Полный текст (711 стр.). Показаны 701–711 · переход к 706.
стр. 701
أيامنا وشهورنا وأعوامنا بطاعة ربنا ومحاسبة أنفسنا وإصلاح ما فسد من أعمالنا ومراقبة من ولانا الله تعالى عليه من الأهل من زوجات وأولاد بنين وبنات وأقارب.
فاتقوا الله عباد الله وقوموا بما أنتم به معنيون وعنه يوم القيامة مسؤولون: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] قوموا بذلك على الوجه الأتم الأكمل أو على الأقل بالواجب واعلموا أن أعضاءكم ستكون عليكم بمنزلة الخصوم يوم القيامة يوم يختم على الأفواه وتكلم الأيدي والأرجل بما كسب الإنسان قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ - وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٠ - ٢٣] عباد الله إن كل عام يجد يعد المرء نفسه بالعزيمة الصادقة والجد ولكن تمضي عليه الأيام وتنطوي الساعات وحاله لم تتغير إلى أصلح فيبوء بالخيبة والخسران ثم لا يفلح ولا ينجح فاغتنموا الأوقات عباد الله بطاعة الله وكونوا كل عام أصلح من العام الذي قبله فإن كل عام يمر بكم يقربكم من القبور عاما ويبعدكم عن القصور عاما يقربكم من الانفراد بأعمالكم ويبعدكم من التمتع بأهليكم وأولادكم وأموالكم.
عباد الله والله ما قامت الدنيا إلا بقيام الدين ولا نال العز والكرامة والرفعة إلا من خضع لرب العالمين ولا دام الأمن والطمأنينة والرخاء إلا باتباع منهج المرسلين ولئن استمرت زهرة الدنيا مع المعاصي والانحراف إن ذلك لاستدراج يعقبه الإهلاك والإتلاف فاعتصموا بطاعة الله عن عقوبتكم: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]
اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد يا منان يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم نسألك أن تجعل عامنا هذا وما بعده عام أمن وطمأنينة عام علم نافع وعمل صالح عاما تسبغ به علينا نعمك وترزقنا شكرها عاما تصلح به ولاة أمورنا ورعيتنا عاما تيسرنا فيه للهدى وتيسر الهدى لنا إنك جواد كريم رؤوف رحيم.
стр. 702
[الخطبة الثانية في الأشهر الحرم]
الخطبة الثانية
في الأشهر الحرم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وتيقنوا أن لله تعالى الحكمة البالغة فيما يصطفي من خلقه فالله تعالى يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ويفضل من الأوقات ومن الأمكنة أماكن ففضل الله تعالى مكة على سائر البقاع ثم من بعدها المدينة مهاجر خاتم الأنبياء محمد ﷺ ثم من بعدهما بيت المقدس مكان غالب الأنبياء الذين قص الله علينا نبأهم وجعل لمكة والمدينة حرما دون بيت المقدس وفضل الله تعالى بعض الشهور والأيام والليالي على بعض فعدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ثلاثة متوالية وشهر رجب الفرد بين جمادى وشعبان وخير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة وليلة القدر خير من ألف شهر فعظموا رحمكم الله تعالى ما عظمه الله فلقد ذكر أهل العلم أن الحسنات تضاعف في كل زمان ومكان فاضل وأن السيئات تعظم في كل زمان ومكان فاضل وشاهد هذا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] وقال تعالى في المسجد الحرام: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]
وإنكم اليوم تستقبلون الأشهر الحرم الثلاثة فلا تظلموا فيهن أنفسكم التزموا حدود الله تعالى أقيموا فرائض الله واجتنبوا محارمه أدوا الحقوق فيما بينكم وبين ربكم وفيما بينكم وبين عباده واعلموا أن الشيطان قد قعد لابن آدم كل مرصد وأقسم الله ليأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا يجد أكثرهم شاكرين أقسم لله بعزة الله ليغوينهم أجمعين إلا عباد الله المخلصين إن الشيطان لحريص كل الحرص على إغواء بني آدم وإضلالهم يصدهم عن دين الله يأمرهم بالفحشاء والمنكر يحبب إليهم المعاصي ويكره إليهم الطاعات يأتيهم من كل جانب ويقذفهم بسهامه من كل جبهة إن رأى من العبد رغبة في الخير ثبطه
стр. 703
عنه وأقعده فإن عجز عنه من هذا الجانب جاءه من جانب الغلو والوسواس والشكوك وتعدي الحدود في الطاعة فأفسدها عليه فإن عجز عنه من جانب الطاعات جاءه من جانب المعاصي فينظر أقوى المعاصي هدما لدينه فأوقعه فيها فإن عجز عنه من هذا الجانب حاوله من جانب أسهل فأوقعه فيها دونها من المعاصي فإذا وقع في شرك المعاصي فقد نال الشيطان منه بغيته فإن المرء متى كسر حاجز المعصية أصبحت المعصية هينة عليه صغيرة في عينه يقللها الشيطان في نفسه تارة ويفتح عليه باب التسويف تارة يقول له هذه هينة افعلها هذه المرة وتب إلى الله تعالى فباب التوبة مفتوح وربك غفور رحيم فلا يزال به يعده ويمنيه وما يعده إلا غرورا فإذا وقع في هذه المعصية التي كان يراها من قبل صعبة كبيرة وهانت عليه تدرج به الشيطان إلى ما هو أكبر منها وهكذا أبدا حتى يخرجه من دينه كله ولقد أشار النبي ﷺ إلى هذا التدرج فيما رواه الإمام أحمد عن سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال «إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وذا بعود حتى أنضجوا خبزهم وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه» .
عباد الله احذروا مكايد الشيطان ومكره فإنه يتنوع في ذلك ويتلون فهذا يأتيه من قبل الإيمان والتوحيد فيوقعه في الشك أحيانا وفي الشرك أحيانا وهذا يأتيه من قبل الصلاة فيوقعه في التهاون بها والإخلال وهذا يأتيه من قبل الزكاة فيوقعه في البخل بها أو صرفها في غير مستحقها وهذا يأتيه من قبل الصيام فيوقعه فيما ينقضه من سيء الأقوال والأفعال وهذا يأتيه من قبل الحج فيوقعه في التسويف به حتى يأتيه الموت وما حج وهذا يأتيه من قبل حقوق الوالدين والأقارب فيوقعه في العقوق والقطيعة وهذا يأتيه من قبل الأمانة فيوقعه في الغش والخيانة وهذا يأتيه من قبل المال فيوقعه في اكتسابه من غير مبالاة فيكتسبه عن طريق الحرام بالربا تارة وبالغرور والجهالة تارة ويأخذ الرشوة أحيانا وبإهمال عمله تارة إلى غير ذلك من أنواع المعاصي وأجناسها التي يغر بها الشيطان بني آدم ثم يتخلى عنهم أحوج ما يكونون إلى المساعد والمعين اسمعوا قول الله تعالى في غرور الشيطان لأبوينا آدم وحواء حين أسكنهما الله تعالى الجنة وأذن لهما أن يأكلا رغدا من حيث شاءا من أشجارها وثمارها سوى شجرة واحدة عينها لهما بالإشارة ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ولكن الشيطان وسوس لهما وقال:
стр. 704
: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ - وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ - فَدَلَّاهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٠ - ٢٢] أي أنزلهما من مرتبة الطاعة وعلو المنزلة ﴿بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢] واسمعوا خداعه لقريش في الخروج إلى بدر وتخليه عنهم حيث يقول الله تعالى في ذلك: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨] واسمعوا قول الله تعالى في خداع الشيطان لكل إنسان وتخليه عنه حيث يقول الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ - فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٦ - ١٧] ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢]
عباد الله إن كل ما تجدون في نفوسكم من تكاسل عن الطاعات وتهاون بالمعاصي فإنه من وساوس الشيطان ونزغاته فإذا وجدتم ذلك فاستعيذوا بالله منه فإن في ذلك الشفاء والخلاص قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ - إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٠ - ٢٠١] اللهم أعذنا من الشيطان الرجيم واجعلنا من عبادك المخلصين الذين ليس له سلطان عليهم وعلى ربهم يتوكلون واغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين إنك جواد كريم غفور رحيم.
[الخطبة الثالثة في قصة موسى مع فرعون
стр. 705
الخطبة الثالثة في قصة موسى مع فرعون الحمد لله العلي الكبير المتفرد بالخلق والتدبير الذي أعز أولياءه بنصره وأذل أعداءه بخذله فنعم المولى ونعم النصير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واذكروا أيام الله لعلكم تذكرون اذكروا أيام الله بنصر أنبيائه وأتباعهم لعلكم تشكرون واذكروا أيام الله بخذل أعدائه ومن والاهم لعلكم تتقون واذكروا أيام الله إذا أنزل للقضاء بين عباده يوم القيامة لعلكم توقنون. أيها الناس إن نصر الله تعالى لأوليائه في كل زمان ومكان وأمة انتصار للحق وذلة للباطل وأخذ للمتكبر ونعمة على المؤمنين إلى يوم القيامة لأنهم يسرون بذلك وينعمون به بالا. وفي هذا الشهر كانت نجاة موسى ﵇ وقومه من فرعون وجنوده فلقد أرسله الله تعالى إلى فرعون بالآيات البينات والبرهان القاطع على نبوته إلى فرعون وقومه فرعون الذي تكبر على الملأ وقال أنا ربكم الأعلى فجاءه موسى بالآيات العظيمة ودعاه إلى توحيد الله تعالى خالق السماوات والأرض رب العالمين فقال فرعون منكرا ومكابرا: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] أنكر الرب العظيم الذي قامت بأمره السماء والأرض وفي كل شيء له آية تدل على وجوده وربوبيته وعلمه وقدرته وحكمته وأنه الرب الواحد الذي يجب إفراده بالعبادة كما هو متفرد بالخلق والتدبير فأجابه موسى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤] فإن في السماوات والأرض وما بينهما من الآيات ما يوجب الإيمان واليقين فرد فرعون ساخرا بموسى ومستهزئا به ومحتقرا له قائلا لمن حوله: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٥] فأجاب موسى مذكرا لهم أصلهم وأنه مخلوقون مربوبون وكما خلقوا فهم صائرون إلى العدم طريقة آبائهم الأولين فقال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦] وحينئذ بهت فرعون فادعى دعوى الكاذب المغبون فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] فطعن بالرسول وبمن أرسله فأجاب موسى مبينا من الأحق بوصف الجنون أهو المؤمن بالله خالق السماوات والأرض ومالك المشرق والمغرب أم المنكر لذلك فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨]
стр. 706
فلما عجز فرعون عن مقاومة الحق وأفحمه موسى بالحجة والبرهان لجأ إلى ما لجأ إليه العاجزون المتكبرون من الإرهاب والوعيد فتوعد موسى بالاعتقال والسجن قائلا: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] ولم يقل لأسجننك ليزيد في إرهاب موسى حيث إن له من القوة والسلطان ما مكنه من سجن الناس الذين سيكون موسى من جملتهم على حد تهديده إن اتخذ إلها غيره وما زال موسى ﷺ يأتي بالآيات واضحة وضوح النهار وفرعون يحاول بكل جهوده ودعاته أن يقضي عليها بالرد والكتمان حتى قال لموسى: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى - فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾ [طه: ٥٧ - ٥٨] مستويا لا يحجب عن الرؤية فيه واد ولا جبل فواعدهم موسى موعد الواثق بنصر الله تعالى واعدهم يوم الزينة وهو يوم عيدهم في رابعة النهار ضحى فاجتمع الناس وأتى فرعون بكل ما يستطيع من كيد ومكر فقال لهم موسى: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: ٦١] فوقعت هذه الكلمة الواحدة الصادرة عن إيمان ويقين وقعت بين الناس أشد من السلاح الفتاك فتنازعوا أمرهم بينهم وتفرقت كلمتهم وصارت العاقبة لنبي الله موسى ﷺ وأعلن خصومه من السحرة إيمانهم به: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ - قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ - رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٦ - ٤٨] وقالوا لفرعون حين توعدهم: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧٢ - ٧٣] وما زال فرعون ينابذ دعوة موسى ﷺ حتى استخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ - فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥ - ٥٦] وكان من قصة إغراقهم أن الله أوحى إلى موسى أن يسري بقومه ليلا من مصر فاهتم لذلك فرعون اهتماما عظيما فأرسل في جميع مدائن مصر أن يحشر الناس للوصول إليه لأمر يريده الله فاجتمع الناس إليه فخرج بهم في إثر موسى وقومه ليقضي عليهم حتى أدركهم عند البحر الأحمر: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] البحر أمامنا فإن خضنا غرقنا وفرعون وقومه خلفنا وسيأخذوننا فقال لهم موسى كلا أي لستم مدركين: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] أي سيدلني على ما فيه النجاة
стр. 707
وهذا والله غاية الإيمان والثقة بوعد الله ونصره فأوحى الله تعالى إلى موسى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣] فضربه ﴿فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] بإذن الله اثنى عشر طريقا صار هذا الماء السيال بينهما ثابتا كأطواد الجبال فدخل موسى وقومه يمشون بين جبال الماء في طرق يابسة أيبسها الله بلحظة آمنين فلما تكاملوا خارجين وتبعهم فرعون بجنوده داخلين أمر الله البحر أن يعود إلى حاله فانطبق على فرعون وجنوده حتى غرقوا عن آخرهم فلما أدرك فرعون الغرق: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] ولكن لم ينفعه الإيمان حينئذ فقيل له توبيخا: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١] قال الله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ - وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ - وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ - كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ - فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٩] فأورث الله بني إسرائيل أرض فرعون وقومه المجرمين لأن بني إسرائيل حينذاك كانوا على الحق سائرين ولوحي الله الذي أنزله على موسى متبعين فكانوا وارثين لأرض الله كما وعد الله: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]- ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ - إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥ - ١٠٦] أيها الناس إن نجاة نبي الله موسى وقومه من عدو الله فرعون وجنوده لنعمة كبرى تستوجب الشكر لله ولهذا «لما قدم النبي ﷺ المدينة وجد اليهود يصومون اليوم العاشر من هذا الشهر شهر المحرم فقال ما هذا قالوا يوم صالح نجى الله فيه موسى وقومه من عدوهم فصامه موسى فقال النبي ﷺ أنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه» «وسئل عن فضل صيامه فقال أحتسب على الله يكفر السنة التي قبله» . إلا أنه ﷺ أمر بعد ذلك بمخالفة اليهود بأن يصام العاشر ويوما قبله وهو التاسع أو يوما بعده وهو الحادي عشر. وعليه فيكره أن يصوم يوم العاشر وحده بل يضيف إليه يوما قبله أو يوما بعده وإضافة التاسع إليه أفضل من الحادي عشر. وفقني الله وإياكم لشكر نعمته وحسن عبادته وحمانا من شرور أنفسنا برعايته إنه جواد كريم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . . الخ.]
стр. 708
[الخطبة الرابعة في بعض خصائص يوم الجمعة]
الخطبة الرابعة
في بعض خصائص يوم الجمعة الحمد لله الذي جعل يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع وجعل فيه ساعة الدعاء فيها مجاب ومسموع وخصه بخصائص ليعرف الناس قدره فيقوموا به على الوجه المشروع وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القوي القهار مبيد الأجناد والجموع وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أتقى عابد وأهدى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان في القنوت والخضوع وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واشكروه أن جعلكم من هذه الأمة وخصكم بهذه الملة فأصبحتم بذلك خير الأمم وأكرمها على الله وإن مما ادخره الله لكم من الفضائل هذا اليوم المبارك يوم الجمعة فقد أضل الله عنه اليهود والنصارى وهداكم له قال النبي ﷺ «ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم خير من يوم الجمعة هدانا الله له وضل الناس عنه فالناس لنا فيه تبع هو لنا ولليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد» .
فاعرفوا أيها المسلمون حق هذا اليوم المبارك وما اختص به من الفضائل لعلكم تقومون بتعظيمه وتعرفون أهميته ففيه تمام خلق السماوات والأرض فقد خلقهما الله في ستة أيام أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة وفيه خلق أبوكم آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها وفيه تقوم الساعة. ففي هذا اليوم ابتداء الدنيا وانتهاؤها في هذا اليوم ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه ما لم يسأل إثما وأرجى الساعات للإجابة ساعتكم هذه وما بعد العصر فساعتكم هذه فيها صلاة الجمعة وانتظارها وساعة بعد العصر فيها صلاة تحية المسجد وانتظار صلاة المغرب ومن كان في المسجد ينتظر الصلاة فهو في صلاة. فتحروا أيها المسلمون ساعة الإجابة في هذا اليوم لعلكم تدركونها فتفوزون بما تسألون.
ومن خصائص هذا اليوم تأكد الاغتسال فيه لصلاة الجمعة قال النبي ﷺ «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» أي على كل بالغ فلا ينبغي للمسلم أن يترك الاغتسال ليوم الجمعة لأنه أمر مؤكد جدا. قال ابن القيم ﵀ ووجوبه أقوى من وجوب الوضوء من مس النساء ومس الذكر والرعاف والحجامة والقيء وأقوى من وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد.
стр. 709
وينبغي أن يتطيب ويلبس أحسن ثيابه ويبكر إلى المسجد فيشتغل بالصلاة والقراءة والذكر حتى يأتي الإمام. وينبغي أن يتقدم في المكان كما تقدم في الزمان فيدنو من الإمام ولا يتأخر. ولقد رأيت بعض المحسنين المحبين للخير يأتون مبكرين للمسجد لكنهم يصلون في مؤخرة المسجد وهذا خلاف السنة بل السنة أن يتقدموا ويكملوا الصف الأول فالأول قال النبي ﷺ : «تقدموا وائتموا بي وليأتم بكم من وراءكم لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله» (رواه مسلم) .
ومن خصائص هذا اليوم صلاة الجمعة وخطبتها التي أمر الله بالسعي إليها في كتابه فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] وأجمع المسلمون على فرضيتها وحذر النبي ﷺ من التهاون بها فقال ﷺ : «من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه» . وقال ﷺ : «لينتهين أقوام عن تركهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم فليكونن من الغافلين» فما أعظم حرمان هؤلاء الذين اتخذوا يوم الجمعة يوما للنزهة في البر يخرجون فيدعون صلاة الجمعة أما يخشى هؤلاء أن يشملهم هذا الحديث أما يخشون أن يطبع الله على قلوبهم فيكونوا من الغافلين عن ذكره المعرضين عن أمره أما يخافون أن يبدلهم الله بهذا الأمن والرخاء خوفا وشدة. لقد حرموا أنفسهم الاجتماع بالمسلمين في هذا اليوم العظيم وحرموا أنفسهم هذه الصلاة التي تكفر ما قبلها من صغائر الذنوب وحرموا أنفسهم ذكر الله ودعاءه في الصلاة وفي الخطبة والله لقد حرموا أنفسهم خيرا كثيرا وعرضوها إثما كبيرا ففي الأيام غير يوم الجمعة متسع لنزهاتهم وشغل لفراغهم الفكري والنفسي وحل لمللهم الحاصل بالعمل فإن عندهم نصف النهار الأخير واسع صالح للنزهة ولكن إذا كانوا يخرجون يوم الجمعة ويؤدون صلاة الجمعة في المساجد مع المسلمين فلا حرج عليهم.
ومن خصائص هذا اليوم أنه لا يجوز لمن تلزمه الجمعة أن يسافر بعد الأذان لها حتى يصلي إلا أن يؤديها في بلد في طريقه أو يخاف فوت سفره مثل أن يريد السفر في الطائرة ويخشى أن تفوته إن تأخر.
ومن خصائص هذا اليوم استحباب كثرة الصلاة على النبي ﷺ فيه.
стр. 710
ومن خصائصه أن الله تعالى يتجلى فيه لأوليائه المؤمنين في الجنة ويزورونه فيكون أقربهم منه أقربهم إلى الإمام وأسبقهم إلى زيارة الله أسبقهم إلى الجمعة، خرج عبد الله بن مسعود إلى الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الناس يجلسون يوم القيامة من الله على قدر رواحهم إلى الجمعة» . وفي حديث أنس بن مالك ﵁ «أن الله اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض يجتمع فيه أهل الجنة يوم الجمعة فيجيء النبيون فيجلسون على منابر من نور ثم يجيء الصديقون والشهداء فيجلسون على منابر من ذهب ثم يجيء أهل الغرف فيجلسون على كثبان المسك فيتجلى لهم ربهم فينظرون إليه فيقول لهم أنا الذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي وهذا محل كرامتي فسلوني فيسألونه الرضى فيقول رضاي أنزلكم داري وأن لكم كرامتي فسلوني فيسألونه الرضى فيشهد لهم بالرضا ثم يسألونه حتى تنتهي رغبتهم ثم يفتح لهم يوم الجمعة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا من كرامة الله والنظر إلى وجهه الكريم فذلك يوم المزيد» .
أيها المسلمون إن يومكم هذا يوم عظيم فعظموه وإن خيره جسيم فاغتنموه.
وفقني الله وإياكم لتعظيم شعائره العظيمة ونيل ذخائره الجسيمة إنه جواد كريم.
стр. 711
وإلى هنا انتهى ما أردنا انتفاءه من الخطب مراعين فيه ما كان أنسب للوقت وأشد في الحاجة والله نسأل أن ينفع به من قرأه وسمعه إنه جواد كريم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(تم كتاب الخطب والحمد لله رب العالمين) .