة محمد ﷺ ، ومن ذلك:
١ - كفاه الله -تعالى- المشركين والمستهزئين، فلم يصلوا إليه بسوء، قال
стр. 444
تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ - إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٥] (١).
٢ - كفاه الله أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] (٢).
٣ - وعصمه تعالى من جميع الناس بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] (٣).
وهذا خبر عام بأن الله يعصمه من جميع الناس، فكل من هذه الأخبار الثلاثة قد وقع كما أخبر الله- تعالى- فقد كفاه الله أعداءه بأنواع عجيبة خارجة عن العادة المعروفة، ونصره مع كثرة أعدائه وقوتهم وغلبتهم، وانتقم ممن عاداه.
ومن ذلك «أن رجلا نصرانيا أسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب للنبي ﷺ ثم ارتد وعاد نصرانيا، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله، فدفنه قومه، فأصبح وقد أخرجته الأرض من بطنها، فأعادوا دفنه، وأعمقوا قبره، فأصبح وقد أخرجته الأرض منبوذا على ظهرها، فأعادوا دفنه وأعمقوا له، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أن هذا ليس من الناس فتركوه منبوذا» (٤).
стр. 445
النوع التاسع: إجابة دعواته ﷺ : الأدعية التي دعا بها النبي ﷺ وشوهدت إجابتها كالشمس في رابعة النهار كثيرة جدا، لا تحصر، ولا يتسع المقام لذكر أكثرها، ولكن منها على سبيل المثال:
١ - قال ﷺ لأنس ﵁: «اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته " (١) [وأطل حياته واغفر له]» (٢) قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة اليوم (٣) [وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة] (٤).
وكان له ﵁ بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان يجئ منها ريح المسك (٥).
٢ - «ودعا ﷺ لأم أبي هريرة بالهداية فهداها الله فورا، وأسلمت» (٦).
٣ - وقال ﷺ لعروة بن أبي الجعد البارقي: «اللهم بارك له في صفقة يمينه»، فكان يقف في الكوفة ويربح أربعين ألفا قبل أن يرجع إلى أهله (٧) [وكان لو اشترى التراب لربح فيه] (٨).
стр. 446
٤ - ودعاؤه ﷺ على بعض أعدائه، فلم تتخلف الإجابة، كأبي جهل، وأمته، وعقبة، وعتبة. . (١).
٥ - ودعاؤه يوم بدر، ويوم حنين، وعلى سراقة بن مالك ﵁ وغيره كثير (٢).
والحقيقة أن العاقل المنصف يقف أمام هذه الدلائل والبينات مذعورا، ولا يسعه إلا أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
المسلك الثالث: عموم رسالته ﷺ
إن أصل الأصول هو تحقيق الإيمان بما جاء به محمد ﷺ ، وأنه رسول الله إلى جميع الخلق: إنسهم وجنهم، عربهم وعجمهم، كتابيهم ومجوسيهم، رئيسهم ومرءوسهم، وأنه لا طريق إلى الله لأحد من الخلق إلا بمتابعته ﷺ باطنا وظاهرا، حتى لو أدركه موسى وعيسى، وغيرهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لوجب عليهم اتباعه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ - فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨١ - ٨٢] (٣).
قال ابن عباس ﵄: " ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه
стр. 447
الميثاق: لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه " (١).
ولهذا جاء في الحديث: «لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني» (٢).
ومن خالف عموم رسالة النبي ﷺ لا يخلو من أحد أمرين:
١ - إما أن يكون المخالف مؤمنا بأنه مرسل من عند الله؛ ولكنه يقول: رسالته خاصة بالعرب.
٢ - وإما أن يكون المخالف منكرا للرسالة جملة وتفصيلا.
فأما المعترف له بالرسالة ولكنه يجعلها خاصة بالعرب، فإنه يلزمه أن يصدقه في كل ما جاء به عن الله تعالى ومن ذلك عموم رسالته، ونسخها للشرائع قبلها، فقد بين ﷺ أنه رسول الله إلى الناس أجمعين، وأرسل رسله، وبعث كتبه في أقطار الأرض إلى كسرى، وقيصر، والنجاشي، وسائر ملوك الأرض، يدعوهم إلى الإسلام، ثم قاتل من لم يدخل في الإسلام من المشركين، وقاتل أهل الكتاب، وسبى ذراريهم، وضرب الجزية عليهم، وذلك كله بعد امتناعهم عن الدخول في الإسلام، أما كونه يؤمن برسول ولا يصدقه في جميع ما جاء به، فهذا تناقض ومكابرة.
стр. 448
وأما المنكر لرسالة نبينا محمد ﷺ مطلقا، فقد قام البرهان القاطع على صدق صاحب الرسالة ﷺ ، ولا تزال معجزات القرآن تتحدى الإنس والجن، فإما أن يأتي بما يناقض المعجزة القائمة، وإلا لزمه الاعتراف بمدلولها، فإن اعترف بالرسالة لزمه التصديق بكل ما أخبر به الرسول ﷺ ، وإن ذهب يكابر ويعاند ليأتي بقرآن مثل ما جاء به محمد ﷺ وقع في العجز، وفضح نفسه لا محالة؛ لأن أصحاب الفصاحة والبلاغة قد عجزوا عن ذلك، ولا شك أن غيرهم أعجز عن هذا؛ لأن القرآن معجزة قائمة مستمرة خالدة (١).
وحينئذ يلزم جميع الخلق العمل بما فيه والتحاكم إليه.
وقد صرح القرآن الكريم بأن محمدا ﷺ رسول إلى جميع الناس، وخاتم النبيين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] (٢) وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] (٣) ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] (٤).
وهذا تصريح بعموم رسالته لكل من بلغه القرآن.
стр. 449
وصرح تعالى بشمول رسالة النبي ﷺ لأهل الكتاب، فقال: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠] (١) ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (٢) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٣). ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨] (٤).
وبلغ ﷺ الناس جميعا أنه خاتم الأنبياء، وأن رسالته عامة، قال ﷺ : «أعطيت خمس لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي "، وذكر منها: " وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة». . . الحديث (٥).
وقال ﷺ : «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا، فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذا اللبنة؟ " قال: " فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين» (٦). وعموم رسالته ﷺ لجميع الإنس والجن في كل زمان ومكان من بعثته إلى يوم القيامة، وكونها خاتمة الرسالات، يقضي ويدل دلالة قاطعة على أن النبوة قد انقطعت بانقطاع الوحي بعده، وأنه لا مصدر للتشريع والتعبد
стр. 450
إلا كتاب الله- تعالى- وسنة رسوله ﷺ ، وهذا يقتضي وجوب الإيمان بعموم رسالته، واتباع ما جاء به، فقد قال ﷺ : «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» (١).
وبعون الله - تعالى- ثم بهذه المسالك الثلاثة الآنفة الذكر- تقوم الحجة، وتثبت رسالة النبي ﷺ وعمومها وشمولها لجميع الثقلين: الإنس والجن، في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام: ١٠٤] (٢) ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] الآية (٣).
стр. 451
المبحث الرابع
حكمة القول مع المسلمين
توطئة.
المطلب الأول: الموعظة الحسنة وأنواعها.
المطلب الثاني: الترغيب والترهيب.
المطلب الثالث: حكمة القول التصويرية.
стр. 452
توطئة
إن من حكمة القول في الدعوة إلى الله - تعالى- أن يخاطب الناس على قدر عقولهم، وأحوالهم، وعقائدهم، وأوضاعهم، وليس من الحكمة أن يخاطب المسلم - في توجيهه وإرشاده وحثه على الالتزام والتمسك بدينه- كما يخاطب الملحد، أو الوثني، أو اليهودي، أو النصراني، أو غيرهم من الكفار.
ولا شك أن المسلمين ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول من المسلمين: وهم الذين ينقادون للحق ولا يعاندون، فهؤلاء يكفي في دعوتهم بالقول الحكيم أن يبين لهم الحق علما وعملا واعتقادا، وحينئذ ينقادون لذلك- بإذن الله تعالى-.
أما القسم الثاني من المسلمين: وهم الذين عندهم غفلة وشهوات وأهواء، وهم عصاة المسلمين، فهذا القسم تكون دعوتهم بالحكمة القولية حسب المطالب التالية:
المطلب الأول: الموعظة الحسنة وأنواعها.
المطلب الثاني: الترغيب والترهيب.
المطلب الثالث: حكمة القول التصويرية.
стр. 453
المطلب الأول الموعظة الحسنة وأنواعها
والموعظة: هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، والقول الحق الذي يلين القلوب، ويؤثر في النفوس، ويكبح جماح النفوس المتمردة، ويزيد النفوس المهذبة إيمانا وهداية (١) قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] (٢) وقال سبحانه: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧] (٣).
والداعية إلى الله -تعالى- ينبغي أن يكون وعظه للناس بالقول الحكيم على نوعين: تعليم، وتأديب.
النوع الأول: وعظ التعليم: وهذا النوع يكون ببيان عقائد التوحيد، وبيان الأحكام الشرعية الخمسة: من الواجب، والحرام، والمسنون، والمكروه، والمباح، ويراعي في ذلك كله ما يناسب كل طبقة، والحث على التمسك بها، والتحذير من التهاون فيها.
ومن تدبر أسلوب القرآن علم أن الأحكام ينبغي أن تساق إلى الناس مساق الوعظ الذي يلين القلوب، ويبعثها على العمل، ولا تسرد سردا خالية من وسائل التأثير، ومما يوضح ذلك قوله تعالى:
стр. 454
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ - نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢ - ٢٢٣] (١). .
فالأمر بتقوى الله بعد النهي عن إتيان النساء في المحيض، والأمر بإتيانهن في موضع الحرث، والأمر بالتقديم لأنفسنا تحذيرا من مخالفة هذا الهدي الإلهي، وقوله: واعلموا أنكم ملاقوه إنذار للذين يخالفون عن أمره بأنهم يلاقون جزاء مخالفتهم في الآخرة، ويحاسبون على أعمالهم. وقوله تعالى: وبشر المؤمنين تبشير للطائعين الذين يقفون عند الحدود، ويتبعون هدى الله- تعالى-، والمبشر به عام يشمل منافع الدنيا، ونعيم الآخرة، وحصول كل خير، واندفاع كل شر -رتب على الإيمان- داخل في هذه الآية.
ومما يزيد ذلك وضوحا وبيانا أن الله بعد أن ذكر أحكام الفرائض وتقسيم التركات ختم ذلك بقوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (٢).
وهذان مثالان يبينان أن الداعية إلى الله إذا سلك في هذا النوع طريقة القرآن الكريم فإنه سيجتذب الأسماع، ويأخذ بمجامع القلوب ويلينها، وحينئذ تستقبل العقائد والأحكام بإذن الله- للعمل والتطبيق برغبة واشتياق (٣). .
стр. 455
النوع الثاني: وعظ التأديب: وهذا يكون بتحديد الأخلاق الحسنة: كالحلم والأناة، والشجاعة، والوفاء، والصبر،. والكرم. . .، وبيان آثارها ومنافعها في المجتمع، والحث على التخلق بها والتزامها، وتعريف وتحديد الأخلاق السيئة. كالغضب، والعجلة، والغدر، والجزع، والجبن، والبخل. . . والتحذير عن الاتصاف بها من طريقي: الترغيب والترهيب.
وينبغي للداعية إلى الله أن يستشهد في كل من النوعين بما جاء فيه من الكتاب والسنة الثابتة عن النبي ﷺ ، وآثار الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، وأحوالهم في ذلك، فإن لهذا شأنا عظيما يوصل إلى الغاية المقصودة متى صدر من قلب سليم نقي متخلق بما يدعو إليه؛ لأن الموعظة في الغالب إذا صدرت من القلب وقعت في القلب، وإن خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان.
وإذا أراد الداعية أن تكون موعظته مؤثرة بليغة، فإن عليه الآتي:
١ - ينظر إلى المنكرات المنتشرة، ولا سيما ما كان منها قريب العهد، وحديثه على ألسنة الناس.
٢ - ثم يقدم من هذه المنكرات أكبرها ضررا، وأسوأها أثرا، فيجعلها محور خطابته، وموضع موعظته.
٣ - ثم يفكر فيما ينشأ عن هذا المنكر من الأضرار الخلقية، والاجتماعية، والصحية، والمالية.
٤ - ثم يستحضر ما جاء في ذلك من الآيات، والأحاديث الصحيحة، أو الحسنة، وأقوال الصحابة، والأبيات الشعرية الحكيمة.
٥ - ثم يأخذ في كتابة الموضوع إن شاء كتابته، ويضمنه ما فيه من تلك المضار، وما ورد فيه عن الشارع، محذرا من الوقوع فيه، حاثا على التوبة منه.
стр. 456
أما إذا أراد الحث على العمل الصالح النافع، فيتبع ما يلي:
١ - يفكر في مزاياه وآثاره الحسنة تفكيرا عميقا.
٢ - يستحضر ما يناسبه من الكتاب وصحيح السنة وآثار الصحابة.
٣ - ثم يسلك في الكتابة المسلك السابق.
فإذا كتب الموضوع، فإن شاء حفظه وألقاه، وإن شاء ذكر مضمونه، وذكر المضمون أحسن الأمرين، حتى لا يكون مقيدا بعبارة خاصة، ويتخير من العبارات ما تؤدي إلى المعاني التي حصل عليها ببحثه وتفكيره.
وإن شاء عدم الكتابة واكتفى برسم الموضوع في مخيلته وتسطيره في ذاكرته التي قواها بالمران والتجارب والممارسة كان ذلك أحسن وأكمل، وبتوفيق الله- ، ثم بإعداد الموضوع واستحضاره بأدلته تماما، وتقسيمه بحسب نقطه إلى أقسام، يكون الداعية في مأمن من الزلل بإذن الله تعالى.
وبعد ذلك ينبغي أن يراعي في حال التأدية والإلقاء استعداد السامعين، فينزل في العبارة مع العامة على قدر عقولهم متجنبا الألفاظ البعيدة عن أفهامهم، ويتوسط مع أوساط الناس، ويتأنق مع الخاصة، فيكون مع جميع الطبقات حكيما يضع الأشياء في مواضعها، وبكل حال عليه أن يختار المعاني النفيسة، وتنسيقها، وشرحها بالدقة، وإبلاغها أذهان السامعين، وإنفاذها في قلوبهم، ودفع السآمة والملل عنهم، بإيراد الشواهد عليه من الحكم النثرية والشعرية، والفكاهات الأدبية، بشرط التزام ظلال الكتاب والسنة، وبذلك يكون الداعية موفقا مؤثرا بإذن الله -تعالى-، إذا قصد إبلاغ الناس بإخلاص وصدق ورغبة فيما عند الله- تعالى- (١).
стр. 457
المطلب الثاني الترغيب والترهيب
من حكمة القول في أسلوب الدعوة إلى الله- تعالى- مع عصاة المسلمين وغيرهم أن يسلك الداعية في دعوته إلى الله مسلكي: الترغيب والترهيب؛ لأنه أسلوب له تأثيره في نفوس كثير من البشر؛ فإن الإنسان خبل على حب الخير، والرغبة في الحصول على كل محبوب، كما طبع على بغض الشر، وما يصيبه من بلاء في النفس، أو المال، أو الأهل، وحينئذ فغريزة حب الإنسان لنفسه تدفعه إلى أن يحقق لها كل خير، ويحميها من كل شر، سواء كان ذلك عاجلا أو آجلا؛ ولذلك فالترغيب والترهيب يفيض بهما بحرا الكتاب والسنة (١) قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا - وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء: ٩ - ١٠] (٢).
فالقرآن يهدي لأقوم الطرق، وأوضح السبل، ومن هدايته الترغيب بوعد الطائعين الحافظين لحدود الله- تعالى- بعظيم الخير، وتبشيرهم بحسن المثوبة، والترهيب بوعيد المخالفين الذين تعدوا حدود الله- تعالى- بشديد العذاب، وإنذارهم بسوء العاقبة، ومن المعلوم يقينا أن الوعد بالخير يعم خير الدنيا والآخرة وسعادتهما، والوعيد يشمل نقم الدنيا والآخرة وشقاءهما (٣).
وهذا يجعل الداعية إلى الله- تعالى- يهتم اهتماما بالغا بهذين الأسلوبين الحكيمين، وسأتناول ذلك- بإذن الله تعالى- بشيء من الإيضاح في المسلكين الآتيين:
стр. 458
المسلك الأول: الترغيب والتبشير .
المسلك الثاني: الترهيب والإنذار.
المسلك الأول: الترغيب والتبشير:
من الحكمة القولية في الدعوة إلى الله أن يذكر الداعية إلى الله من هذا المسلك ما يفيد في حمل الناس على التبشير عن ساعد الجد في طاعة الله - تعالى- لنيل السعادة في الدنيا والآخرة.
والترغيب قسمان:
القسم الأول: الترغيب في جنس الطاعات.
القسم الثاني: الترغيب في أنواع الطاعات.
القسم الأول: الترغيب في جنس الطاعات: وهذا القسم له أنواع وصور متعددة، أذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
النوع الأول: الترغيب بالوعد بالخير العاجل في الدنيا: عندما يتحقق الإيمان والاستقامة عليه بطاعة الله- تعالى- وتقواه تحصل السعادة والبركات العاجلة في الدنيا قبل الآخرة، وما في الآخرة أعظم، ومن صور هذه الخيرات ما يأتي:
١ - الترغيب بالوعد بالحياة الطيبة والسلامة من كل مكروه، قال تعالى ترغيبا في صالح العمل مع الإخلاص فيه والمتابعة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] (١).
стр. 459
٢ - الترغيب بالوعد بالاستخلاف في الأرض والتمكين: قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] (١).
٣ - الترغيب بالوعد بالإمداد بأنواع الخيرات والزيادة مع الشكر، قال تعالى عن نوح ﷺ : ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا - يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا - وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢] (٢) ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] (٣).
٤ - الترغيب بالمد في العمر إلى استيفاء الآجال، وعدم المعاجلة بالعقوبة: قال تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [إبراهيم: ١٠] (٤) فمن عبد الله واتقاه، وأطاع رسوله ﷺ ، وتاب من جميع المعاصي، غفر الله له ذنوبه، ومد في عمره، ودفع عنه الهلاك إلى حين استيفاء أجله (٥).
٥ - الترغيب بالوعد بأنواع التأييد والنصر والتوفيق: