Полный текст (278 стр.). Показаны 246–278 · переход к 251.
стр. 246
ذرة. كيف ينقص ملك أنا قيومه؟ فيا بؤسا للقانطين من رحمتي، ويا بؤسا لمن عصاني وتوثب على محارمي. أنا الجواد ومني الجود. وأنا الكريم ومني الكرم، ومن كرمي أني أغفر للعاصين بعد المعاصي، ومن كرمي أن أعطي العبد ما سألني وأعطيه ما لم يسألني، ومن كرمي أني أعطي التائب كأنه لم يعصني، فأين عني يهرب الخلائق، وأين عن بابي يتنحى العاصون؟ ". قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] الآية. بارك الله لي ولكم.
стр. 247
[خطبة في الاعتدال باستعمال العلاجات]
٢٠ - خطبة في الاعتدال باستعمال العلاجات الحمد لله الذي من توكل عليه كفاه، ومن طلب الشفاء منه شفاه، ومن عمل بالأسباب النافعة صلح دينه ودنياه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا رب سواه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ومصطفاه، اللهم صل وسلم على محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله في جميع الأوقات، وتوبوا إلى ربكم من الذنوب والهفوات. واعلموا أن التوسط في الأمور هو العدل والخير المرغوب، وأن التطرف شذوذ وانحراف عن المطلوب، فما ندم من توسط في أموره ولا خاب، ولا سلم من شذ وتطرف فغلا أو قصر من سوء المآب. قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] فقد حث المولى على الاقتصاد في الأكل والشرب والإنفاق، وكل ما كان في معنى ذلك، ففي ذلك الخير والبركة والارتفاق. وراعوا- رحمكم الله- صحة أبدانكم وقلوبكم براحة القلب
стр. 248
وحسن الغذاء، واستعملوا النظافة والرياضة تسلموا من كثير من الأدواء، واعتمدوا على ربكم ولا تستعملوا العلاج إلا عند الحاجة إلى الدواء، فما أنزل الله داء إلا جعل له شفاء، ولكن الأمور كلها بقصد وحكمة وميزان، فكما أن ترك التداوي مع الضرورة نقص وتهور من الإنسان، فكثرة العلاجات مع الصحة أو المرض البسيط نقص وضرر على القلب والأبدان. لقد ابتلي كثير من الناس بكثرة الخيالات والتوهمات، وصار الخوف نصب أعينهم في كل الحالات، يعتقدون أن الأمراض البسيطة ثقيلة، وربما توهموا وجود المرض، وليس لذلك حقيقة، وسبب ذلك ضعف القلب وعدم التوكل وكثرة الأوهام، فأمراض القلوب وخوفها وضعفها جالب لكثرة الأسقام. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أي: كافيه أمور دينه ودنياه. وقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] فاحذروا أن تنقطع صلتكم بالله وتضعف قلوبكم، فإنه المتكفل بجميع حاجاتكم، وهو إلهكم ومطلوبكم. فمن توكل على ربه في دفع ما نزل به كفاه ولطف به وشفاه وعافاه، وأذهب عنه ضعف القلب وخوفه الذي هو
стр. 249
الداء، وجلب له الأسباب النافعة والدواء. ألم تعلموا أن ضعف القلب وكثرة أوهامه هو الداء العضال، وقوة القلب مع التوكل على الله صفة أقوياء الرجال؟ فكم من أمراض ضعيفة صيرتها الأوهام شديدة؟ وكم من معافى لعبت به الأوهام فلازمه المرض مدة مديدة؟ وكم ملئت المستشفيات من أمراض الأوهام والخيالات؟ وكم أثرت على قلوب كثير من الأقوياء، فضلا عن الضعفاء في كل الحالات؟ وكم أدت إلى الحمق والجنون، والمعافى من عافاه من يقول للشيء كن فيكون. فصحة القلوب هي الأساس لصحة الأبدان، ومرض القلوب هو المرض الحقيقي والله المستعان. فسلوا ربكم أن يعافيكم من الأمراض الباطنة والظاهرة، وأن يتم عليكم نعم الدين والدنيا والآخرة. قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]
стр. 250
[خطبة في صفة السابقين إلى الخيرات]
٢١ - خطبة في صفة السابقين إلى الخيرات الحمد لله الذي من على من شاء من عباده بفعل الخيرات وترك المنكرات.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كامل الأسماء والصفات.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أشرف المخلوقات.
اللهم صل وسلم على محمد، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم في الأقوال والأفعال والاعتقادات.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله بتصديق خبره وامتثال أمره واجتناب نهيه، فقد وصف الله الأخيار من خلقه بهذه الصفات. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ - وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١] وصفهم بكمال الإيمان به وبآياته، وبالإخلاص الكامل وترك الشرك من جميع
стр. 251
جهاته، وبالوجل والخشية من علام الغيوب، به يؤدون الحقوق ويدعون الذنوب، أولئك الذين سارعوا إلى كل خير فسبقوا، وأولئك الذين نافسوا في كل فضيلة فأدركوا. قال رسول الله ﷺ حين سئل عنهم: «هم الذين يصلون، ويصومون، ويتصدقون، ويحجون، ويعتقون، ويخافون أن لا يتقبل منهم» ، فقد جمعوا بين القيام بأحسن الأعمال وبين الوجل والخشية من ذي الجلال، أولئك الذين آمنوا بربهم، وعرفوا ما له من الحقوق والواجبات، فاجتهدوا في أدائها وتحقيقها، وحذروا من التقصير والهفوات، وقاموا بشروط التوبة من الندم على ما مضى، والإقلاع عن المحارم، وعزموا عزما جازما على ترك المآثم والمظالم، وسارعوا إلى ربهم بين الخوف من عقابه وعدله، وبين الرجاء والطمع في ثوابه وفضله، فالخوف يردعهم عن المعاصي والتقصير، والرجاء يحثهم على الطاعة ويطيب لهم المسير، والله مرادهم ومقصودهم، وهو نعم المولى ونعم النصير، والرسول إمامهم وقائدهم، وهو البشير النذير، والسراج المنير، فهؤلاء هم السادة الأبرار، وأولئك هم المتقون الأخيار. من الله علي وعليكم بهذه الصفات الجميلة، وحفظنا من كل خصلة رذيلة، إنه جواد كريم رؤوف رحيم.
стр. 252
[خطبة بعد نزول الغيث سوى ما تقدم]
٢٢ - خطبة بعد نزول الغيث سوى ما تقدم الحمد لله المتفرد بالعظمة والكبرياء والجلال، المتوحد بالربوبية والوحدانية وصفات الكمال، الذي أسبغ على عباده النعم الجزال، وتعرف إليهم بآياته ومخلوقاته، فهي براهين على الحق دوال.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أفضل الخلق في كل الخلال، اللهم صل وسلم على محمد، وعلى آله وأصحابه خير صحب وأشرف آل.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله وأطيعوه، واذكروا آلاءه وتحدثوا بنعمه واشكروه، فما بكم من نعمة باطنة أو ظاهرة إلا من الله، وما دفع عنكم السوء والضراء أحد سواه. ألم تروا كيف أنزل عليكم سحابا، فروى به أودية وهضابا، وسقى به زروعا وأشجارا، وأنبع به عيونا وأنهارا، وأخرج حبا وأبا وثمارا، وأغدق به عليكم نعما غزارا؟ ذلكم الله ربكم فاعبدوه، وذلكم الكريم الجواد فاعترفوا بنعمه واشكروه، وذلكم بأنه هو الحق ذاته
стр. 253
وأسمائه وصفاته فاعرفوه. قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ - ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥ - ٧] فأكثروا من ذكره وشكره والثناء عليه، وتوسلوا بنعمه إلى طاعته وما، يقربكم إليه، فبذلك يواصل عليكم نعمه، وبذلك يجزل لكم عطاياه وكرمه. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] وإياكم أن تستعينوا بالنعم على الأشر والبطر والطغيان، فإن هذا سبب العقوبة والحرمان والخسران. حفظ الله علي وعليكم نعمه بالقيام بشكره وطاعته، وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وجعل ما أنعم به علينا من الخيرات معونة على ما أمر به من الطاعات.
стр. 254
[خطبة في رسالة محمد ﷺ ]
٢٣ - خطبة في رسالة محمد ﷺ الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى والعلم واليقين، وأيده بالأدلة القواطع والبراهين، وجعله هدى ورحمة للعالمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إمام المتقين وأشرف المرسلين. اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله بمعرفة الحق واتباعه، ومعرفة الباطل واجتنابه. فإن الله أرسل محمدا ﷺ رحمة لجميع العالمين، وهدى لجميع المتقين. أرسله بكل علم نافع، ودليل صادق، وهدى نافع. علم به الجهالة، وهدى به من الضلالة. ما بقى علم من أصول الدين وفروعه إلا بينه، ولا قاعدة وأصلا من علوم الكون إلا أسسه وأصله. فالعلم الصحيح ما قام عليه الدليل، والنافع من العلوم والمعارف ما جاء به الرسول ﷺ . شريعته الكاملة هيمنت على جميع الشرائع السابقة وتممتها، وسنته وضحت أمور الدين والدنيا وبينتها. فهي في غاية العدل والحسن لقوم يعقلون. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]
стр. 255
فأحكامه في العبادات والمعاملات أحسن الأحكام، حكم بأن كل طيب حلال نافع، وكل خبيث فهو مضر حرام. وقد احتضنت علومه وشريعته كل علم وعمل نافع صحيح، وأتت بما يوافق العقول الصحيحة والفطر المستقيمة. فلم يأت ولن يأت علم صحيح ينافي ما جاء به الرسول، بل جميعها تشهد له بالحق والصدق. وكلها تعترف له بالكمال والفضل والسبق.
فالعقول تهتدي وتقتدي بأقواله وأفعاله، وتعترف بافتقارها إليه في كل أحواله. فهو ﷺ أعظم الخلق حلما وصبرا. وأكثرهم عفوا عن الخلق وصفحا، وأجمعهم لجميع المحاسن والكمالات، وأكرمهم في الخير والمعروف وبذل الهبات. وهو الذي جمع الكرم والإحسان بعلمه وعمله وحاله ومآله، وهو الذي أرشد العباد للحق في جميع أحواله، وبذلك ملأ قلوب أمته رحمة وبرا وإحسانا، وأوصلهم إلى الفلاح والسعادة سرا وإعلانا. لم يبق شيء من الخير إلا علمهم به ودلهم عليه، ولا من الشر إلا حذرهم منه. دلهم على مكارم الأخلاق وحذرهم من الكريهات، وأحب لهم البصيرة النافذة عند حلول الشبهات، واستعمال العقل الكامل عند ورود الشهوات. والشجاعة في كل شيء، ولو على قتل المؤذيات، والسماحة ولو بكف من تمرات.
стр. 256
[خطبة في شعب الإيمان]
٢٤ - خطبة في شعب الإيمان الحمد لله الذي جعل الإيمان به أصل الأصول، وبلغ من قام به غاية المنى والقبول.
وأشهد أن لا إله إلا الله الذي سمى نفسه المؤمن، فإنه الحامد المثني على نفسه، المتفرد بالكمالات، المصدق لأنبيائه ورسله بالأدلة القواطع والبراهين الساطعات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أكمل من قام بأصول الإيمان، ودعا إلى حقائق اليقين، ومقامات الإحسان. اللهم صل وسلم على محمد، وعلى آله وأصحابه على توالي الزمان.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله بالقيام بأصول الإيمان وشرائع الدين، وأصلحوا بذلك ظواهركم وبواطنكم في كل وقت وحين.
فقد قال ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» .
стр. 257
فذكر ﷺ العقائد والأخلاق والأعمال، ومثل من كل واحد منها بمثال. فأصل الأصول قول العبد صادقا مخلصا: لا إله إلا الله، فهي أصل الدين وأساسه ومنتهاه، نعترف بأنه المستحق للألوهية، وهي جميع المحامد والكمالات، وللإخلاص في العبودية في كل الحالات. ومثل بالحياء الذي عليه تستنير أعمال القلوب، ومراقبة علام الغيوب، فيستحي العبد من ربه أن يراه حيث نهاه أو يفقده حيث أمره. فمن استحيا من ربه حق الحياء حفظ القلب وما وعى، والرأس وما حوى، وعرف ما خلق له من عبادة ربه، فآثر ما يبقى على ما يفنى. ومثل بإماطة الأذى عن الطريق تنبيها على أن الإحسان إلى الخلق يجلب مصالحهم ودفع أذاهم، من أعظم ما يقرب العباد إلى ربهم ومولاهم.
فجميع شعب الإيمان ترجع وتدور على ما ذكره النبي ﷺ ، في هذا الحديث الشريف، فهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، والقيام بشرائع الإسلام من الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام، والإحسان إلى الوالدين والأقارب والجيران والمماليك، والحنو على اليتامى والمساكين والغرباء وجميع العالمين، والبعد عن جميع الموبقات، واستعمال المعروف مع كل أحد في كل الحالات.
стр. 258
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] بارك الله لي ولكم.
стр. 259
[خطبة في سير الشريعة]
٢٥ - خطبة في سير الشريعة الحمد لله الذي جعل القيام بالشريعة طريقا للنجاة، وضمن للمطيعين له ولرسوله كمال الأجر وعلو الدرجات.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، المتفرد بالكمالات. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أكمل المصطفين من جميع البريات. اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين له في كل الحالات.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى بفعل ما أمر به وترك ما عنه نهى، فقد حكم الله لمن قام بذلك بالنجاة من المهالك وحسن الجزاء، ورتب الفلاح ووراثة الجنات لمن آمن به واتقى. قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ - إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ - فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ - وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٨] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ - أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ - الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩ - ١١]
стр. 260
«وقال معاذ بن جبل: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار. قال: " لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت " ثم قال: " ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل ". ثم تلا قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧] ثم قال: " ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وفي وذروة سنامه؟ " قلت: بلى، قال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله " ثم قال: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ " قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه فقال: "كف عليك هذا". قلت: يا رسول الله: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: "ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟» .
стр. 261
فانظروا - رحمكم الله - إلى هذه الأعمال التي جعلها الله ورسوله وسيلة لجميع الخيرات، - فإنها في غاية السهولة خالية من الصعوبة والمشقات.
فاجتهدوا في الاتصاف بها فهي أفضل الزاد. واستعينوا بربكم في العمل بها، فما خاب من استعان برب العباد، وما نجح من نجح إلا بالقيام بهذه الأعمال، وبها السعادة في الدنيا والآخرة وصلاح الأحوال.
وفقني الله وإياكم لأحسن الأعمال والأخلاق، وحفظنا من مساوئها فإنه الجواد الخلاق.
стр. 262
[خطبة في أصول الدين]
٢٦ - خطبة في أصول الدين الحمد لله المعروف بأسمائه وصفاته، المتحبب إلى خلقه بجزيل هباته.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، المتفرد بالألوهية والوحدانية، المتوحد في العظمة والكبرياء والمجد والربوبية، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أكمل الخلق في مراتب العبودية، وأعلاهم في كل خصلة حميدة، فهو خير البرية، اللهم صل وسلم على محمد، وعلى آله وأصحابه الأخيار، وعلى التابعين لهم بالأقوال والأفعال والإقرار.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الله خلقكم وأمركم بمعرفته وعبادته، وحثكم على إخلاص الدين وتحقيق طاعته.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] وقال:
стр. 263
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩]
وذلك أنه يجب علينا أن نؤمن ونعترف أن الله هو الخالق الرازق، المدبر لجميع الأمور، المتفضل على عباده بالنعم الظاهرة والباطنة، نعم الدنيا ونعم الدين. وأنه الموصوف بسعة الرحمة وشمول الحكمة، والعلم المحيط الشامل. المنعوت بالعظمة والكبرياء والعز الكامل. الحي القيوم الذي لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل على الكمال والتمام. حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه. فهو الغني المطلق، ومن سواه إليه فقير، وهو القوي العزيز، ومن سواه عاجز ذليل، وهو الجواد الكريم، فلا غنى لأحد عن كرمه طرفة عين، ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] ونؤمن أنه الله الذي لا إله إلا هو، فهو ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين.
فكما أنه لا رب ولا خالق ولا منعم سواه، فليس للعباد إله ومعبود إلا الله. فمن أخلص له الدين في ظاهره وباطنه فهو
стр. 264
الموحد حقا، ومن صرف شيئا من العبادة لغيره فهو المشرك صرفا، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] وقال: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥]
فليس لنا معبود سواه، فلا نستعين إلا به، ولا نعبد إلا إياه، فهو الإله المقصود بالتأله والحب والتعظيم، وهو المقصود لقضاء الحاجات وتفريج الكربات، وكل أمر عظيم ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢]
ونؤمن بنزول ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا، كما أخبر به الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى، مع أنه العلي الأعلى، الذي على العرش استوى، وعلى الملك احتوى ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى - اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٧ - ٨]
ونؤمن أن المؤمنين يرون ربهم في جنة المأوى، فرؤيته ورضوانه أكبر نعيم يجزل لهم المولى.
ونشهد أن القرآن تنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين،
стр. 265
على قلب النبي الكريم، بلسان عربي مبين، فهو كلام الله حقا منزل غير مخلوق، فهو الهدى والرحمة والشفاء والنور، وعليه المدار في الأصول والفروع والأحكام كلها، وجميع الأمور.
ونشهد أن الله حق، وقوله حق، ووعده حق، ولقاؤه حق، والنبيون حق، ومحمد حق، ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧] فيجازيهم بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فيثيب الطائعين بفضله، ويعاقب العاصين بحكمته وعدله، ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨ - ٩]
ونؤمن بجميع ما جاء به الكتاب والسنة من أحوال اليوم الآخر، والشفاعة، والحوض، والميزان، والصراط، وصحائف الأعمال، وما ذكر من صفات الجنة والنار، وصفات أهلهما، كل ذلك حق لا ريب فيه، وكله داخل في الأيمان باليوم الآخر.
والحاصل أننا نؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، إيمانا مجملا شاملا، وإيمانا مفصلا في كتاب ربنا وسنة نبينا.
ونسأله تعالى أن يثبتنا على ذلك، ويميتنا ويحيينا عليه، إنه جواد كريم.
стр. 266
[خطبة حين زادت الأمطار وخيف الضرر ثم أقلعت واستبشر الناس]
٢٧ - خطبة حين زادت الأمطار وخيف الضرر ثم أقلعت واستبشر الناس الحمد لله اللطيف المنان، الرؤوف الرحيم الرحمن، ذو الكرم الواسع والجود، والخير المتتابع الممدود.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له المعبود، الواحد الأحد الفرد الصمد المقصود، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خير مرسل وأشرف مولود. اللهم صل وسلم على محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم في الصدور والورود.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى لعلكم ترحمون، واذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون، واشكروه على تتابع فضله لعلكم تكرمون. أنعم عليكم بهذا الغيث الغزير، وأسبغ عليكم بهذا الكرم الواسع الكثير، فلم يزل يتابعه حتى رويت الأراضي وامتلأت الغدران، حتى إذا خشي الناس منه الضرر والطغيان، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت من الخوف والهموم والأحزان - أمره المولى أن يقلع عنكم بلطفه وإحسانه، ونشر
стр. 267
عليكم رحمته برأفته وحنانه، فأصبح الناس بهذا وبهذا مستبشرين، وبنزوله ثم بإقلاعه فرحين، فكانت النعمة في إمساكه كالنعمة في إنزاله، فلم يزل العبد يتقلب بنعم ربه في كل أحواله. فاشكروا ربكم شكرا كثيرا، وسبحوه بكرة وأصيلا، وتوسلوا بنعمه وإحسانه إلى طاعته واتباع رضوانه. فمن شكر الله بقلبه ولسانه وعمله فليبشر بالمزيد، ومن قابل النعم بالغفلة والمعاصي فالعقاب شديد. والعباد في غاية الضعف والفقر والاضطرار، ولا ثبات لهم على حالة ولا قوة ولا اصطبار. إذا تباطأ الغيث يئسوا وقنطوا، وإذا تتابع عليهم قلقوا وجزعوا، فعليهم أن يلجأوا في أمورهم كلها إلى المولى، ويسألوه اللطف في مواقع القدر والقضاء، فتعرضوا لألطاف المولى بالتضرع والدعاء، واقصدوه في حالة السراء والضراء.
«دخل رجل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فشكى إليه الضرر، فقال يا رسول الله: هلكت الأموال، وجاعت المواشي، وتقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا، فرفع يديه ﷺ وهو يخطب، فقال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا". قال أنس: فلا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، حتى نشأت سحابة من وراء سلع مثل الترس، فانتشرت وأمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس من الجمعة إلى الجمعة.
стр. 268
ثم دخل رجل وهو يخطب في الجمعة الأخرى، فقال يا رسول الله: هلكت الأموال، وانقطعت السبل، وتهدمت الأبنية، فادع الله أن يمسكها. فرفع يديه وهو يخطب. فقال: " اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر" فانجاب السحاب عن المدينة، مثل الإكليل، فخرجوا يمشون في الشمس.»
فانظروا هذه الآيات الدالة على كمال قدرة الله وتوحيده، وعلى سعة رحمته وصدق رسوله، ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم: ٤٨] الآيات.
стр. 269
[خطبة حين وضع مكبر الصوت في المسجد واستنكره بعض الناس]
٢٨ - خطبة حين وضع مكبر الصوت في المسجد واستنكره بعض الناس الحمد لله الذي خلق الخلائق وأحكم، وشرع الشرائع وحلل وحرم، وعلم الإنسان ما لم يكن يعلم.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له في ملكه وتدبيره، ولا ظهير له في إحكام الأشياء وحسن تقديره، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وحبيبه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن يفعل الخير ويقوله.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله وأطيعوه. واعرفوا ما أنزل من الحق واتبعوه، فمن عرف الحق واتبعه فهو السعيد، ومن عرف الحق وتركه فهو الشقي الطريد. واعلموا أن الله أمر بتبليغ الدين، ويسر كل سبب يوضح الحق ويبين. فكما أن استعمال الأسلحة القوية العصرية والعناية بها داخل في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] واستعمال الوقايات والتحصينات عن الأسلحة الفتاكة داخل في قوله تعالى:
стр. 270
﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] والقدرة على المراكب البحرية والجوية والهوائية داخل في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وجميع ذلك وغيره داخل في الأوامر بأخذ جميع وسائل القوة والجهاد، فكذلك إيصال الأصوات والمقالات النافعة إلى الأمكنة البعيدة من برقيات وتليفونات وغيرها داخل في أمر الله ورسوله بتبليغ الحق إلى الخلق، فإن إيصال الحق والكلام النافع بالوسائل المتنوعة من نعم الله، وترقية الصنائع والمخترعات لتحصيل المصالح الدينية والدنيوية من الجهاد في سبيل الله.
وقد أخبر ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، ومن ضرورة تقارب الزمان تقارب المكان، وذلك بالوسائل التي قربت المواصلات بين البلدان والسكان، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]
يتضح بذلك أن ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق والرشد والصدق، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وقال: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]
فسبحان من أخرج الآدمي من بطن أمه، لا يعلم شيئا، ولا
стр. 271
يقدر على شيء، وجعل لهم السمع والأبصار والعقول، ويسر لهم كل سبب ينالون به من العلم والعمل كل مأمول.
أليس هذا من أكبر الأدلة على عظمته وتوحيده وسلطانه؟ وعلى شمول رحمته وفضله وإحسانه؟ علمهم العلوم الدينية، حتى صاروا هداة مهتدين، وعلمهم العلوم الكونية، حتى كانوا جهابذة مهرة مخترعين. فمن شكر لمولاه وخضع لجلاله كان ذلك عنوان فضله وكماله، ومن طغى وتمرد على ربه، فيا سوء منقلبه ومآله.
стр. 272
[خطبة في الحث على لزوم الصراط المستقيم]
٢٩ - خطبة في الحث على لزوم الصراط المستقيم الحمد لله الذي نور بهدايته قلوب العارفين، وأقام على الصراط المستقيم أقدام السالكين.
ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، فإياه نعبد وإياه نستعين، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد المهتدين، اللهم صل وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله بلزوم طاعته وطاعة رسوله، وذلك بتصديق الخبر، وامتثال الأمر، واجتناب الزجر، فمن فعل ذلك: فقد استقام على الصراط المستقيم، وهو الطريق المعتدل الموصل إلى جنات النعيم. فقد أمركم الله بسلوك هذا الصراط، والاستقامة عليه، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وأمركم أن تسألوه وتضرعوا إليه في كل ركعة من ركعات الصلاة، أن يهديكم إليه، وفي الحديث القدسي «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم» فكل أحد مضطر إلى هداية ربه
стр. 273
في جميع أحواله، بأن يسدده في أخلاقه وأقواله وأفعاله، قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ [الأعراف: ١٧٨] ومن يتبع نبيه فهو الراشد المقتدي.
ومن دعاء النبي ﷺ : «اللهم اهدني لأحسن الأعمال والأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئ الأعمال والأخلاق لا يصرف عني سيئها إلا أنت» . وقد دعا بأربع كلمات تجمع للعبد خيري الدين والدنيا: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» . فالهداية التامة هي الهداية للعلم النافع، والعمل الصالح، وهو الهدى ودين الحق. فمن عرف الحق فاتبعه وعرف الباطل فاجتنبه فقد هدي إلى صراط مستقيم، ومن قام بحقوق الله وحقوق عباده فهو المهتدي إلى جنات النعيم. ولهذا لما ذكر الله ما أمر به وما نهى عنه من الشرائع الكبار في قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] فعددها وقال في آخرها: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] من لزم هذا الصراط قبل الله منه اليسير من العمل، وغفر له الكثير من الزلل، وجعل له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ومن كل بلاء عافية، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومر على جسر جهنم كلمح البصر، وهدي إلى الطيب من
стр. 274
القول، وهدي إلى صراط الحميد. وإذا تبوأ أهل الجنة منازلهم، قالوا مغتبطين بهذه الهداية، ومثنين على ربهم بالتوفيق بها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]
стр. 275
[خطبة في بعثة النبي الكريم ﷺ ]
٣٠ - خطبة في بعثة النبي الكريم ﷺ الحمد لله الذي منَّ علينا بالنبي الكريم، وهدانا به إلى الصراط المستقيم، واستنقذنا به من الضلال والعذاب الأليم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العظيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي قال الله فيه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم في هديهم القويم.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله حق تقاته، وذلك بكمال محبة النبي ﷺ واتباع هداه، فلقد بعثه الله رحمة للعالمين، وهدى للمتقين، وحجة على العالمين.
وكانت ولادته وهجرته ووفاته في شهر ربيع الأول، فقال ﷺ : «ألا أخبركم بأول أمري: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي» .
دعوة أبي إبراهيم إذ قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩]
стр. 276
وبشارة عيسى، إذ يقول الله عنه: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]
ورؤيا أمي: رأت أمه آمنة بنت وهب كأنه خرج منها نور عظيم أضاءت به قصور الشام. وفي لك للتنبيه على عظيم منة الله به وعموم رسالاته وشمول نفعه للعالمين، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]
فهذا النور العظيم، الذي فاض على العالم برسالته أعظم من نور الشمس والقمر، وأنفع للعباد من الغيث الكثير المنهمر. نور استنارت منه المشارق والمغارب والأقطار. ملأ الله به القلوب علما ويقينا وإيمانا، وشمل البسيطة عدلا ورحمة وخيرا وحنانا، طهر الله به الأخلاق من جميع الرذائل، واستكملت به جميع الفضائل، واستبدل به المؤمنون بعد الشرك إخلاصا لله وتوحيدا، وبعد الانحراف عن الحق هداية واستقامة وتوفيقا،
стр. 277
وبعد الفتن والافتراق ألفة واعتصاما بحبل الله، وبعد القطيعة والعقوق برا وصلة ورحمة بعباد الله، وبعد الظلم والجور وسوء المعاملات عدلا ووفاء بجميع الحقوق والمعاملات. نورا كسب به العباد بعد الفساد صلاحا، وبعد الشقاء والهلاك فلاحا ونجاحا. نور نشر عدله ورحمته على الأقطار، فصلحت به الأحوال وكثرت الخيرات، وانجلت به الشرور والهلكات. لم يزل ذلك النور سراجا وهاجا، إذ أهله به متمسكون، وبنوره مقتدون. فلما استبدلوا بهذا النور الظلم والظلمات، وانفصلوا أو كادوا ينفصلون من حبله المتين، وتقاطعوا وتدابروا، وتباغضوا وتنافروا، وذهبت عنهم الغيرة الدينية، والنخوة القومية، وتباينت الأغراض، وكثرت الأضرار، جاءهم ما كانوا به يوعدون من العقوبات العاجلة، وتكالبت عليهم الأعداء، وتشتت الأصدقاء. فلم يزالوا في نزول مضطرد ما داموا معرضين عن تعاليم هذا الدين. ولا يزالون في هبوط ما داموا متعشقين لأحوال المنحرفين، ولا - والله - ينقذهم مما هم فيه من الشقاء إلا الرجوع إلى دينهم، الكفيل لهم بكل خير وصلاح، ولا ينجيهم مما وقعوا فيه إلا التمسك بحبل الله، والاجتماع على القيام بدين الله.
стр. 278
فاتقوا الله عباد الله، وقوموا حق القيام بدين الله. فمن اتقى الله وقاه، ومن توكل عليه قائما بالأسباب النافعة كفاه، ومن اعتصم به وبحبله حفظه من الشرور وحماه، ومن أخلص له الأعمال بلغه من كل خير غايته ومنتهاه، ومن أعرض عن أمره فلا يلومن إلا نفسه إذا لقى حتفه، وذلك بما قدمت يداه.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.