← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30921

الفواكه الشهية في الخطب المنبرية والخطب المنبرية على المناسبات

عبد الرحمن السعدي

Полный текст (278 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[أولا الفواكه الشهية في الخطب المنبرية] [خطبة في الحث على التقوى وبيان حدها وفوائدها] الفواكه الشهية في الخطب المنبرية والخطب المنبرية على المناسبات

стр. 2

أولا الفواكه الشهية في الخطب المنبرية تأليف علامة القصيم المحقق الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي من أفاضل علماء عنيزة رحمه الله

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله على نعمه، وأشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو، وأن محمدا عبده ورسوله. وبعد: فهذه خطب استجدت بعد ما جمعنا الخطب السابقة ونشرناها، أحببنا جمعها ونشرها؛ لتعم الفائدة، ولو كانت في موضوع واحد أو مواضيع متقاربة اكتفينا بالخُطب الأُوَل؛ لما فيها - ولله الحمد - من حصول المقصود، ولكن هذه الخطب كالأُوَل، جمعت بين الوعظ والتعليم، والتوجيهات للمنافع ودفع المضار الدينية والدنيوية، بأساليب متنوعة، والتفصيلات المضطر إليها كما ستراه. ونسأله تعالى أن يجعل عملنا خالصا لوجهه، موافقا لما يحبه ويرضاه، نافعا لنا ولغيرنا. إنه جواد كريم.

стр. 4

١ - خطبة في الحث على التقوى وبيان حدها وفوائدها الحمد لله المتفرد بعظمته وكبريائه ومجده، المدبر للأمور بمشيئته وحكمته وحمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وربوبيته وفضله ورفده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خير داع إلى هداه ورشده، اللهم صل وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وجنده. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، فإن تقوى الله خير لباس وزاد، وأفضل وسيلة إلى رضى رب العباد، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] فوعد المتقي بالفرج والخروج من كل هم وضيق، وبالرزق الواسع المتيسر من كل طريق، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا - وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٤ - ٥] فوعد من اتقاه أن ييسره لليسرى في كل الأمور، وأن يكفر عنه السيئات ويعظم له الأجور، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩] فبشر المؤمنين إذا اتقوه بالفرقان؛ وهو العلم النافع،

стр. 5

المفرق بين الحلال والحرام، وبتكفير السيئات ومغفرة الآثام، وبالفضل العظيم من الملك العلام. فإن سألتم عن تفسير التقوى التي هذه آثارها، وهذه ثمراتها وفوائدها، فإن أساسها التوبة النصوح من جميع الذنوب، ثم الإنابة منكم كل وقت إلى علام الغيوب، وذلك بالقصد الجازم إلى أداء الفرائض والواجبات، وترك جميع المناهي والمحرمات، وهو القيام بحقوق الله، وحقوق المخلوقين. والتقرب بذلك إلى رب العالمين. علامة المتقي أن يكون قائما بأصول الإيمان، متمِّمًا لشرائع الإسلام وحقائق الإحسان، محافظا على الصلوات في أوقاتها، مؤديا الزكاة لمستحقيها وجهاتها، قائما بالحج والصيام، بارا بوالديه واصلا للأرحام، محسنا إلى الجيران والمساكين، صادقا في معاملته مع جميع المعامَلين، سليم القلب من الكبر والغل والحقد والحسد، مملوءا من النصيحة ومحبة الخير لكل أحد، لا يسأل إلا الله، ولا يستعين إلا بالله، ولا يرجو ولا يخشى أحدا سواه. وقد وصف الله المتقي وبين ثوابه، في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] إلى قوله: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦] من الله علي وعليكم بتحقيق التقوى، وجعلنا وإياكم ممن استمسك بالعروة الوثقى، وبارك لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 6

[خطبة في الحث علي الإحسان] بمناسبة الجدب الذي ضر البوادي وتلفت به أموالهم الحمد لله الذي وعد المنفقين أجرا عظيما وخلفا، وأوعد الممسكين لأموالهم عن الخير عطبا وتلفا. وأشهد أن لا إله إلا هو الملك الجواد، الرءوف بالعباد. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أفضل الرسل وخلاصة العباد، اللهم صل وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وأصحابه، أولي الفضل والعلم والانقياد. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله حق تقواه، وارحموا عباده تفوزوا بثوابه ورضاه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠] وقال ﷺ : «ينزل كل صباح يوم ملكان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا» . أيها الغني الذي عنده فضل من رزقه وماله: عد على أخيك

стр. 7

المعدم وترفق لحاله، فالراحمون يرحمهم الرحمن. «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» ارحموا إخوانكم الذين تلفت مواشيهم وقلت أموالهم، ارحموا عبادا اختلت أمورهم وتضعضعت أحوالهم، ارحموا أناسا كانوا بالأمس أغنياء واجدين، فأصبحوا من كل ما يملكونه معدمين، ارحموا أناسا أصابهم الجهد والفقر والضراء يرحمكم الرحمن في حالة السراء والضراء. أيها المؤمنون: ألا تثقون بوعد من لا يخلف الميعاد، ومن ليس لخيره وفضله نقص ولا نفاد، فإن الله وعد على الإنفاق الأجر ومضاعفة الثواب، ومدافعة البلايا والنقم والعذاب والخلف العاجل في المال والبركة في الأعمال، ووعد بفتح أبواب الرزق وصلاح الأحوال، فكونوا بوعده واثقين، وببره ومعروفه طامعين، فالقليل من الإنفاق مع النية الصالحة يكون كثيرا، وينيل الله لصاحبه مغفرة وأجرا كبيرا، قال ﷺ : «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لأحدكم، كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل العظيم، واتقوا النار ولو بشق تمرة» . ليتصدق أحدكم من درهمه من ديناره من صاع بره من صاع شعيره. كيف يشبع أحدنا وأخوه المسلم جائع؟! كيف يتقلب أحدنا في نعيم

стр. 8

الدنيا وأخوه معدم فاقد؟! أين أهل الرحمة والشفقة؟ وأين من يقتحم العقبة؟ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ - فَكُّ رَقَبَةٍ - أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ - يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ - أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٢ - ١٦] لقد قست قلوبنا فما ينفع فيها وعظ ولا تذكير، ولقد قلت رغبتنا في الخير فما يؤثر فيها تشويق ولا تحذير، أين نحن من أهل الصدقة والإحسان؟! الذين حنوا بما في قلوبهم من الرحمة على نوع الإنسان! يسارعون إلى الخيرات وإخراج المخبوءات! ويفرحون بالمال الذي يدفعون به الحاجات والضرورات، ويتقربون بذلك إلى رب السماوات، أولئك الذين يظلهم الله في ظله الظليل، وأولئك الذين حازوا الأجر والثواب الجزيل، وسلموا من العقاب والعذاب الوبيل، فليبشروا بالخلف العاجل من المولى الجليل، وبالبركة في أعمالهم، وأعمارهم وأرزاقهم، والخير الجميل، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ - لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 9

[خطبة في بيان لطفه بالعباد عند المكاره] ٣ - خطبة في بيان لطفه بالعباد عند المكاره الحمد لله الرؤوف الرحيم، البر الجواد الكريم، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك العظيم، له الأسماء الحسنى، والصفات العليا، والإحسان العميم، وله الرحمة الواسعة، والحكمة الشاملة، وهو العليم الحكيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي قال الله فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه، الذين هُدُوا إلى الحق وإلى طريق مستقيم. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله تعالى، فإن روح التقوى شكر المولى على نعمائه، والصبر والرضى بمر قضائه، شكره على المحاب والمسار، والتضرع إليه عند المكاره والمضار، قال ﷺ : «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» . واعلموا أن في تقديره للضراء والمكاره حكما لا تخفى، وألطافا وتخفيفات لا تحد ولا تُستقصى، والمؤمن حين تصيبه المكاره يغنم على ربه فيكون من الرابحين، يغنم القيام

стр. 10

بوظيفة الصبر، فيتم له أجر الصابرين، ويرجو الأجر والثواب فيحظى بثواب المحتسبين، وينتظر الفرج من الله فيحوز أجر الراجين لفضله الطامعين، فإن أفضل العبادة انتظار الفرج العاجل، ورجاء الثواب الآجل، والله تعالى يبتلي عباده، فإذا ابتلى لطف وأعان، وإذا تصعبت الأمور من جانب تسهلت من نواح أخرى، فيها الرأفة والامتنان، أما ترون حين قدر الله بحكمته انحباس الغيث، ووقوع الجدب في النبات، كيف لطف بكم في حشو هذا البلاء بنعم متتابعات؟! ، وأياد وآلاء سابغات، أنعم عليكم بالآلات الحديثة التي قامت بها الزروع والحروث، واستخرجت بها المياه، وتتابعت بها النقليات لجميع المؤن من الضروريات والكماليات، ومرافق الحياة، فلو أن هذا الجدب صادف الناس بغير هذه الحالة، لهلكت الحروث وتعطلت النقليات، لقلة المواشي وعجزها، ولوقع بالعباد مجاعات وأضرار، وقاهم الله شرها، كما أن من ألطافه ما يسره للعباد من كثرة الأعمال المعينة على الرزق والمعاش، فقامت بها أمور الأغنياء والفقراء، وتم بها الانتعاش، فكم لله علينا من فضل عظيم، وكم أسبغ علينا من إحسان عميم، فعلينا أن نشكر الله بالاعتراف بنعمه وأياديه، وأن نتحدث بها في كل

стр. 11

ما يُسره أحدنا ويُبديه، وأن نستعين بها على طاعته ونتبع مراضيه، وعلينا أن نصبر ونرضى فيما يدبره مولانا ويقضيه، وأن يكون الفرج نصب أعيننا وقبلة قلوبنا، والطمع في فضله غاية قصدنا، ونهاية مطلوبنا، فإننا لم نرج مخلوقا ولا ممسكا ولا عديما، وإنما نرجو ربا غنيا جوادا كريما، لا يتبرم بإلحاح الملحين، ولا يبالي بكثرة العطايا وإجابة السائلين، عم البرايا كلها بفضله وخيره وعطائه، ووسع الخليقة كلها بنعمه وآلائه، أمرنا بالدعاء والسؤال، ووعدنا عليه الإجابة وكثرة النوال: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 12

[خطبة في تذكير الناس بنعم الدين] ٤ - خطبة في تذكير الناس بنعم الدين الحمد لله الذي منَّ بظاهر النعم وباطنها، وفروعها وأصولها، فأعطى النفوس من سوابغ نعمائه، غاية منيتها ومنتهى سولها، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي تفرد بإيصال الخيرات والمسار، ودفع العقوبات والمكروهات والمضار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى المختار، اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه الأخيار، وعلى التابعين لهم بإحسان، بالأقوال والأفعال والإقرار، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واشكروا مولاكم على ما خصكم به من النعم والآلاء، واعلموا أنكم لا تقدرون على العد لها والإحصاء، فاشتغلوا بالتفكر بأصول النعم وقواعدها، وما ترتب على ذلك من ثمراتها ونتائجها وفوائدها، فإنكم إذا ألقيتم نظرة على حالة الأمم وانحرافهم عن دين الإسلام القويم امتلأت قلوبكم من شكر الرب الرحيم، الذي منَّ عليكم بدين الإسلام، وبالسنة والصراط المستقيم، ثم إذا نظرتم في المنتسبين إلى دين الإسلام، وتفرقها على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة

стр. 13

إلا أهل السنة التي منَّ الله عليكم بها، فيالها أكبر منحة وأسبغ منة. ونقى لكم دينكم من البدع والإشراك، وسلمكم من وسائل الشرك وطرق الغي والهلاك، بوسائل وأسباب يسرها الرب الكريم، حيث أقام لكم كل إمام قد استقام على الصراط المستقيم. فكان إمامكم الإمام أحمد بن حنبل، أكبر إمام نصر السنة والكتاب، وبه وبأصحابه وأتباعه ونظرائه يعرف السني من البدعي من سائر الطوائف والأحزاب، حتى أقام الله شيخ الإسلام والمسلمين، أحمد بن تيمية تقي الدين، فجاهد الكفار والمنافقين، وسائر الملحدين، وفرق المبتدعين. وأظهر من صريح السنة وأعلامها وعلومها ما عجزت عنه مدارك الأولين والآخرين، وسلك طريقته تلامذته وأتباعه من فحول العلماء المحققين، حتى جاءت النوبة لشيخ الجزيرة، وإمامها الأواب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، فقام بهذا الأمر أتم القيام ولم يزل في جهاد مع الأعداء وجلاد. حتى نشر التوحيد الخالص والسنة المحضة بين العباد. وقمع الشرك ووسائله، والبدع والفساد، فخلصت الجزيرة ولله الحمد، وانصبغت بالسنة والتوحيد، وسلمت بمساعيه المشكورة ومساعي تلاميذه وأحفاده وأنصاره من الشرك والتنديد، فلم تجد فيها - ولله

стр. 14

الحمد - قبة على قبر ولا مشهدا، ولا توسلا بالمخلوقين، ولا مولدا ولا معبدا. أو ليس من أكبر منن الله عليكم وأجل إحسانه الواصل إليكم أن قيض لكم هؤلاء السادة الغرر؟! الذين حفظ الله بهم الدين الصحيح، وتحقق وانتشر حتى نشأتم أنتم وآباؤكم وأولادكم، تشربون من معين الشريعة أصفى شراب. وتغترفون من زلالها أحسن اغتراف، لم تدركوا هذا بوسيلة منكم، ولا قوة علم ولا ذكاء، وإنما ذلك فضل الله الذي ليس له غاية ولا انتهاء، بينما ترون الأقطار الأخرى محشوة بالشرك والكفر والإلحاد الصراح، مملوءة من البدع وبناء المشاهد على القبور. والأخلاق القباح، فاحمدوا ربكم على هذه النعم، التي لا تستطيعون لها عدا ولا شكورا، واستغفروه من تقصيركم، وتوبوا إليه إنه كان عفوا قديرا، وسلوه أن يحفظ عليكم أديانكم، وأن يثبتكم على الحق إلى الممات، وأن يحييكم في عافية مما أحاط بكم من الشرور والأمور المهلكات، إنه قريب مجيب الدعوات. فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 15

[خطبة في أن الجزاء من جنس العمل وأسباب شرح الصدر] ٥ - خطبة في أن الجزاء من جنس العمل وأسباب شرح الصدر الحمد لله الذي شرح صدور الموفقين بألطاف بره وآلائه، ونور بصائرهم بمشاهدة حكم شرعه وبديع صنعه ومحكم آياته، وألهمهم كلمة التقوى، وكانوا أحق بها وأهلها، فسبحانه من إله عظيم، وتبارك من رب واسع كريم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وخيراته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أشرف رسله وخير برياته، اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه في غدوات الدهر وروحاته. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن سعادة الدنيا والآخرة بصلاح القلوب وانشراحها، وزوال همومها وغمومها وأتراحها، فألزموا طاعة الله، وطاعة رسوله، تدركوا هذا المطلوب، واذكروا الله كثيرا، ألا بذكر الله تطمئن القلوب. أما علمتم أن الإقبال على الله - رغبة ورهبة وإنابة - في جميع النوائب والحالات أعظم الأسباب لانشراح الصدور وطمأنينة النفوس وإدراك الغايات؟ وأن الإعراض عن الله والانكباب على

стр. 16

الشهوات نار تلظى في القلوب، وخسران وحسرات؟ وأن السعي في طلب العلم النافع مع النية الصادقة من أكبر الطاعات، وبه تزول التبعات والجهالات، والأمور المعضلات؟ وأن تنوع العبد في السعي في نفع المخلوقين في قوله وفعله وماله وجاهه يصلح الله به أموره في الدنيا والدين؟ ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن تواضع لله رفعه، ومن تكبر عليه أو على الخلق وضعه، ومن عفى وسامح سامحه الله، ومن استقضى استقضى الله عليه، ومن تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته وفضحه، ومن تورع عن عيوب الخلق كف الله عن عرضه، ومن تقرب إلى الله، تقرب الله منه، ومن أعرض عن الله، أعرض الله عنه، والجزاء من جنس العمل، وما ربك بظلام للعبيد. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إلى قوله: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١]

стр. 17

[خطبة في وجوب العناية بحقوق الله] ٦ - خطبة في وجوب العناية بحقوق الله الحمد لله الذي أيقظ الغافلين، ونفع بالتذكرة المؤمنين، فلم يشتغلوا بالدنيا وحدها، بل جمعوا بين الدنيا والدين، وعرفوا ما لربهم من الحق، فقاموا به قيام الصادقين، أحمده حمد الحامدين، وأشكره وأستعينه، فهو نعم المولى ونعم المعين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المصطفى الأمين، اللهم صل وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله حق تقواه لتفوزوا بنعيمه ورضاه، فإن الله خلقكم لمعرفته وعبادته، فطوبى لمن قام بحق مولاه، فحقه عليكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شركا خفيا ولا جليا، وأن تحققوا المتابعة والإخلاص، ويكون الله وحده لكم ناصرا ووليا، فتداركوا أعماركم بالتوبة النصوح، وإصلاح الأعمال قبل احترام النفوس وحضور الآجال، قبل أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وطاعة ذي الجلال، كيف تغترون بالدنيا وقد أمدكم بعمر يتذكر فيه من تذكر

стр. 18

وجاءكم النذير؟! وقد علمتم أن الأجل ينطوي والإنسان في كل لحظة يرحل ويسير، يا عجبا لنا نضيع أوقاتنا - وهي أنفس ما لدينا - باللهو والبطالات، وقد جعلنا الدنيا دار قرار، وإنما هي دار العمل والتزود واغتنام الخيرات، يا عجبا تستوفي جميع مراداتك من مولاك ولا تستوفي حقه عليك، وأنت متبع لهواك، وتعرض عن مولاك وقت الرخاء والسراء، وتلجأ إليه حين تصيبك الضراء، أكرمك وقدمك على سائر المخلوقات، فقدمه في قلبك، وقدم حقّه على كل المرادات، من أقبل على ربه تلقاه، ومن ترك لأجله وخالف هواه عوضه خيرا مما تركه، ورضي عنه مولاه، ومن قدم رضى المخلوقين على رضاه فقد خسر دينه ودنياه، ومن أعرض عن ذكره فإن له معيشة ضنكا، وذلك بما قدمت يداه، ومن توكل عليه صادقا من قلبه، يسر له أمره وكفاه، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] وحفظه من الشر وحماه ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 19

[خطبة في التوكل] ٧ - خطبة في التوكل الحمد لله القوي المتين، الملك الحق المبين، وأشهد أن لا إله إلا الله، فإياه نعبد وإياه نستعين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، سيد المرسلين وإمام المتقين. اللهم صل وسلم على محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله، واعتصموا بحبل الله، وتوكلوا في أموركم كلها على الله، قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢] ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨] ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقال ﷺ : «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» . فالاستعانة بالله والتوكل عليه من أعظم واجبات الإيمان، وأفضل الأعمال المقربة إلى الرحمن، فإن الأمور كلها لا تحصل، ولا تتم إلا بالاستعانة بالله، ولا عاصم للعبد سوى الاعتماد على الله، فإن ما شاء الله كان؛ وما لم يشأ لم يكن، ولا تحول للعباد

стр. 20

من حال إلى حال إلا بالله، ولا قدرة لهم على طاعة الله إلا بتوفيق الله، ولا مانع لهم من الشر والمعاصي إلا عصمة الله، وكذلك أسباب الرزق لا تحصل وتتم إلا بالسعي في الطلب مع التوكل على الله، قال ﷺ : «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا» ، فوصف ﷺ المتوكل على الله بوصفين: السعي في طلب الرزق والاعتماد القوي على مسبب الأسباب، فمن فقد الوصفين أو أحدهما خسر وخاب، ومن سعى في الأسباب المباحة واعتمد على ربه وشكر المولى إذا حصلت له المحبوبات وصبر لحكمه عند المصائب والكريهات، فقد فاز ونجح واستولى على جميع الكمالات، من علم أنه فقير إلى ربه في كل أحواله كيف لا يتوكل عليه؟! ومن علم أنه عاجز مضطر إلى مولاه كيف لا يستعين به وينيب إليه؟! ومن تيقن أن الأمور كلها بيد الله كيف لا يطلبها ممن هي في يديه؟! ومن علم بسعة غناه وجوده كيف لا يلجأ في أموره كلها إليه؟! ومن استيقن أنه أرحم بعباده من الوالدة بولدها كيف لا يطمئن قلبه إلى تدبيره؟! ومن علم أنه حكيم في كل ما قضاه كيف لا يرضى بتقديره؟! فيا أيها العبد المقبل على الخير إنك لن تناله إلا ببذل المجهود، والاستعانة والاعتماد على المعبود، ويا أيها المجاهد

стр. 21

نفسه عن المعاصي والذنوب إنه لا يتيسر لك تركها إلا بقوة الاعتصام بعلام الغيوب، فإنه من توكل عليه كفاه، ومن استعان به واعتصم أصلح له دينه ودنياه، ومن أعجب بنفسه وانقطع قلبه عن ربه خاب وخسر أولاه وأخراه، فكم من ضعيف عاجز عن مصالحه قوي توكله على ربه فأعانه عليها، وكم من قوي اعتمد على قوته فخانته أحوج ما يكون إليها، ما ثم إلا عون الله وتوفيقه، فهو عدة المؤمنين، ولا فلاح ولا سعادة إلا بعبادة الله والاستعانة به، فهو المعبود حقا، وهو نعم المعين، ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] بارك الله لي ولكم.

стр. 22

[خطبة في الحياة الطيبة] ٨ - خطبة في الحياة الطيبة الحمد لله الرب الغفور، العفو الرؤوف الشكور، الذي وفق من شاء من عباده لتحصيل المكاسب والأجور، وجعل شغلهم بتحقيق الإيمان والعمل الصالح، يرجون تجارة لن تبور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي بيده تصاريف الأمور، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أفضل آمر وأجل مأمور، اللهم صل وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم البعث والنشور. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، وذلك بالقيام بحقوق الإيمان والأعمال الصالحة، فرضها ونفلها، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] فوعد من جمع بين الإيمان والعمل الصالح بالحياة الطيبة في هذه الدار، وبالأجر العظيم والثواب الجزيل في دار القرار، أما الإيمان فهو الإقرار والاعتراف بأصوله المبني على العلم واليقين والإذعان المقتضي للعمل الصالح وهو القيام بحقوق الله، أو حقوق الوالدين والأقارب،

стр. 23

والأصحاب وذوي الحقوق والجيران، فكل واجب أو مستحب فهو داخل في العمل الصالح، ويدخل في ذلك ترك الفسوق وجميع القبائح، فمن قام بذلك فليبشر بالحياة الطيبة، فهو المفلح الناجح، لا تحسبن الحياة الطيبة مجرد التمتع بالشهوات، ولا الإكثار من عرض الدنيا وتشييد المنازل المزخرفات، إنما الحياة الطيبة راحة القلوب وطمأنينتها، والقناعة التامة برزق الله، وسرورها بذكر الله وبهجتها، وانصباغها بمكارم الأخلاق، وانشراح الصدور وسعتها، لا حياة طيبة لغير الطائعين، ولا لذة حقيقة لغير الذاكرين، ولا راحة ولا طمأنينة قلب لغير المكتفين برزق الله القانعين، ولا نعيما صحيحا لغير أهل الخلق الجميل والمحسنين، لقد قال أمثال هؤلاء الأخيار: لو علم الملوك، وأبناء الملوك ما نحن فيه من لذة الأنس بالله لجالدونا بالسيوف عليه، ولو ذاق أرباب الدنيا ما ذقناه من حلاوة الطاعة، لغبطونا وزاحمونا عليه، ما ظنك بمن يمسي ويصبح ليس له هم سوى طاعة مولاه، ولا يخشى ولا يرجو ولا يتعلق بأحد سواه، إن أعطي شكر، وإن منع صبر، وإذا أذنب استغفر وتاب مما جناه، هذا والله النعيم الذي من فاته فهو المغبون، وهذه الحياة الطيبة التي لمثلها يعمل العاملون، أي نعيم لمن قلبه

стр. 24

يغلي بالخطايا والشهوات، وأي سرور لمن يتلهب فؤاده بحب الدنيا وهو ملآن من الحسرات، وأي راحة لمن فاته عيش القانعين، وأي حياة لمن تعلق قلبه بالمخلوقين، وأي عاقبة وفلاح لمن انقطع عن رب العالمين، ومع ذلك لا يرجو العقبى، وثواب العاملين بالله، لقد فاز الموفقون بعز الدنيا والآخرة، ورجع أهل الدناءة بالصفقة الخاسرة.

стр. 25

[خطبة في تفسير قوله إن الله يأمر بالعدل] ٩ - خطبة في تفسير قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠] إلخ الحمد لله الذي جعل القرآن تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة للمؤمنين، وجمع فيه أصول الدين وفروعه، وأصلح به الدنيا والدين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أكمل الخلق وسيد المرسلين، اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله بامتثالكم لأوامره، واجتنابكم لمناهيه، وتوددوا إليه بالتقرب إليه، واتباع مراضيه، فقد جمع الله الخير في آية واحدة من كتابه، وهي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] فتأملوا كيف جمعت كل مأمور، ونهت عن كل شر ومحظور، أمر الله فيها بالعدل الذي قامت به الأرض والسماوات، وصلحت الأمور واستقامت به الموجودات، أكبر العدل القيام بالعبودية، وتحقيق التوحيد، وأعظم الظلم الشرك بالله، واتخاذ العديل به والتنديد، ومن

стр. 26

العدل إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والقيام بشرائع الدين، والقيام بحق الوالدين، والأقارب والجيران، والمعاملين، ومن العدل القيام بالقسط في الأحكام والولايات، بأن يكون الناس كلهم عندك سواء، البعداء والأقرباء، والأعداء وأهل المودات، ومن العدل معاملة الناس بالوفاء، والصدق والإنصاف، وأن تعطيهم ما لهم عليك كاملا كما تستوفي حقك بلا نقص ولا إجحاف. فـ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ - الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ - وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ - أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ - لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ١ - ٥] ومن العدل القيام على نفسك والأقربين والأبعدين وأن لا يضلك الهوى عن طريق الشرع والدين، ومن العدل أن تساوي بين زوجاتك في النفقة، والكسوة والعشرة، فعل أهل الكمال، وأن لا تفضل بعض أولادك على بعض في عطية أو بر أو وصال، وأمر تعالى بالإحسان في عبادته، وذلك بمراقبته وخوفه ورجائه، والإخلاص له في الأقوال والأعمال، وبالإحسان إلى عباد الله، بالنصح، والتعليم، وبذل الجاه والمال، ومن الإحسان بذل المعروف والعفو عن المسيئين ولين الكلام وطلاقة الوجه وحسن الخلق مع المسلمين كافة، ومن الإحسان إكرام الجيران وإيتاء

стр. 27

ذي القربى، ولهذا خصه الله بالذكر لشرفه ومصلحته العظمى، ومن الإحسان الرفق بالمماليك والخدم والبهائم، وأن لا يشتمهم ولا يحملهم ما لا طاقة لهم به، فعل المسرف الظالم، ونهى في الآية عن الفحشاء، وهي الكبائر من الجرائم، كالقتل والزنا والربا، والغش وسائر العظائم، وكذلك الرياء والكبر والسخرية بالخلق فإن ذلك من أشنع المآثم، وزجر عن منكرات الأخلاق، والأعمال والأهواء والأدواء، وعن البغي على الخلق، في أنفسهم وأموالهم، وأعراضهم، فالباغي لا بد أن يصرعه بغيه، وتكون له العاقبة الوخيمة السوء. من الله علي وعليكم بالعدل والإحسان، وجنبنا الفواحش والمنكرات والعدوان، وبارك لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 28

[خطبة في إنما الأعمال بالنيات] ١٠ - خطبة في «إنما الأعمال بالنيات» الحمد لله العالم بالبواطن والظواهر، والخفيات والجليات، المطلع على مكنون الصدور وخبايا الأمور، ودقيق المخلوقات في زوايا الظلمات، يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى وكامل الصفات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي شهدت له بالربوبية جميع الموجودات، وأذعن له بالألوهية والإخلاص خلاصة المخلوقات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل الرسل وسيد البريات، اللهم صل وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وأصحابه أهل السرائر الصافيات، وعلى التابعين لهم بإحسان في صحة العقيدة وزكاء النيات. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فأحذروه، قال ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» ، وهذا من جوامع كلماته الشريفة، ومن أعظم أصول الشريعة المنيفة، فيدخل في هذا جميع العبادات والعادات، ويتناول المعاملات والمعاوضات والتبرعات، فلا يصح لأحد صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا حج

стр. 29

إلا بالنية، ولا تكمل عباداته كلها وينمو ثوابها إلا بكمال الإخلاص وصحة الطوية، والنية بها تميز فروض العبادات من نفلها، وبإخلاصها لله، يعظم أجرها، ويفوز العامل بفضلها. أيها الناس: وطنوا نفوسكم على الاحتساب في كل شيء وإرادة وجه الله، ومرنوها على محبة الخير للمسلمين والنصح لعباد الله، فإن الله لا ينظر إلى صوركم الظاهرة وأعمالكم، وإنما ينظر إلى بواطن قلوبكم، وما اشتملت عليه من أحوالكم، وعودوا أنفسكم الإخلاص في كل ما تأتون وما تذرون، واحتساب الأجر فيما تسرون وما تعلنون، ليكون الإخلاص لكم قرينا، وارتقاب الثواب على الخير لكم عوينا، فمن كان مشتغلا بتجارة، أو صناعة، أو حرفة، أو فلاحة، أو غيرها من الأعمال، فلينو بذلك القيام بواجب النفس والأهل والعيال، فإن ذلك جهاد واشتغال بالواجب؛ وهو من أفضل الأعمال، وإذا أطعم أحدكم أهله أو من يمونه فليقصد بذلك وجه الله، فإنه إذا رفع اللقمة إلى في امرأته أو ولده أو كساهم محتسبا كان له رفعة وثوابا عند الله. ومن أكل أو شرب أو نام أو استراح، ينوي بذلك التقوي على الطاعة فهو في عبادة، ومن طلب العلم يبتغي به وجه الله ونفع نفسه والمسلمين فهو في جهاد ورفعة وزيادة، ومن عجز عن فعل الخير

стр. 30

فنواه بصدق فله أجر ما نواه، ومن كان له عادة خير وطاعة فمرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما، فما أحق العبد بشكر مولاه، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، ومن هم بسيئة فتركها لله كتبها الله عنده حسنة كاملة، ومن حرص على فعل المعصية فعجز عنها فهو بمنزلة الفاعل، ومن سعى في خير فأدركه الموت قبل تكميله وقع أجره على الله الذي أكرمه بلطفه الشامل، ومن أخذ أموال الناس وعاملهم يريد الوفاء أداها الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله، ومن توسل بحيلة إلى معاملة محرمة فهو مخادع ظالم، ومن وقف وقفا أو أوصى بوصية يريد حرمان غريمه أو مضارة وارثه فهو معتد آثم، ومن عضل زوجته وظلمها لتفتدي منه نفسها فذلك من أعظم الجرائم، فطوبى لأهل الهمم العالية، لقد انقلبت عاداتهم بالنية الصالحة عبادات، ويا ويح أهل الجهل والهمم الدنيّة، لقد كادت عباداتهم لضعف النية تكون عادات، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: ١٩] الآية.

стр. 31

[خطبة في الحث علي الدعاء] ١١ - خطبة في الحث علي الدعاء الحمد لله الذي أمر بالدعاء، ووعد عليه الإجابة، وحث على أفعال الخير كلها، وجعل جزاءها القبول والإثابة، فسبحانه من كريم جواد، رؤوف بالعباد، يأمر عباده بالتقرب إليه بالدعاء، ويخبرهم أن خزائنه ليس لها نفاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند ولا مضاد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد الرسل وخلاصة العباد، اللهم صل وسلم على محمد، وعلى آله وأصحابه العلماء العبّاد، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم التناد. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، وتعرضوا لنفحات المولى في جميع الأوقات، بالدعاء والرجاء، واعلموا أن الدعاء يجلب الخيرات ويستدفع به البلاء، وأنه ما دعى الله داع إلا أعطاه ما سأله معجلا، أو ادخر له خيرا منه ثوابا مؤجلا، وصرف عنه من السوء أعظم منه، كرما منه وإحسانا وتفضلا، وفي الصحيح مرفوعا: «يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم ما لم يعجل " قيل: يا رسول الله: ما الاستعجال؟ قال:

стр. 32

" يقول قد دعوت، وقد دعوت فلم أر يستجاب لي، فيتحسر عند ذلك، ويدع الدعاء» ، وفي حديث: «من فتح الله له باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة» ، و «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء» [الدعاء] ، هو العبادة " ثم قرأ قوله تعالي: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] الآية، إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء، ليسأل أحدكم ربه حاجاته كلها، وكيف لا يكون الدعاء مخ العبادة وخالصها؟ وهو من أعظم القرب لرب العالمين، وبه يدرك العبد مصالح الدنيا والدين، وبكثرة الإلحاح فيه على الله ينقطع الرجاء من المخلوقين، ويكمل رجاؤه وطمعه في رحمة أرحم الراحمين، ألا وإن الدعاء ينبئ عن حقيقة العبودية، وقوة الافتقار، ويوجب للعبد خضوعه وخشوعه لربه وشدة الانكسار، فكم من حاجة دينية، أو دنيوية ألجأتك إلى كثرة التضرع واللجأ إلى الله والاضطرار إليه، وكم من دعوة رفع الله بها المكاره وأنواع المضار؟! وجلب بها الخيرات والبركات والمسار، وكم تعرض العبد لنفحات الكريم في ساعات الليل والنهار، فأصابته نفحة منها في ساعة إجابة، فسعد بها، وأفلح والتحق بالأبرار، وكم ضرع تائب فتاب عليه وغفر له الخطايا والأوزار!! وكم دعاه

стр. 33

مضطر فكشف عنه السوء وزال عنه الاضطرار، وكم لجأ إليه مستغيث فأغاثه بخيره المدرار!! فمن وفق لكثرة الدعاء فليبشر بقرب الإجابة، ومن أنزل حوائجه كلها بربه فليطمئن بحصولها من فضله وثوابه، فحقيق بك أيها العبد أن تلح بالدعاء ليلا ونهارا، وأن تلجأ إليه سرا وجهارا، وأن تعلم أنه لا غنى لك عنه طرفة عين في دينك ودنياك، فإنه ربك وإلهك ونصيرك ومولاك، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] الآية.

стр. 34

[خطبة في التوسل إلى الله بالوسائل النافعة] ١٢ - خطبة في التوسل إلى الله بالوسائل النافعة الحمد لله الرب العظيم، الرؤوف الرحيم، ذي الفضل العظيم، والإحسان العميم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الكريم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي قال الله فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم في هديهم القويم. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥] أما التقوى هنا فهي اجتناب الكفر والفسوق والعصيان، وأما الجهاد في سبيله فهو بذل الجهد في مقاومة أهل الانحراف والإلحاد والكفران، وأما ابتغاء الوسيلة إليه فهي التقرب إليه بأصول الإيمان وشرائع الإسلام وحقائق الإحسان، من تعبد له أو دعاه بأسمائه وصفاته فذاك أفضل الوسائل، ومن توسل إليه بإحسانه ونعمه وجوده وكرمه فقد سلك مسلك الأصفياء الأفاضل، ومن تقرب إليه بترك معاصيه والعمل بما يرضيه فهو الذي لا شك إلى كل خير واصل، ومن توسل إليه

стр. 35

بحاجته وفقره وضرورته فقد توسل إليه بخير الوسائل، ومن توسل إليه بذوات المخلوقين وجاههم فهو مبتدع ظالم، ومن دعا مخلوقا أو استغاث به وزعم أنه يتوسل به إلى الله فهو مشرك آثم. فتوسلوا إلى ربكم بكثرة السجود والركوع، وتوسلوا إليه بتلاوة كلامه بتدبر وخشوع، وتوسلوا إليه بالإحسان إلى الخلق إن الله يحب المحسنين، وببر الوالدين وصلة الأرحام، فإن الله يصل الواصلين ويقطع القاطعين، توسلوا إليه بخوفه ورجائه والتوكل عليه، فإن الله يحب المتوكلين، وتوسلوا إليه باللهج بذكره، واستغفاره فيا سعادة الذاكرين، توسلوا إليه بمحبة نبيكم وكثرة الصلاة والسلام عليه، فمن أكثر الصلاة عليه كفاه الله همه وقضى حاجته، ومن صلى عليه، صلى الله عليه عشر أضعافها، ونال حبه وشفاعته، توسلوا إليه بالحنو على اليتامى والضعفاء، وتقربوا إليه برحمة البهائم فإنما يرحم الله من عباده الرحماء، توسلوا إليه بسلامة الصدور من الفسق والغل والحقد على المسلمين، وبالنصيحة والشفقة على الخلق أجمعين، توسلوا إلى الله بترك ما تدعو له النفس الأمارة بالسوء من الهوى والتبعات، وبغض الأبصار وصيانة اللسان والبعد عن جميع المحرمات، توسلوا إلى الله بكمال الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول، لتدركوا كل مطلوب ومرغوب ومأمول. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 36

[خطبة في قوله ﷺ احرص علي ما ينفعك] ١٣ - خطبة في قوله ﷺ «احرص علي ما ينفعك» الحمد لله الذي جعل الشريعة محتوية على الهدى والشفا والنور، وأوصل من استرشد بكلامه وكلام رسوله إلى كل خير وسرور، أحمده على أوصافه الكاملة وأسمائه الحسنى، وأشكره على آلائه الباطنة والظاهرة وما له من عميم النعمى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وربوبيته، ولا نديد له في عظمته وكبريائه ومجده وأحديته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خير بريته، اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه القائمين بحقوقه ونصرته. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله حق تقواه، وتمسكوا بإرشاد نبيه وهديه وهداه، فقد قال ﷺ : «احرص على ما ينفعك واستعن بالله» ، فيالهما من كلمتين عظيمتين جمع فيهما خيري الدنيا والآخرة، لمن فهمهما وعمل بهما من العباد، فأما الحرص والجد في تحصيل الأمور النافعة في المعاش والمعاد، وذلك بالاجتهاد في القيام بعبودية الله التي خلق الله المكلفين لأجلها، وبما يعين على ذلك من كسب الحلال المساعد على أمرها، ولا

стр. 37

يتم ذلك إلا بسلوك طرقها النافعة وأبوابها، ولا يحصل إلا بقوة الاستعانة بالله والتوكل عليه، لا على الأسباب، بل على مسببها، فلا يفوت أحدا الخير إلا بترك واحد من هذه الأمور، إما أن لا يحرص بل يستولي عليه الكسل والفتور، أو يكون حريصا على غير الأمور النافعة، أو لا يستعين بميسر الأمور. أعظم الأمور النافعة أن تتعلم ما يقيم دينك وعباداتك ومعاملاتك، وأن تؤدي الشرائع الظاهرة والباطنة مجتهدا في تكميل عباداتك قائما بحقوق الخالق وحقوق الخلق، مستعينا بربك في طلب الحلال من الرزق، فيا طوبى لمن قوي توكله على ربه في تيسير أمر دينه ودنياه، ويا سعادته إذا شاهد النجاح والفلاح عند تمام مسعاه، إذا أردت أن تختار عملا نافعا تصلح به دنياك، فاسلك الطريق الموصل إليه برفق، واستعن بمولاك، فإنك إذا حققت التوكل عليه سهل لك الأمر، ويسره وكفاك، وإن أعجبت بنفسك ورأيك خذلك، ووكلك إلى ضعفك فوهنت قوتك وقواك، فلو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا، ولكن كثيرا منكم يعجب بنفسه فيرهقه وهنا وهوانا وخذلانا، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]

стр. 38

[خطبة في انتظار الفرج وقت الشدة] ١٤ - خطبة في انتظار الفرج وقت الشدة الحمد لله الحميد في وصفه وفعله، الحكيم في خلقه وأمره، الرحيم في عطائه ومنعه، المحمود في خفضه ورفعه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في كماله وعظمته ومجده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أفضل مرسل من عنده، اللهم صلى وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وجنده. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، وتفكروا في حكم المولى في تصريف الأمور، وأنه المحمود على ذلك، المثني عليه المشكور، واعلموا أن ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير، وأن هذه الشدة واللأواء لا بد أن يفرجها من هو على كل شيء قدير، ولا بد أن يبدل الشدة بضدها والعسر بالتيسير، بذلك وعد، وهو الصادق السميع البصير، فعودوا على أنفسكم بالاعتراف بمعاصيكم وعيوبكم، وتوبوا إليه توبة نصوحا من جميع ذنوبكم، وقوموا بما أمركم الله به، وهو الصبر عند المصائب، واحتسبوا الأجر والثواب، إذا أنابتكم المكاره والنوائب، وكونوا في أوقاتكم كلها خاضعين لربكم متضرعين، وفي كل أحوالكم سائلين له كشف ما بكم ولكرمه

стр. 39

مستعرضين، ووجهوا قلوبكم إلى من بيده خزائن الرحمة والأرزاق، وانتظروا الفرج وزوال الشدة من الرؤوف الرحيم الخلاق، فإن أفضل العبادة انتظار الفرج من الرحيم الرزاق، وإياكم أن يستولي على قلوبكم القنوط واليأس، أو تتفوهوا بالكلام الدال على التضجر والتسخط والإبلاس، فإن المؤمن لا يزال يسأل ربه ويطمع في فضله ويرجوه، ولا يزال مفتقرا إليه في جلب المنافع، ودفع المضار من جميع الوجوه، إن أصابته السراء كان في مقدمة الشاكرين، وإن نالته الضراء فهو من الصابرين، يعلم أنه لا رب له غير الله يقصده ويدعوه، ولا إله له سواه يؤمله ويرجوه، ليس له عن باب مولاه تحول ولا انصراف ولا لقلبه تلفت إلى غيره، ولا تعلق ولا انحراف، لا تخرجه السراء والنعم إلى الطغيان والبطر، ولا يكون هلوعا عند مس الضراء متسخطا للقضاء والقدر، يتمشى مع الأقدار السارة والمحزنة بطمأنينة وسكون، ويهدي الله لها قلبه لعلمه أنها تقدير من يقول للشيء كن فيكون، فهذا عبد موفق قد ربح على ربه وقام بعبوديته في جميع التقلبات، وقد نال السعادتين راحة البال، وحسن الحال والمآل، واكتسب الخيرات، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 40

[خطبة في الزجر عن إضاعة الصلاة] ١٥ - خطبة في الزجر عن إضاعة الصلاة الحمد لله الرب العظيم، الواسع الحليم الرؤوف الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله الجواد الكريم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ومن هو بالمؤمنين رؤوف رحيم، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم في الصراط المستقيم. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، وإياكم أن تكونوا ممن قال الله فيهم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] أضاعوا الصلاة بأن فوتوها عن الأوقات، وتهاونوا بالجمع والجماعات، ولم يخشوا ربهم ولا حذروا من العقوبات، إذا صلوها نقروها نقر الغراب، فلا سكون ولا طمأنينة ولا احتساب، تحسبهم إذا شرعوا فيها مطرودين، وتشاهدهم لأركانها وشروطها مهملين، وتبصرهم عن جميع كمالاتها غافلين، نسوا الله فنسيهم، وضيعوا مصالح الدنيا والدين، ضيعوا الصلاة واتبعوا لغيهم الشهوات، وقدموا أغراض النفوس على القيام بالواجبات، إن بدا لهم طمع طاروا إليه جماعات ووحدانا، وإذا جاء أمر الله فهم كسالى عنه
следующие страницы →