Полный текст (711 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وفي ذي القعدة من السنة السادسة كانت غزوة الحديبية التي كانت فيها بيعة الرضوان حين خرج النبي ﷺ بنحو ألف وثلثمائة رجل من أصحابه يريد العمرة فصده المشركون عن ذلك مع أن عادتهم أن لا يصد أحد عن البيت فأرسل إليهم عثمان بن عفان ليفاوضهم فأشيع أنه قد قتل فبايع النبي ﷺ أصحابه لقتال قريش وفي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا - وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ١٨ - ١٩]
وفي محرم من السنة السابعة كانت غزوة خيبر وهي حصون اليهود ومزارعهم في الحجاز فغزاهم النبي ﷺ فيها لنقضهم العهد وتحريضهم كفار قريش وغيرهم على قتال النبي ﷺ فحاصرهم حتى فتح الله عليه فغنم النبي ﷺ أرضهم وقسمها بين المسلمين.
وفي رمضان من السنة الثامنة كانت غزوة فتح مكة حين نقضت قريش العهد الذي كان بينها وبين النبي ﷺ في الحديبية فخرج إليهم في نحو عشرة آلاف من أصحابه ففتح الله عليهم وطهر أم القرى من الشرك وأهله ودخل الناس به في دين الله أفواجا.
غير أن هوازن وثقيف ظنوا أن النبي ﷺ قد فرغ من قتال قريش ولا ناهية له فاجتمعوا له في حنين فخرج إليهم في شوال من السنة الثامنة لقتالهم في نحو اثني عشر ألفا وأعجب بعض الناس بكثرتهم وقالوا لن نغلب اليوم من قلة فأراهم الله تعالى أن النصر من عنده لا بسبب الكثرة وأنزل في ذلك: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ - ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦]
وفي السنة التاسعة من شهر رجب كانت غزوة تبوك حين بلغ النبي ﷺ أن الروم قد جمعوا له يريدون غزوه فخرج ﷺ إليهم في زمن عسرة وفي أيام شدة الحر وطيب الثمار وقت الرطب والمسافة بعيدة فنزل في تبوك نحو عشرين يوما ولم يكن قتال ثم رجع إلى
стр. 667
المدينة وأقام فيها وكاتب من حوله من زعماء الكفار يدعوهم إلى الإسلام وصارت الوفود تأتي إليه من كل وجه يعلنون إسلامهم ويتعلمون منه دينهم.
هكذا كانت حياة النبي ﷺ حياة جهاد وعمل ودعوة إلى الله ودفاع عن دينه حتى توفاه الله بعد أن أكمل الله به الدين وأتم به النعمة على المؤمنين وكانت وفاته يوم الاثنين في الثاني عشر أو الثالث عشر من شهر ربيع الأول. فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعهم إلى يوم الدين.
стр. 668
[الخطبة الثانية في مبدأ حياة النبي ﷺ ]
الخطبة الثانية
في مبدأ حياة النبي ﷺ الحمد لله الذي أرسل الرسل مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه بالحق المبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث إلى الخلق أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به على عباده من إرسال الرسل وإنزال الكتب ونشر الحق بين الخلق فإن العقل البشري لا يمكن أن يهتدي إلى معرفة الخالق تفصيلا ولا يمكنه أن يتعبد لله بما لا يدركه تحصيلا ولا يمكنه أن يعامل غيره بطريق الحق والعدل إلا بالوحي الذي بين الله به كيف يعرف العبد ربه وكيف يقيم عبادته وكيف يعامل غيره فكان الرسل عليهم الصلاة والسلام مبينين لعبادة الخلاق ومتممين لمكارم الأخلاق.
كان الناس على ملة واحدة دين أبيهم آدم فلما كثروا تفرقت كلمتهم واختلفت آرائهم فبعث الله إليهم رسله ليقوم الناس بالقسط فبدأ الله الرسالة بنوح ﵊ وختمها بمحمد ﷺ . فمحمد ﷺ خاتم النبيين وأفضلهم أرسله الله تعالى على حين فترة من سلالة إسماعيل بن إبراهيم من صميم العرب فكان أكرم الناس نسبا وأطيبهم مولدا فولد ﷺ بمكة في يوم الاثنين في الثاني من شهر ربيع الأول وقيل في الثامن وقيل في التاسع وقيل في العاشر وقيل في الثاني عشر وقيل في السابع عشر وقيل في الثاني والعشرين في العام الذي أهلك الله به أصحاب الفيل اللذين أرادوا هدم الكعبة فأنزل الله فيهم سورة من القرآن. ولدته أمه آمنة من أبيه عبد الله بن عبد المطلب وقد رأت أمه قبل ولادته أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام فمات أبوه في المدينة قبل أن يولد ﷺ وماتت أمه بالأبواء في طريق المدينة وهو في السادسة من عمره فكفله جده عبد المطلب ثم مات ورسول الله ﷺ في الثامنة من عمره فنشأ ﷺ يتيم الأبوين والجد ولكن الله تعالى آواه وهو نعم المولى ونعم النصير فيسر الله له عمه أبا طالب شقيق أبيه فضمه إلى عياله وأحسن كفالته وأحبه حبا شديدا وبارك الله
стр. 669
له بسبب النبي ﷺ في ماله وحاله. ولقد اشتغل ﷺ بما اشتغل به الأنبياء من قبل، اشتغل يرعى الغنم وما من نبي إلا رعى الغنم ليعتاد بذلك حسن الرعاية والتصريف فيما يكون راعيا له في المستقبل ثم اشتغل ﷺ بالتجارة فاشتهر عند الناس بالصدق والأمانة وحسن المعاملة ثم لما بلغ الخامسة والعشرين من عمره تزوج خديجة ﵂ ولها أربعون سنة وقد تزوجت قبله برجلين وكانت ﵂ من شريفات نساء العرب موصوفة بالعقل والحزم والذكاء ورزقها الله منه ابنين وبنات أربع وكان أولاده كلهم منها إلا إبراهيم فإنه من أم ولده مارية القبطية وكلهم ماتوا في حياته إلا فاطمة. ولم يتزوج عليها ﷺ حتى ماتت ﵂ في السنة العاشرة من البعثة قبل الهجرة بثلاث سنين فتزوج بعدها عائشة.
وكان ﷺ معظما في قومه محترما يحضر معهم في مهمات الأمور فحضر حلف الفضول الذي تعاقدوا به على درء المظالم ورد الحقوق إلى أهلها وكان حكما في قريش عند نزاعها في وضع الحجر الأسود في مكانه حين هدمت الكعبة فتنازعوا أيهم يضع الحجر مكانه فقيض الله لهم رسول الله ﷺ فحكموه بينهم وانقادوا لقضائه فبسط ﷺ رداءه ووضع الحجر فيه ثم قال لأربعة من رؤساء قريش ليأخذ كل واحد منكم بجانب من هذا الرداء فحملوه حتى إذا أدنوه من موضعه أخذه ﷺ بيده الكريمة فوضعه في مكانه فكان له ﷺ بهذا الحكم العادل شرف كبير ونبأ عظيم وكان صلوات الله وسلامه عليه محفوظا من عبادة الأوثان وشرب الخمور وعمل الميسر. ولما بلغ الأربعين من عمره جاءه الوحي من الله تعالى فكان أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب الله إليه الخلاء وهو الانفراد عن ذلك المجتمع الفوضوي في عقيدته وعبادته فكان يخلو بغار حراء وهو الجبل الذي عن يمين الداخل إلى مكة من طريق الشرائع ويتعبد فيه «حتى نزل عليه الوحي هناك فجاءه جبريل فقال اقرأ فقال ما أنا بقارئ أي لا أحسن القراءة وفي الثالثة قال له جبريل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] فرجع النبي ﷺ إلى أهله يرجف فؤاده لأنه رأى أمرا عظيما لم يكن معهودا له من قبل فدخل على خديجة فقال لها وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي فقالت كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل رحمك وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري
стр. 670
الضيف وتعين على نوائب الحق» . فاستدلت ﵂ بأفعاله الجميلة على أن حكمة الله تأبى أن يلحق العار والخزي مثل هذا. وبنزول هذه الآيات على محمد ﷺ صار نبيا فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥]
وبذلك صار نبيا رسولا إلى جميع الثقلين فدعا إلى الله وبشر وأنذر فخص وعم فأنذر عشيرته الأقربين ثم بقية الخلق أجمعين حتى أكمل الله به الدين وأتم به النعمة على المؤمنين وأظهر دينه ونصره وهم نعم المولى ونعم النصير وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 671
[الخطبة الثالثة في مبدأ حياة النبي ﷺ بعد البعثة]
الخطبة الثالثة
في مبدأ حياة النبي ﷺ بعد البعثة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد: فإن رسول الله ﷺ لما أنزل الله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥] قام ﷺ ممتثلا لأمر ربه متوكلا عليه واثقا به فدعا الناس إلى عبادة الله وكان بدء الدعوة سرا فآمن به رجال من قريش وكان أولهم إسلاما أبا بكر الصديق ﵁ وأسلم على يديه ﵁ خمسة من المبشرين بالجنة عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وهؤلاء الخمسة مع أبي بكر وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة هم الثمانية الموصوفون بالسبق إلى الإسلام. وأسلم غيرهم فكان رسول الله ﷺ يجتمع بهم سرا ويرشدهم إلى ما أرشده الله إليه من الإسلام في دار الأرقم بن أبي الأرقم لمدة ثلاث سنين حتى أنزل الله عليه قوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] «فصعد ﷺ على الصفا فجعل ينادي يا بني فهر يا بني عدي يا بطون قريش فاجتمع الناس إليه حتى كان الرجل إذا لم يستطع أن يأتي أرسل رسولا لينظر الخبر فلما اجتمعوا قال لهم ﷺ إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة» فقال له عمه أبو لهب تبا لك ألهذا جمعتنا وسخر به وبما قال فأنزل الله فيه سورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] ثم أنزل الله على رسوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] فجمعهم ﷺ وقال «والله لو كذبت الناس كلهم ما كذبتكم والله إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة والله لتموتن ولتبعثن ولتحاسبن ولتجزون وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا» فتكلم القوم كلاما لينا لكن أبا لهب قال خذوا على يديه قبل أن تجتمع العرب عليه فإن سلمتموه ذللتم وإن منعتموه قتلتم فمانعه أبو طالب وقال لنمنعنه ما بقينا. ثم انصرف الجمع بدون طائل ولكن رسول الله ﷺ ظل يدعو إلى الله تعالى علنا وجهرا وكان الناس يسخرون به يقولون هذا غلام عبد المطلب يكلم من السماء هذا ابن أبي كبشة. ثم إنه ﷺ جعل يسفه
стр. 672
عقول المشركين ويبين بطلان عبادتهم للأصنام فكلمت قريش أبا طالب أكثر من مرة ليمنع رسول الله ﷺ من ذلك وهددوه فأشار أبو طالب على رسول الله ﷺ أن يبقي عليه وعلى نفسه فظن رسول الله ﷺ أن عمه سيخذله فشق ذلك عليه وقال «يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه» ثم بكى وانصرف فناداه عمه وقال يا ابن أخي قل ما أحببت فوالله لا أسلمك إليهم أبدا. فاستمر رسول الله ﷺ في الدعوة وازداد أذى قومه له بالقول والفعل فكان أبو جهل إذا رآه يصلي نهاه وأغلظ عليه القول وقال ألم أنهك. وكان يوما يصلي وحوله ملأ من قريش فقال بعضهم لبعض أيكم يعمد إلى جزور آل فلان فيأتي بدمها وسلاها فيضعه بين كتفيه إذا سجد فانبعث أشقى القوم به فلما سجد رسول الله ﷺ وضعه بين كتفيه فثبت رسول الله ﷺ ساجدا والقوم يضحكون ويسخرون حتى جاءت ابنته فاطمة وهي جويرية صغيرة فألقته عنه وكانوا يرمون القذر على بابه فيخرج رسول الله ﷺ فيطرحه ويقول أي جوار هذا. واشتد أذى قريش لمن آمن برسول الله ﷺ فكانوا يعذبونهم بالطعن والضرب والنار فكان رسول الله ﷺ يقوي أصحابه ويشجعهم على الصبر قال لعمار بن ياسر وأهله وهم يعذبون «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» ولما رأى اشتداد الأمر بأصحابه أذن لهم بالهجرة وقال «تفرقوا في الأرض فإن الله سيجمعكم» وأشار إلى الحبشة فهاجر إليها في السنة الخامسة من البعثة عشرة رجال وخمس نساء ثم رجعوا بعد ثلاثة أشهر ولكن المشركين ما زال أذاهم يستمر وشرهم يستفحل فأذن رسول الله ﷺ لأصحابه بالهجرة مرة ثانية إلى الحبشة في السنة السابعة من البعثة فهاجر إليها فوق الثمانين من الرجال ودون العشرين من النساء فأكرمهم النجاشي وجعل لهم الحرية في دينهم.
أما رسول الله ﷺ فبقي في مكة يلاقي الشدائد والبلايا من أذية كفار قريش له وهو صابر محتسب منفذ لأمر الله وقد مات عمه أبو طالب وزوجته خديجة في السنة العاشرة من البعثة فاشتد الأمر عليه ثم خرج ﷺ إلى الطائف يدعو قبائل ثقيف إلى الإسلام فلم يجد منهم إلا السخرية والأذى ورموه بالحجارة حتى أدموا عقبيه فرجع النبي ﷺ إلى مكة ودخلها في جوار المطعم بن عدي وصار يعرض نفسه على القبائل في المواسم كل عام يتتبع الناس في منازلهم
стр. 673
يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا فعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن فلما رجعوا إلى قومهم بالمدينة أخبروهم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلما كان العام المقبل قدم على رسول الله ﷺ اثنا عشر رجلا منهم فبايعوه وبعث معهم مصعب بن عمير يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام فكثر الإسلام في المدينة فلما كان العام المقبل قدم من الأنصار إلى رسول الله ﷺ نحو سبعين رجلا وامرأتان فبايعوا رسول الله ﷺ على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم إذا هاجر إليهم فكان في ذلك فاتحة خير للإسلام والمسلمين وفخر عظيم للأنصار ﵃.
عباد الله إن فيما جرى على رسول الله ﷺ في تبليغ دعوة الإسلام من الأذى والتعب والمشقة لعبرة لأولي الأبصار.
فاتقوا الله أيها المسلمون واعتبروا واصبروا على ما يصيبكم في الدعوة إلى دين الله وانتظروا فإن العاقبة للمتقين وإن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير.
стр. 674
[الخطبة الرابعة في هجرة النبي ﷺ ]
الخطبة الرابعة
في هجرة النبي ﷺ الحمد لله الذي أرسل رسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله والشكر له على ما أولانا من واسع كرمه وفضله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هدى من هدى بفضله وأضل من أضل بحكمته وعدله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى من جميع خلقه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وصحبته وسلم تسليما.
أما بعد: ففي هذا الشهر شهر ربيع الأول من العام الثالث عشر من البعثة وصل النبي ﷺ إلى المدينة مهاجرا من مكة البلد الأول للوحي وأحب البلاد إلى رسول الله ورسوله خرج من مكة مهاجرا بإذن ربه بعد أن قام بمكة ثلاث عشرة سنة يبلغ رسالة ربه ويدعو إليه على بصيرة فلم يجد من أكثر قريش وأكابرهم سوى الرفض لدعوته والإعراض عنها والإيذاء الشديد للرسول ﷺ ومن آمن به حتى آل الأمر بهم إلى تنفيذ خطة المكر والخداع لقتل النبي ﷺ حيث اجتمع كبراؤهم في دار الندوة وتشاوروا ماذا يفعلون برسول الله ﷺ حين رأوا أصحابه يهاجرون إلى المدينة وأنه لا بد أن يلحق بهم ويجد النصرة والعون من الأنصار الذين بايعوه على أن يمنعوه مما يمنعون منه أبناءهم ونساءهم وحينئذ تكون له الدولة على قريش فقال عدو الله أبو جهل الرأي أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جلدا ثم نعطي كل واحد سيفا صارما ثم يعمدوا إلى محمد فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه ونستريح منه فيتفرق دمه في القبائل فلا يستطيع بنو عبد مناف يعني عشيرة النبي ﷺ أن يحاربوا قومهم جميعا فيرضون بالدية فنعطيهم إياها.
الله أكبر هكذا يخطط أعداء الله للقضاء على رسول الله وبهذا القدر من المكر والخديعة ولكنهم يمكرون ويمكر الله كما قال الله : ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] فأعلم الله نبيه ﷺ بما أراد المشركون وأذن له بالهجرة وكان أبو بكر ﵁ قد تجهز من قبل للهجرة إلى المدينة فقال له النبي ﷺ «على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي» فتأخر أبو بكر ﵁ ليصحب النبي ﷺ . قالت عائشة ﵂ «فبينما نحن في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة في منتصف النهار إذا برسول الله ﷺ على الباب متقنعا فقال أبو بكر فداء له أبي وأمي والله
стр. 675
ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر فدخل النبي ﷺ وقال لأبي بكر أخرج من عندك فقال إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي فقال النبي ﷺ قد أذن لي في الخروج فقال أبو بكر الصحبة يا رسول الله قال نعم فقال يا رسول الله فخذ إحدى راحلتي هاتين فقال النبي ﷺ بالثمن» ثم خرجا رسول الله ﷺ وأبو بكر فأقاما في غار جبل ثور ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وكان غلاما شابا ذكيا واعيا فينطلق في آخر الليل إلى مكة فيصبح مع قريش فلا يسمع بخبر حول النبي ﷺ وصاحبه إلا وعاه حتى يأتي به إليهما حين يختلط الظلام فجعلت قريش تطلب النبي ﷺ من كل وجه وتسعى بكل وسيلة ليدركوا النبي ﷺ حتى جعلوا لمن يأتي بهما أو بأحدهما ديته مئة من الإبل ولكن الله كان معهما يحفظهما بعنايته ويرعاهما برعايته حتى إن قريشا ليقفون على باب الغار فلا يرونهما. قال أبو بكر ﵁ قلت للنبي ﷺ ونحن في الغار لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا فقال «لا تحزن إن الله معنا ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما» . حتى إذا سكن الطلب عنهما قليلا خرجا من الغار بعد ثلاث ليال متجهين إلى المدينة على طريق الساحل فلحقهما سراقة بن مالك المدلجي على فرس له فالتفت أبو بكر فقال يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا فقال النبي ﷺ «لا تحزن إن الله معنا» فدنا سراقة منهما حتى إذا سمع قراءة رسول الله ﷺ غاصت يدا فرسه في الأرض حتى مس بطنها الأرض وكانت أرضا صلبة فنزل سراقة وزجرها فنهضت فلما أخرجت يديها صار لأثرهما عثان ساطع في السماء مثل الدخان قال فوقع في نفسي أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ فناديتهم بالأمان فوقف رسول الله ﷺ ومن معه فركبت فرسي حتى جئتهم وأخبرتهم بما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع وقال للنبي ﷺ إنك تمر على إبلي وغنمي بمكان كذا فخذ منها حاجتك فقال لا حاجة لي في ذلك وقال أخف عنا فرجع سراقة وجعل لا يلقى أحدا من الطلب إلا رده وقال كفيتم هذه الجهة فسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر رجل ينطلق على فرسه طالبا للنبي ﷺ وصاحبه ليظفر بهما فيفخر بتسليمهما إلى أعدائهما من الكفار فلم ينقلب حتى عاد ناصرا معينا مدافعا يعرض عليهما الزاد والمتاع وما يريدان من إبله وغنمه ويرد عن جهتهما كل من أقبل نحوها وهكذا كل من كان الله معه فلن يضره أحد وتكون العاقبة له.
стр. 676
ولما سمع أهل المدينة من المهاجرين والأنصار بخروج رسول الله ﷺ إليهم كانوا يخرجون صباح كل يوم إلى الحرة ينتظرون قدوم رسول الله ﷺ وصحبه حتى يطردهم حر الشمس فلما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ وتعالى النهار واشتد الحر رجعوا إلى بيوتهم وإذا رجل من اليهود على أطم من آطام المدينة ينظر لحاجة به فأبصر رسول الله ﷺ وأصحابه مقبلين يزول بهم السراب فلم يملك أن نادى بأعلى صوته يا معشر العرب هذا جدكم يعني هذا حظكم وعزكم الذي تنتظرون فهب المسلمون للقاء رسول الله ﷺ معهم السلاح تعظيما وإجلالا لرسول الله ﷺ وإيذانا باستعدادهم للجهاد والدفاع دونه ﵃ فتلقوه ﷺ بظاهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين ونزل في بني عمرو بن عوف في قباء وأقام فيهم بضع ليال وأسس المسجد ثم ارتحل إلى المدينة والناس معه آخرون يتلقونه في الطرقات قال أبو بكر ﵁ خرج الناس حين قدمنا المدينة في الطرق وعلى البيوت والغلمان والخدم يقولون الله أكبر جاء رسول الله الله أكبر جاء محمد. وقال أنس بن مالك ﵁ إني لأسعى بين الغلمان وأنا يومئذ غلام والناس يقولون جاء محمد جاء محمد هكذا يردد الناس هذه الكلمات فرحا بمقدم رسول الله ﷺ الذي هو أحب الناس إليهم. فيا له من مقدم ملأ القلوب فرحا وسرورا وملأ الآفاق بهجة ونورا.
«فقدم رسول الله ﷺ المدينة وكل قبيلة من الأنصار تنازع الأخرى زمام ناقته النزول عندنا يا رسول الله في العدد والعدة والمنعة ورسول الله ﷺ يقول دعوها فإنها مأمورة وإنما أنزل حيث أنزلني الله فلما انتهت به إلى مكان مسجده بركت فلم ينزل عنها رسول الله ﷺ حتى وثبت ورسول الله ﷺ قد أطلق لها الزمام فسارت غير بعيد ثم التفتت خلفها فعادت إلى مكانها الأول فبركت فقال النبي ﷺ هذا إن شاء الله المنزل وكان هذا المكان لغلامين يتيمين فدعاهما رسول الله ﷺ فساومهما ليشتريه منهما فيتخذه مسجدا فقالا بل نهبه لك يا رسول الله فأبى أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما وقال أي بيوتنا أقرب قال أبو أيوب أنا يا رسول الله هذه داري وهذا بابي قال فانطلق فهيئ لنا مقيلا ففعل ثم جاء فقال قوما على بركة الله ثم جاء عبد الله بن سلام وكان حبرا من أحبار اليهود فقال أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فادعهم فاسألهم عني
стр. 677
قبل أن يعلموا أني أسلمت فإنهم إن علموا به قالوا في ما ليس في فأرسل النبي ﷺ إلى اليهود فأتوا إليه فقال النبي ﷺ يا معشر يهود ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا وأني جئتكم بحق قالوا ما نعلم ذلك قال فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام فقالوا سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا قال أرأيتم إن أسلم قالوا حاش لله ما كان ليسلم فأعاد فأعادوا وكان عبد الله بن سلام قد اختبأ لينظر ما يقولون فقال النبي ﷺ يا ابن سلام اخرج عليهم فخرج فقال يا معشر اليهود اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بحق فقالوا له كذبت فأخرجهم النبي ﷺ فقال عبد الله للنبي ﷺ ألم أخبرك يا رسول الله أنهم قوم بهت أهل غدر وكذب وفجور» . هذه أيها المسلمون هجرة رسول الله ﷺ خرج من بلدة ليقيم دعوة الله ويصلح بها عباد الله. فاتقوا الله عباد الله واهجروا المعاصي لتقوموا بإحدى الهجرتين ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه ومن اتقى وأحسن كان الله معه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . الخ.
стр. 678
[الخطبة الخامسة في غزوة الحديبية]
الخطبة الخامسة
في غزوة الحديبية الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن من أهم العلوم وأنفعها علم سيرة النبي ﷺ وتاريخ حياته ومعرفة ما هو عليه في عباداته ومعاملاته في أهله وأصحابه وأوليائه وأعدائه لأنه ﷺ الأسوة والإمام تهتدون بنور شريعته وتسيرون على سنته وفي هذا الشهر أعني شهر ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة خرج النبي ﷺ من المدينة إلى مكة يريد العمرة ومعه من أصحابه نحو ألف وأربعمائة فأحرم من ذي الحليفة فلما علمت قريش بذلك جمعوا له جموعا ليصدوه عن البيت ويقاتلوه على ذلك «فسار النبي ﷺ حتى إذا كان في الثنية التي يهبط عليهم منها بركت ناقته واسمها القصواء فزجرها الناس لتقوم فلم تقم فقالوا خلأت القصواء خلأت القصواء أي حزنت فقال النبي ﷺ ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت فعدل عن قريش حتى نزل بأقصى الحديبية وفزعت قريش لنزوله عليهم فبعث النبي ﷺ إليهم عثمان بن عفان ﵁ ليخبرهم بما يريد رسول الله ﷺ ويدعوهم إلى الإسلام فبلغ عثمان ﵁ أبا سفيان وعظماء قريش ما بعثه به رسول الله ﷺ فقالوا له إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به فقال ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ واحتبست قريش عثمان عندها فبلغ النبي ﷺ أن عثمان قتل فدعا النبي ﷺ أصحابه إلى البيعة على القتال وأن لا يفروا إلى الموت وجلس تحت شجرة سمرة في الحديبية فجعلوا يبايعونه وأخذ بيد نفسه فقال هذه عن عثمان وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا - وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ١٨ - ١٩] وأخبر النبي ﷺ أنه لا يدخل النار واحد بايع تحت الشجرة فبينما هم كذلك جاء بديل بن ورقاء الخزاعي وكانت خزاعة
стр. 679
ذوي نصح للنبي ﷺ فأخبره بما أعدت قريش لرسول الله ﷺ وأنهم سيقاتلونه ويصدونه عن البيت فقال النبي ﷺ إنا لم نجئ لقتال أحد وإنما جئنا معتمرين وإن قريشا قد أنهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله أمره فأخبر بديل قريشا بما قال له النبي ﷺ فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال لقريش إن هذا يعني النبي ﷺ قد عرض خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته فقالوا ائته فجاء إلى النبي ﷺ فجعل يكلم النبي ﷺ كلما تكلم بكلمة أهذ بلحية النبي ﷺ وكان المغيرة بن شعبة ابن أخي عروة قائما على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده ضربها المغيرة بنعل السيف وقال أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ فقال عروة للنبي ﷺ إني لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك فقال أبو بكر ﵁ لعروة أمصص بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه ثم جعل عروة يرمق أصحاب النبي ﷺ فوالله ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف واحد منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه أي على فضل ماء وضوئه وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر إليه تعظيما له. فلما رجع عروة قال والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي فما رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه مثل ما يعظم أصحاب محمد محمدا. ثم ذكر لهم ما شاهده من الصحابة وأنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها فقام رجل من بني كنانة فقال دوني آته فقالوا ائته فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال النبي ﷺ هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن أي الإبل المهداة إلى البيت فابعثوها إليه فبعثوها إليه وأقبل الناس إليه يلبون فقال سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو بن عبد شمس وكان خطيب قريش ليصالح النبي ﷺ فدعا النبي ﷺ الكاتب فقال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل اكتب باسمك اللهم لأنهم ينكرون اسم الرحمن فقال المسلمون والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فقال النبي ﷺ اكتب باسمك اللهم ثم قال هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله
стр. 680
فقال سهيل والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال رسول الله ﷺ والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله» ، وإنما تساهل النبي ﷺ في موافقة سهيل لما في ذلك من تعظيم حرمات الله بحقن الدماء الحاصل بهذا الصلح وقد قال ﷺ «والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» ثم جرى الصلح العظيم الذي سماه الله فتحا على أن لا يدخل النبي ﷺ وأصحابه مكة هذا العام وعلى أن يعتمر في العام المقبل فيخلوا بينه وبين مكة ثلاثة أيام ليس معه إلا سلاح الراكب والسيوف في القراب وعلى أن من جاء من قريش إلى المسلمين ردوه إلى قريش وإن كان مسلما ومن جاء إلى قريش من المسلمين لم يردوه وعلى وضع الحرب بين المسلمين وقريش عشر سنين وعلى أن من أحب أن يدخل في عهد النبي ﷺ دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عهد قريش دخل فيه فراجع المسلمون رسول الله ﷺ فقال «نعم إن من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاء منهم فسيجعل الله له فرجا ومخرجا» . وقال عمر للنبي ﷺ «يا رسول الله ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال بلى قال فلم نعطي الدنية في ديننا فقال رسول الله ﷺ إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري وراجع عمر أبا بكر فقال له مثل ما قال رسول الله ﷺ وقال استمسك بغرزه فوالله إنه على الحق قال عمر فعملت لذلك أعمالا» ما زلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت أن يكون خير. ثم أمر رسول الله ﷺ أصحابه أن ينحروا ما معهم من الهدي وأن يحلقوا رؤوسهم ونحر هديه وأمر حالقه فحلق رأسه. فلما رأى الصحابة ذلك قاموا فنحروا وحلق بعضهم بعضا حتى كاد يقتل بعضهم بعضا من الغم مما صنع بهم المشركون من صدهم عن بيت الله الذي أولى الناس به رسول الله وأصحابه وفي العام المقبل خرج النبي ﷺ من المدينة معتمرا في ذي القعدة وأمر أصحابه أن يكشفوا عن المناكب اليمنى وأن يرملوا في طوافهم ليرى المشركون جلدهم وقوتهم وكان ﷺ يحب إغاظة المشركين بكل ما يستطيع ولقد كان في غزوة الحديبية من آيات النبي ﷺ ما كان من آيات الله فلقد شكى الصحابة قلة الماء وبين يديه إناء يتوضأ منه فوضع يده فيه فجعل الماء يفور من بين يديه كأمثال العيون فشربوا وتوضأوا وكانوا نحو ألف وأربعمائة.
стр. 681
أيها المسلمون هكذا كان أعداء الإسلام يحاولون صد المسلمين عن دينهم وشعائر دينهم تارة بالقوة وتارة بالمكر والخديعة فاحذروهم واعرفوا مكرهم وخديعتهم وقابلوهم بما هو أشد فإنهم يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
اللهم اجعلنا ممن يعرفون أعداءهم ويحذرونهم اللهم اجعلنا أشداء على الكفار رحماء بيننا اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
стр. 682
[الخطبة السادسة في بعض آيات النبي ﷺ ]
الخطبة السادسة
في بعض آيات النبي ﷺ الحمد لله الذي أرسل رسوله بالحق المبين وأيده بالآيات البينات لتقوم الحجة على المعاندين: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: فإن الله تعالى أرسل الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ولذلك أيدهم بالآيات البينات الدالة على صدقهم وصحة رسالتهم قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وقال النبي ﷺ «ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر» فأيدهم الله تعالى بالبينات لتقوم الحجة على كل معاند وليؤمن من آمن عن اقتناع وبصيرة فينشرح صدره للإيمان ويطمئن إليه قلبه. ولقد كان لنبينا محمد ﷺ من هذه الآيات أعظمها وأجلها كانت آياته ﷺ آيات شرعية وآيات كونية. أما الآيات الشرعية فأعظمها هذا القرآن العظيم يقول الله تعالى للذين يطلبون آيات للنبي ﷺ : ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] ويقول النبي ﷺ «وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» . نعم إن هذا القرآن العظيم لآية كبرى للنبي ﷺ لأنه جاء مصدقا لكتب الله السابقة وحاكما عليها وناسخا لها: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] كان هذا القرآن آية كبرى للنبي ﷺ لأنه كان على وصف رسالته في عمومها وشمولها وصلاحها وإصلاحها فهو كتاب عام شامل صالح لكل زمان ومكان مصلح لأمور الدنيا والآخرة فهو أساس الشريعة والشريعة شاهدة له كان القرآن آية كبرى للنبي ﷺ لما يشتمل عليه من الأخبار الصادقة الهادفة والقصص الحسنى المملوءة عبرة وتربية والأحكام العادلة المرضية والإصلاحات الاجتماعية والفردية. وكان القرآن آية كبرى في لفظه ومعناه وأثره في النفوس وآثاره في الأمة فهو آية للأمة كلها من أولها إلى
стр. 683
آخرها كل المسلمين يتلونه كما يتلوه أول هذه الأمة ويمكنهم أن ينهلوا من معين أحكامه وحكمه كما نهل منها الرعيل الأول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ومن آيات النبي ﷺ هذه الشريعة الكاملة في العقيدة والعبادة والأخلاق والآداب والمعاملات وتنظيم سلوك العبد فيما بينه وبين ربه وفيما بينه وبين الخلق لو اجتمع العالم كلهم على أن يأتوا بمثل هذه الشريعة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا لأنها شريعة الله العليم بما يصلح خلقه الحكيم بما يشرعه لهم الرحيم بما يكلفهم به. وإن كل ما جاء من صلاح أو إصلاح في أي نظام من النظم فإن الشريعة المحمدية الإسلامية ما هو أصلح منه وأنفع للخلق. وإن كان البشر لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذه الشريعة في صلاحها وإصلاحها كان ذلك آية وبرهانا على أن شريعة محمد ﷺ هي شريعة الله تعالى.
وأما الآيات الكونية الدالة على رسالته ﷺ فكثيرة جدا لا تمكن الإحاطة بها فمنها ما جبله الله عليه من مكارم الأخلاق ومعالي الآداب ومحاسن الأعمال قال ملك غسان وقد دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام والله لقد دلني على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له وأنه يغلب فلا يبطر ويغلب فلا يضجر ويفي بالعهد وينجز بالموعود وأشهد أنه نبي. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) وهو كتاب قيم ينبغي للمسلم قراءته لا سيما في هذا العصر الذي كثر فيه انتشار النصارى بين المسلمين في القطاع الحكومي والشعبي ليكون الإنسان على بصيرة من أمرهم قال شيخ الإسلام إن سيرة النبي ﷺ وأخلاقه وأقواله وأفعاله وشريعته من آياته فإنه كان من أشرف أهل الأرض نسبا من صميم سلالة إبراهيم وكان من أكمل الناس تربية ونشأة لم يزل معروفا بالصدق والبر والعدل ومكارم الأخلاق وترك الفواحش والظلم لا يعرف له شيء يعاب به ولا جرت عليه كذبة قط ولا ظلم ولا فاحشة بل كان أصدق الناس وأعدلهم وأوفاهم بالعهد مع اختلاف الأحوال عليه من حرب وسلم وأمن وخوف وغنى وفقر وظهور على العدو تارة وظهور العدو عليه تارة.
ومن آيات النبي ﷺ الكونية ما شاهده الناس في الآفاق السماوية والآفاق الأرضية ففي الآفاق السماوية كثرت الشهب في السماء لإحراق الشياطين التي تستمع أخباء السماء كثرت
стр. 684
الشهب حماية لوحي الله الذي ينزله على محمد ﷺ قال الله تعالى عن الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] وطلبت قريش من النبي ﷺ آية فأراهم القمر شقين حتى رأوا غار حراء بينهما وكانت كل شقة منه على حذاء جبل وأسري بالنبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى واجتمع إليه الأنبياء فصلى بهم إماما ثم عرج به إلى السماوات وقابل في كل سماء من قابل من الأنبياء والرسل وسلم عليهم فردوا عليه وحيوه وبلغ سدرة المنتهى ومكانا سمع فيه صريف الأقلام وكلمه الله تعالى بما أراد وتراجع بين الله تعالى وبين موسى فيما فرض الله عليه من الصلوات وعرضت عليه الجنة وأدخلها وعرضت عليه النار فرآها كل هذا كان في ليلة بل في بعض ليلة وهو من أعظم آيات الله الدالة على صدق نبينا محمد ﷺ قال الله : ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] وجاءه رجل وهو يخطب يوم الجمعة فقال ادع الله أن يغيثنا فدعا فثار السحاب أمثال الجبال فما نزل عن المنبر حتى كان المطر يتحادر على لحيته فبقي أسبوعا حتى دخل رجل في الجمعة الأخرى فقال ادع الله أن يمسكها عنا فدعا وجعل يشير إلى السحاب فما يشير إلى ناحية إلا انفرجت فخرج الناس يمشون في الشمس.
وفي الآفاق الأرضية شاهد الناس من آيات النبي ﷺ شيئا كثيرا فمنها ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال «عطش الناس وكان بين يدي النبي ﷺ ركوة - والركوة إناء من جلد - فجهش الناس نحوه فقال ما لكم قالوا ليس عندنا ماء نشرب ولا نتوضأ إلا ما بين يديك فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا قيل لجابر كم كنتم قال كنا ألفا وخمسمائة ولو كنا مائة ألف لكفانا» . وأتى أنس إلى رسول الله ﷺ وهو في جملة من أصحابه قد عصب بطنه من الجوع فذهب أنس إلى أبي طلحة وهو زوج أمه فأخبره بما شاهد من النبي ﷺ فقال أبو طلحة لأم سليم زوجته هل من شيء قالت نعم كسر من خبز وتمرات إن جاء رسول الله ﷺ وحده أشبعناه وإن جاء معه آخر قل عنهم قال أنس فذهبت إلى النبي ﷺ فنظر إلي فقلت أجب أبا طلحة فقال النبي ﷺ لمن معه قوموا فإذا أبو طلحة على الباب فقال يا رسول الله إنما هو شيء يسير فقال هاته فإن الله سيجعل فيه البركة ثم أمر بسمن فصب عليه ودعا فيه ثم قال ائذن لعشرة فقال كلوا وسموا الله ثم أدخلهم
стр. 685
عشرة عشرة وكانوا ثمانين حتى شبعوا ثم أكل رسول الله ﷺ وأهل البيت حتى شبعوا وأهدوا البقية للجيران.
وكان النبي ﷺ يخطب الجمعة إلى جذع نخلة في المسجد فلما صنع له المنبر وقام عليه أول جمعة حن الجذع إلى رسول الله ﷺ كما تحن العشار حتى نزل النبي ﷺ إليه فوضع عليه يده يسكنه حتى سكن. وكان من آياته ﷺ ما أخبر به من أمور الغيب التي وقعت طبقا لما أخبر ﷺ كأنما يشاهدها بعينه كقوله ﷺ «يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم» . وقوله ﷺ «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك» فقد كان ذلك ولله الحمد فما زال في هذه الأمة أمة قائمة بأمر الله تعالى لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم على كثرة ما غزى دينهم من أعدائهم حتى في عهد النبي ﷺ من اليهود والنصارى والمشركين فعن أنس بن مالك ﵁ قال كان رجل نصرانيا فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران فكان يكتب للنبي ﷺ فعاد نصرانيا فكان يقول ما يدري محمد إلا ما كتبت له فأماته الله فدفنوه فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه فحفروا له وأعمقوا فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه فحفروا له وأعمقوا في الأرض ما استطاعوا فأصبح وقد لفظته الأرض فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه وتركوه منبوذا وهكذا ينتصر الله من أعداء الله تعالى ويري الناس فيهم آياته حتى يتبين لهم الحق.
فاتقوا الله أيها المسلمون وثقوا بوعد الله إن كنتم صادقين ولا تيأسوا من روح الله. إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . . الخ.
стр. 686
[الخطبة السابعة في معراج النبي ﷺ ]
الخطبة السابعة
في معراج النبي ﷺ الحمد لله الذي أنعم علينا بنعم لا تحصى ودفع عنا من النقم ما لا يعد ولا يستقصى وسبحان الذي أسرى بعبده محمد ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وعرج به بصحبة جبريل الأمين إلى السماوات العلى وأراه من آياته العظيمة الكبرى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا الذي خلق الأرض والسماوات العلى وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي فضله الله بالعلم والرشد فما ضل وما غوى وأدبه فأحسن تأديبه فما زاغ بصره وما طغى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الكرماء وعلى التابعين لهم بإحسان ما دامت الأرض والسماء وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به عليكم من النعم الكبرى والآلاء الجسيمة العظمى فإن نعم الله علينا سابغة وآلاءه متوالية متتابعة لقد جعلنا الله خير أمة أخرجت للعالمين وفضل نبينا على سائر الأنبياء والمرسلين واختصه بخصائص لما ينلها أحد من البشر ولن يصل إليها أحد ممن تقدم أو تأخر. فمن خصائصه العظيمة ذلك المعراج الذي فضله الله به قبل أن يهاجر من مكة فبينما هو نائم في الحجر في الكعبة أتاه آت فشق ما بين ثغرة نحره إلى أسفل بطنه ثم استخرج قلبه فملأه حكمة وإيمانا تهيئة لما سيقوم به ثم أتي بدابة بيضاء دون البغل وفوق الحمار يقال لها البراق يضع خطوه عند منتهى طرفه فركبه ﷺ وبصحبته جبريل الأمين حتى وصل بيت المقدس فنزل هناك وصلى بالأنبياء إماما كل الأنبياء والمرسلين يصلون خلفه ليتبين بذلك فضل رسول الله ﷺ وشرفه وأنه الإمام المتبوع ثم عرج به جبريل إلى السماء الدنيا فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح له فوجد فيها آدم فقال جبريل هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلم عليه فرد ﵇ وقال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح وإذا على يمين آدم أرواح السعداء وعلى يساره أرواح الأشقياء من ذريته فإذا نظر إلى اليمين سر وضحك وإذا نظر قبل شماله بكى ثم عرج به جبريل إلى السماء الثانية فاستفتح. . . إلخ. فوجد فيها يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام وهما ابنا الخالة كل واحد منهما ابن خالة الآخر فقال جبريل هذان يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلم عليهما فردا السلام وقالا مرحبا
стр. 687
بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم عرج به جبريل إلى السماء الثالثة فاستفتح. . الخ. فوجد فيها يوسف ﵊ فقال جبريل هذا يوسف فسلم عليه فسلم عليه فرد السلام وقال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم عرج به جبريل إلى السماء الرابعة فاستفتح. . الخ. فوجد فيها إدريس ﷺ فقال جبريل هذا إدريس فسلم عليه فسلم عليه فرد السلام وقال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم عرج به جبريل إلى السماء الخامسة فاستفتح. . الخ. فوجد فيها هارون بن عمران أخا موسى ﷺ فقال جبريل هذا هارون فسلم عليه فسلم عليه فرد ﵇ وقال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم عرج به جبريل إلى السماء السادسة فاستفتح. . إلخ. فوجد فيها موسى ﷺ فقال جبريل هذا موسى فسلم عليه فسلم عليه فرد ﵇ وقال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح فلما تجاوزه بكى موسى فقيل له ما يبكيك قل أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي فكان بكاء موسى حزنا على ما فات أمته من الفضائل لا حسدا لأمة محمد ﷺ ثم عرج به جبريل إلى السماء السابعة فاستفتح. . . الخ. فوجد فيها إبراهيم خليل الرحمن ﷺ فقال جبريل هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه فسلم عليه فرد السلام وقال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. وإنما طاف جبريل برسول الله ﷺ على هؤلاء الأنبياء تكريما له وإظهارا لشرفه وفضله ﷺ وكان إبراهيم الخليل مسندا ظهره إلى البيت المعمور في السماء السابعة الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون ويصلون ثم يخرجون ولا يعودون في اليوم الثاني يأتي غيرهم من الملائكة الذين لا يحصيهم إلا الله ثم رفع النبي ﷺ إلى سدرة المنتهى فغشيها من أمر الله من البهاء والحسن ما غشيها حتى لا يستطيع أحد أن يصفها من حسنها ثم فرض الله عليه الصلاة خمسين صلاة كل يوم وليلة فرضي بذلك وسلم ثم نزل فلما مر بموسى قال ما فرض ربك على أمتك قال خمسين صلاة في كل يوم فقال إن أمتك لا تطيق ذلك وقد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال النبي ﷺ فرجعت فوضع عني عشرا وما زال يراجع ربه حتى استقرت الفريضة على خمس فنادى مناد أمضيت فريضتي وخففت على عبادي.
وفي هذه الليلة أدخل النبي ﷺ الجنة فإذا فيها قباب اللؤلؤ وإذا ترابها المسك ثم نزل
стр. 688
رسول الله ﷺ حتى أتى مكة بغلس وصلى فيها الصبح فلما أصبح أخبر قريشا بما رأى فكان في ذلك امتحان لهم وزيادة في الطغيان والتكذيب وقالوا كيف تزعم يا محمد أنك أتيت بيت المقدس ورجعت في ليلة ونحن نضرب إليه أكباد الإبل شهرا في الذهاب وشهرا في الرجوع فهات صف لنا بيت المقدس فجعل النبي ﷺ يصفه لهم حيث جلاه الله له فجعل ينظر إليه وينعته لهم فبهتوا وقالوا أما الوصف فقد أصاب وجاء الناس إلى أبي بكر فقالوا إن صاحبك يقول كذا وكذا فقال إن كان قاله فقد صدق. ثم جاءه وحوله المشركون يحدثهم فكلما قال رسول الله ﷺ شيئا قال أبو بكر صدقت فسمي الصديق من أجل ذلك ﵁ وأرضاه.
فاعتبروا أيها المؤمنون بهذه الآيات العظيمة واشكروا الله على هذه النعم الجسيمة واسألوه أن يثبتكم على الإيمان إلى الممات وأن يحشركم في زمرة أوليائه وحزبه فإن حزب الله هم المفلحون أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (بسم الله الرحمن الرحيم) ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] إلى قوله ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 689
[الخطبة الثامنة في صفات النبي ﷺ ]
الخطبة الثامنة
في صفات النبي ﷺ الحمد لله الذي من على من شاء من عباده بصفات الكمال ورفع بعضهم على بعض درجات ليبلوهم فيما أعطاهم من تلك الخصال وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الكبير المتعال وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث ليتمم مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما تعاقبت الأيام والليال وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا ربكم واعلموا ما له من الحكم البالغة في شرعه وخلقه وجزائه فله الحكمة البالغة الصادرة عن علم تام ورحمة واسعة شرع الشرائع فأحكمها وخلق المخلوقات فأتقنها ووضع الجزاء على وقف الحكمة والعدل والفضل: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] وضع الرسالة العظمى في محمد ﷺ و: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وضعها فيمن أكمله الله خلقة حيث جاء جسده كاملا متناسبا حسنا جميلا فكان ﷺ ربعة من الرجال ليس بالطويل البائن ولا القصير بعيد ما بين المنكبين ضخم الأعضاء بتناسب رحب الصدر وكان أحسن الناس وجها أزهر اللون مشربا بحمرة مستدير الوجه مع سهولة الخدين أكحل العينين أدعجهما أسبغ الحواجب في غير قرن بينهما دقيق الأنف حسن الفم مفلج الأسنان براق الثنايا كث اللحية حسنها. قال أنس بن مالك ﵁ توفاه الله وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء إنما كان شمط عند العنفقة وفي الصدغين والرأس يسيرا له شعر يبلغ شحمة أذنيه إلى مكنبيه كان يسدله ثم عدل إلى تفريقه على جانبي الرأس هذه صفاته الخلقية أكمل صفات الرجال بينتها لكم لتكون لكم آية عندما ترونه في النوم لأن من رآه في المنام على صفته الثابتة عنه فقد رآه حقا لأن الشيطان لا يتمثل به.
أما صفاته الخلقية فكان أكمل الناس خلقا في جميع محاسن الأخلاق قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] ففي الكرم كان ﷺ أكرم الناس يعطي عطاء لا تبلغه الملوك سأله رجل فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه فقال يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى فاقة قال جابر ﵁ ما سئل رسول الله ﷺ شيئا فقال لا وعلق به الأعراب يسألونه أن يقسم بينهم في مرجعه من حنين فقال ﷺ لو كان لي عدد هذه العضاه
стр. 690
نعما - يعني عدد هذه الأشجار إبلا- لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا. وكان يؤثر على نفسه فيعطي العطاء ويمضي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار. أهديت إليه شملة فلبسها وهو محتاج إليها فسأله إياها رجل فأعطاه إياها فلامه الناس فقالوا كان محتاجا إليها وقد علمت أنه لا يرد سائلا فقال إنما سألتها لتكون كفني. وكان كرمه ﷺ في محله ينفق المال لله وفي الله إما لفقير أو محتاج أو في سبيل الله أو تأليفا على الإسلام أو تشريعا للأمة.
وفي الشجاعة كان ﷺ أشجع الناس وأمضاهم عزما وإقداما كان الناس يفرون وهو ثابت قال العباس بن عبد المطلب ﵁ لما التقى المسلمون والكفار يعني في حنين وولى المسلمون مدبرين طفق رسول الله ﷺ يركض بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع وكان يقول حينئذ «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب» وقال علي ﵁ كنا إذا اشتد البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله ﷺ فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه. قال أنس ﵁ كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس لقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعا قد سبقهم إلى الصوت واستبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عري والسيف في عنقه وهو يقول «لن تراعوا» ومع هذه الشجاعة العظيمة كان لطيفا رحيما فلم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا صخابا في الأسواق ولا يجزئ بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح قال أنس خدمت النبي ﷺ عشر سنين فما قال لي أف ولا لشيء صنعته لم صنعته ولا لشيء تركته لما تركته. وكان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويداعب صبيانهم ويضعهم في حجره وربما بال الصبي في حجره فلا يعنف. وكان يجيب دعوة الحر والعبد والغني والفقير ويعود المرضى في أقصى المدينة ويقبل عذر المعتذر وكان يسمع بكاء الصبي فيسرع في الصلاة مخافة أن تفتن أمه وكان يحمل ابنة بنته وهو يصلي بالناس إذا قام حملها وإذا سجد وضعها وجاء الحسن والحسين ورسول الله يخطب الناس فجعلا يمشيان ويعثران فنزل النبي ﷺ من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال «صدق الله ورسوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما» . قال الحسين بن علي رضي الله عنهما
стр. 691
سألت أبي عن سيرة النبي ﷺ في جلسائه فقال كان دائم البشر سهل الخلق لين الجانب يتغافل عما لا يشتهي ولا يؤيس راجيه لا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه وإذا تكلم عنده أنصتوا له حين يفرغ وكان يصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام. وكان ﷺ أزهد الناس في الدنيا وأرغبهم في الآخرة خيره الله بين أن يكون ملكا نبيا أو عبدا نبيا فاختار أن يكون عبدا نبيا. قال أنس دخلت على رسول الله ﷺ وهو على سرير مزمول بالشريط وتحته وسادة من أدم وحشوها ليف ودخل عمر وناس من الصحابة فانحرف النبي ﷺ فرأى عمر أثر الشريط في جنبه فبكى فقال النبي ﷺ «ما يبكيك يا عمر قال ومالي لا أبكي وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا وأنت على الحال الذي أرى فقال يا عمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة قال بلى قال هو كذلك» .
هذه أيها المسلمون درر من أخلاق النبي ﷺ فاتخذوها نبراسا لكم تأتمون بها وتأخذون وتسيرون عليها وتهتدون فإن الله جبله على مكارم الأخلاق وأمرنا بالاقتداء به: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] رزقنا الله وإياكم محبة هذا النبي الكريم ووفقنا لاتباع هديه وسننه حتى يأتينا اليقين أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . . . الخ.
стр. 692
[الخطبة التاسعة في حياة أبي بكر ﵁]
الخطبة التاسعة
في حياة أبي بكر ﵁ الحمد لله الذي بعث نبيه محمدا ﷺ في خير القرون واختار له من الأصحاب أكمل الناس عقولا وأقومهم دينا وأغزرهم علما وأشجعهم قلوبا قوما جاهدوا في الله حق جهاده فأقام بهم الدين وأظهرهم على جميع العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين وإمام المتقين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعرفوا ما من الله به على نبيكم من الصحابة الكرام ذوي الفضائل العديدة والخصال الحميدة الذين نصر الله بهم الإسلام ونصرهم به وكان منهم الخلفاء الراشدون الأئمة المهديون الذين قاموا بالخلافة بعد نبيهم خير قيام فحافظوا على الدين وساسوا الأمة بالعدل والحزم والتمكين فكانت خلافتهم أفضل خلافة في التاريخ في مستقبل الزمان وماضيه تشهد بذلك أفعالهم وتنطق به آثارهم وكان أجلهم قدرا وأعلاهم فخرا أبا بكر الصديق ﵁ عبد الله بن عثمان فما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين خير من أبي بكر خلف النبي ﷺ في أمته بإشارة من النبي ﷺ . فقد ثبت في صحيح البخاري «أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ في حاجة فأمرها أن ترجع إليه فقالت أرأيت إن لم أجدك قال فائتي أبا بكر» وهم ﷺ أن يكتب كتابا لأبي بكر ثم قال «يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر» ، وفي رواية: معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر وخلفه النبي ﷺ على الناس في الصلاة والحج فقد أمر أن يصلي أبو بكر بالناس حين مرض النبي ﷺ وجعله أميرا على الناس في الحج سنة تسع من الهجرة وكل هذا إشارة إلى أنه الخليفة من بعده ولو كان أحد يستحق الخلافة بعد النبي ﷺ سوى أبي بكر لخلفه النبي ﷺ في الصلاة والحج.
كان أبو بكر ﵁ من سادات قريش وأشرافهم وأغنيائهم شهد له ابن الدعنة (سيد القارة) أمام أشراف قريش بما شهدت به خديجة للرسول ﷺ حين قال له إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. فلما بعث النبي ﷺ بادر ﵁ إلى الإيمان به وتصديقه ولم يتردد حين دعاه إلى الإيمان ولازم النبي ﷺ طول إقامته بمكة وصحبه في هجرته ولازمه في المدينة وشهد معه جميع الغزوات أسلم على
стр. 693
يديه خمسة من العشرة المبشرين بالجنة وهم عثمان بن عفان والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف. واشترى سبعة من المسلمين يعذبهم الكفار بسبب إسلامهم فأعتقهم منهم بلال مؤذن رسول الله ﷺ وعامر بن فهيرة الذي صحبهما في هجرتهما ليخدمهما. كان ﵁ أعلم الناس برسول الله ﷺ ومدلول كلامه وفحواه. فقد خطب النبي ﷺ في آخر حياته وقال «إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله» ففهم أبو بكر ﵁ أن المخير رسول الله فبكى فعجب الناس من بكائه لأنهم لم يفهموا ما فهم. وكان ﵁ أحب الناس إلى رسول الله ﷺ قال فيه النبي ﷺ وهو يخطب الناس «إن أمن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته» . وجاء مرة إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى فأقبلت إليك فقال النبي ﷺ «يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا» ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل أثم أبو بكر قالوا لا فجاء إلى النبي ﷺ فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر حتى أشفق أبو بكر أن يقول النبي ﷺ لعمر ما يكره فجثا على ركبتيه فقال يا رسول الله والله أنا كنت أظلم مرتين فقال النبي ﷺ «إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدق وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركون لي صاحبي مرتين» فما أوذي بعدها. وكان ﵁ أثبت الصحابة عند النوازل والكوارث ففي صلح الحديبية لم يتحمل كثير من الصحابة الشروط التي وقعت بين النبي ﷺ وبين قريش حتى إن عمر راجع النبي ﷺ في ذلك وشق عليه الأمر وراجع أبا بكر فكان جواب أبي بكر كجواب النبي ﷺ سواء بسواء. ولما توفي النبي ﷺ اندهش المسلمون لذلك حتى قام عمر ﵁ وأنكر موته وقال والله ما مات رسول الله ﷺ وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم (من خلاف) ولكن أبا بكر ﵁ جاء فكشف عن رسول الله ﷺ فقبله وقال بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا ثم خرج إلى الناس فصعد المنبر فخطب الناس بقلب ثابت وقال ألا من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وتلا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]
стр. 694
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] ولما أراد أن ينفذ جيش أسامة بعد وفاة النبي ﷺ راجعه عمر وغيره من الصحابة أن لا يسير الجيش من أجل حاجتهم إليه في قتال أهل الردة ولكنه ﵁ صمم على تنفيذه وقال والله لا أحل راية عقدها رسول الله ﷺ ولو أن الطير تخطفنا. ولما مات رسول الله ﷺ وارتد من ارتد من العرب ومنعوا الزكاة عزم على قتالهم فراجعه من راجعه في ذلك فصمم على قتالهم قال عمر فعرفت أن ذلك هو الحق. وصفه علي ﵁ فقال كنت أول القوم إسلاما وأخلصهم إيمانا وأحسنهم صحبة وأشبههم برسول الله ﷺ هديا وسمتا وأكرمهم عليه خلفته في دينه أحسن خلافة حين ارتدوا ولزمت منهاج رسول الله ﷺ كنت كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف متواضعا في نفسك عظيما عند الله أقرب الناس عندك أطوعهم لله وأتقاهم.
تولى أبو بكر الخلافة بعد رسول الله ﷺ فسار الناس سيرة حميدة وبارك الله في مدة خلافته على قلتها فقد كانت سنتين وثلاثة أشهر وتسع ليال ومات ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء ليلة ثلاث وعشرين من جمادى الثانية سنة ثلاث عشرة من الهجرة. ومن بركته أن خلف على المسلمين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فإن هذا من حسناته ﵄ وعن جميع الصحابة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 695
[الخطبة العاشرة في حياة عمر بن الخطاب ﵁]
الخطبة العاشرة
في حياة عمر بن الخطاب ﵁ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعرفوا حكمته البالغة في شرعه وخلقه وتقديره فإنه سبحانه اختار نبيه محمدا ﷺ للرسالة إلى الخلق بهذا الدين الكامل لينشره بين العالمين واختار له من الأصحاب أفضل الناس بعد النبيين أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقومها عملا وأقلها تكلفا جاهدوا في الله حق جهاده في حياة نبيهم وبعد وفاته فنصر الله بهم الدين ونصرهم به وأظهرهم على كل الأديان وأهلها.
كان منهم الخلفاء الراشدون الأئمة المهديون الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون فكانت خلافتهم أفضل خلافة في مستقبل الزمان وماضيه تشهد بذلك أفعالهم وتنطق به آثارهم أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمان وأبو حفص الفاروق عمر بن الخطاب وأبو عبد الله ذو النورين عثمان بن عفان وأبو الحسن ابن عم النبي ﷺ علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين. وكان أفضلهم خليفة رسول الله ﷺ ورفيقه في الغار الذي نطق بما نطق به رسول الله ﷺ عام الحديبية حين اشتد الأمر على كثير من المهاجرين والأنصار وثبت الله به المسلمين يوم وفاة النبي ﷺ ونصر الله به الإسلام حين ارتد من ارتد من العرب بعد موت النبي ﷺ . وكان من بركته على هذه الأمة ونصحه لها ووفور عقله وصدق فراسته أن استخلف على الأمة بعده وزيره وقرينه عمر بن الخطاب ﵁ الذي قال فيه النبي ﷺ «لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يك في أمتي فإنه عمر» . وقال ﷺ يخاطب عمر «والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجا غير فجك» وسأل عمرو بن العاص رسول الله ﷺ عن أحب الرجال إليه فقال أبو بكر «قال ثم من قال ثم عمر بن الخطاب وعد رجالا» . وأخبر النبي ﷺ أنه كان ينزع من بئر فجاء أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين - يعني دلوا أو دلوين - قال ثم أخذها ابن الخطاب من يد أبي بكر
стр. 696
فاستحالت في يده غربا فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن ولقد صدق الله ورسوله الرؤيا فتولى الخلافة عمر بن الخطاب بعد أبي بكر ﵄ وقوي سلطان الإسلام وانتشر في مشارق الأرض ومغاربها ففتحت بلاد الشام والعراق ومصر وأرمينية وفارس حتى إنه قيل إن الفتوحات في عهده بلغت ألفا وستا وثلاثين مدينة مع سوادها بنى فيها أربعة آلاف مسجد وكان ﵁ مع سعة خلافته مهتما برعيته قائما فيهم خير قيام قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إن الله أعز به الإسلام وأذل به الشرك وأهله وأقام شعائر الدين الحنيف ومنع من كل أمر فيه نزوع إلى نقض عرى الإسلام مطيعا في ذلك الله ورسوله وقافا عند كتاب الله ممتثلا لسنة رسول الله ﷺ متحذيا حذو صاحبيه مشاورا في أموره السابقين الأولين مثل عثمان وعلي وطلحة والزبير وغيرهم ممن له علم أو رأي أو نصيحة للإسلام وأهله حتى إن العمدة في الشروط على أهل الذمة على شروطه فقد شرط ﵁ على أهل الذمة من النصارى وغيرهم ما ألزموا به أنفسهم من إكرام المسلمين والتميز عنهم في اللباس والأسامي وغيرها وأن لا يظهروا الصليب على كنائسهم ولا في شيء من طرق المسلمين وأن لا ينشروا كتبهم أو يظهروها في أسواق المسلمين ولقد كان ﵁ يمنع من استعمال الكفار في أمور الأمة أو إعزازهم بعد أن أذلهم الله قال أبو موسى الأشعري قلت لعمر ﵁ إن لي كاتبا نصرانيا فقال ما لك قاتلك الله أما سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] ألا اتخذت حنيفا يعني مسلما قال قلت يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه قال لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله ولا أدنيهم إذا أقصاهم الله. وكتب إليه خالد بن الوليد يقول إن بالشام كاتبا نصرانيا لا يقوم خراج الشام إلا به فكتب إليه عمر لا تستعمله فكتب خالد إلى عمر أنه لا غنى بنا عنه فرد عليه لا تستعمله فكتب إليه خالد إذا لم نستعمله ضاع المال فكتب إليه عمر مات النصراني والسلام. ولقد كانت هذه السياسة الحكيمة لعمر من منع تولي غير المسلمين لأمور المسلمين وإن كانت شيئا بسيطا كانت هذه السياسة مستوحاة من سياسة النبي ﷺ حيث لحقه مشرك ليقاتل معه فقال النبي ﷺ «إني لا أستعين بمشرك» . ولقد كان أمير المؤمنين عمر ﵁ مع هذا الحزم والحيطة لأمور المسلمين في مجانبة
стр. 697
أعدائهم والغلظة عليهم سببا قويا لنصر الإسلام وعزة المسلمين وكان يكتب إلى عماله يحذرهم من الترفع والإسراف كتب إلى عتبة بن فرقد وهو في أذربيجان فقال يا عتبة إنه ليس من كد أبيك ولا من كد أمك فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك وإياك والتنعم وزي أهل الشرك ولباس الحرير. وكان لا يحابي في دين الله قريبا ولا صديقا. الناس عنده سواء. يروى عنه أنه كان إذا نهى عن شيء جمع أهله فقال إني نهيت الناس عن كذا وكذا وإنهم لينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم والله لا أجد أحدا منكم فعل ما نهيت عنه إلا أضعفت عليه العقوبة وكان يقوم في الناس في مواسم الحج فيقول إني لا أبعث عليكم عمالي ليضربوا جلودكم ولا ليأخذوا أموالكم ولكن أبعثهم إليكم ليعلموكم دينكم ويحكموا فيكم بسنة نبيكم فمن فعل به سوى ذلك فليرفعه إلي. وكان ﵁ مهتما بأمور الرعية صغيرها وكبيرها. خرج ذات ليلة إلى الحرة ومعه مولاه أسلم فإذا نار تسعر فقال يا أسلم ما أظن هؤلاء إلا ركبا قصر بهم الليل والبرد فلما وصل مكانها إذا هي امرأة معها صبيان يتضاغون من الجوع قد نصبت لهم قدر ماء على النار تسكتهم به ليناموا فقال عمر السلام عليكم يا أهل الضوء وكره أن يقول يا أهل النار ما بالكم وما بال هؤلاء الصبية يتضاغون قالت المرأة يتضاغون من الجوع قال فأي شيء في هذا القدر قالت ماء أسكتهم به أوهمهم أني أصنع طعاما حتى يناموا والله بيننا وبين عمر فقال يرحمك الله وما يدري عمر بكم قالت أيتولى أمرنا ويغفل عنا فبكى عمر ﵁ ورجع مهرولا فأتى بعدل من دقيق وجراب من شحم وقال لأسلم أحمله على ظهري قال أنا أحمله عنك يا أمير المؤمنين فقال أنت تحمل وزري يوم القيامة فحمله حتى أتى المرأة فجعل يصلح الطعام لها وجعل ينفخ تحت القدر والدخان يتخلل من لحيته حتى نضج الطعام فأنزل القدر وأفرغ منه في صحفة لها فأكل الصبية حتى شبعوا وجعلوا يضحكون ويتصارعون فقالت المرأة جزاك الله خيرا أنت أولى بهذا الأمر من عمر فقال لها عمر قولي خيرا.
أيها المسلمون هكذا كانت سيرة الخلفاء في صدر هذه الأمة حين كانت الرعية قائمة بأمر الله خائفة من عقابه راجية لثوابه فلما بدلت الرعية وغيرت وظلمت نفسها تبدلت أحوال الرعاة وكما تكونون يولى عليكم.
стр. 698
أيها المسلمون مع هذه السيرة العظيمة فإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قتل شهيدا في آخر شهر ذي الحجة من السنة الثالثة عشرة من الهجرة فقد خرج لصلاة الصبح وكان إذا مر بين الصفين قال استووا حتى إذا لم ير فيهم خللا تقدم فكبر وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس فما هو إلا أن كبر فطعنه غلام مجوسي فتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه في الصلاة. فرضي الله عن عمر وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا لقد كان من خير الصحابة الذين قال الله فيهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠] إلى آخرها) .
стр. 699
[القسم التاسع في التوقيت وخصائص بعض الأيام]
[الخطبة الأولى في ابتداء التاريخ]
القسم التاسع
في التوقيت وخصائص بعض الأيام الخطبة الأولى
في ابتداء التاريخ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الناس فإننا هذا الأسبوع نستقبل عاما جديدا إسلاميا هجريا ابتداء عقد سنواته من أجل مناسبة في الإسلام ألا وهي هجرة النبي ﷺ التي ابتدأ بها تكوين الأمة الإسلامية في بلد إسلامي مستقل يحكمه المسلمون ولم يكن التاريخ السنوي معمولا به في أول الإسلام حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب ﵁ ففي السنة الثالثة أو الرابعة من خلافته ﵁ كتب إليه أبو موسى الأشعري ﵁ أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ فجمع عمر الصحابة ﵃ فاستشارهم فيقال إن بعضهم قال أرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكها كلما هلك ملك أرخوا بولاية من بعده فكره الصحابة ذلك فقال بعضهم أرخوا بتاريخ الروم فكرهوا ذلك أيضا فقال بعضهم أرخوا من مولد النبي ﷺ وقال آخرون من مبعثه وقال آخرون من مهاجره فقال عمر الهجرة فرقت بين الحق والباطل فأرخوا بها فأرخوا من الهجرة واتفقوا على ذلك تشاوروا من أي شهر يكون ابتداء السنة فقال بعضهم من رمضان لأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن وقال بعضهم من ربيع الأول لأنه الشهر الذي قدم فيه النبي ﷺ المدينة مهاجرا واختار عمر وعثمان وعلي أن يكون من المحرم لأنه شهر حرام يلي شهر ذي الحجة الذي يؤدي المسلمون فيه حجهم الذي به تمام أركان دينهم والذي كانت فيه بيعة الأنصار للنبي ﷺ والعزيمة على الهجرة فكان ابتداء السنة الإسلامية الهجرية من الشهر المحرم الحرام.
أيها المسلمون إن من المؤسف حقا أن يعدل المسلمون أكثرهم اليوم عن التاريخ الإسلامي الهجري إلى تاريخ النصارى الميلادي الذي لا يمت إلى دينهم بصلة ولئن كان
стр. 700
لبعضهم شبهة من العذر حين استعمر بلادهم النصارى وأرغموهم على أن يتناسوا تاريخهم الإسلامي الهجري فليس لهم الآن أي عذر في البقاء على تاريخ النصارى الميلادي وقد أزال الله عنهم كابوس المستعمرين وظلمهم وغشمهم ولقد سمعتم ما قيل من أن الصحابة ﵃ كرهوا التأريخ بتاريخ الفرس والروم.
أيها المسلمون إننا اليوم نستقبل عاما جديدا إسلاميا هجريا شهوره الشهور الهلالية التي هي عند الله تعالى في كتابه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] الشهور التي جعلها الله تعالى مواقيت للعالم كلهم قال الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩] مواقيت للناس كلهم بدون تخصيص لا فرق بين عرب وعجم ذلك لأنها علامات محسوسة ظاهرة لكل أحد يعرف بها دخول الشهر وخروجه فمتى رؤي الهلال من أول الليل دخل الشهر الجديد وخرج الشهر السابق. ليست كالشهور الإفرنجية شهورا وهمية غير مبنية على مشروع ولا معقول ولا محسوس بل هي شهور اصطلاحية مختلفة بعضها واحد وثلاثون يوما وبعضها ثمانية وعشرون يوما وبعضها بين ذلك لا يعلم لهذا الاختلاف سبب حقيقي معقول لكنها عورضت من قبل الأحبار والرهبان فتأمل أيها المسلم كيف يعارض رجال دين اليهود والنصارى في تغيير أشهر وهمية مختلفة إلى اصطلاح أضبط لأنهم يعلمون ما لذلك من خطر ورجال دين الإسلام ساكتون بل مقرون لتغيير التوقيت بالشهور الإسلامية بل العالمية التي جعلها الله لعباده حيث عدل عنها المسلمون أكثرهم إلى التوقيت بالشهور الإفرنجية وقد سئل الإمام أحمد ﵀ فقيل له إن الفرس أياما وشهورا يسمونها بأسماء لا تعرف فكره ذلك أشد الكراهة وروي عن مجاهد أنه كان يكره أن يقال آذارماه.
أيها المسلمون إننا هذه الأيام نستقبل عاما جديدا إسلاميا هجريا ليس من السنة أن نحدث عيدا لدخوله أو نعتاد التهاني ببلوغه فليس الغبطة بكثرة السنين وإنما الغبطة بما أمضاه العبد منها في طاعة مولاه فكثرة السنين خير لمن أمضاها في طاعة ربه شر لمن أمضاها في معصية الله والتمرد على طاعته وشر الناس من طال عمره وساء عمله، إن علينا أن نستقبل
стр. 701
أيامنا وشهورنا وأعوامنا بطاعة ربنا ومحاسبة أنفسنا وإصلاح ما فسد من أعمالنا ومراقبة من ولانا الله تعالى عليه من الأهل من زوجات وأولاد بنين وبنات وأقارب.
فاتقوا الله عباد الله وقوموا بما أنتم به معنيون وعنه يوم القيامة مسؤولون: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] قوموا بذلك على الوجه الأتم الأكمل أو على الأقل بالواجب واعلموا أن أعضاءكم ستكون عليكم بمنزلة الخصوم يوم القيامة يوم يختم على الأفواه وتكلم الأيدي والأرجل بما كسب الإنسان قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ - وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٠ - ٢٣] عباد الله إن كل عام يجد يعد المرء نفسه بالعزيمة الصادقة والجد ولكن تمضي عليه الأيام وتنطوي الساعات وحاله لم تتغير إلى أصلح فيبوء بالخيبة والخسران ثم لا يفلح ولا ينجح فاغتنموا الأوقات عباد الله بطاعة الله وكونوا كل عام أصلح من العام الذي قبله فإن كل عام يمر بكم يقربكم من القبور عاما ويبعدكم عن القصور عاما يقربكم من الانفراد بأعمالكم ويبعدكم من التمتع بأهليكم وأولادكم وأموالكم.
عباد الله والله ما قامت الدنيا إلا بقيام الدين ولا نال العز والكرامة والرفعة إلا من خضع لرب العالمين ولا دام الأمن والطمأنينة والرخاء إلا باتباع منهج المرسلين ولئن استمرت زهرة الدنيا مع المعاصي والانحراف إن ذلك لاستدراج يعقبه الإهلاك والإتلاف فاعتصموا بطاعة الله عن عقوبتكم: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]
اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد يا منان يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم نسألك أن تجعل عامنا هذا وما بعده عام أمن وطمأنينة عام علم نافع وعمل صالح عاما تسبغ به علينا نعمك وترزقنا شكرها عاما تصلح به ولاة أمورنا ورعيتنا عاما تيسرنا فيه للهدى وتيسر الهدى لنا إنك جواد كريم رؤوف رحيم.
стр. 702
[الخطبة الثانية في الأشهر الحرم]
الخطبة الثانية
في الأشهر الحرم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وتيقنوا أن لله تعالى الحكمة البالغة فيما يصطفي من خلقه فالله تعالى يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ويفضل من الأوقات ومن الأمكنة أماكن ففضل الله تعالى مكة على سائر البقاع ثم من بعدها المدينة مهاجر خاتم الأنبياء محمد ﷺ ثم من بعدهما بيت المقدس مكان غالب الأنبياء الذين قص الله علينا نبأهم وجعل لمكة والمدينة حرما دون بيت المقدس وفضل الله تعالى بعض الشهور والأيام والليالي على بعض فعدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ثلاثة متوالية وشهر رجب الفرد بين جمادى وشعبان وخير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة وليلة القدر خير من ألف شهر فعظموا رحمكم الله تعالى ما عظمه الله فلقد ذكر أهل العلم أن الحسنات تضاعف في كل زمان ومكان فاضل وأن السيئات تعظم في كل زمان ومكان فاضل وشاهد هذا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] وقال تعالى في المسجد الحرام: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]
وإنكم اليوم تستقبلون الأشهر الحرم الثلاثة فلا تظلموا فيهن أنفسكم التزموا حدود الله تعالى أقيموا فرائض الله واجتنبوا محارمه أدوا الحقوق فيما بينكم وبين ربكم وفيما بينكم وبين عباده واعلموا أن الشيطان قد قعد لابن آدم كل مرصد وأقسم الله ليأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا يجد أكثرهم شاكرين أقسم لله بعزة الله ليغوينهم أجمعين إلا عباد الله المخلصين إن الشيطان لحريص كل الحرص على إغواء بني آدم وإضلالهم يصدهم عن دين الله يأمرهم بالفحشاء والمنكر يحبب إليهم المعاصي ويكره إليهم الطاعات يأتيهم من كل جانب ويقذفهم بسهامه من كل جبهة إن رأى من العبد رغبة في الخير ثبطه
стр. 703
عنه وأقعده فإن عجز عنه من هذا الجانب جاءه من جانب الغلو والوسواس والشكوك وتعدي الحدود في الطاعة فأفسدها عليه فإن عجز عنه من جانب الطاعات جاءه من جانب المعاصي فينظر أقوى المعاصي هدما لدينه فأوقعه فيها فإن عجز عنه من هذا الجانب حاوله من جانب أسهل فأوقعه فيها دونها من المعاصي فإذا وقع في شرك المعاصي فقد نال الشيطان منه بغيته فإن المرء متى كسر حاجز المعصية أصبحت المعصية هينة عليه صغيرة في عينه يقللها الشيطان في نفسه تارة ويفتح عليه باب التسويف تارة يقول له هذه هينة افعلها هذه المرة وتب إلى الله تعالى فباب التوبة مفتوح وربك غفور رحيم فلا يزال به يعده ويمنيه وما يعده إلا غرورا فإذا وقع في هذه المعصية التي كان يراها من قبل صعبة كبيرة وهانت عليه تدرج به الشيطان إلى ما هو أكبر منها وهكذا أبدا حتى يخرجه من دينه كله ولقد أشار النبي ﷺ إلى هذا التدرج فيما رواه الإمام أحمد عن سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال «إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وذا بعود حتى أنضجوا خبزهم وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه» .
عباد الله احذروا مكايد الشيطان ومكره فإنه يتنوع في ذلك ويتلون فهذا يأتيه من قبل الإيمان والتوحيد فيوقعه في الشك أحيانا وفي الشرك أحيانا وهذا يأتيه من قبل الصلاة فيوقعه في التهاون بها والإخلال وهذا يأتيه من قبل الزكاة فيوقعه في البخل بها أو صرفها في غير مستحقها وهذا يأتيه من قبل الصيام فيوقعه فيما ينقضه من سيء الأقوال والأفعال وهذا يأتيه من قبل الحج فيوقعه في التسويف به حتى يأتيه الموت وما حج وهذا يأتيه من قبل حقوق الوالدين والأقارب فيوقعه في العقوق والقطيعة وهذا يأتيه من قبل الأمانة فيوقعه في الغش والخيانة وهذا يأتيه من قبل المال فيوقعه في اكتسابه من غير مبالاة فيكتسبه عن طريق الحرام بالربا تارة وبالغرور والجهالة تارة ويأخذ الرشوة أحيانا وبإهمال عمله تارة إلى غير ذلك من أنواع المعاصي وأجناسها التي يغر بها الشيطان بني آدم ثم يتخلى عنهم أحوج ما يكونون إلى المساعد والمعين اسمعوا قول الله تعالى في غرور الشيطان لأبوينا آدم وحواء حين أسكنهما الله تعالى الجنة وأذن لهما أن يأكلا رغدا من حيث شاءا من أشجارها وثمارها سوى شجرة واحدة عينها لهما بالإشارة ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ولكن الشيطان وسوس لهما وقال:
стр. 704
: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ - وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ - فَدَلَّاهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٠ - ٢٢] أي أنزلهما من مرتبة الطاعة وعلو المنزلة ﴿بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢] واسمعوا خداعه لقريش في الخروج إلى بدر وتخليه عنهم حيث يقول الله تعالى في ذلك: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨] واسمعوا قول الله تعالى في خداع الشيطان لكل إنسان وتخليه عنه حيث يقول الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ - فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٦ - ١٧] ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢]
عباد الله إن كل ما تجدون في نفوسكم من تكاسل عن الطاعات وتهاون بالمعاصي فإنه من وساوس الشيطان ونزغاته فإذا وجدتم ذلك فاستعيذوا بالله منه فإن في ذلك الشفاء والخلاص قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ - إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٠ - ٢٠١] اللهم أعذنا من الشيطان الرجيم واجعلنا من عبادك المخلصين الذين ليس له سلطان عليهم وعلى ربهم يتوكلون واغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين إنك جواد كريم غفور رحيم.
[الخطبة الثالثة في قصة موسى مع فرعون
стр. 705
الخطبة الثالثة في قصة موسى مع فرعون الحمد لله العلي الكبير المتفرد بالخلق والتدبير الذي أعز أولياءه بنصره وأذل أعداءه بخذله فنعم المولى ونعم النصير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واذكروا أيام الله لعلكم تذكرون اذكروا أيام الله بنصر أنبيائه وأتباعهم لعلكم تشكرون واذكروا أيام الله بخذل أعدائه ومن والاهم لعلكم تتقون واذكروا أيام الله إذا أنزل للقضاء بين عباده يوم القيامة لعلكم توقنون. أيها الناس إن نصر الله تعالى لأوليائه في كل زمان ومكان وأمة انتصار للحق وذلة للباطل وأخذ للمتكبر ونعمة على المؤمنين إلى يوم القيامة لأنهم يسرون بذلك وينعمون به بالا. وفي هذا الشهر كانت نجاة موسى ﵇ وقومه من فرعون وجنوده فلقد أرسله الله تعالى إلى فرعون بالآيات البينات والبرهان القاطع على نبوته إلى فرعون وقومه فرعون الذي تكبر على الملأ وقال أنا ربكم الأعلى فجاءه موسى بالآيات العظيمة ودعاه إلى توحيد الله تعالى خالق السماوات والأرض رب العالمين فقال فرعون منكرا ومكابرا: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] أنكر الرب العظيم الذي قامت بأمره السماء والأرض وفي كل شيء له آية تدل على وجوده وربوبيته وعلمه وقدرته وحكمته وأنه الرب الواحد الذي يجب إفراده بالعبادة كما هو متفرد بالخلق والتدبير فأجابه موسى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤] فإن في السماوات والأرض وما بينهما من الآيات ما يوجب الإيمان واليقين فرد فرعون ساخرا بموسى ومستهزئا به ومحتقرا له قائلا لمن حوله: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٥] فأجاب موسى مذكرا لهم أصلهم وأنه مخلوقون مربوبون وكما خلقوا فهم صائرون إلى العدم طريقة آبائهم الأولين فقال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦] وحينئذ بهت فرعون فادعى دعوى الكاذب المغبون فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] فطعن بالرسول وبمن أرسله فأجاب موسى مبينا من الأحق بوصف الجنون أهو المؤمن بالله خالق السماوات والأرض ومالك المشرق والمغرب أم المنكر لذلك فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨]
следующие страницы →