Полный текст (711 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
[الخطبة الخامسة في أحوال الناس يوم القيامة]
الخطبة الخامسة
في أحوال الناس يوم القيامة الحمد لله جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله على كل شيء قدير ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو اللطيف الخبير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير المبعوث بأسس الحق وأصول الإيمان والخضوع للملك الديان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا ربكم واعلموا أنه ما خلقكم عبثا ولن يترككم سدى وإنما خلقكم لتعبدوه وتقدموا بدينه وتطيعوه وتقدموا لليوم الآخر فلا بد أن تلاقوه.: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] في ذلك اليوم تندك الأرض وتسير الجبال وفي ذلك اليوم تشتد الأمور وتعظم الأهوال وفي ذلك اليوم ينزل للقضاء بين عباده الحكم العدل المتعال في ذلك اليوم تحشرون حافية أقدامكم عارية أجسامكم شاخصة أبصاركم واجفة قلوبكم في ذلك اليوم يجمع الله الأولين والآخرين من الإنس والجن والدواب في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر في ذلك اليوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امريء منهم يومئذ شأن يغنيه في ذلك اليوم يقبض الله الأرض بيده ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون وفي ذلك اليوم تدنو الشمس من رءوس الخلائق حتى تكون قدر ميل فيعرق الناس على قدر أعمالهم فمنهم من يبلغ العرق إلى كعبيه ومنهم من يبلغ إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما فعند ذلك يبلغهم من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس ألا ترون إلى ما أنتم فيه وإلى ما بلغكم ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم فيذهبون إلى آدم فيعتذر ويقول اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون فيعتذر ويقول اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيعتذر
стр. 72
ويقول اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيذهبون إلى موسى فيعتذر ويقول اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى فيذهبون إلى عيسى فيعتذر ويقول اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد ﷺ فيأتون نبي الله محمدا ﷺ فيشفع في الناس ليقضي بينهم وهذا من المقام المحمود الذي وعده الله نبينا ﷺ في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وفي هذا اليوم يحاسب الله الخلائق على أعمالهم فأول ما يحاسب عليه العبد صلاته فإن كانت صالحة أفلح ونجح وإن كانت فاسدة خاب وخسر. ويقضي بين الخلائق فترد المظالم إلى أهلها من حسنات الظالم فإن لم يبق شيء من حسناته أخذ من سيئات المظلوم فطرحت عليه ثم طرح في النار في ذلك اليوم ينصب الميزان فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون. في ذلك اليوم تنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال فيأخذ المؤمنون كتابهم بأيمانهم مستبشرين مغتبطين ويأخذ الكافرون كتابهم بشمائلهم أو خلف ظهورهم حزنين خاسرين ويوضع الصراط على متن جهنم فيمر الناس عليه على قدر أعمالهم فمنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالطير وكأشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم ﷺ قائم على الصراط يقول يا رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع المشي إلا زحفا وفي يوم القيامة الحوض المورود للنبي ﷺ طوله شهر وعرضه شهر عليه ميزابان أحدهما ذهب والآخر فضة يصبان فيه من الكوثر وهو النهر الذي أعطيه النبي ﷺ في الجنة وماؤها أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأطيب من المسك وأبرد من الثلج آنيته كنجوم السماء في كثرتها وحسنها من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا فيرد عليه المؤمنون من أمته ﷺ غرا محجلين من آثار الوضوء ورسول الله ﷺ قائم عليه ينظر من يرد عليه من أمته فيقتطع أناس دونه فيقول يا رب أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ما زالوا يرجعون على أعقابهم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . الخ.
стр. 73
[الخطبة السادسة في ذكر شيء من نعيم الجنة]
الخطبة السادسة
في ذكر شيء من نعيم الجنة الحمد لله الذي جعل جنات الفردوس لعباده المؤمنين نزلا ونوع لهم الأعمال الصالحة ليتخذوا منها إلى تلك الجنات سبلا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي شمر للحاق بالرفيق الأعلى والوصول إلى جنات المأوى ولم يتخذ سواها شغلا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما تتابع القطر والندى وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ - وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ - أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦] سارعوا إلى دار فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر مفتاحها قول لا إله إلا الله وأسنانه شرائع الإسلام فمن جاء بمفتاح له أسنان فتح له ومن جاء بمفتاح بلا أسنان أوشك أن لا يدخل أبوابها ثمانية فمن أنفق زوجين في سبيل الله دعي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان وقد يدعى الإنسان من جميع الأبواب ما بين مصراعين من مصاريعها كما بين مكة وهجر بناؤها لبنة من ذهب ولبنة من فضة ملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران فيها غرف يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها للمؤمن فيها خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها مئة عام لا يقطعها قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] قال الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق ظلها قدر ما يسير الراكب في نواحيها مئة عام يخرج إليها أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في ظلها غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر جنتان فيهما من كل فاكهة زوجان
стр. 74
وجنتان فيهما فاكهة ونخل ورمان وليست تلك الفواكه والنخل والرومان كهيئتها في الدنيا وإنما الاسم هو الاسم والمسمى غير المسمى قد ذللت قطوفها تذليلا إن قام تناولها بسهولة وإن قعد تناولها بسهولة وإن اضطجع تناولها بسهولة كلما قطع منها شيئا خلفه آخر كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأوتوا به متشابها في اللون والهيئة مختلفا في الطعم ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا يدعون فيها بكل فاكهة آمنين من الموت آمنين من الهرم آمنين من المرض آمنين من كل خوف ومن كل نقص في نعيمهم أو زوال خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ فيها أنهار من ماء غير آسن أي لم يتغير ولا يتغير أبدا وأنهار من لبن لم يتغير طعمه بحموضة ولا فساد وأنهار من خمر لذة للشاربين لا يصدع الرؤوس ولا يزيل العقول وأنهار من عسل مصفى تجري هذه الأنهار من غير حفر سواق ولا إقامة أخدود يصرفونها كما يشاؤون يطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم في جمالهم وانتشارهم في خدمة أسيادهم لؤلؤا منثورا يطوفون عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين بآنية من فضة وأكواب كانت قوارير قوارير من فضة قدروها تقديرا يعطى الواحد منهم قوة مئة في الطعام والشراب ليأكلوا من جميع ما طاب لهم ويشربوا من كل ما لذ لهم ويطول نعيمهم بذلك ثم يخرج طعامهم وشرابهم جشاء ورشحا من جلودهم كريح المسك فلا بول ولا غائط ولا مخاط لهم فيها أزواج مطهرة من الحيض والنفاس والبول وكل أذى وقذر هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولا من رب رحيم أنشأهن الله إنشاء فجعلهن أبكارا كلما جامعها زوجها عادت بكرا وجعلهن عربا أترابا والعروب هي المرأة المتوددة إلى زوجها؛ أترابا على سن واحد فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون لا يبغون عنها حولا ولا هم عنها مخرجون ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وفوق ذلك كله أن الله أحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدا وفوق ذلك كله ما يحصل لهم من النعيم برؤية ربهم البر الرحيم الذي من عليهم حتى أوصلهم بفضله إلى دار السلام والنعيم فإنهم يرونه عيانا بأبصارهم كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وقال النبي ﷺ «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» فإن استطعتم أن
стр. 75
لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا فإن سألتم عن أهل هذه الجنات وساكني تلك الغرفات فهم الذين وصفهم الله في محكم الآيات بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ - إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ - فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ - أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ - الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل اللهم تب علينا واغفر لنا وارحمنا إنك أنت التواب الغفور الرحيم.
стр. 76
[الخطبة السابعة في ذكر نماذج من عذاب النار]
الخطبة السابعة
في ذكر نماذج من عذاب النار الحمد لله مستحق الحمد وأهله المجازي خلقه جزاء دائرا بين عدله وفضله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ملكه وحكمه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل خلقه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وتابعي هديه وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون اتقوا ذلك بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه فإنه لا نجاة لكم من النار إلا بهذا اتقوا النار فإنها دار البوار والبؤس ودار الشقاء والعذاب الشديد دار من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ساكنوها شرار خلق الله من الشياطين وأتباعهم قال الله تعالى لإبليس: ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ - لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٤ - ٨٥] دار فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف وغيرهم من طغاة الخلق وفجارهم ولئن سألتم عن مكانها فإنها أسفل السافلين وأبعد ما يكون عن رب العالمين طعام أهلها الزقوم وهو شجر خبيث مر المطعم كريه المنظر لا يسمن ولا يغني من جوع وفي الحديث عن النبي ﷺ قال «اتقوا الله حق تقاته فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم» رواه النسائي والترمذي وقال حسن صحيح هذا طعامهم إذا جاعوا فإذا أكلوا منها التهبت أكبادهم عطشا وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل وهو الرصاص المذاب يشوي وجوههم حتى تتساقط لحومها فإذا شربوه على كره وضرورة قطع أمعاءهم ومزق جلودهم هذا شرابهم كالمهل في حرارته وكالصديد في نتنه وخبثه يضطر شاربه إلى شربه اضطرارا يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ أما لباسهم فلباس الشر والعار قطعت لهم ثياب من نار سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار فلا يقيهم هذا اللباس حر جهنم وإنما يزيدها اشتعالا وحرارة ولا يستطيعون أن يقوا به وهج النار وحرها عن وجوههم: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ - يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ - وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ - كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٢]
عباد الله اتقوا النار فإن حرها شديد قد فضلت على نار الدنيا كلها بتسع وستين جزءا
стр. 77
يصلاها المجرمون فتنضج جلودهم قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] يرتفع بهم اللهب حتى يصلوا إلى أعلاها وكلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون عذابهم فيها دائم لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون يتكرر عليهم فلا يستريحون ويسألون الخلاص منه ولو ساعة فلا يجابون يقولون لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب فتقول الملائكة لهم أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال فلن يستجاب لهم لأنهم لم يستجيبوا للرسل حينما دعوهم إلى الله تعالى فكان الجزاء من جنس العمل قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون فيقول الله لهم على وجه الإهانة والإذلال اخسؤوا فيها ولا تكلمون فحينئذ ييئسون من كل خير ويعلمون أنهم فيها خالدون فيزدادون بؤسا إلى بؤسهم وحسرة إلى حسرتهم كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا - يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٥ - ٦٦]
عباد الله اتقوا النار فإن قعرها بعيد وأخذها شديد قال أبو هريرة ﵁ «كنا عند النبي ﷺ فسمعنا وجبة أي صوت شيء وقع فقال النبي ﷺ : أتدرون ما هذا قلنا الله ورسوله أعلم قال هذا حجر أرسله الله في جهنم منذ سبعين خريفا أي سنة فالآن حين انتهى إلى قعرها» رواه مسلم إذا رأت أهلها من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا تتقطع منه القلوب فإذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور تكاد تتميز من الغيظ أي تكاد تتقطع من شدة الغيظ والغضب على أهلها فهي دار حانقة غاضبة على أهلها وهم في جوفها فما ظنك أن تفعل بهم؟
عباد الله اتقوا النار احذروا أن تكونوا من أهلها ولقد بين الله لكم صفات أهل النار وصفات أهل الجنة جملة وتفصيلا لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى - وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى - وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١]
اللهم إنا نسألك النجاة من النار والفوز بدار القرار. . . إلخ.
стр. 78
[الفرع السابع الإيمان بالقدر]
[الخطبة الأولى في حكم الإيمان بالقدر]
الفرع السابع
الإيمان بالقدر الخطبة الأولى
في حكم الإيمان بالقدر الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما وهو على كل شيء قدير وجعل لكل شيء قدرا وأجلا مطابقا لعلمه وحكمته وهو الحكيم الخبير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الألوهية والخلق والتدبير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المعاد والمصير وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى وآمنوا به وآمنوا بقضائه وقدره فإن الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان فلن يتم الإيمان حتى يؤمن العبد بالقدر خيره وشره ولا يتم الإيمان بالقدر حتى يؤمن الإنسان بأربعة أمور الأول علم الله المحيط بكل شيء فإنه سبحانه بكل شيء عليم.
عليم بالأمور كلها دقيقها وجليلها سرها وعلنها فلا يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء الأمر الثاني أن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى قيام الساعة من قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة فإن الله لما خلق القلم قال له اكتب قال رب وماذا أكتب قال اكتب ما هو كائن فكتب بعلم الله وإذنه ما هو كائن إلى يوم القيامة فما كتب على الإنسان لم يكن ليخطئه وما لم يكتب عليه لم يكن ليصيبه جفت الأقلام وطويت الصحف قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ - لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣] فعلى العبد إذا جرت الأقدار على ما لا يحب أن يرضى بقضاء الله وقدره وأن يستسلم للقضاء المكتوب فإنه لا بد أن يكون ويقع فلا راد لقضاء الله وقدره لكن الفخر كل الفخر لمن يقابل ذلك بالرضا ويعلم أن الأمر من الله إليه وأنه سبحانه له التدبير المطلق في خلقه فيرضى به ربا ويرضى به إلها وبذلك يحصل له الثواب العاجل والآجل فإن من أصيب بالمصائب فصبر هدى الله قلبه وشرح الله صدره وهون عليه المصيبة لما يرجو من ثوابها عند الله ثم إذا بعث يوم القيامة وهو أحوج ما يكون إلى الأجر والثواب وجد أجر مصيبته وصبره عليها مدخرا له عند الله وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب وكما أن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء فكذلك يكتب سبحانه ويقدر في ليلة القدر ما يكون في السنة
стр. 79
كلها كما قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] وكذلك يكتب على الإنسان وهو في بطن أمه ما سيجري عليه كما قال عبد الله بن مسعود ﵁ حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق فقال «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» وهذا الرجل الذي كان يعمل بعمل أهل الجنة ثم ختم له بعمل أهل النار إنما كان يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس ولم تكن نيته في الإخلاص والقصد نية مستقيمة فلذلك عوقب بسوء الخاتمة كما جاء ذلك مفسرا في حديث آخر. الأمر الثالث مما يتم به الإيمان بالقدر أن تؤمن بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فمشيئة الله فوق كل مشيئة وقدرته فوق كل قدرة وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. الأمر الرابع أن نؤمن بأن الله خالق كل شيء ومدبر كل شيء وأن ما في السماوات والأرض من صغير ولا كبير ولا حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله وخلقه فمن الأشياء ما يخلقه الله بغير سبب معلوم لنا ومنه ما يكون سببه معلوما لنا والكل من خلق الله وإيجاده فنسأل الله بأسمائه وصفاته أن يجعلنا وإياكم ممن رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا وأن يقدر لنا بفضله ما فيه صلاحنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على عبده ونبيه محمد وآله وأصحابه واتباعهم إلى يوم الدين.
стр. 80
[الخطبة الثانية في حكم الإيمان بالقدر وكيفيته أيضا]
الخطبة الثانية
في حكم الإيمان بالقدر وكيفيته أيضا الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا وجرت الأمور على ما يشاء حكمة وتدبيرا ولله ملك السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله ولن تجد من دونه وليا ولا نصيرا وأشهد أن لا إله إلا الله له الملك وله الحمد وكان الله على كل شيء قديرا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعهم وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى وآمنوا به، آمنوا بقضائه وقدره ومشيئته وخلقه فإن الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان لن يتم إيمان العبد حتى يحقق الإيمان بالقضاء والقدر. وللإيمان بالقضاء والقدر أركان لا يتم إلا بها. الركن الأول: أن تؤمن بأن الله بكل شيء عليم وعلى كل شيء شهيد فما من شيء حادث في السماء والأرض وما من شيء يحدث فيهما مستقبلا إلا وعند الله علمه لا يخفى عليه شئ من دقيقه وجليله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]
الركن الثاني: أن تؤمن بأن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى أن تقوم الساعة فكل شيء يحدث في الأرض أو في السماوات فهو مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وقد أشار الله تعالى إلى هذين الركنين بقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] وفي الحديث: «أن أول ما خلق الله القلم قال له اكتب قال وماذا أكتب قال اكتب ما هو كائن فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» . وفي ليلة القدر يكتب ما يجري في تلك السنة ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] وإذا تم للجنين في بطن أمه أربعة أشهر بعث الله إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد.
الركن الثالث: من أركان الإيمان بالقضاء والقدر أن تؤمن بمشيئة الله العامة وقدرته الكاملة وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فكل ما حدث في السماوات والأرض من
стр. 81
أفعال الله أو من أعمال الخلق فإنه بمشيئة الله لا يحدث شيء كبير ولا صغير ولا عظيم ولا حقير إلا بمشيئة الله وقدره وتحت سمعه وبصره هو الذي علم به كتبه وقدره ويسر أسبابه فمن عمل صالحا فبمشيئة الله ومن عمل سيئة فبمشيئة الله: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩] وكل شيء يعمله الإنسان ويحدثه فإنه بمشيئة الله حتى إصلاح طعامه وشرابه وبيعه وشراؤه وأخذه وعطاؤه ونومه ويقظته وجميع حركاته وسكناته كلها بمشيئة الله تعالى وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس» .
الركن الرابع: من أركان الإيمان بالقدر أن تؤمن بأن الله خالق كل شيء ومليكه ومقدره ومسخره لما خلق له وأن الله خالق الأسباب والمسببات وهو الذي ربط النتائج بأسبابها وجعلها نتيجة لها وعلم عباده تلك الأسباب ليتوصلوا بها إلى نتائجها لتكون عبرة لهم ودليلا على نعمة الله عليهم بما يسره لهم من الأسباب التي يتمكنون بها من إدراك مطلوبهم على حسب ما تقتضيه حكمته ورحمته وقد أشار الله تعالى إلى هذا بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] إلى قوله ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] فالأعمال التي يحدثها العبد ويقوم بها ناتجة عن أمرين أحدهما: عزم الإنسان عليها ولولا عزمه لما فعل والثاني: قدرته على العمل بما علمه الله تعالى من أسبابه وبما أعطاه من القوة عليه ولولا قدرة الإنسان على العمل ولولا علمه بأسباب إيجاده وعزمه عليه لما وقع منه الفعل ولا شك أن الذي علم الإنسان وأوجد فيه العزم والقدرة هو الله تعالى فالإنسان وعزمه وقدرته وفعله كله في ملك الله وتحت مشيئة الله وقدرته: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 82
[الفرع الثامن في محاسن الإسلام]
[الخطبة الأولى في سهولة الدين وإصلاحه للمجتمع]
الفرع الثامن
في محاسن الإسلام الخطبة الأولى
في سهولة الدين وإصلاحه للمجتمع الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وتبارك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور والحمد لله الذي شرع لعباده ويسر ودعاهم لما تزكو به نفوسهم وتتطهر وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وكل شيء عنده بأجل مقدر وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بشر وأنذر صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان ما أشرق الضياء وأنور وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ - إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥ - ٦] فإذا كان يوم القيامة تبرأ منهم وقال إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي وحينئذ ينادون بالويل والثبور يقولون لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير.
أيها المسلمون: إن من عداوة الشيطان أن يصور لكم دينكم بأبشع صورة وأشدها تنفيرا عنه إنه يصور لكم دينكم بأنه حبس للحرية وتضييق على العبد ومنع من التقدم والرفاهية هكذا يصور الشيطان لنا ديننا حتى لا نقبل عليه ولا نتمسك به وإن العاقل إذا نظر إلى الدين بعلم وعدل وجده بريئا من كل هذه الصفات وإنه على العكس من ذلك فهو دين الحرية الحقة المعتدلة ودين السعة والسهولة والتقدم والسعادة ولنستعرض قليلا من تشريعات هذا الدين لنقيس عليها ما سواها.
فالدين أيها المسلمون مبني على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت الحرام. وهذه الأصول الخمسة كلها يسيرة سهلة وكلها تهذيب للأخلاق وإصلاح للقلوب وتقويم للأحوال فشهادة أن لا إله إلا الله تجريد القلب من التأله والعبادة لأحد من المخلوقين وانحصار العبودية لله رب العالمين الذي من عليك بالوجود والرزق فأنت بالنسبة إليه عبد وبالنسبة إلى من سواه حر وإن من الحمق
стр. 83
بمكان أن تنطلق من عبودية الله التي هي الحق وتقيد نفسك بعبودية هواك أو عبودية دنياك أو عبودية فلان وفلان وشهادة أن محمدا رسول الله تجريد المتابعة لأحد من المخلوقين سوى رسول رب العالمين الذي كلف بالرسالة إليك وكلفت باتباع رسالته فعنها يسأل بلاغا وأنت تسأل عنها اتباعا: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] وما من شك في أن كل واحد من الناس سوف يسير في عمله على خطة مرسومة فإما أن تكون طريقة النبيين أو طريق الضالين فانظر أي الطريقين أهدى وأقوم. أما إقامة الصلاة فما أيسرها وأسهلها وما أنفعها للقلب والبدن والفرد والمجتمع فهي صلة بينك وبين ربك تقوم بين يديه خاشعا خاضعا متقربا إليه بما شرعه لك سائلا منه حاجات دنياك وأخراك تنمي دينك وتحط ذنوبك وتلحقك بالصالحين وتستعين بها على أمور دينك ودنياك وتنهاك عن الفحشاء والمنكر.
أما إيتاء الزكاة وهو القسط المعلوم الذي تؤديه عن مالك لمواساة إخوانك أو لصالح الإسلام فما أيسره وما أنفعه يتطهر به المزكي من الأخلاق الرذيلة ومن الذنوب المثقلة إن الصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفئ الماء النار وهو قسط ضئيل من مالك ربع العشر من الذهب والفضة والعروض من كل مائتين خمسة دراهم. أما صيام رمضان فشهر واحد في السنة تمتنع فيه في النهار عما تشتهيه نفسك من طعام وشراب ونكاح تقربا إلى ربك وتقديما لمرضاته على ما تشتهيه مع ما فيه من فوائد كثيرة معلومة. وأما حج البيت فمرة واحدة في العمر على المستطيع يتوجه إلى بيت الله وشعائره يعظم ربه عندها ويعبده ويسأله حوائج دينه ودنياه ولا تسأل المحب عن حبه لبيت حبيبه وأماكن قربه والتعبد له في تلك الأماكن العظيمة مع ما في الحج من المنافع الدينية والدنيوية.
ثم الإسلام أيها المسلمون مفخرة عظيمة لأهله لأنه يأمر بكل خلق فاضل وينهى عن كل خلق سافل يأمر بكل تقدم إلى ما فيه الخير، يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]- ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]- ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] والنبي ﷺ يقول «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير» . «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا فإن لو تفتح عمل الشيطان»
стр. 84
فهل بعد هذا من دليل أو برهان على أن هذا الدين دين الحق واليسر والسهولة والتقدم فلا باطل ولا عسر ولا تأخر ولكن حق ويسر وتقدم للخير ورجوع عن الشر ومن شك في ذلك فلينظر لتاريخ ماضينا وأمجادنا في الإسلام فتحوا القلوب بالإيمان والعلم وفتحوا البلاد بالحق والعدل نسأل الله أن يبصرنا في ديننا ويرزقنا التمسك به والوفاة عليه أنه جواد كريم.
стр. 85
[الخطبة الثانية في سهولة الدين وإصلاحه للمجتمع أيضا]
الخطبة الثانية
في سهولة الدين وإصلاحه للمجتمع أيضا الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وتبارك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور والحمد لله الذي شرع لعباده فيسر ودعاهم لما تزكوا به أنفسهم وتتطهر وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وكل شيء عنده بأجل مقدر وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أبلغ من وعظ وأصدق من وعد وأنصح من بشر وأنذر صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه خير صحب ومعشر وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم المحشر وسلم تسليما.
أما بعد: أيها المسلمون اتقوا الله تعالى واعلموا أن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير فإذا كان يوم القيامة تبرأ منهم وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير.
ألا وإن من عداوة الشيطان أن يصور لكم دينكم أبشع تصوير يصوره لكم بأنه يحبس الحرية ويضيق على العبد ويكلفه بما لا يطيق ويمنعه من التقدم والانطلاق إلى غير ذلك مما يوسوس به لكم ولكن العاقل إذا تأمل أقل تأمل تبين له أن دين الإسلام هو دين اليسر والسهولة والتعقل والتقدم النافع والانطلاق إلى الخير. أيها المسلمون: لقد بني الإسلام على خمسة أركان شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا وكل هذه الأركان يسيرة سهلة على من يسرها الله عليه فهل من الصعب أن تشهد بلسانك معتقدا بقلبك بأنه لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله هل من حبس الحرية أن تكون عبدا لربك الذي خلقك ورزقك وأمدك بما تحتاجه وهيأك وأعدك لما يلزمك من شؤونك لا والله بل هذا هو الحرية وإنما حبس الحرية أن تكون عبدا لهواك أو للدرهم والدينار أو لفلان وفلان أم هل من حبس الحرية أن تكون متبعا لرسول الله ﷺ الذي كانت سنته أفضل سنة، سنة مبنية على القصد بلا غلو ولا تفريط فليس فيها تهور تكون نتيجته عكسية وليس فيها تماوت وتفريط تفوت به الأمور بل هي طريقة وسط لا وكس فيها ولا شطط وإن أي إنسان يتجرد من متابعة نبيه ﷺ فلا بد أن يكون متبعا لغيره ممن ضل عن الصراط المستقيم فماذا بعد الحق إلا الضلال. أيها الناس هل
стр. 86
من الصعوبة أن تقوم قانتا في كل يوم وليلة خمس مرات فقط بهذه الصلوات الخمس تتنعم بذكر ربك وتحيي قلبك بالصلة به وتسأل ما شئت من حاجات دنياك وآخرتك وأقرب ما تكون من ربك وأنت ساجد ومع ذلك فهذه الصلوات الخمس لا تستغرق إلا جزءا يسيرا من وقتك وهي مفرقة على الساعات في اليوم والليلة حتى لا تتعب بأدائها دفعة واحدة ولئلا تنقطع الصلة بينك وبين ربك مدة أكثر ثم هذه الصلوات لها من النتائج الطيبة للقلب والإيمان والثواب ما هو معلوم فالصلوات الخمس مكفرات لما بينهن من الذنوب ما اجتنبت الكبائر. والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وهي نور في القلب والوجه والقبر والقيامة. أيها الناس هل من الصعوبة أن يبذل الإنسان جزءا من ماله الذي أنعم الله به عليه لمواساة إخوانه الفقراء والغارمين أو من أجل مصلحة المسلمين والإسلام فالزكاة أمر يسير من كل مائتي درهم خمسة دراهم ومن كل عشرين دينارا نصف دينار فهل في ذلك من مشقة ألم يك في الأنظمة الجائرة أن يكون الإنسان مقيدا في ماله مشاركا في كل جزء منه فاحمدوا الله على نعمة الإسلام واسألوه أن يثبتكم عليها ويحفظها لكم. أيها المسلمون هل من المشقة أن يصوم الإنسان شهرا واحدا من السنة تقربا إلى الله وتقديرا لنعمته عليه بالغنى وتكميلا لعبوديته بترك ما تشتهيه نفسه لما يرضي ربه ثم مع ذلك للصيام فوائد كثيرة معلومة أم هل من الصعوبة أن يؤدي العبد فريضة الحج مرة واحدة في العمر إن استطاع إلى ذلك سبيلا فيتعبد لله تعالى بأداء المناسك وتعظيم الحرمات والشعائر ويحصل له الاجتماع بالمسلمين من كل قطر فيتعرف عليهم ويفيدهم ويفيدونه ثم من حج البيت ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.
أيها المسلمون، الإسلام يأمركم بكل تقدم نافع قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥] فأمرنا بالمشي في مناكب الأرض أي جهاتها ثم أمرنا بالأكل من رزقه ومعنى ذلك أن نسعى بطلب هذا الرزق إذ لا يمكن تحصيله إلا بأسبابه والناس يختلفون في سلوك ما يلائمهم من أسباب الرزق فمنهم من يحصله بالتجارة ومنهم من يحصله بالصناعة ومنهم من يحصله بالزراعة ومنهم من يحصله بالعمل إلى غير ذلك من أسباب الرزق ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥] وهذا تحذير من الله
стр. 87
لعباده أن يسلكوا في تحصيل رزقهم سبلا حرمها الله عليهم فإنهم راجعون إليه ومحاسبهم عليها.
فالإسلام دين اليسر والسهولة والمصالح والانطلاق النافع لا صعوبة فيه ولا تهور ولا خمول ولا فوضى فنسأل الله تعالى الكريم المنان الواسع الفضل أن يمن علينا وعليكم بلزوم الإسلام والوفاة على الإيمان إنه جواد كريم.
стр. 88
[الخطبة الثالثة في أن الإسلام نظام كامل مصلح للخلق]
الخطبة الثالثة
في أن الإسلام نظام كامل مصلح للخلق الحمد لله الذي بعث محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق وشرع له من الدين ما وصى به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم فهو أفضل الأديان وأنفعها للخلق وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واحمدوا ربكم على ما أنعم به عليكم من دين الإسلام الذي هو أفضل الأديان السماوية وأقومها فقد أعطى كل ذي حق حقه ففي مقام العبودية جعل العبادة لله وحده لا شريك له لأنه هو الخالق وحده فيجب أن تكون العبادة له وهو المحبوب المعظم لذاته فوجب أن يكون القصد والعمل له وإليه فالسجود والركوع والذبح على سبيل العبادة والتقرب لا يصح إلا لله فمن سجد أو ركع أو ذبح لغيره تعظيما وتقربا إليه فهو كافر بالله ومشرك به ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار وفي مقام الحرب والسلم سماه الله تعالى سلما لأنه متضمن للسلم فلا عدوان ولا ظلم لكن من قام في وجه الدين والدعوة إليه فقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فالكافر وهو الكافر إذا أدى الجزية صاغرا ذليلا ورضخ لأحكام الإسلام فإنه معصوم الدم والمال يعيش في أمان تحت ظل الإسلام وحماية المسلمين وفي مقام القوة والدفاع عن الدين والنفس يأمر بالاستعداد وأخذ الحذر والتيقظ والعمل على ما يغيظ الأعداء ويرهبهم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] وفي مقام الوحدة والصمود أمام العدو يأمر بالاتحاد والأخوة وعدم التفرق ذلك لأن التفرق سلاح فتاك يوجب خلل الصفوف وتباين الأهداف والأغراض: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦]
стр. 89
فالوحدة الإيمانية الدينية هي الوحدة النافعة التي يتكتل أفرادها في الدفاع عن عقيدتهم ودينهم والاشتراك في الدين والعقيدة هو أعظم مقومات الوحدة لأن دفاع الإنسان عن دينه وعقيدته أعظم من دفاعه عن وطنه وقوميته لأنه لا سعادة له في دنياه وآخرته إلا بدينه وأما الوطن والقومية غير الدينية فإن الإنسان يمكنه أن يعيش عيشة سعيدة إذا استقام دينه وإن لم يكن في وطنه أو بين قومه وقد شرع للناس من الأمور ما تستقيم به هذه الوحدة فالصلوات الخمس جماعة في المساجد وحدة خاصة لأهل المحلة المتقاربة وصلاة الجمعة وحدة أعم منها لأهل البلد ويوم عرفة وعيد النحر وحدة عامة للمسلمين من مشارق الأرض ومغاربها مع ما في هذه الاجتماعات من المصالح العظيمة الأخرى.
وفي مقام المعاملة بين الخلق يأمر بإعطاء كل ذي حق حقه فللنفس حق يجب أن تعطاه وللأهل حق يجب بذله لهم وللأصحاب حق يجب أن لا يحرموه ولمن تعامله حق يجب أن تعامله به عامل غيرك بالصدق والبيان ولا تعامله بالكذب والكتمان فمن غش فليس منا وفي مقام المعاهدات بيننا وبين غيرنا يأمرنا بالوفاء بها وينهانا عن الغدر والخيانة حتى الكفار إذا كان بيننا وبينهم عهد وجب علينا الوفاء فإن خفنا من غدرهم فإننا لا نخونهم بل نخبرهم بأنه لا عهد بيننا وبينهم: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] والدين يأمر بجميع مكارم الأخلاق جملة وتفصيلا وينهى عن مساوئ الأخلاق جملة وتفصيلا فمن تأمل الإسلام حق التأمل وجده الدين الحق الكفيل بسعادة الدنيا والآخرة للأفراد والشعوب والحكومات الدين الذي يجب على كل أحد أن يتمسك به ويدعو إليه فاحمدوا ربكم أيها المسلمون أن أنعم عليكم بهذا الدين وقيدوا هذه النعمة بالعمل بما جاء به النبي ﷺ ظاهرا وباطنا سرا وعلنا فإنكم إن تعرضوا عنه يوشك أن ينزع من بينكم ويورث غيركم لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] والنعمة إذا شكرت بقيت وزادت وإن هي كفرت اضمحلت وزالت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
стр. 90
[الخطبة الرابعة في أن من محاسن الإسلام الإيمان بجميع الكتب والرسل]
الخطبة الرابعة
في أن من محاسن الإسلام الإيمان بجميع الكتب والرسل الحمد لله الذي بعث النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه نحمده على إحسانه الكامل ونشكره على فضله الوافر وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإن رغم أنف الكافر وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من دعا إلى الله وجاهد في سبيله وصابر صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم يجمع الله فيه بين الأول والآخر وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعرفوا نعمته على خلقه بإرسال الرسل وإنزال الكتب فإن حاجة الناس بل ضرورتهم إلى ذلك أعظم من حاجتهم وضرورتهم إلى الطعام والشراب والهواء فإن الله خلقهم أول ما خلقهم على الفطرة وأوحى إلى أبيهم آدم بما تتوقف عليه مصلحتهم في ذلك الوقت ثم لما طال الزمن وكثر بنو آدم اختلفوا فيما بينهم فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه فأول رسول بعثه الله نوح ﵊ وما زال الله تعالى يبعث الرسل من حين لآخر بحسب ما تتطلبه مصلحة عباده حتى ختم الله أنبياءه ورسله بخاتم النبيين محمد ﷺ وكان عدة الأنبياء مئة وعشرين ألفا منهم ثلثمائة وبضعة عشر رسولا فآمنوا بهذه الكتب وآمنوا بهؤلاء الرسل وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فالإيمان بالكتب أن تؤمنوا بما سمى الله لكم وعينه باسمه فتؤمنوا بالصحف التي أنزلها على إبراهيم وبالتوراة التي أنزلها الله على موسى وبالزبور الذي آتاه الله داود وبالإنجيل الذي أنزله الله على عيسى وبالفرقان وهو القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ وعليهم أجمعين وأما ما لم يعينه الله لكم من الكتب فتؤمنون به على وجه الإجمال أي تؤمنون بكل كتاب أنزله الله على كل نبي من الأنبياء ومن الإيمان بالكتب الإيمان بأن هذا القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ كلام الله تكلم به حقيقة وألقاه إلى جبريل القوي الأمين ثم نزل به جبريل على قلب محمد ﷺ فوعاه لفظا ومعنى وبلغه إلى أمته بلغه الصحابة ﵃ الذين هم أكمل هذه الأمة إيمانا وأحفظهم أمانة فلم يمض بعد النبي ﷺ زمن الخلفاء الراشدين حتى
стр. 91
جمعوه وحفظوه وأدوه إليكم كاملا من غير زيادة ولا نقص على الوجه الذي تقرأونه حفظوه وجمعوه قبل زمن التفرق والأهواء وهذا من عناية الله بكتابه المبين فإنه تكفل بحفظه حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]
أما الإيمان بالرسل والأنبياء فالواجب أن يؤمن العبد بكل نبي وبكل رسول أرسله الله فمن سماه الله لنا منهم آمنا به بعينه ومن لم يسمه آمنا به عموما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] فالذين قص الله علينا محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح وداود وسليمان وأيوب ويوسف وهارون وزكريا ويحيي وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوط وهود وصالح وشعيب وإدريس وإسحق ويعقوب ومن الإيمان بالرسل والكتب أن تصدق بأخبارها وتعتقد أنها حق وأن تعمل بما أوجب الله عليك العمل به من أحكامها وتعتقد أنها أحسن الأحكام وأنفعها للخلق في دينهم ودنياهم. فمن كذب رسولا أو كتابا أو كفر به فهو كافر بالجميع ومن رفض الأحكام التي شرعها الله لعباده وحكم بغير ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ومن حقق قول الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] من حقق ذلك كان من المؤمنين بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 92
[الخطبة الخامسة في الميزان والحكمة]
الخطبة الخامسة
في الميزان والحكمة الحمد لله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ووهب الآدميين عقولا يميزون بها بين الحق والباطل والصدق والبهتان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الديان وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المؤيد بالبرهان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واحمدوه على ما وهبكم من العقول التي بها تعقلون الأمور وتدركون وبها تميزون بين الحق والباطل وتحكمون فالعقل من أكبر نعم الله على العبد إذا استعمله فيما هو له من التعقل والنظر والتفكير والتروي في الأمور وعدم التسرع في التصرف والتدبير ولقد جاءت الكتب السماوية مؤيدة لذلك فأتت بالموازنة بين الأشياء والحكم عليها بالعدل والمساواة بالأدلة والبينات قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]
أيها المسلمون: إذا أراد أحدكم أن يقول شيئا فليزن كلامه ولينظر ماذا يترتب عليه فإن ترتب عليه خير أقدم ولم يتردد وإن ترتب عليه شر أمسك عنه وأبعد قال النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» إذا أراد أحدكم أن يفعل شيئا فلينظر هل في فعله خير أم الخير في تركه فإن كان الخير في تركه تركه وإذا كان في فعله خير فلينظر هل يشغله عما هو أهم وأفضل أو لا فإن كان يشغله عما هو أهم منه وأفضل تركه لأن العاقل لا يمكنه عقله أن يشتغل بالمفضول عن الفاضل لأن ذلك إضاعة لفضل الفاضل.
وإذا رأيت من أخيك خطيئة فاقرنها بصوابه وحسناته واحكم عليه بالعدل وإن كثيرا من الناس في هذه النقطة بالذات يجورون جورا كبيرا في حكمهم إذا رأوا من صاحبهم سيئة واحدة حكموا عليه بمقتضاها وعموا عن الحسنات الكثيرة سواها وهذا نقص في العقل وجور في الحكم وهو من صفات المرأة لو أحسنت إليها الدهر كله ثم رأت منك سوءا قالت ما رأيت خيرا قط. وإذا سمعت من يتبجح بالدين ونصرته وأنه سند له فانظر إلى أفعاله فإن كانت في نصرة الإسلام والمسلمين والدفاع عنهم وجمع كلمتهم وتحكيم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فدعواه حق وكلامه صدق وإن كانت أفعاله بخلاف ذلك يصادم الدين ويسعى في
стр. 93
التفريق بين المسلمين ويحكم القوانين الوضعية المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فاعلم أن دعواه باطلة وأن قوله كذب مهما بهرج ومهما زخرف فإن العاقل لا ينخدع بزخارف القول وبهرجة الكلام فقد حكى الله تعالى عن المنافقين أنهم إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون فقال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢]
وحكى الله عن فرعون أنه قال لقومه ما أهديكم إلا سبيل الرشاد وقد قال الله تعالى فيه: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٩] فالعاقل أيها الناس لا ينخدع بالأقوال ولا يحكم على القائل بمقتضاها إذا كان الفعل يخالف القول.
أيها الناس وإن من العدل والميزان ما جاءت به الشرائع من المساواة عند تساوي الأسباب والحقوق في الحكم بين الناس فإن الحكم بينهم يجب عليه العدل في حكمه وقوله وفعله فلا يحابي قريبا ولا صديقا ولا شريفا ولا يفضلهم على من سواهم فيما هو مساو لهم فيه ومن ذلك العدل بين الأولاد فلا يجوز أن يفضل بعضهم على بعض في العطايا والهبات لقول النبي ﷺ : «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» وإذا كان بعض الأولاد يبره أكثر من الآخر فلا يبره والده بالعطية ويفضله على غيره بل بره لوالده أجره على الله وأما الوالد فعليه التسوية بين أولاده لأنه إذا فضل من يبره كان ذلك إغراء للآخر بالتمادي في عقوقه وأيضا فإنه لا يدري فقد تنقلب الحال فيكون البار عاقا والعاق بارا.
ومن ذلك العدل بين الزوجات إذا كان للرجل زوجتان فأكثر فإن من كان له زوجتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل والعياذ بالله.
أيها الناس إن العدل في الأمور والموازنة بينها والحكم للراجح فيها وتسويتها في الحكم عند التساوي لقاعدة كبيرة يجب على العاقل أن يتمشى عليها في سيره إلى الله وفي سيره مع عباد الله ليكون قائما بالقسط والله يحب المقسطين. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . الخ.
стр. 94
[الخطبة السادسة من محاسن الإسلام العدل في التصرفات]
الخطبة السادسة
من محاسن الإسلام العدل في التصرفات الحمد لله اللطيف المنان المتفضل علىعباده بأنواع الإحسان علم حال الإنسان فرحمه وشرع الشرع فيسره ولم يكلف الإنسان إلا ما أطاق وهذا غاية الفضل والامتنان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعرفوا نعمته عليكم بما شرع لكم من العبادات التي تصلون بها إلى أعلى الدرجات وأكمل المقامات فلقد شرع الله لنا عبادات ميسرة مصلحة للقلب والبدن والدنيا والدين ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها لو تأملنا العبادات البدنية لوجدناها لا تستغرق من أوقاتنا وأعمالنا إلا القليل ولو نظرنا إلى العبادات لرأيناها لا تطلب من مالنا إلا القليل ومع ذلك فإن ثمرات هذه الأعمال القليلة والأموال المبذولة اليسيرة ثمراتها كثيرة كبيرة لأن ثمراتها صلاح الدنيا والآخرة ولك مع هذا كله إذا فكرنا في أمرنا وجدنا أننا نفرط في هذه العبادات ونبالغ في طلب اللذائذ والشهوات. أعمال الدنيا نحرص على إدراكها وتحصيلها ونتأنى ونتمهل في تنميتها وتكميلها مع أننا نعلم أننا لن نخلد فيها ولن تخلد لنا وأن الأعمال الصالحة هي التي ستبقى لنا ونخلد لها عند حصول ثوابها تجد الكثير يتوانى عن القيام إلى صلاته وإذا قام إليها أداها بسرعة مخلة بها لا يطمئن ولا يتمهل ولا يتدبر ما يقول وربما كان بدنه حاضرا وقلبه غائب يتجول في دنياه فيخرج من صلاته لا يعقل منها شيئا ولو طلب منه أن يعمل عملا لدنياه لتمهل فيه وتأنى وحرص على تكميله وتنميقه وأشغل فكره وبدنه لذلك ولو أضاع من أجله الوقت الكثير فهل من العدل والعقل أن يجحف الإنسان بعمل الآخرة ويؤدي عمل الدنيا كاملا مكملا مع أن عمل الدنيا زائل وعمل الآخرة هو الباقي قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦] يطلب من الإنسان أن يؤدي زكاة ماله فيبخل في ذلك ويشح عليه وإذا أخرجها فربما يخرجها على وجه ناقص لا تبرأ به الذمة ولكنه مع ذلك يسهل عليه غاية السهولة أن يبذل المال في أمور دنياه التي ربما كانت وبالا عليه ونقصا في دينه فما أكثر ما يبذل من ماله في الأمور الكماليات التي يترفه بها ويتنعم وما أقل ما يبذله من ماله فيما
стр. 95
يجب عليه من زكاة وكفارات ونفقات الأهل والأقارب فهل هذا من العدل والإنصاف.
كثير من الناس يصعب عليه أن يبذل ماله وبدنه في الحج إلى بيت الله ولكنه يسهل عليه أن يبذل ماله وجهده وبدنه في السياحة إلى البلاد يمينا وشمالا وربما كانت سياحة يغيب بها عن أهله وولده فيضيع عليهم فرصة وجوده عندهم وتأديبه لهم وهكذا كلما نظرنا في أمرنا وجدنا أننا أو الكثير منا مجحفون في أعمال الآخرة مقصرون فيها ومسرفون في أعمال الدنيا ومغالون فيها وليس هذا من العدل قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى - وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى - وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١] وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧]
أيها الناس إنه لم يطلب منكم أن تتركوا أعمال الدنيا كلها ولا يمكن أن يطلب ذلك لأن من ضرورة بقاء الإنسان في الدنيا أن يعمل لها ولكن المطلوب منكم ألا تؤثروها على الآخرة وألا تكون هي أكبر همكم وكأنما خلقتم لها وكأنها دار المقر ولكن خذوا منها بنصيب واعملوا للآخرة على الوجه المطلوب وإذا عملتم لها فأجيدوا العمل وأتقنوه كما كنتم تجيدون العمل للدنيا وتتقنونه فإن لم تفعلوا فقد آثرتم الدنيا على الآخرة وبؤتم بالإثم والخسارة الفادحة اللهم وفقنا لما تحب وترضى وهيئ لنا من أمرنا رشدا واغفر لنا وللمسلمين إنك أنت الغفور الرحيم.
стр. 96
[الخطبة السابعة في سهولة الإسلام وشموله لأنواع العبادات]
الخطبة السابعة
في سهولة الإسلام وشموله لأنواع العبادات الحمد لله الذي جعل الآجال مقادير للأعمار، وجعل هذه الأعمار مواقيت للأعمال، وكتب الفلاح لمن شغلها بالأعمال الصالحات والخسارة لمن فرط فيها فأضاعها، وشغلها بالأعمال السيئات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرض والسماوات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل المخلوقات صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما تعاقبت الأزمان والأوقات وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، واعلموا أن عمل المؤمن لا ينتهي بانتهاء مواسم العبادة وإنما ينتهي بالموت؛ لأن العمر كله محل للطاعة، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] فاعمروا أوقاتكم بطاعة الله وما يقربكم إليه، واعلموا أن الله تعالى قد سهل العبادة، ويسرها غاية التيسير، وجعل للخير أبوابا ليلجها من للخير يقصد ويسير، انظروا إلى الصلاة التي هي آكد أركان الإسلام بعد التوحيد تجدوها قليلة الكلفة كثيرة الأجر فهي خمس في الفعل وخمسون في الميزان مفرقة في أوقات مناسبة حتى لا يحصل الملل للكسلان، وإذا أقامها الإنسان في جماعة كانت الصلاة مع الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، وهذه النوافل التابعة للمكتوبات اثنتا عشرة ركعة؛ أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل صلاة الفجر من صلاهن بنى الله له بيتا في الجنة، وهذه الأذكار خلف الصلوات المكتوبات من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين فتلك تسع وتسعون، وقال: تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر، وهذا الوتر سنة النبي ﷺ وقال: «إن الله وتر يحب الوتر وأقله ركعة واحدة، وأكثره إحدى عشرة ركعة وهو مؤكد لا ينبغي للإنسان تركه» قال الإمام أحمد: من ترك الوتر فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادته، ووقت الوتر من صلاة العشاء الآخرة ولو في حال الجمع إلى طلوع الفجر، وإذا توضأ الإنسان فأسبغ الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء وهذه الصدقات إذا كانت
стр. 97
بنية خالصة ومن كسب طيب فإن الله يقبلها بيمينه ويربيها لصاحبها حتى يكون ما يعادل التمرة مثل الجبل العظيم، فالرجل ينفق على نفسه، وينفق على أهله، وينفق على ولده، وينفق على بهائمه يحتسب الأجر بذلك على الله، فيكون له أجر، قال النبي ﷺ : «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة، فيحمده عليها، ويشرب الشربة، فيحمده عليها» وقال لسعد بن أبي وقاص: «واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فم امرأتك» ، وقال: «الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله، وأحسبه قال: كالصائم لا يفطر، وكالقائم لا يفتر» ، والساعي على الأرملة والمساكين هو الذي يطلب الرزق لهم، ويكون في حاجتهم، فأولادك الصغار الذين لا يستطيعون القيام بأنفسهم هم عن المساكين، فالسعي عليهم كالجهاد في سبيل الله، وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «خلق الله ابن آدم على ستين وثلثمائة مفصل من ذكر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، وعزل حجرا عن طريق المسلمين، أو عزل شوكة، أو عزل عظما، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلثمائة أمسى من يومه، وقد زحزح نفسه عن النار، وقال: يصبح على كل سلامى يعني كل عضو من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزي من ذلك ركعتان يركعهما في الضحى» وقال: «ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجك فهو لك صدقة» ، وقال: «في بضع أحدكم يعني إتيان أهله صدقة» ، فأبواب الخير كثيرة جدا، فالكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 98
[الفرع التاسع آداب إسلامية]
[الخطبة الأولى نماذج من حقوق المسلم على أخيه]
الفرع التاسع
آداب إسلامية الخطبة الأولى
نماذج من حقوق المسلم على أخيه الحمد لله الذي جعل المؤمنين إخوة في الإيمان، وشبههم في دعم بعضهم بعضا وشد بعضهم بعضا وقيام بعضهم ببعض بالبنيان، وشرع لهم من الأسباب ما تقوم به تلك الإخوة، وتستمر على مدى الزمان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الألوهية والأسماء والصفات والسلطان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث إلى جميع الإنس والجان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، واعلموا أنكم في الدين إخوة، وأن هذه الإخوة والرابطة الدينية أقوى من كل رابطة وصلة، فيوم القيامة لا أنساب بينكم ولكن الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين، فحققوا أيها المؤمنون هذه الإخوة بالتحاب بينكم والتآلف ومحبة الخير بعضكم لبعض والتعاون على الخير وفعل الأسباب التي تقوي ذلك وتنميه واجتناب الأسباب التي تضعف ذلك وتنقصه، فالأمة لا تكون أمة، ولا يجتمع لها قوة حتى تكون كما وصفها نبيها ﷺ بقوله: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» . أيها الإخوة: لقد شرع الله لكم ما يقوي اتحادكم، وينمي المحبة بينكم، ويزيل العداوة والفرقة، شرع لكم أن يسلم بعضكم على بعض، فالسلام يغرس المحبة والألفة، والهجر يوجب البغضاء والوحشة، فإذا لقي بعضكم بعضا فليسلم عليه، وخيركم من يبدأ بالسلام، وليجبه المسلم عليه ببشاشة وانطلاق وجه بجواب يسمعه، ويكون مثل سلامه أو خيرا منه، وشرع لكم أن يعود بعضكم بعضا إذا مرض، فعيادة المريض تجلب المودة، وترقق القلب، وتزيد في الإيمان، وتوجب الثواب. فمن عاد مريضا ناداه مناد من السماء طبت، وطاب ممشاك، ومن عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع قيل: يا رسول الله وما خرفة الجنة؟ قال جناها، وإذا عاد أحدكم المريض، فليوسع عليه الأمر، ويقول ما يفرحه من ذكر ثواب الصابرين وانتظار الفرج، وأنه طيب ولا بأس عليه، ويفتح له باب التوبة واغتنام الوقت بالذكر والقراءة والتسبيح والاستغفار وغيرها مما يقرب إلى الله، ويرشده كيف يتطهر بالماء أو التيمم وكيف يصلي وكيف
стр. 99
يوصي لأن كثيرا من المرضى يجهل ذلك، وشرع لكم الإصلاح بين الناس، فقد قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] وفي الحديث أن النبي ﷺ قال لأبي أيوب: «ألا أدلك على تجارة؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: تسعى في إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارب بينهم إذا تباعدوا» ، فالموفق إذا رأى بين اثنين عداوة وتباعدا سعى بينهما في إزالة تلك العداوة والتباعد حتى تنقلب العداوة صداقة والتباعد قربا، وفي هذه الحال يحصل على خير كثير وأجر كبير، ولقد شرع النبي ﷺ لكم إذا سمعتم العاطس المسلم يحمد الله أن تقولوا له: يرحمك الله، ويرد عليكم يهديكم ويصلح بالكم، وشرع لكم المهاداة فيما بينكم، وأخبر أن الهدية تذهب السخيمة، وتوجب الرحمة، وكل أمر يوجب ارتباط المسلمين واتحادهم فهو مشروع ومأمور به، ومن ذلك تشاور أهل الرأي في الأمور العامة التي تهم المسلمين، فإذا اجتمع المسلمون على أمورهم وتشاوروا بينهم فما أحراهم بالتوفيق إلى الصواب، وما أقربهم من النجاح.
وفي مقابلة ذلك نهى النبي ﷺ عن كل ما يوجب تفرق المسلمين وتباعدهم، فنهى أن يهجر الرجل أخاه فوق ثلاث يدبر هذا، ويدبر هذا، فلا يسلم أحدهما على الآخر، ولا يزيل الوحشة والعداوة التي بينهما، وهذا خلق ذميم لعب الشيطان فيه علي بعض الناس حتى أوقعهم فيه، فنجد الرجلين كل منهما يحب الخير، ويعمل ما يعمل منه ويعد من أهل الديانة، ولكن الشيطان قد خدعه، فكان يهجر أخاه لأغراض شخصية ومصالح دنيوية، ولم يعلم المسكين أن الإسلام أسمى من أن تؤثر الأغراض الشخصية أو المصالح الدنيوية في الصلة بين أبنائه. ولقد قال النبي ﷺ : «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث، فمات دخل النار» وقال ﷺ : «تعرض الأعمال في كل يوم اثنين وخميس، فيغفر الله في ذلك اليوم لكل امريء لا يشرك بالله شيئا إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا» . فهجر المسلم حرام إلا أن يكون مجاهرا بمعصية، ويحصل بهجره ردع له عنها أو تخفيف أو ردع لغيره فيهجر تحصيلا لهذه المصلحة.
ولقد جاء الشرع بتحريم النميمة والسعي بين الناس بالإفساد بينهم فقال النبي ﷺ :
стр. 100
«لا يدخل الجنة نمام» ونهى عن السباب والشتم؛ لأن ذلك يحدث العداوة والبغضاء، فتآلفوا أيها المؤمنون بينكم، وأزيلوا العداوة والبغضاء بينكم، وكونوا عباد الله إخوانا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 101
[الخطبة الثانية في آداب إسلامية]
الخطبة الثانية
في آداب إسلامية الحمد لله الذي أتم علينا نعمته، وأكمل لنا الدين، وشرع لنا من الأعمال الصالحات أنواعا وأصنافا لنتقرب بها إلى رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أكرم الأكرمين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى على جميع المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: أيها المؤمنون اتقوا الله، واعلموا أن الإنسان إذا أصبح كان عليه لكل عظم من عظامه صدقة لكنها صدقة لا تختص بالمال بل تعم جميع ما يقرب إلى الله من الأقوال والأعمال، ففي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس» ثم بين النبي ﷺ نوع هذه الصدقة، فقال: «تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته، فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة، فجعل النبي ﷺ العدل بين اثنين صدقة، فمن عدل بين اثنين في القضاء بينهما، أو عدل بينهما، فأصلح بينهما فهو له صدقة» ، ومن عدل بين أولاده فيما يجب العدل عليه فيه بينهم فهو له صدقة، ومن عدل بين زوجتيه في القسم فهو له صدقة، وجعل النبي ﷺ إعانة الرجل في دابته صدقة، فمن وجد رجلا لا يستطيع الركوب على دابته، فأمسكها حتى يركب، أو حمله عليها فذلك صدقة، ومن وجد شخصا يريد أن يحمل على دابته شيئا، فساعده على حمله، أو أمسك دابته فهو صدقة، وجعل النبي ﷺ الكلمة الطيبة صدقة، والكلمة الطيبة تشمل كل قول يقرب إلى الله تعالى، فالأمر بالمعروف صدقة، والنهي عن المنكر صدقة، وبكل تسبيحة أو تكبيرة أو تهليلة صدقة، وتعليم العلم النافع صدقة، وابتداء السلام، ورده صدقة، وجعل النبي ﷺ بكل خطوة يخطوها العبد إلى الصلاة صدقة، وكلما بعدت طريق الصلاة كانت الصدقات أكثر، وهذا من أكبر فضائل صلاة الجماعة في المساجد، وجعل النبي ﷺ إزالة الأذى عن الطريق صدقة، فمن عزل حجرا أو شوكة أو عظما عن طريق الناس، فذلك صدقة يثاب عليها، ويؤجر وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فأدخل الجنة» وفي رواية: «لقد رأيت رجلا
стр. 102
يتقلب في الجنة أي: يروح فيها: ويجيء كما شاء من شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس» ، وفي رواية «بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق، فأخره، فشكر الله له، فغفر له» ، ويدخل في إماطة الأذى عن الطريق تسهيل الطرقات الصعبة التي تشق على من سلكها، وتؤذيهم فإن في إصلاحها وتسهيلها إزالة لأذاها ومشقتها، فمن ساهم في ذلك بماله أو بدنه، فقد فعل خيرا، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله والإحسان إلى عباد الله، فسوف يلقى الذكر الطيب في الدنيا والثواب الجزيل في الأخرى إن شاء الله؛ وفقني الله وإياكم إلى المسارعة في الخيرات والمساهمة في جميع المشاريع النافعة، وجعل عملنا خالصا لوجهه موافقا لمرضاته إنه قريب مجيب الدعوات. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 103
[الخطبة الثالثة في مقتضى الإخوة الإسلامية]
الخطبة الثالثة
في مقتضى الإخوة الإسلامية الحمد لله الذي بعث محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق، فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وجمع به بعد الفرقة، وألف به بعد العداوة، والحمد لله الذي جعل التآخي بين المؤمنين من مقتضيات الإيمان، وأوجب عليهم ما يقوم هذه الإخوة من الدعائم والأركان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، الملك الحق الديان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أشرف بني الإنسان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين له بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، وحققوا إيمانكم بتحقيق ما جاء به نبيكم ﷺ ؛ طلبا، وخبرا، فإن السعادة لا تحصل إلا بامتثال أمر الله ورسوله، والسير على نهجه وطريقه، أيها الناس: قال النبي ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» هكذا أخبر النبي ﷺ بأن المسلم أخو المسلم وأمر بذلك في قوله: «كونوا عباد الله إخوانا» فهذه الإخوة التي أمرنا بها ليست أخوة في اللسان فحسب، ولكنها أخوة عميقة كامنة في النفوس والقلوب غراسها إخلاص الود وثمراتها المعاملة الحسنة لأخيك، والذب عنه أخوة تقتضي أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك تحب أن يكون صالحا، أن يكون عزيزا، أن يكون قويا، أن يكون غنيا، أن يكون متخلقا بالأخلاق الفاضلة كما تحب لنفسك أن تكون كذلك تسعى في نصحه وإرشاده وتقويمه سالكا بذلك أحسن السبل لحصول المقصود كما تحب أن يسعى لك في هذا، تكره لأخيك ما تكره لنفسك، فتكره أن يكون فاسدا، أن يكون ذليلا، أن يكون ضعيفا، أن يكون متخلقا بالأخلاق السافلة تكره ذلك كله لأخيك كما تكرهه لنفسك لا يكفيك إذا كان أخوك، ورأيته على حال لا تحبها لنفسك أن تدعو الله له بإصلاح حاله بل ادع الله له، واستعن بالله على فعل الأسباب التي تنقذه مما تكره، من واجبات هذه الإخوة أن لا تظلمه. لا تظلمه في دمه، ولا تظلمه في ماله، ولا تظلمه في عرضه كما أنك تكره أن تظلم في هذه الأمور هل من الإخوة أن تأكل مال أخيك بغير حق هل من الإخوة أن تعتدي على حقوقه؟ هل من الإخوة أن تقطع رزقه فتبيع على بيعه، وأن تؤجر على إجارته، وأن تفالح على مفالحته، وأن تخطب على خطبته هل ذلك من
стр. 104
الإخوة؟ هل من الإخوة أن تخدعه؟ أن تغدر به إذا عاهدته أن تغشه إذا عاملته؟ هل من الإخوة أن تتبع عوراته؟ فتعلنها، وتنظر إلى حسناته بعين الأعشى، فتسترها هل من الإخوة أن تعتدي على عرضه تغتابه فتأكل لحمه ميتا في كل مجلس؟ لقد شاعت هذه المعصية في الناس، وتهاونوا بها، واحتقروها مع أنها من كبائر الذنوب، «سئل النبي ﷺ عن الغيبة، فقال: " هي ذكرك أخاك بما يكره فقيل: يا رسول الله أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كانت فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول، فقد بهته» . ولقد صارت الغيبة في مجتمعنا عند بعض الناس من فواكه المجالس حتى لا تعمر مجالسهم إلا بها نسأل الله لنا ولهم الهداية.
نعود إلى الحديث فإذا رسول الله ﷺ يقول: «ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته» ما أعظم هذا من ثواب نقد عاجل يكون لأخيك الحاجة، فتقوم بها، وتعينه عليها، فيقوم الله بحاجتك، ويعينك عليها فحقيق بمن آمن بهذا - وكلنا نؤمن به إن شاء الله - حقيق أن يكون في حاجات إخوانه دائما يغيث الملهوف، وينصر المظلوم، ويعين العاجز، ويصلح بين المتخاصمين، ويؤلف بين المتعاديين، ويقضي حاجة من لا يستطيع قضاءها، فيطعم الجائع، ويكسو العاري، ويسقي الظمآن، ويدل الأعمى على الطريق، ومن كان في حاجة أخيه - قليلة كانت أو كثيرة - كان الله في حاجته، والجزاء من جنس العمل، ومن كان الله في حاجته، فلا بد أن تقضي حاجته، وتيسر أموره. يقول النبي ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ - وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٣] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 105
[الخطبة الرابعة نماذج من حقوق المسلم على أخيه]
الخطبة الرابعة
نماذج من حقوق المسلم على أخيه الحمد لله الذي ربط بين المؤمنين بالأخوة الإيمانية، ونماها، وشرع لهم من الأسباب المتنوعة التي تثبت بها أركان تلك الإخوة، وتقوي عراها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فأعظم به ربًّا وإلَهًا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أكمل البرية، وأهداها صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين قاموا بما أوجب الله عليهم من حقوقه وحقوق عباده على أكمل الوجوه وأعلاها وعلى التابعين لهم بإحسان ما طلعت الشمس، وأشرق ضياها، وسلم تسليما.
أما بعد: أيها المؤمنون اتقوا الله تعالى؛ وأدوا ما أوجب الله عليكم من حقوقه وحقوق إخوانكم المؤمنين، وتخلقوا بآداب الإسلام والدين، فإن التخلق بها سبب للخيرات والبركات، والإعراض عنها سبب للشرور والهلكات، واعلموا: أن للمسلم على المسلم حقوقا كثيرة، فمن حقوق المسلم أن تسلم عليه إذا لقيته، فتقول: السلام عليكم. وإن كان بعيدا أو لا يسمع فاجمع بين السلام والإشارة ليعرف أنك تسلم عليه، والسنة أن يسلم الصغير على الكبير، والقليل على الكثير، والراكب على الماشي، والماشي على الواقف، وخير الرجلين من يبدأ صاحبه بالسلام، وإذا لم يسلم من يطلب منه ابتداء السلام؛ فليسلم الآخر، ولا يتركوا السنة.
كيف يليق بالمؤمن أن يقابل أخاه، فيعرض عنه، ولا يسلم عليه، وهو يعلم ما في ذلك من الفضل والاحسان، فإن السلام يزيل العداوة والبغضاء، يجلب الحب والمودة والإخاء، وليرد أحدكم السلام بقوله: وعليكم السلام، وإن زاد ورحمة الله وبركاته أهلا وسهلا كان أحسن، ولا يقتصر أحدكم في رد السلام على قوله: أهلا وسهلا. ومن حقوق المسلم على المسلم أن تنصحه إذا استنصحك، فتشير عليه بما تحبه لنفسك، فإن من غش فليس منا، فإذا شاورك في معاملة شخص أو في تزويجه أو غيره، فإن كنت تعلم منه خيرا فأرشده إليه، وإن كنت تعلم منه شرا، فحذره، وإن كنت لا تدري عنه، فقل له: لا أدري عنه، وإن طلب أن تبين له شيئا من الأمور التي تقتضي البعد عنه، فبينه له «فإن النبي ﷺ جاءته فاطمة بنت قيس تستشيره في نكاح رجلين خطباها من المسلمين، فقال لها: أما فلان فصعلوك لا مال له، وأما فلان فلا يضع العصا عن عاتقه» . وفي رواية: «إنه كان ضرابا للنساء، ولكن انكحي أسامة بن زيد» فبين النبي ﷺ للمرأة ما في الرجلين من العيوب؛ لأن هذا من باب النصيحة. ومن حقوق المسلم على المسلم أن تقول له إذا عطس
стр. 106
فحمد الله: يرحمك الله، فيرد: يهديكم ويصلح بالكم فأما إذا عطس، فلم يحمد الله، فلا تقل له: يرحمك الله. ومن حقوق المسلم على المسلم أن يعوده إذا مرض، فمن عاد أخاه المسلم لم يزل يجني ثمار الجنة حتى يرجع، وينبغي لمن عاد المريض أن يوسع له في أجله، ويدخل السرور عليه مثل أن يقول: أنت اليوم في خير، والشدة لا تدوم، والعافية قريبة إن شاء الله تعالى، وينبغي أن يذكره بفرصة الوقت يقول له: قد أعطاك الله فراغا تستطيع أن تعمره بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والقراءة ونحو ذلك، وأن يذكره الوصية بما عليه من حقوق الله ومن حقوق الناس، فإن الوصية بما على الإنسان مطلوبة في حق الصحيح، فكيف في حق المريض، وينبغي لمن جلس عند المريض أن لا يطيل الجلوس عنده إلا أن يراه منبسطا به ومنشرحا، فيتبع المصلحة، وإذا رأيت المريض يحب أن تقرأ عليه، فبادره بالقراءة عليه قبل أن يسألها، واعلموا أن البشاشة وطلاقة الوجه لإخوانكم من الأمور التي تثابون عليها، فمن كان متصفا بها فليحمد الله، وليسأله المزيد من ذلك، ومن لم يكن متصفا بها، فليمرن نفسه عليها، فإن الإنسان لا يزال يمرن نفسه على الأخلاق الفاضلة حتى تكون من سجاياه وطبائعه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلى آخره.
стр. 107
[الخطبة الخامسة في آداب إسلامية]
الخطبة الخامسة
في آداب إسلامية الحمد لله الذي بين لنا أفضل المسالك وأحسن الآداب ووفق من شاء من عباده لسلوكها وهو الحكيم الوهاب وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وإليه المرجع والمآب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي قام بالأخلاق الفاضلة، وأتمها، وحذر أمته من سفاسفها وأرذلها صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين تمسكوا بآدابه، وانتهجوا مناهجها، وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى، واعلموا أن ما يتصف به الناس من الأخلاق على وجهين: فأخلاق فاضلة شريفة حث الدين عليها، وأمر بها، وأخلاق رذيلة سافلة حذر عنها، وزهد بها ألا وإن من الأخلاق الفاضلة بر الوالدين بالإحسان إليهما قولا وفعلا في الحياة، وبعد الممات ألا وإن من برهما بعد الموت الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ وصيتهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما، ومن الأخلاق الفاضلة صلة الأرحام، وذلك بتعاهدهم بالبر والإنفاق ولطف الكلام، فإن من وصل رحمه وصله الله، ومن قطعها قطعه الله، ومن الأخلاق الفاضلة حسن الجوار، وذلك بإكرام الجار، والتودد إليه بلطف القول له، والهدية إن كان غنيا، وبالصدقة إن كان فقيرا، فما زال جبريل يوصي النبي ﷺ بالجار حتى ظن أنه سيورثه، وحتى قال النبي ﷺ لأبي ذر ﵁: «إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك» ، ومن الآداب الإسلامية الفاضلة: إفشاء السلام، وإظهاره بأن تقول لأخيك المسلم: السلام عليكم، وتشير مع ذلك للبعيد، ولمن لا يسمع، ومن يسلم مرة، فليعدها ثلاثا، ومن رد السلام، فليقل: وعليكم السلام، ولا يقتصر على قول: أهلا وسهلا، ويسلم الصغير على الكبير، والراكب على الماشي، والماضي على القاعد، والقليل على الكثير، وأولى الناس بالله من يبدؤهم السلام، ومن الآداب العالية: ما أمر به النبي ﷺ أمته من حقوق بعضهم على بعض، فقد أمرهم ﷺ بسبع؛ بعيادة المريض واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ونصر الضعيف، وعون المظلوم، وإفشاء السلام، وإبرار المقسم يعني: أن من حلف عليك أن تفعل شيئا، فمن حقه عليك أن تبر بيمينه، ولا تحنثه، ومعنى تشميت العاطس أن تقول لمن عطس، وحمد الله: يرحمك الله، ويجيبك بقوله: يهديكم الله، ويصلح بالكم. ألا وإن من الآداب الفاضلة لين الجانب، وبشاشة الوجه، وسماحة
стр. 108
الخلق، وأن لا يضمر لإخوانه المسلمين بغضا، ولا حسدا، ولا غلا، لينال بذلك حبا منهم، وإجلالا، وقربا، ومن حسن الأخلاق حسن السلوك في المعاملات بأن يكون المرء سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا قضى ما عليه، سمحا إذا اقتضى، وان يكون وافيا بما شرط عليه من الشروط الصحيحة، ولا يتحيل على إسقاطها بأنواع الحيل الباطلة الخسيسة. ألا وإن من الأخلاق الفاضلة: التأديب بالآداب عند الأكل والشرب، فليسم الله عند الأكل والشرب، وليحمد الله تعالى إذا فرغ، وليأكل باليمين، ويشرب باليمين، فإن الأكل بالشمال، والشرب بالشمال من التشبه بالشياطين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ - وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩٠ - ٩١] وفقني الله وإياكم لأحسن الأخلاق وأقومها، ورزقنا بمنه القيام بعبادته فرائضها وسننها، وتوفانا على التوحيد والإيمان، وأعاذنا من الشرك والطغيان والعصيان إنه جواد كريم رؤوف رحيم.
стр. 109
[الخطبة السادسة في الصبر وأقسامه]
الخطبة السادسة
في الصبر وأقسامه الحمد لله الرب الرحيم الرحمن الحكيم بما يقتضيه في كل زمان، اللطيف بعباده حين تقلقهم الهموم والأحزان الذي وعد الصابرين أجرهم بغير عد ولا حسبان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الديان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي صبر على أقدار الله، وعلى طاعة الله، وعن معاصي الله، وعلى إيذاء بني الإنسان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اتبعوا أثرهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، فلا إيمان لمن لا صبر له، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر، وبه يظهر الفرق بين ذوي العزائم والهمم، وبين ذوي الجبن والضعف والخور، والصبر من مقام الأنبياء والمرسلين وحلية الأصفياء المتقين، قال الله تعالى عن عباد الرحمن: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥] وقال عن أهل الجنة: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ - سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] والصبر ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله التي يجريها إما مما لا كسب للعباد فيه، وإما مما يجريه الله على أيدي بعض العباد من الإيذاء والاعتداء، فالصبر على طاعة الله أن يحبس الإنسان نفسه على العبادة، ويؤديها كما أمره تعالى، وأن لا يتضجر منها، أو يتهاون بها، أو يدعها، فإن ذلك عنوان هلاكه وشقائه، ومتى علم العبد ما في القيام بطاعة الله من الثواب هان عليه أداؤها وفعلها، فالحسنة ولله الحمد إذا أخلص الإنسان فيها لله، واتبع رسول الله كانت بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله يضاعف لمن يشاء، وفضل الله ليس له حد، ولا انحصار، وأما الصبر عن معصية الله، فأن يحبس الإنسان نفسه عن الوقوع فيما حرم الله عليه مما يتعلق بحق الله، أو حقوق عباده، ومتى علم ما في الوقوع في المحرم من العقاب الدنيوي والأخروي والاجتماعي والفردي، وأن ذلك مما يضر بدينه، ويضر بعاقبة أمره بل، ويضر بمجتمعه، فإن الذنوب عقوباتها في الدنيا قد تعم، ويبعث الناس على أعمالهم ونياتهم متى علم العاقل ما يقع من جراء الذنوب أوجب ذلك أن يدعها؛ خوفا من علام الغيوب، وأما الصبر على أقدار الله، فمعناه أن يستسلم الإنسان لما يقع عليه من البلاء والهموم والأسقام، وأن
стр. 110
لا يقابل ذلك بالتسخط، والتضجر، وفعل الجاهلية المنكر في الإسلام، وأن يعلم أن هذا البلاء لنزوله أسباب وحكم لا يعلمها إلا الله، وأن يعلم أن لدفعه، ولرفعه أسبابا من أعظمها لجوؤه ودعاؤه وتضرعه إلى مولاه، فهذه الأمراض التي أرسلها الله تعالى على عباده إنما هي رحمة بهم ليرجعوا إليه، وليعرفوا أنه هو المتصرف بعباده كما يشاء، فلا اعتراض عليه له الملك، وله الحمد، وله الخلق، وله الأمر، وبيده الخير، وهو على كل شيء قدير، ومع هذا فتلك الأمراض لم يحصل فيها، ولله الحمد نقص في النفوس ولا هلاك، وإنما هي أمراض يسيرة خفيفة قدرها المولى ولطف بعباده، فلله الحمد رب السماوات والأرض، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] بارك الله لي ولكم. . . . الخ.
следующие страницы →