Полный текст (711 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
والمواسم الدينية إلا ما كان ثابتا عن رسول الله ﷺ فإن الناس إنما أمروا أن يعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء فمن تعبد لله بما لم يشرعه الله فعمله مردود عليه لقول النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» وهو في نظر الشارع بدعة وكل بدعة ضلالة. وإن من جملة البدع ما ابتدعه بعض الناس في شهر ربيع الأول من بدعة عيد المولد النبوي، يجتمعون في الليلة الثانية عشرة منه في المساجد أو في البيوت فيصلون على النبي ﷺ بصلوات مبتدعة ويقرؤون مدائح للنبي ﷺ تخرج بهم إلى حد الغلو الذي نهى عنه النبي ﷺ وربما صنعوا مع ذلك طعاما يسهرون عليه فأضاعوا المال والزمان وأتعبوا الأبدان فيما لم يشرعه الله ولا رسوله ولا عمله الخلفاء الراشدون ولا الصحابة ولا المسلمون في القرون الثلاثة المفضلة ولا التابعون بإحسان ولو كان خيرا لسبقونا إليه ولو كان خيرا ما حرمه الله تعالى سلف هذه الأمة وفيهم الخلفاء الراشدون والأئمة وما كان الله تعالى ليحرم سلف هذه الأمة ذلك الخير لو كان خيرا ثم يأتي أناس من القرن الرابع الهجري فيحدثون تلك البدعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) : ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى وإما محبة للنبي ﷺ وتعظيما له من اتخاذ مولد النبي ﷺ عيدا مع اختلاف الناس في مولده فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له وعدم المانع ولو كان خيرا محضا أو راجحا كان السلف أحق به منا فإنهم كانوا أشد محبة للنبي ﷺ وتعظيما له منا وهم على الخير أحرص وإنما كانت محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته ظاهرا وباطنا ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حرصاء على هذه البدع تجدهم فاترين في أمر الرسول ﷺ مما أمروا بالنشاط فيه وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه أو يقرأ فيه ولا يتبعه اهـ كلامه رحمه الله تعالى. أيها المسلمون إن بدعة عيد المولد التي تقام في شهر ربيع الأول في الليلة الثانية عشرة منه ليس لها أساس من التاريخ لأنه لم يثبت أن ولادة النبي ﷺ كانت تلك الليلة وقد اضطربت أقوال المؤرخين في ذلك فبعضهم زعم أن ولادته في اليوم الثاني من الشهر وبعضهم في الثامن
стр. 37
وبعضهم في التاسع وبعضهم في العاشر وبعضهم في الثاني عشر وبعضهم في السابع عشر وبعضهم في الثاني والعشرين فهذه أقوال سبعة ليس لبعضها ما يدل على رجحانه على الآخر فيبقى تعيين مولده ﷺ من الشهر مجهولا إلا أن بعض المعاصرين حقق أنه كان في اليوم التاسع. وإذا لم يكن لبدعة عيد مولد النبي ﷺ أساس من التاريخ فليس لها أساس من الدين أيضا فإن النبي ﷺ لم يفعلها ولم يأمر بها ولم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وقد قال النبي ﷺ «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» . وكان يقول في خطبة الجمعة: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» . والأعياد والمواسم الدينية التي يقصد بها التقرب إلى الله تعالى بتعظيمه وتعظيم نبيه ﷺ هي من العبادات فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى ورسوله ولا يتعبد أحد بشيء منها إلا ما جاء عن الله ورسوله. وفيما شرعه الله تعالى من تعظيم رسوله ﷺ ووسائل محبته ما يغني عن كل وسيلة تبتدع وتحدث. فاتقوا الله عباد الله واستغنوا بما شرعه عما لم يشرعه وبما سنة رسول الله ﷺ عما لم يسنه.
أيها المسلمون إننا لم نتكلم عن هذه البدعة لأنها موجودة في بلادنا فإنها ولله الحمد لم تعرفها ولا تعمل بها اقتداء برسول الله ﷺ وأصحابه ولكن لما كان الكثير قد يسمع عنها في الإذاعات أردنا أن نبين أصلها وحكمها حتى يكون المسلمون على بصيرة منها وأن يأخذوا من دينهم باللب دون القشور التي لا أصل لها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 38
[الخطبة الثانية في بعثة النبي ﷺ وهجرته ووفاته]
الخطبة الثانية
في بعثة النبي ﷺ
وهجرته ووفاته الحمد لله الذي أرسل رسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما مزيدا.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى واحمدوا ربكم على ما أنعم به عليكم من بعثة هذا النبي الكريم الذي أخرجكم الله به من الظلمات إلى النور وهداكم به من الضلالة وبصركم به من العمى وأرشدكم به من الغي فلله الحمد رب العالمين.
لقد بعثه الله تعالى على حين فترة من الرسل على رأس الأربعين من عمره فجاءه الوحي وهو يتعبد في غار حراء وهو الغار الذي في أعلى الجبل المسمى جبل النور شرقي شمال مكة على يمين الداخل إليها فأول ما نزل عليه قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] ثم ذهبت به خديجة إلى ورقة بن نوفل وكان ورقة قد دخل في دين النصارى وعرف الكتاب فأخبره النبي ﷺ بما حصل له من الوحي فقال ورقة يا ليتني فيها جذعا يا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال النبي ﷺ : أومخرجي هم. استبعد ﷺ أن يخرجه قومه من بلاده فقال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم أنزل الله تعالى على رسوله بعد أن فتر الوحي مدة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥] فقام ﷺ بأمر ربه فبشر وأنذر وكان أول من أجابه من غير أهل بيته أبو بكر ﵁ وكان صديقا له قبل النبوة فلما دعاه ﷺ بادر إلى التصديق به وقال بأبي وأمي أهل الصدق أنت أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصار من دعاة الإسلام حينئذ فأسلم على يديه عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله ﵃ ومكث ﷺ يدعو الناس
стр. 39
سرا حتى نزل قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] فصدع بأمر الله تعالى وجهر بدعوته فجعلت قريش تسخر به وتستهزئ به ويؤذونه بالقول وبالفعل وكان من أشد الناس إيذاء له وسخرية به عمه أبو لهب الذي قال الله فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] إلى آخر السورة حتى بلغ من إيذائهم له أن ألقوا عليه فرث الناقة وسلاها وهو ساجد فلم يقدر أحد على رفعه عنه فلم يزل ساجدا حتى جاءت ابنته فاطمة فألقته فلما رأى ﷺ استهانة قريش به وشدة إيذائهم له ولأصحابه خرج إلى أهل الطائف يدعوهم فقابل رؤساءهم وعرض عليهم فردوا عليه ردا قبيحا وأرسلوا غلمانهم وسفهاءهم يقفون في وجهه ويرمونه بالحجارة حتى أدموا عقبه ﷺ فرجع عنهم ومد يد الافتقار إلى ربه فدعا بدعاء الطائف المشهور: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو أن ينزل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك» ثم قيض الله له الأنصار فبايعوه على عبادة الله وحده لا شريك له وأن يمنعوه إذا قدم عليهم مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم فأذن الله لرسوله بالهجرة إليهم فهاجر في شهر ربيع الأول بعد ثلاث عشرة سنة من مبعثه وكان بصحبته أبو بكر فاختفيا في غار ثور ثلاثة أيام والمشركون يطلبونهم من كل وجه حتى كانوا يقفون على الغار الذي فيه رسول الله ﷺ وأبو بكر فيقول أبو بكر يا رسول الله والله لو نظر أحدهم إلى قدمه لأبصرنا فيقول رسول الله ﷺ : «لا تحزن إن الله معنا ما ظنك باثنين الله ثالثهما» فلما سمع بذلك الأنصار جعلوا يخرجون كل يوم إلى حرة المدينة يستقبلون رسول الله ﷺ حتى يردهم حر الظهيرة فكان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ إليهم هو أنور يوم وأشرفه فاجتمعوا إلى رسول الله ﷺ محيطين به متقلدين سيوفهم وخرج النساء والصبيان وكل واحد يأخذ بزمام ناقة رسول الله ﷺ يريد أن
стр. 40
يكون نزوله عنده وهو يقول دعوها فإنها مأمورة حتى إذا أتت محل مسجده اليوم بركت فيذكر أنه ﷺ لم ينزل فقامت فسارت غير بعيد ثم رجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه ثم تحللت ورزمت ووضعت جرانها فنزل عنها رسول الله ﷺ وسكن دار أبي أيوب الأنصاري حتى بنى مسجده ومساكنه ثم بعد ذلك أذن الله له بقتال أعدائه الذين كانوا يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون فأظهره الله عليهم وأيده بنصره وبالمؤمنين ولما أكمل الله به الدين وأتم به النعمة على المؤمنين اختاره الله لجواره واللحاق بالرفيق الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فابتدأ به المرض في آخر شهر صفر وأول شهر ربيع الأول فخرج إلى الناس عاصبا رأسه فصعد المنبر فتشهد وكان أول ما تكلم به بعد ذلك أن استغفر للشهداء الذين قتلوا في أحد ثم قال: «إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله» ففهمها أبو بكر ﵁ فبكى وقال: بأبي وأمي نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأبنائنا وأنفسنا وأموالنا فقال النبي ﷺ : «على رسلك يا أبا بكر ثم قال: إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر ولكن خلة الإسلام ومودته وأمر أبا بكر أن يصلي بالناس» ولما كان يوم الثاني عشر أو الثالث عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة اختاره الله تعالى لجواره فلما نزل به جعل يدخل يده في ماء عنده ويمسح به وجهه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت سكرات ثم شخص بصره نحو السماء وقال: اللهم في الرفيق الأعلى فتوفي يوم الاثنين فاضطرب الناس عند ذلك وحق لهم أن يضطربوا حتى جاء أبو بكر ﵁ فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال «أما بعد فإن من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم قرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] » فاشتد بكاء الناس وعرفوا أنه قد مات فغسل النبي ﷺ في ثيابه تكريما له ثم كفن وصلى الناس عليه أرسالا بدون إمام ثم دفن ليلة الأربعاء صلوات الله وسلامه عليه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
стр. 41
: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ - وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤ - ١٤٥]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 42
[الخطبة الثالثة في ذكر شيء من آيات النبي ﷺ ]
الخطبة الثالثة
في ذكر شيء من آيات النبي ﷺ الحمد لله الذي أيد رسوله محمدا ﷺ بالآيات البينات واختصه بالفضائل الكثيرة والكرامات وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الألوهية والربوبية والأسماء والصفات وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى على جميع المخلوقات المبعوث رحمة للعالمين وقدوة للسالكين إلى رب الأرض والسماوات صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان في الأقوال والأعمال والاعتقادات وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى واعرفوا ما أيد الله به نبيكم ﷺ من الآيات والمعجزات فإن الله أعطاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر وأبلغ ما أوتيه ﷺ هذا القرآن العظيم ففيه عبرة لمن اعتبر، فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وفصل ما بينكم اشتمل على ذكر أخبار الأولين والآخرين وعلى الفصاحة والبلاغة اللتين عجزت عنهما مدارك الجن والإنس السابقين منهم واللاحقين: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] أي معاونا ألا وإن من أعظم آياته سيرته في عبادته ومعاملاته وأخلاقه كان ﷺ أتقى الناس لله تعالى وأجود الناس وأشجعهم وأصبرهم وأحسنهم مجالسة وألطفهم مكالمة وألينهم جانبا وأبلغهم في جميع صفات الكمال ألا وإن من آياته ﷺ انشقاق هذا القمر فرقتين كل فرقة منهما على جبل حين طلب أهل مكة من النبي ﷺ آية ألا وإن من آياته ﷺ إجابة دعائه في استسقائه واستصحائه وغير ذلك ففي صحيح البخاري عن أنس ﵁ قال: «بينما النبي ﷺ يخطب في يوم الجمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة يعني قطعة غيم فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته حتى الجمعة الأخرى فقام ذلك الأعرابي أو قال غيره فقال: يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال فادع الله لنا فرفع يديه فقال: " اللهم حوالينا ولا علينا" فما يشير إلى ناحية من السماء إلا انفرجت وصارت المدينة
стр. 43
في مثل الجوبة» يعني أن ما فوقها صحو وما على جوانبها ليس بصحو وإنما يمطر ومن آياته ﷺ أنه حضرت الصلاة ذات يوم وهو في أصحابه وليس عندهم ما يتوضئون به فجيء بقدح فيه ماء يسير فأخذه نبي الله ﷺ فتوضأ منه ثم مد أصابعه الأربع على القدح فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى توضأ القوم أجمعون وكانوا ثمانين رجلا. وأتى بإناء فيه ماء يسير لا يغطي أصابعه فوضع يده فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ القوم أجمعون وكانوا ثلثمائة رجل ومن آياته ﷺ أنه أراد ذات يوم أن يقضي حاجته فنظر فلم ير شيئا يستتر به فإذا بشجرتين بشاطئ الوادي فانطلق إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال: انقادي علي بإذن الله فانقادت عليه كالبعير الذي يصانع قائده ثم فعل بالأخرى مثلها ثم جمعهما فقال التئما علي بإذن الله فالتأمتا عليه فلما فرغ رسول الله ﷺ افترقتا وقامت كل واحدة منهما على ساق وقال له جبريل: أتحب أن أريك آية قال نعم فنظر إلى شجرة من وراء الوادي فقال: ادع تلك الشجرة فدعاها فجاءت تمشي حتى وقفت بين يديه فقال جبريل: مرها فلترجع فأمرها فرجعت إلى مكانها «وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال كنت مع النبي ﷺ بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله جبل ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله» ، «وجاء قوم إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إن لنا بعيرا قد ند في حائط فجاء رسول الله ﷺ إلى البعير فقال تعال فجاء البعير مطأطئا رأسه حتى خطمه وأعطاه أصحابه فقال أبو بكر: يا رسول الله كأنه علم أنك نبي فقال رسول الله ﷺ : " ما بين لابتيها أحد لا يعلم أني نبي الله إلا كفرة الجن والإنس» . وآياته الدالة على أنه رسول الله كثيرة جدا. فسبحان من أيد هذا النبي بأنواع الآيات البينات ورفع له ذكره بين جميع المخلوقات اللهم فأحينا على سنته وتوفنا على ملته وأوردنا حوضه واسقنا منه إنك جواد كريم رؤوف رحيم.
стр. 44
[الخطبة الرابعة في ذكر شيء من آيات الرسل الكرام]
الخطبة الرابعة
في ذكر شيء من آيات الرسل الكرام الحمد لله الذي له ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له نعم المولى ونعم النصير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المعاد والمصير وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن الله تعالى له تمام الملك وكمال الحمد فمن تمام ملكه وكماله أنه لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض وأنه ما من شيء في السماوات والأرض إلا وهو خالقه ومالكه ومدبره ومن تمام حمده وكماله أنه لم يقدر شيئا ولم يشرع مشروعا إلا لحكمة وعلى وفق الحكمة ومن ذلك ما يقدره الله تعالى من الآيات الدالة على صدق الرسل تأييدا لهم وإقامة للحجة على أممهم فهذه النار الحارة المهلكة كانت بردا وسلاما على إبراهيم نبي الله وخليله ﵊ حين ألقاه فيها كفار قومه قال ابن عباس ﵄ لولا أن الله قال وسلاما لآذى إبراهيم بردها وهذا نبي الله موسى ﷺ ضرب بعصاه البحر فانفلق اثني عشر طريقا حتى ظهرت أرض البحر يبسا وكان الماء السائل من بين هذه الطرق كالجبال راكدا لا يسيل ولما استسقى لقومه أمر أن يضرب بعصاه الحجر فتفجر الحجر عيونا اثنتي عشرة عينا وكان يضع عصاه فتنقلب حية تسعى فإذا أخذه رجع على حاله الأولى وهذا عيسى ابن مريم ﷺ كان يحيي الموتى بإذن الله فيأتي إلى القبر فيدعو صاحبه فيخرج بإذن الله وكان يخلق من الطين على صورة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا يطير بإذن الله وهذا رسول الله وخليله محمد ﷺ جرى له من الآيات الدالة على صدقه شيء كثير فمن ذلك أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما ثبت ذلك بطرق متواترة قطعية واتفق عليه العلماء والأئمة وكان إذا قحط المطر يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب قال أنس ﵁ «رفع النبي ﷺ يديه يستسقي وما رأينا في السماء قزعة فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار سحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته قال: فمطرنا إلى الجمعة الأخرى فقام ذلك
стр. 45
الأعرابي أو غيره فقال: يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال فادع الله لنا فرفع رسول الله ﷺ يديه وقال: " اللهم حوالينا ولا علينا " فما يشير بيده إلى ناحية من السماء إلا انفرجت حتى صارت المدينة في مثل الإكليل والمطر حولها يمينا وشمالا» وعطش الناس يوم الحديبية وبين يدي النبي ﷺ ركوة (الركوة إناء من جلد يشرب منه الماء) يتوضأ منها فجهش الناس نحوه فقال ما لكم قالوا ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا قيل لجابر كم كنتم قال لو كنا مئة ألف لكفانا كنا ألفا وخمسمائة أو قال ألفا وأربعمائة وكان المسلمون في سفر مع نبيهم ﷺ فاحتاجوا إلى الطعام فدعا ببقايا طعام كانت معهم فدعا الله فيها بالبركة ثم أمرهم أن يأتوا بأوعيتهم فجاؤوا بها فملأها وفضل فضل كثير فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أني عبد الله ورسوله ومن لقي الله بهما غير شاك دخل الجنة وكان له ﷺ جذع نخلة يسند ظهره إليه يوم الجمعة فلما صنع له المنبر وخطب عليه جعل الجذع يئن كما يئن الصبي حتى نزل النبي ﷺ فسكنه كما يسكن الصبي حتى سكن. ولله تعالى من الآيات وخوارق العادات ما يشهد بتمام ملكه وقدرته وما هو أعظم برهان على علمه وحكمته قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 46
[الخطبة الخامسة في بيان شيء من أخلاق النبي ﷺ ]
الخطبة الخامسة
في بيان شيء من أخلاق النبي ﷺ الحمد لله ذي الفضل والإحسان والكرم والامتنان اصطفى نبينا محمد اصلى الله عليه وسلم على جميع بني الإنسان وأدبه فأحسن تأديبه فكان خلقه القرآن وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الألوهية والربوبية والأسماء والصفات الحسان وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بمكارم الأخلاق وأتم الأديان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والذين اتبعوهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى واعرفوا أخلاق نبيكم المصطفى فإنها مشتملة على القيام بحق الله وحقوق عباده وبها الحياة السعيدة والغايات الحميدة كان ﷺ قائما بشكر ربه منيبا إليه كثير التوبة والاستغفار «فلقد قام يصلي حتى تورمت قدماه فقيل يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال أفلا أكون عبدا شكورا» ، «وقد خير بين أن يكون عبدا نبيا أو ملكا نبيا فقال لا بل أكون عبدا نبيا» وقال ﷺ «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» وكان أشد الناس خوفا من الله «فكان إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه فقالت عائشة يا رسول الله الناس يفرحون رجاء المطر وأنت تعرف الكراهية في وجهك فقال: يا عائشة وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب قد عذب قوم بالريح» وكان مع ذلك أعظم الناس شجاعة وأشدهم بأسا «فلقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت فتلقاهم النبي ﷺ راجعا وقد سبقهم إلى الصوت واستبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عري في عنقه السيف وهو يقول: لم تراعوا» وكان ﷺ حليما رفيقا «أدركه أعرابي فجذبه جذبا شديدا وكان عليه برد غليظ الحاشية فأثرت حاشيته في عاتق رسول الله ﷺ من شدة جذب الأعرابي فقال يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه رسول الله ﷺ فضحك ثم أمر له بعطاء» وخدمه أنس بن مالك ﵁ عشر سنين في الحضر والسفر فما قال له أف قط ولا قال لشيء صنعه لم صنعته ولا لشيء تركه لم تركته وما ضرب رسول الله ﷺ بيده شيئا قط لا امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد
стр. 47
في سبيل الله وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله وكان أحسن الناس خلقا فلم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا سبابا ولا لعانا وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فيكون أبعد الناس عنه وكان أجود الناس فما سئل على الإسلام شيئا إلا أعطاه فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة وكان أزهد الناس في الدنيا فقد خير بين أن يعيش في الدنيا ما شاء الله أن يعيش وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه وكان يلتوي من الجوع ما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه ومات ولم يخلف دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا إلا سلاحه وبغلته ودرعه مرهونة عند يهودي بشعير ابتاعه لأهله وكان بيده عقار ينفق على أهله منه والباقي يصرفه في مصالح المسلمين وكان يرقع ثوبه ويخصف نعله ويكون في مهنة أهله ويمشي مع الأرامل والمساكين ويجيب دعوتهم ويقضي حاجتهم ويسلم على الصبيان إذا مر عليهم وكان يمزح ولا يقول إلا حقا وكان طويل الصمت قليل الضحك كثير التبسم وكان دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ وكان محترما مفخما إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير وإذا سكت تكلموا وكان أشد حياء وأفصحهم لسانا وأبلغهم بيانا صلى ذات يوم الفجر فصعد المنبر فخطب الناس حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ثم صعد المنبر حتى حضرت العصر فنزل فصلى ثم صعد المنبر حتى غربت الشمس فأخبرهم بما كان وما هو كائن. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ - مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ - وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ - وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ١ - ٤] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 48
[الفرع الرابع غزوات النبي ﷺ ]
[الخطبة الأولى غزوة أحد]
الفرع الرابع
غزوات النبي ﷺ الخطبة الأولى
غزوة أحد الحمد لله له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي جاهد في الله تعالى من غير توان ولا تقصير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين اتبعوه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم يرجعون وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعرفوا ما أبلاه سلف هذه الأمة من بلاء حسن في نصرة هذا الدين وما صبروا عليه من الشدائد في إعلاء كلمة رب العالمين فإنهم جاهدوا في سبيل الله لم يجاهدوا لعصبية ولا لوطنية ولا لفخر وخيلاء وفي شهر شوال من السنة الثالثة من الهجرة كانت غزوة أحد وهو الجبل الذي حول المدينة والذي قال فيه ﷺ : أحد جبل يحبنا ونحبه وذلك أن المشركين لما أصيبوا بفادحتهم الكبرى يوم بدر خرجوا ليأخذوا بالثأر من النبي ﷺ وأصحابه في ثلاثة آلاف رجل ومعهم مائتا فرس مجنبة فلما علم بهم رسول الله ﷺ استشار أصحابه في الخروج إليهم فخرج بنحو ألف رجل فلما كانوا في أثناء الطريق انخزل عبد الله بن أبي رأس المنافقين بمن اتبعه من أهل النفاق والريب وقالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم فتعبأ رسول الله ﷺ للقتال في سبعمائة رجل فقط ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير ﵁ وأمر على الرماة عبد الله بن جبير وقال: انضحوا عنا الخيل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبتوا مكانكم فأنزل الله نصره على المؤمنين وصدقهم وعده فكشفوا المشركين عن المعسكر وكانت الهزيمة لا شك فيها ولكن الله قضى وحكم ولا معقب لحكمه وهو السميع العليم فإن الرماة لما رأوا هزيمة الكفار ظنوا أنهم لا رجعة لهم فتركوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله ﷺ بلزومه فكر فرسان من المشركين ودخلوا من ثغر الرماة ففاجئوا المسلمين من خلفهم واختلطوا بهم حتى وصلوا إلى النبي ﷺ فجرحوا وجهه وكسروا رباعيته
стр. 49
اليمنى السفلى وهشموا البيضة بيضة السلاح على رأسه ونشبت حلقتان من حلق المغفر في وجهه فعض عليهما أبو عبيدة فنزعهما وسقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجه النبي ﷺ ونادى الشيطان بأعلى صوته أن محمدا قد قتل فوقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين وفر أكثرهم فبقي النبي ﷺ في سبعة من الأنصار ورجلين من المهاجرين فقال النبي ﷺ : «من يردهم عنا وله الجنة» فتقدم الأنصار واحدا واحدا حتى قتلوا وترس أبو دجانة في ظهره على النبي ﷺ والنبل يقع فيه وهو لا يتحرك واستشهد في هذه الغزوة سبعون رجلا من أصحاب النبي ﷺ منهم أسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﷺ وسيد الشهداء ومنهم عبد الله بن جحش دفن هو وحمزة في قبر واحد ومنهم مصعب بن عمير ﵁ صاحب اللواء ومنهم سعد بن الربيع ﵁ بعث إليه النبي ﷺ زيد بن ثابت يقرئه السلام فوجده في آخر رمق وفيه سبعون ضربة فقال له: إن رسول الله ﷺ يقرأ عليك السلام ويقول كيف تجدك قال: وعلى رسول الله ﷺ السلام قل له أجد ريح الجنة وقل لقومي الأنصار لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله ﷺ وفيكم عين تطرف ثم فاضت نفسه ﵁ ومر أنس بن النضر بقوم من المسلمين قد ألقوا بأيديهم فقال ما تنتظرون قالوا: قتل رسول الله ﷺ فقال ما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه ثم لقي سعد بن معاذ فقال يا سعد إني لأجد ريح الجنة من دون أحد فقاتل حتى قتل ووجد به نحوا من سبعين ضربة فلما انقضت الحرب أشرف أبو سفيان وكان رئيس المشركين يومئذ ثم أسلم بعد أشرف على الجبل يسأل عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر فلم يجيبوه إهانة له واحتقارا قال أبو سفيان لأصحابه أما هؤلاء فقد كفيتموهم فلم يملك عمر نفسه أن قال: كذبت يا عدو الله إن الذين ذكرتهم أحياء وقد أبقى الله لك ما يسوءك ثم قال أبو سفيان مفتخرا بصنمه اعل هبل فقال النبي ﷺ : «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم» ثم انصرف أبو سفيان بأصحابه فلما كانوا في أثناء الطريق تلاوموا فيما بينهم ليرجعوا إلى النبي
стр. 50
صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيستأصلونهم فبلغ النبي ﷺ فنادى في الناس ليخرجوا إلى عدوهم وقال: «لا يخرج معنا إلا من شهد القتال في أحد» فاستجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح والبلاء المبين حتى بلغوا حمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة فأنزل الله فيهم: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ - فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤]
رزقني الله وإياكم محبة النبي ﷺ وأصحابه وأتباعهم ظاهرا وباطنا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . الخ.
стр. 51
[الخطبة الثانية في غزوة الخندق]
الخطبة الثانية
في غزوة الخندق الحمد لله الذي أرسل رسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده وكان الله قويا عزيزا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى واعرفوا نعمة الله عليكم بما أمد به رسوله ﷺ وأصحابه من النصر العزيز والفتح المبين وهذه سنة الله التي لا تبديل لها فمن ينصر الله ينصره إن الله لقوي عزيز. أيها المسلمون في هذا الشهر أعني شهر شوال من السنة الخامسة من الهجرة كانت وقعة الخندق التي اجتمع فيها أحزاب الشيطان على أولياء الرحمن وذلك أن يهود بني النضير حين أجلاهم النبي ﷺ من المدينة أرادوا أن يأخذوا بالثأر من رسول الله ﷺ فذهب جمع منهم إلى قريش وغطفان وحرضوهم على حرب النبي ﷺ فتحزب الأحزاب لقتال رسول الله ﷺ فخرجت قريش بأربعة آلاف مقاتل وخرجت غطفان ومعهم ألف فارس وخرجت بنو مرة وهم أربعمائة وخرجت بنو أشجع وبنو سليم في نحو سبعمائة مقاتل وخرجت بنو أسد وكان عدد الأحزاب عشرة آلاف مقاتل فلما سمع بهم النبي ﷺ استشار أصحابه أيخرج إليهم أم يبقى في المدينة فأشار عليه سلمان الفارسي أن يحفر خندقا على المدينة يمنع العدو عنها فأمر ﷺ بحفره شمالي المدينة من حرتها الشرقية إلى حرتها الغربية وشاركهم في حفره وكان المسلمون ثلاثة آلاف رجل وقد لحقهم من الجهد والجوع ما وصفه جابر بن عبد الله ﵁ قال: كنا نحفر يوم الخندق فعرضت كدية شديدة فجاؤوا إلى النبي ﷺ فقالوا يا رسول الله: هذه كدية عرضت في الخندق فقام وبطنه من الجوع معصوب بحجر فلبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا فأخذ النبي ﷺ المعول فضربه فكان كثيبا مهيلا قال جابر فاستأذنت النبي ﷺ فأتيت أهلي وقلت لامرأتي لقد رأيت بالنبي ﷺ شيئا ما كان عليه من صبر فهل عندك من شيء قالت صاع شعير وعناق وهي الصغيرة من المعز فذبحتها وطحنت الشعير
стр. 52
فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله طعيم لي فقم أنت ورجل أو رجلان معك فقال: ما هو فقلت: شعير وعناق فقال كثير طيب ثم دعا النبي ﷺ المهاجرين والأنصار وقال ادخلوا ولا تزاحموا فجعل يكسر من هذا الخبز ويجعل عليه من اللحم وكلما أخرج شيئا من اللحم غطى القدر ومن الخبز غطى التنور فما زال كذلك حتى شبع المهاجرون والأنصار وبقيت بقية واشتدت الحال بالمسلمين وكان مما زاد الأمر أن يهود بني قريظة وكانوا شرقي المدينة نقضوا العهد الذي بينهم وبين النبي ﷺ فضاق الأمر بالمسلمين كما قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] يعني الأحزاب ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] يعني بني قريظة ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا - هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١١] وانقسم الناس إلى قسمين فالمنافقون والذين في قلوبهم مرض قالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا والمؤمنون قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما، ومكث الأحزاب محاصرين للنبي ﷺ قريبا من شهر فدعا النبي ﷺ عليهم فأرسل الله عليهم ريحا شديدة قوية أسقطت خيامهم وأطفأت نيرانهم وزلزلت بهم وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩] وبعد تفرق الأحزاب توجه النبي ﷺ إلى بني قريظة الذين نقضوا عهده فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتى طال عليهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب فلما اشتدت بهم الحال طلبوا من النبي ﷺ أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁ وكان سيد الأوس الذين هم حلفاء بني قريظة في الجاهلية وكان سعد ﵁ قد أصيب بسهم يوم الخندق في أكحله فدعا الله تعالى أن لا يميته حتى يقر عينه من بني قريظة الذين نقضوا العهد فاستجاب الله دعاءه فطلبه النبي ﷺ من المدينة ليحكم في بني قريظة فلما أقبل قال ﵁ لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم فلما جلس إلى النبي ﷺ قال له النبي ﷺ «إن هؤلاء وأشار إلى اليهود قد نزلوا على حكمك فاحكم فيهم بما شئت، قال وحكمي نافذ عليهم قال نعم قال وعلى من ها هنا وأشار
стр. 53
إلى الجانب الذي فيه رسول الله ﷺ قال نعم قال إني أحكم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذريتهم وأموالهم فقال النبي ﷺ لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» . ثم أمر رسول الله ﷺ بالإخدود فخدت فجيء باليهود مكتفين فضربت أعناقهم وكانوا ما بين السبعمائة إلى الثمانمائة رجل وسبيت ذريتهم ونساؤهم وأموالهم وهكذا انتهت هذه الغزوة العظيمة بهذا النصر العزيز بعد أن لحق المسلمين ما لحقهم من المشقة والبلاء فكانت العاقبة لهم لأنهم يقاتلون لله وبالله لا يقاتلون رياء ولا سمعة ولا عصبية ولا يقاتلون بإعجاب بأنفسهم واعتماد على قوتهم دون الله وإنما يقاتلون دفاعا عن الحق وإذلالا للباطل وإعلاء لكلمة الله وصيانة لدين الله فكان الله معهم يتولاهم بولايته ويعزهم بنصره وهو نعم المولى ونعم النصير وكانت النتيجة كما قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا - وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا - وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥ - ٢٧]
أقول قولي هذا وأسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويجمع المسلمين على الحق وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 54
[الخطبة الثالثة في غزوة خيبر]
الخطبة الثالثة
في غزوة خيبر الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق فأظهره على الباطل أيده الله بنصره وبالمؤمنين فكانوا متآلفين متحابين مجتمعين يجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحليم الكريم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله عليه أفضل الصلاة والتسليم.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، عباد الله لم يزل اليهود في عداء الإسلام متمردين يريدون القضاء عليه وعلى أهله حسدا وبغيا واعتداء والله لا يحب المعتدين فلقد كانت لهم مواقف عدائية مع النبي ﷺ يعرفها من قرأ سيرة النبي ﷺ وتاريخ حياته كانوا من أعظم الناس تهييجا للأحزاب على رسول الله ﷺ ولكن الدائرة ولله الحمد تكون عليهم في جميع مواقفهم مع النبي ﷺ وفي شهر المحرم من السنة السابعة أمر النبي ﷺ بالتجهز لغزوهم في خيبر وكانت خيبر حصونا لهم زراعية ثمانية حصون أو خمسة تبعد عن المدينة نحو مئة ميل من الشمال الغربي فحاصر النبي ﷺ أول حصن من حصونهم فمكث عليه ستة أيام لم يصنع شيئا وفي الليلة السابعة ظفر عمر بن الخطاب ﵁ بيهودي خارج من الحصن فأتى به إلى رسول الله ﷺ فلما أدركه الرعب قال إن أمنتموني أدلكم على أمر فيه نجاحكم فقال إن أهل هذا الحصن أدركهم التعب والملل وهم يبعثون بأولادهم إلى الحصن الذي وراءه وسيخرجون لقتالكم غدا فقال النبي ﷺ «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله علي يديه» فلما أصبح سأل عن علي بن أبي طالب فقيل إنه يشتكي عينيه فدعا به فبصق في عينيه فشفاهما الله في الحال كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فحمل المسلمون على اليهود حتى فتح الحصن ومازال المسلمون يفتحونها حصنا حصنا حتى أتم الله فتحها ولله الحمد وأذل اليهود ونصر المسلمين عليهم وغنموا منهم مغانم كثيرة وملكوا أرضهم ولكنهم طلبوا من النبي ﷺ أن يبقوا فيها يعمرونها ويزرعونها على النصف فأقرهم النبي ﷺ وقال نقركم ما شئنا فلما كان زمن عمر أجلاهم عمر ﵁ إلى تيما وأريحا وكان من أسباب إجلاء
стр. 55
عمر إياهم أنهم حرضوا عبدا على قتل أحد الأنصار وكان قد بات بخبير وأنهم فدعوا يدي عبد الله بن عمر ورجليه ثم إن المسلمين استغنوا عن بقائهم بخيبر وكان الشرط الذي بينهم وبين النبي ﷺ أنا نقرهم ما شئنا فلما حصل منهم العدوان واستغنى عنهم المسلمون أجلاهم عمر سنة عشرين من الهجرة إلى تيما وأريحا. وفي هذه الغزوة «أهدت امرأة يهودية إلى رسول الله ﷺ شاة مسمومة فأكل منها هو وبعض أصحابه لكنه ﷺ مضغها ولم يسغها ولفظها ثم دعا بالمرأة فقال ما حملك على ذلك قالت أردت إن كنت تريد الملك أن نستريح منك وإن كنت نبيا فستخبر بها» قال أنس فما زلت أعرفها في لهوات النبي ﷺ «وقالت عائشة ﵂ كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة ما زلت أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر» فهذا تاريخ اليهود مع الإسلام وأهله قاتلهم الله وأذلهم وقلبهم على أعقابهم خائبين إنه جواد كريم قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩]
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.
стр. 56
[الفرع الخامس في أشراط الساعة]
[الخطبة الأولى في الدجال ونزول عيسى بن مريم]
الفرع الخامس
في أشراط الساعة الخطبة الأولى
في الدجال ونزول عيسى بن مريم الحمد لله الذي يسر لنا الأسباب المانعة من الضلال والافتتان ووضح لنا الفتن وبين لنا الأسباب التي نتحصن بها أعظم بيان واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك المنان وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى من بني عدنان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة مستمرة باستمرار الزمان وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى واعلموا أن ما أخبر به النبي ﷺ من أشراط الساعة وأماراتها حق يجب اعتقاده وقد ذكر للساعة أشراطا كثيرة منها ما مضى ومنها ما هو حاضر ومنها ما هو مستقبل وأبلغ ما يكون من أشراطها وأعظمه فتنة هي فتنة المسيح الدجال فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال وأنه ما من نبي إلا وقد أنذر به أمته وأنه يجيء معه بمثل الجنة والنار فالتي يقول إنها جنة نار تحرق والتي يقول إنها نار ماء عذب طيب فمن أدرك ذلك منكم فليقع فيه» وقال ﷺ «إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم إنه شاب قطط أعور العين اليسرى مكتوب على عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب فمن أدركه منكم فليقرأ عليه بفواتح سورة الكهف فإنها جواركم من فتنته إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينا وعاث شمالا يا عباد الله فاثبتوا قلنا يا رسول الله وما لبثه في الأرض قال أربعون يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم قلنا يا رسول الله فاليوم الذي كسنة يكفينا فيه صلاة واحدة قال لا اقدروا له قدره وأما إسراعه في الأرض فكالغيث استدبرته الريح يأتي على القوم يدعوهم فيؤمنون به فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت ويدعو قوما آخرين فيردون دعوته فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين يمر بالخربة فيأمرها فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ويؤتى برجل فيقول أيها الناس هذا الدجال الذي ذكر رسول الله ﷺ فيأمر به الدجال فيوسع ظهره وبطنه ضربا ثم يقول أوما تؤمن بي فيقول أنت المسيح الكذاب فيؤمر به فيوشر بالميشار من مفرقه حتى رجليه ثم يمشي الدجال بين القطعتين ثم يقول له قم فيستوي
стр. 57
قائما ثم يقول أتؤمن بي فيقول ما ازددت فيك إلا بصيرة فيأخذه الدجال ليذبحه فلا يسلط عليه» وقال النبي ﷺ «ليفرن الناس من الدجال حتى يلحقوا بالجبال قالت أم شريك فأين العرب يومئذ قال هم قليل ويتبع الدجال من يهود أصفهان سبعون ألفا فيخرج همته المدينة فتصرف الملائكة وجهه عنها لأن على كل باب منها ملكين يمنعانه من الدخول فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين (أي حلتين مصبوغتين بورس أو زعفران) واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه مثل جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد من ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي إليه طرفه فيطلب الدجال حتى يدركه بباب لد فيقتله» فسبحان من مكن هذا الدجال من هذه المعجزات فتنة لعباده وبين لهم العلامات التي تبين من بطلان ما ادعاه وفساده فإنه أعور ناقص في ذاته وإنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن إنه إذا قتل الرجل ثم أحياه لم يقدر عليه بعد ذلك فهو ناقص في قدرته إن جنته نار وناره ماء طيب عذب فما جاء به باطل إنه مخلوق وجد بعد أن لم يكن إنه يفنى ويقتل وإنه في الأرض لا في السماء وكل هذه صفات المخلوق الناقص التي تبرهن على أنه ليس بإله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٣ - ٤] بارك الله لي ولكم.
стр. 58
[الخطبة الثانية في ذكر يأجوج ومأجوج]
الخطبة الثانية
في ذكر يأجوج ومأجوج الحمد لله العلي القدير السميع البصير الذي أحاط بكل شيء علما وهو اللطيف الخبير علم ما كان وما يكون وخلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها النجاة في يوم النشور وأشهد أن محمدا عبده وسوله البشير النذير السراج المنير ﷺ وعلى آله وأصحابه ومن على طريقتهم يسير وسلم تسليما.
أما بعد أيها المؤمنون: اتقوا الله تعالى واستعدوا لليوم الآخر فقد أنذرتموه واستقبلوه بالأعمال الصالحة واخشوا من عقابه واحذروه وقد قدم الله تعالى بين يدي هذا اليوم أشراطا وعلامات وذلك لعظم هوله وشدته فإنه اليوم الذي يجازي فيه الخلائق فيجزي المؤمن بحسناته ويجزي المسيء بالسيئات.
الا وإن من أشراط الساعة خروج يأجوج ومأجوج وهم قوم من بني آدم على صفة الآدميين وأما ما يعتقده بعض الناس من أن فيهم الطويل المفرط وفيهم القصير جدا وأنهم على أشكال غريبة فإن هذا الاعتقاد مبني على غير دليل صحيح وقد ورد عن النبي ﷺ أنهم عراض الوجوه صغار العيون صهب الشعور وقد حذر النبي ﷺ العرب من خروج يأجوج وماجوج لأنهم مفسدون في الأرض والعرب حملة راية الإصلاح إلى العالم لأن الرسول ﷺ بعث فيهم فعن زينب أم المؤمنين ﵂ قالت «استيقظ النبي ﷺ من نومه محمرا وجهه وهو يقول لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها قالت زينب فقلت يا رسول الله أفنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث» فأما وقت خروجهم الذي تكون به نهايتهم وهلاكهم فإنه إذا قتل عيسى بن مريم الدجال أوحى الله إليه إني قد أخرجت عبادا لي لا قوة لأحد على قتالهم يعني يأجوج ومأجوج فيبعثهم الله من كل حدب ينسلون أي من كل موضع مرتفع يأتون سراعا وهذا دليل على كثرتهم وقوتهم وجشعهم فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم على البحيرة وقد شرب ماؤها فيقولون لقد كان في هذه مرة ماء ثم يسيرون حتى يصلوا إلى جبل
стр. 59
بيت المقدس فيقولون لقد قتلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما فتنة لهم وينحصر نبي الله عيسى ﷺ وأصحابه في الطور ويضيق عيشهم قال النبي ﷺ حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مئة دينار لأحدكم اليوم فيبتهل النبي ﷺ عيسى وأصحابه إلى الله تعالى أن يهلك يأجوج ومأجوج فيرسل الله عليهم دودا في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه من الطور فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا وقد ملأه زهم يأجوج ومأجوج ونتنهم فيبتهل عيسى وأصحابه إلى الله تعالى فيرسل على جثث يأجوج ومأجوج طيرا كأعناق الإبل البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله تعالى ثم يرسل الله تعالى مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يدعها كالمرآة في نظافتها ثم يقال لها أنبتي ثمرتك وردي بركتك فتنزل البركة في الثمرات والدر حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمير فعليهم تقوم الساعة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ - وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . الخ.
стр. 60
[الخطبة الثالثة في ذكر عدد من أشراط الساعة]
الخطبة الثالثة
في ذكر عدد من أشراط الساعة الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب فمنه بدأ وإليه يعود والحمد لله الذي بوأ لإبراهيم مكان البيت للركوع والسجود وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وعنده علم الساعة وإليه المآب والرجوع وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ شهيد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد الرسل وخلاصة العبيد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم في التقوى والقول السديد وسلم تسليما.
أما بعد أيها المؤمنون: اتقوا الله تعالى فإن تقوى الله سبب لسعادة الدنيا والآخرة ومن يتق الله يجعل له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا وييسر له أمره وينور له قلبه ويغفر له ذنبه ألا وإن التقوى هي اتخاذ ما يقي من عذاب القبر وعذاب الجحيم ولا يكون ذلك إلا بفعل الأوامر واجتناب النواهي والخوف من الرب العظيم ولا يكون ذلك إلا بتقديم العدة والاستعداد لليوم الآخر العظيم ذلك اليوم الذي تحشرون فيه إلى الله حافية أقدامكم عارية أجسامكم شاخصة أبصاركم ذاهلة عقولكم ولما كان هذا اليوم عظيم الأهوال شديد الأحوال قدم الله بين يديه من العلامات والدلائل ما يبين به اقترابه ليستعد له ويحذر عذابه وقد سبق لنا من علامات الساعة خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج، ألا وإن من علامات الساعة طلوع الشمس من مغربها ففي صحيح البخاري «أن النبي ﷺ قال لأبي ذر حين غربت الشمس أتدري أين تذهب قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويمكن أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها فيقال لها ارجعي من حيث جئت فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨] » . وعن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ قال لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» وإنما كان طلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة لأن هذه الشمس من آيات الله ولم يتغير مجراها منذ خلقها الله تعالى حتى يأتي أمر الله فإذا تغير نظامها دل ذلك على أن العالم قد آذن بالخراب والزوال ألا وإن من أشراط الساعة بعثة النبي صلى الله عليه
стр. 61
وسلم ومن أشراطها رفع هذا القرآن العظيم عندما يعرض الناس عن العمل به إعراضا كليا فإنه من كرامته أن يرفع عن الناس حتى لا يبقى بين قوم يمتهنونه فلا يصدقون أخباره ولا يعملون بأحكامه يرفع فلا يبقى في المصاحف منه آية ولا في الصدور منه كلمة. ومن أشراط الساعة هدم الكعبة المكرمة بيت الله العظيم فإنه يهدمه في آخر الزمان رجل حبشي أسود أفحج دقيق الساقين ينقضها حجرا حجرا حتى يأتي إلى آخرها.
فهذه الأشراط وأمثالها مما جاء به كتاب الله أو صح عن رسول الله ﷺ يجب على المسلمين أن يقروا بها ويعتقدوها وأن يعتقدوا أنها حق على حقيقتها فلا يحرفوها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . الخ.
стр. 62
[الفرع السادس أحوال القيامة والجنة والنار]
[الخطبة الأولى في ذكر شيء من أوصاف اليوم الآخر]
الفرع السادس
أحوال القيامة والجنة والنار الخطبة الأولى
في ذكر شيء من أوصاف اليوم الآخر الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور قسم عباده إلى قسمين فمنهم شاكر ومنهم كفور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اقتدى بهديهم إلى يوم الحشر والمصير وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا.
عباد الله: اعلموا أن هذه الحياة الدنيا دار ممر وعبور ودار عمل وكدح للعباد فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور فتذكروا ما أنتم إليه صائرون من الموت وما بعده يوم تحشرون تذكروا حالتكم عند حلول الآجال ومفارقة الأوطان والأهل والعيال تذكروا حينما تشاهدون الآخرة أمامكم وأنتم مقبلون إليها مدبرين عن الدنيا تذكروا حينما ينقسم الناس إلى قسمين فمنهم من توفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ - نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ - نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢] ومنهم من توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠] ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣] تذكروا إذا حملتم على الرقاب إلى القبور فانفردتم بها عن الأهل والأولاد والأموال والقصور جليسكم الأعمال فإما خير تسرون به إلى يوم القيامة وإما شر تجدون به الحسرة والندامة ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] تذكروا إذا نفخ في الصور فصعق
стр. 63
من في السماوات والأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون يقومون من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلا يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امريء منهم يومئذ شأن يغنيه.
عباد الله: تذكروا هذا اليوم العظيم الذي يجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم الصبر: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ - لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠] هذا اليوم الذي تندك فيه الجبال وتعظم فيه الأهوال وينزل فيه للقضاء بين العباد الملك الكبير المتعال يوم يجعل الولدان شيبا السماء منفطر به كان وعده مفعولا تذكروا هذا اليوم الذي سماه الله يوم التغابن لأنه هو الذي فيه الغبن العظيم الغبن الحقيقي لأن الناس يحشرون على حسب أعمالهم فمنهم المتقون الذين يحشرون إلى الرحمن وفدا فنعم الوفد ونعم الموفود إليه الوفد عباد الرحمن والموفود إليه الملك الكريم المنان ومنهم المجرمون الذين يساقون إلى جهنم وردا يظمئون عطشا فتمثل لهم النار كأنها السراب يساقون إليها ولكن لا ترويهم من ظمأ وإنما يجدون فيه النار والسعير والحر والزفير: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ - فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ - وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٤ - ١٦] فما أعظم هذا اليوم وما أشد هوله لقد قال الله في وصفه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢] مقداره خمسون ألف سنة تدنو فيه الشمس من الناس حتى تكون بقدر ميل فقط ويبلغ العرق منهم كل بحسب عمله إن التغابن والله في هذا اليوم هو التغابن وليس التغابن في نيل عرض الدنيا وزخارفها فإنما هي لهو ولعب وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد تزدهر قليللا ثم تزول سريعا: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠] فتنافسوا أيها المسلمون في أعمال الآخرة لتدركوا بذلك الدنيا والآخرة وإياكم أن تؤثروا الدنيا عليها فتخسروا الدنيا والآخرة فإن الدنيا
стр. 64
مزرعة الآخرة فإذا لم يزرع فيها لآخرته فقد خسرها وخسر آخرته. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله : ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى - يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى - وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى - فَأَمَّا مَنْ طَغَى - وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى - وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٤ - ٤١] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 65
[الخطبة الثانية في أن الحياة الحقيقية حياة الآخرة]
الخطبة الثانية
في أن الحياة الحقيقية حياة الآخرة الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وجعل للوصول إليه طرائق واضحة وسبلا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها عالي الجنان نزلا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أقوم الخلق دينا وأهداهم سبلا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: لقد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا حتى أوجدكم الله من العدم وأسبغ عليكم النعم ودفع عنكم النقم ويسر لكم من أسباب البقاء وأسباب الهداية وبين لكم ما ينفعكم وما يضركم بين لكم أن للإنسان دارين دار ممر وزوال ودار مقر وخلود أما الدار التي هي دار ممر وزوال فهي دار الدنيا التي كل ما فيها فهو ناقص إلا ما كان مقربا إلى الله تعالى آمالها آلام وصفوها أكدار لو تبصر العاقل فيها أقل تبصر لعرف قدرها وهوانها وعرف كيف غدرها وخداعها تتراءى لعاشقيها كالسراب يحسبه الظمأن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا وتتزين لهم بأنواع الزخارف والمغريات حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمر الله ليلا أو نهارا فجعلها حصيدا كأن لم تغن بالأمس فمآلها عدم وفناء وجمالها عذاب وشقاء هذه هي الدنيا: ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠] أيها الناس أما الدار الآخرة فهي الحياة الحقيقية التي فيها جميع مقومات الحياة من البقاء والسرور والسلام والحبور هي الحياة الحقيقية التي ينطق الإنسان إذا شاهد حقائقها يقول يا ليتني قدمت لحياتي فالحياة الحقيقية هي الحياة الآخرة التي يحيا الناس فيها فلا يموتون: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ - تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٤] أيها الناس اتقوا الله تعالى وانظروا نظر العاقل البصير المرمن، قارنوا بين الحياة الدنيا وحياة الآخرة لتعرفوا الفرق بين الدارين ففي الدار الآخرة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وهي دار السلام سالمة من كل نقص ومن كل بلاء لا مرض فيها ولا موت ولا بؤس ولا هرم يقول النبي صلى الله عليه
стр. 66
وسلم «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها» وهذا كلام الصادق المصدوق إن موضع العصا في الجنة خير من الدنيا كلها من أولها إلى آخرها بكل ما فيها من نعيم وترف إذا كان هذا خيرا من الدنيا كلها فكيف بما أدركت منها من الزمن القليل وإذا كان موضع السوط خيرا من الدنيا كلها فكيف بمنازل أدنى منزلة فيها مسيرة ألفي عام يرى أقصاها كما يرى أدناها.
أيها الناس: إن من العجب أن يؤثر أقوام الحياة الدنيا على الآخرة والآخرة خير وأبقى يؤثرونها على الآخرة فيعملون لها ويدعون عمل الآخرة يحرصون على تحصيل الدنيا وإن فوتوا ما أوجب الله عليهم ينغمسون في شهواتهم وسهواتهم وينسون شكر من أنعم بها عليهم علامة هؤلاء أنهم يتكاسلون عن الصلوات ويتثاقلون ذكر الله ويخونون في الأمانات ويغشون في المعاملات ويكذبون في المقالات ولا يوفون بالعهود ولا يبرون الوالدين ولا يصلون الأقارب.
أيها الناس: إن من آثر الحياة الآخرة على الدنيا حصل له نعيم الآخرة والدنيا لأن عمل الآخرة يسير على من يسره الله عليه ولا يفوت من الدنيا شيئا فإن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه والله يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠] أما من آثر الحياة الدنيا على الآخرة فإنه قد يؤتى من الدنيا ولكن ليس له في الآخرة من نصيب: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]
اللهم اجعلنا ممن آثروا الآخرة على الدنيا وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
أقول قولي هذا. . الخ.
стр. 67
[الخطبة الثالثة في ذكر شيء من أوصاف اليوم الآخر]
الخطبة الثالثة
في ذكر شيء من أوصاف اليوم الآخر الحمد لله الذي بدأ الخلق ثم يعيده وهو على كل شيء قدير والحمد لله الذي خلق الخلق ليعبدوه فيجازيهم بعملهم والله بما يعملون بصير فسبحانه من رب عظيم وإله غفور رحيم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الخلق والملك والتدبير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير أرسله الله بين يدي الساعة فختم به الرسالة وأكمل له الدين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا اتقوا يوما يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امريء منهم يومئذ شأن يغنيه وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة. اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون يوما يجمع الله فيه الخلائق الأولين منهم والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، أجسامهم عارية وأقدامهم حافية وقلوبهم وجلة خائفة مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر.: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢] لا تغرنكم الحياة الدنيا بزخارفها ولذاتها فإنها فيء زائل عن قريب ثم تنقلون إلى الدار الآخرة لتجزوا بما كنتم تعملون فحققوا رحمكم الله عبادة ربكم واتقوه لعلكم تفلحون ومن عذاب الآخرة تسلمون فلا سلامة من عذاب الله إلا بتقوى الله كونوا من الذين قالوا سمعنا وأطعنا فالقرآن يتلى عليكم وأنتم تتلونه بأنفسكم وفيه موعظة وشفاء لما في الصدور فاتعظوا بما فيه ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون قالوا علمنا وهم لا يعلمون ألم تعلموا أن أمامكم يوما تشيب فيه الولدان وتندك صم الجبال ويذهل فيه المرء عن القريب والصديق والخلان ألم يبلغكم أن الله يطوي السماوات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون، وأن الأرضين بيده الأخرى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ألم يبلغكم ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «يقول الله تعالى يا آدم فيقول لبيك
стр. 68
وسعديك والخير كله في يديك فيقول الله له أخرج بعث النار من ذريتك قال آدم وما بعث النار قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون فعنده يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد» ولما حدث النبي ﷺ أصحابه بهذا الحديث فتح الله عليهم أن يسألوا نبيهم يا رسول الله وأينا ذلك الواحد فقال أبشروا فإن منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج ألفا ثم قال والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبروا وحمدوا الله فقال أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبروا وحمدوا الله فقال أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا وحمدوا الله ثم قال ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود أيها المسلمون ألم تعلموا أن الأرض يومئذ تحدث أخبارها فتشهد على كل أحد بما عمل عليها من خير أو شر ألم تعلموا أن الرجل يختم على فمه ويقال لأركانه انطقي فتنطق بما عملت: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٤ - ٢٥] وفي الكتاب والسنة من تفاصيل أحوال ذلك اليوم ما هو عبرة للمعتبرين وموعظة للمتقين اقرؤوا قوله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] إلى قوله ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] فإن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 69
[الخطبة الرابعة في ذكر بعض الأمور التي تقع يوم القيامة]
الخطبة الرابعة
في ذكر بعض الأمور التي تقع يوم القيامة الحمد لله جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها النجاة يوم التناد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل الرسل وخلاصة العباد الذي دعا أمته بالحكمة والموعظة الحسنة وهداها إلى سبيل الرشاد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان في الأقوال والأفعال والاعتقاد وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه يوم يحشر الناس ذاهلة عقولهم شاخصة أبصارهم عارية أجسامهم حافية أقدامهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بلقب سليم يوم يحشر الناس على ثلاثة أصناف صنف مشاة وصنف ركبانا وصنف يمشون على وجوههم يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن وهو الصوف المنفوش يوم تدنو الشمس من رؤوس الخلائق قدر ميل فيعرقون على قدر أعمالهم فمنهم من يكون العرق إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما ليس هناك ليل ولا نهار ولا قمر ولا شمس قد كورت الشمس وانكدرت النجوم وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما ويومئذ تنصب الموازين لوزن الأعمال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣] يوم يؤتى بالرجل له صلاة وصيام وزكاة قد ضرب هذا وأخذ مال هذا وشتم هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته وهذا من حسناته حتى تفنى فإن بقي لهم حق أخذ من سيئاتهم فطرح عليه ثم طرح في النار فلتؤدين الحقوق إلى أهلها حتى يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء وعن أنس ﵁ قال «بينما رسول الله ﷺ جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه فقال له عمر ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي قال رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة فقال أحدهما يا رب خذ مظلمتي من أخي فقال الله كيف تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء قال يا رب فليحمل من
стр. 70
أوزاري وفاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء ثم قال إن ذلك ليوم عظيم يحتاج الناس أن تحمل عنهم من أوزارهم» ويومئذ تتطاير صحائف الأعمال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ - فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا - وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا - وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ - فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا - وَيَصْلَى سَعِيرًا - إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا - إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ٧ - ١٤] أي ظن أنه لا يبعث، هناك تبيض وجوه المؤمنين وتسود وجوه الكفار المعتدين هناك تحدث الأرض أخبارها أتدرون ما أخبارها إنها تشهد على كل أحد بما عمل على ظهرها تقول عمل كذا وكذا. إخواني كلنا ولله الحمد يؤمن بيوم الحساب وما عندنا فيه من شك ولا ارتياب غير أننا في غفلة ساهون وعن الاستعداد له معرضون وفي دنيانا الدنيئة ولذائذنا منغمسون ولاهون إننا لنعمل لها كأننا نعمر فيها وإننا لنفرط بأعمال وأوقات لا يمكننا تلافيها فاتقوا الله أيها المسلمون وابتدروا الأعمال الصالحة ففي ذلك فليتنافس المتنافسون فما بعد الشباب إن قدر للإنسان البقاء إلا الهرم وحينذاك يقرب الموت ويستولي الهم والحزن والندم.
وفقني الله وإياكم لاغتنام الفرص والأوقات وجعل أعمالنا مقرونة بالتسديد والإخلاص وغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين يوم الأخذ بالنواصي إنه سميع مجيب رحيم قريب.
стр. 71
[الخطبة الخامسة في أحوال الناس يوم القيامة]
الخطبة الخامسة
في أحوال الناس يوم القيامة الحمد لله جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله على كل شيء قدير ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو اللطيف الخبير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير المبعوث بأسس الحق وأصول الإيمان والخضوع للملك الديان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا ربكم واعلموا أنه ما خلقكم عبثا ولن يترككم سدى وإنما خلقكم لتعبدوه وتقدموا بدينه وتطيعوه وتقدموا لليوم الآخر فلا بد أن تلاقوه.: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] في ذلك اليوم تندك الأرض وتسير الجبال وفي ذلك اليوم تشتد الأمور وتعظم الأهوال وفي ذلك اليوم ينزل للقضاء بين عباده الحكم العدل المتعال في ذلك اليوم تحشرون حافية أقدامكم عارية أجسامكم شاخصة أبصاركم واجفة قلوبكم في ذلك اليوم يجمع الله الأولين والآخرين من الإنس والجن والدواب في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر في ذلك اليوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امريء منهم يومئذ شأن يغنيه في ذلك اليوم يقبض الله الأرض بيده ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون وفي ذلك اليوم تدنو الشمس من رءوس الخلائق حتى تكون قدر ميل فيعرق الناس على قدر أعمالهم فمنهم من يبلغ العرق إلى كعبيه ومنهم من يبلغ إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما فعند ذلك يبلغهم من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس ألا ترون إلى ما أنتم فيه وإلى ما بلغكم ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم فيذهبون إلى آدم فيعتذر ويقول اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون فيعتذر ويقول اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيعتذر
стр. 72
ويقول اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيذهبون إلى موسى فيعتذر ويقول اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى فيذهبون إلى عيسى فيعتذر ويقول اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد ﷺ فيأتون نبي الله محمدا ﷺ فيشفع في الناس ليقضي بينهم وهذا من المقام المحمود الذي وعده الله نبينا ﷺ في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وفي هذا اليوم يحاسب الله الخلائق على أعمالهم فأول ما يحاسب عليه العبد صلاته فإن كانت صالحة أفلح ونجح وإن كانت فاسدة خاب وخسر. ويقضي بين الخلائق فترد المظالم إلى أهلها من حسنات الظالم فإن لم يبق شيء من حسناته أخذ من سيئات المظلوم فطرحت عليه ثم طرح في النار في ذلك اليوم ينصب الميزان فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون. في ذلك اليوم تنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال فيأخذ المؤمنون كتابهم بأيمانهم مستبشرين مغتبطين ويأخذ الكافرون كتابهم بشمائلهم أو خلف ظهورهم حزنين خاسرين ويوضع الصراط على متن جهنم فيمر الناس عليه على قدر أعمالهم فمنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالطير وكأشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم ﷺ قائم على الصراط يقول يا رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع المشي إلا زحفا وفي يوم القيامة الحوض المورود للنبي ﷺ طوله شهر وعرضه شهر عليه ميزابان أحدهما ذهب والآخر فضة يصبان فيه من الكوثر وهو النهر الذي أعطيه النبي ﷺ في الجنة وماؤها أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأطيب من المسك وأبرد من الثلج آنيته كنجوم السماء في كثرتها وحسنها من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا فيرد عليه المؤمنون من أمته ﷺ غرا محجلين من آثار الوضوء ورسول الله ﷺ قائم عليه ينظر من يرد عليه من أمته فيقتطع أناس دونه فيقول يا رب أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ما زالوا يرجعون على أعقابهم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . الخ.
стр. 73
[الخطبة السادسة في ذكر شيء من نعيم الجنة]
الخطبة السادسة
في ذكر شيء من نعيم الجنة الحمد لله الذي جعل جنات الفردوس لعباده المؤمنين نزلا ونوع لهم الأعمال الصالحة ليتخذوا منها إلى تلك الجنات سبلا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي شمر للحاق بالرفيق الأعلى والوصول إلى جنات المأوى ولم يتخذ سواها شغلا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما تتابع القطر والندى وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ - وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ - أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦] سارعوا إلى دار فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر مفتاحها قول لا إله إلا الله وأسنانه شرائع الإسلام فمن جاء بمفتاح له أسنان فتح له ومن جاء بمفتاح بلا أسنان أوشك أن لا يدخل أبوابها ثمانية فمن أنفق زوجين في سبيل الله دعي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان وقد يدعى الإنسان من جميع الأبواب ما بين مصراعين من مصاريعها كما بين مكة وهجر بناؤها لبنة من ذهب ولبنة من فضة ملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران فيها غرف يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها للمؤمن فيها خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها مئة عام لا يقطعها قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] قال الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق ظلها قدر ما يسير الراكب في نواحيها مئة عام يخرج إليها أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في ظلها غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر جنتان فيهما من كل فاكهة زوجان
стр. 74
وجنتان فيهما فاكهة ونخل ورمان وليست تلك الفواكه والنخل والرومان كهيئتها في الدنيا وإنما الاسم هو الاسم والمسمى غير المسمى قد ذللت قطوفها تذليلا إن قام تناولها بسهولة وإن قعد تناولها بسهولة وإن اضطجع تناولها بسهولة كلما قطع منها شيئا خلفه آخر كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأوتوا به متشابها في اللون والهيئة مختلفا في الطعم ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا يدعون فيها بكل فاكهة آمنين من الموت آمنين من الهرم آمنين من المرض آمنين من كل خوف ومن كل نقص في نعيمهم أو زوال خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ فيها أنهار من ماء غير آسن أي لم يتغير ولا يتغير أبدا وأنهار من لبن لم يتغير طعمه بحموضة ولا فساد وأنهار من خمر لذة للشاربين لا يصدع الرؤوس ولا يزيل العقول وأنهار من عسل مصفى تجري هذه الأنهار من غير حفر سواق ولا إقامة أخدود يصرفونها كما يشاؤون يطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم في جمالهم وانتشارهم في خدمة أسيادهم لؤلؤا منثورا يطوفون عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين بآنية من فضة وأكواب كانت قوارير قوارير من فضة قدروها تقديرا يعطى الواحد منهم قوة مئة في الطعام والشراب ليأكلوا من جميع ما طاب لهم ويشربوا من كل ما لذ لهم ويطول نعيمهم بذلك ثم يخرج طعامهم وشرابهم جشاء ورشحا من جلودهم كريح المسك فلا بول ولا غائط ولا مخاط لهم فيها أزواج مطهرة من الحيض والنفاس والبول وكل أذى وقذر هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولا من رب رحيم أنشأهن الله إنشاء فجعلهن أبكارا كلما جامعها زوجها عادت بكرا وجعلهن عربا أترابا والعروب هي المرأة المتوددة إلى زوجها؛ أترابا على سن واحد فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون لا يبغون عنها حولا ولا هم عنها مخرجون ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وفوق ذلك كله أن الله أحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدا وفوق ذلك كله ما يحصل لهم من النعيم برؤية ربهم البر الرحيم الذي من عليهم حتى أوصلهم بفضله إلى دار السلام والنعيم فإنهم يرونه عيانا بأبصارهم كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وقال النبي ﷺ «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» فإن استطعتم أن
стр. 75
لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا فإن سألتم عن أهل هذه الجنات وساكني تلك الغرفات فهم الذين وصفهم الله في محكم الآيات بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ - إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ - فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ - أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ - الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل اللهم تب علينا واغفر لنا وارحمنا إنك أنت التواب الغفور الرحيم.
следующие страницы →