← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30921

الفواكه الشهية في الخطب المنبرية والخطب المنبرية على المناسبات

عبد الرحمن السعدي

Полный текст (278 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

[خطبة في قوله ﷺ احرص علي ما ينفعك] ١٣ - خطبة في قوله ﷺ «احرص علي ما ينفعك» الحمد لله الذي جعل الشريعة محتوية على الهدى والشفا والنور، وأوصل من استرشد بكلامه وكلام رسوله إلى كل خير وسرور، أحمده على أوصافه الكاملة وأسمائه الحسنى، وأشكره على آلائه الباطنة والظاهرة وما له من عميم النعمى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وربوبيته، ولا نديد له في عظمته وكبريائه ومجده وأحديته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خير بريته، اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه القائمين بحقوقه ونصرته. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله حق تقواه، وتمسكوا بإرشاد نبيه وهديه وهداه، فقد قال ﷺ : «احرص على ما ينفعك واستعن بالله» ، فيالهما من كلمتين عظيمتين جمع فيهما خيري الدنيا والآخرة، لمن فهمهما وعمل بهما من العباد، فأما الحرص والجد في تحصيل الأمور النافعة في المعاش والمعاد، وذلك بالاجتهاد في القيام بعبودية الله التي خلق الله المكلفين لأجلها، وبما يعين على ذلك من كسب الحلال المساعد على أمرها، ولا

стр. 37

يتم ذلك إلا بسلوك طرقها النافعة وأبوابها، ولا يحصل إلا بقوة الاستعانة بالله والتوكل عليه، لا على الأسباب، بل على مسببها، فلا يفوت أحدا الخير إلا بترك واحد من هذه الأمور، إما أن لا يحرص بل يستولي عليه الكسل والفتور، أو يكون حريصا على غير الأمور النافعة، أو لا يستعين بميسر الأمور. أعظم الأمور النافعة أن تتعلم ما يقيم دينك وعباداتك ومعاملاتك، وأن تؤدي الشرائع الظاهرة والباطنة مجتهدا في تكميل عباداتك قائما بحقوق الخالق وحقوق الخلق، مستعينا بربك في طلب الحلال من الرزق، فيا طوبى لمن قوي توكله على ربه في تيسير أمر دينه ودنياه، ويا سعادته إذا شاهد النجاح والفلاح عند تمام مسعاه، إذا أردت أن تختار عملا نافعا تصلح به دنياك، فاسلك الطريق الموصل إليه برفق، واستعن بمولاك، فإنك إذا حققت التوكل عليه سهل لك الأمر، ويسره وكفاك، وإن أعجبت بنفسك ورأيك خذلك، ووكلك إلى ضعفك فوهنت قوتك وقواك، فلو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا، ولكن كثيرا منكم يعجب بنفسه فيرهقه وهنا وهوانا وخذلانا، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]

стр. 38

[خطبة في انتظار الفرج وقت الشدة] ١٤ - خطبة في انتظار الفرج وقت الشدة الحمد لله الحميد في وصفه وفعله، الحكيم في خلقه وأمره، الرحيم في عطائه ومنعه، المحمود في خفضه ورفعه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في كماله وعظمته ومجده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أفضل مرسل من عنده، اللهم صلى وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وجنده. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، وتفكروا في حكم المولى في تصريف الأمور، وأنه المحمود على ذلك، المثني عليه المشكور، واعلموا أن ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير، وأن هذه الشدة واللأواء لا بد أن يفرجها من هو على كل شيء قدير، ولا بد أن يبدل الشدة بضدها والعسر بالتيسير، بذلك وعد، وهو الصادق السميع البصير، فعودوا على أنفسكم بالاعتراف بمعاصيكم وعيوبكم، وتوبوا إليه توبة نصوحا من جميع ذنوبكم، وقوموا بما أمركم الله به، وهو الصبر عند المصائب، واحتسبوا الأجر والثواب، إذا أنابتكم المكاره والنوائب، وكونوا في أوقاتكم كلها خاضعين لربكم متضرعين، وفي كل أحوالكم سائلين له كشف ما بكم ولكرمه

стр. 39

مستعرضين، ووجهوا قلوبكم إلى من بيده خزائن الرحمة والأرزاق، وانتظروا الفرج وزوال الشدة من الرؤوف الرحيم الخلاق، فإن أفضل العبادة انتظار الفرج من الرحيم الرزاق، وإياكم أن يستولي على قلوبكم القنوط واليأس، أو تتفوهوا بالكلام الدال على التضجر والتسخط والإبلاس، فإن المؤمن لا يزال يسأل ربه ويطمع في فضله ويرجوه، ولا يزال مفتقرا إليه في جلب المنافع، ودفع المضار من جميع الوجوه، إن أصابته السراء كان في مقدمة الشاكرين، وإن نالته الضراء فهو من الصابرين، يعلم أنه لا رب له غير الله يقصده ويدعوه، ولا إله له سواه يؤمله ويرجوه، ليس له عن باب مولاه تحول ولا انصراف ولا لقلبه تلفت إلى غيره، ولا تعلق ولا انحراف، لا تخرجه السراء والنعم إلى الطغيان والبطر، ولا يكون هلوعا عند مس الضراء متسخطا للقضاء والقدر، يتمشى مع الأقدار السارة والمحزنة بطمأنينة وسكون، ويهدي الله لها قلبه لعلمه أنها تقدير من يقول للشيء كن فيكون، فهذا عبد موفق قد ربح على ربه وقام بعبوديته في جميع التقلبات، وقد نال السعادتين راحة البال، وحسن الحال والمآل، واكتسب الخيرات، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 40

[خطبة في الزجر عن إضاعة الصلاة] ١٥ - خطبة في الزجر عن إضاعة الصلاة الحمد لله الرب العظيم، الواسع الحليم الرؤوف الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله الجواد الكريم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ومن هو بالمؤمنين رؤوف رحيم، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم في الصراط المستقيم. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، وإياكم أن تكونوا ممن قال الله فيهم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] أضاعوا الصلاة بأن فوتوها عن الأوقات، وتهاونوا بالجمع والجماعات، ولم يخشوا ربهم ولا حذروا من العقوبات، إذا صلوها نقروها نقر الغراب، فلا سكون ولا طمأنينة ولا احتساب، تحسبهم إذا شرعوا فيها مطرودين، وتشاهدهم لأركانها وشروطها مهملين، وتبصرهم عن جميع كمالاتها غافلين، نسوا الله فنسيهم، وضيعوا مصالح الدنيا والدين، ضيعوا الصلاة واتبعوا لغيهم الشهوات، وقدموا أغراض النفوس على القيام بالواجبات، إن بدا لهم طمع طاروا إليه جماعات ووحدانا، وإذا جاء أمر الله فهم كسالى عنه

стр. 41

فحسبهم بذلك هوانا وخسرانا فياويح من قدم شهوات الغي عن طاعة مولاه، وما أخسر من زهد في الخير واتبع هواه فأهلكه وأرداه. أين الإسلام والإيمان يا من يدعيه؟! وأين الخوف من يوم يجد فيه كل عامل عمله ويلاقيه؟ يوم لا يجد هذا المفلس من أعماله ما ينجيه من عذاب ربه ويقيه. فويل يومئذ للمضيعين للصلاة من ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ - وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ - وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ - لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧] فأين هؤلاء الأراذل من أقوام يرون الصلاة أكبر نعمة من الله وأجل غنيمة؟! فيتلقونها بصدور منشرحة، وهمم صادقة، وأعمال مستقيمة، لا تفقدهم في جمعة ولا جماعة إلا إذا كان لهم عذر من الأعذار، ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ - لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٧ - ٣٨] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 42

[خطبة في النار وصفتها وأهلها] ١٦ - خطبة في النار وصفتها وأهلها الحمد لله الذي جعل النار مثوى للكافرين، وعاقبة المجرمين والمتكبرين والمتجبرين، فهو الحكم العدل شديد العقاب، وأحكم الحاكمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي حذر وأنذر، وأخبر أن جهنم مثوى الظالمين، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه أئمة المتقين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الناس، اتقوا ربكم، واتقوا النار التي أعدت للكافرين، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين، فإن الله أخبر أنه لا يصلى النار إلا الأشقى، الذي كذب وتولى، وجمع فأوعى، ونسي المبتدأ والمنتهى، فهي دار من طغى وبغى وتجبر على الخلق وآثر الحياة الدنيا، دار الشقاء الأبدي والعذاب الشديد السرمدي، دار جمع الله فيها للطاغين أصناف العذاب، وأحل على أهلها السخط والسعير والحجاب، دار اشتد غيظها وزفيرها، وتفاقمت فظاعتها وحمي سعيرها، قعرها بعيد،

стр. 43

وعذابها شديد ولباس أهلها القطران والحديد، وطعامهم الغسلين وشرابهم الصديد، يتجرعه المجرم ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان، وما هو بميت فيستريح من التنكيد، يتردد أهلها بين الزمهرير المفرط برده وبين السعير، ويلاقون فيها العنا والشقا، فيا بئس المثوى ويا بئس المصير، ويلقى عليهم الجوع الشديد المفظع، والعطش العظيم الموجع، فيستغيثون للطعام والشراب، فيغاثون من هذا العذاب بأفظع عذاب، يغاثون بماء كالمهل وهو الرصاص المذاب، خبيث الطعم منتن الريح حره قد تناها، إذا قرب من وجوههم أسقط جلدها ولحمها وشواها، وإذا وقع في بطونهم صهرها وقطع أمعاءها، يغلي طعام الزقوم في بطونهم كغلي الحميم، فشاربون عليه من الحميم، فشاربون شرب الإبل العطاش الهيم، هذا نزلهم فبئس النزل غير الكريم، ينادودن مالكا خازن النار: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فيقول ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ - لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧ - ٧٨] وينادون مستغيثين بربهم ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ - رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ - قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٨] فحينئذ ييأسون من كل خير ويأخذون في الزفير والشهيق، وكلما رفعهم اللهب

стр. 44

وأرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم: ذوقوا عذاب الحريق، لا يفتر عنهم من عذابها وهم فيه مبلسون، ويبكون دما بعد الدموع فلا يرحمون، جزاء بما كانوا يكسبون، قد فاتهم مرادهم ومطلوبهم، واعترفوا بذنوبهم وأحاطت بهم ذنوبهم يدعون بالويل والثبور: يا ثبوراه! يا حسرتنا على ما فرطنا في جنب الله! واحزننا من فظيعة العذاب والشقا، واكربنا من دار العقاب وتجدد العنا، وافجيعتنا من الخلود في الجحيم ويا عظيم البلا، فمالنا من شافعين، ولا أولياء وأخلاء دافعين، قد نسينا الرحمن في العذاب كما نسيناه وكما جحدنا آياته وجزاءه ولقاه، فوالله إن أفئدتنا لتفتت من قوة العقاب، وإن قلوبنا لتتقطع من الكروب وعظم المصاب، سواء علينا أجزعنا أم صبرنا، فالعذاب دائم وسواء دعونا أو سكتنا فليس لنا مشفق ولا ولي ولا راحم. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 45

[خطبة في ذكر صفة الجنة وأهلها] ١٧ - خطبة في ذكر صفة الجنة وأهلها الحمد لله البر الكريم، الرؤوف الرحيم، ذي الفضل العظيم، والإحسان الشامل الكامل العميم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العظيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى الكريم، اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه السالكين للصراط المستقيم. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، فإن الله أعد الجنة للمتقين. ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ - وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ - أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤ - ١٣٦] فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلوب العالمين، فيها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، ولهم فيها من كل

стр. 46

الثمرات، والفواكه المتنوعة لذيذة الطعم سهلة المنال على المتناولين، وفاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون، ظلها ممدود وخيرها غزير غير محدود، وأنهارها تجري في غير أخدود، فتبارك الرب المعبود، دار جل من سواها وبناها، دار طابت للأبرار منازلها المزخرفة وسكناها، دار تبلغ النفوس فيها منيتها ومناها، رياضها الناضرة مجمع الأصفياء المتحابين، وبساتينها الزاهرة نزهة المشتاقين، وخيام اللؤلؤ والدر على شواطئ أنهارها بهجة للناظرين، فيها خيرات الأخلاق حسان الوجوه، قد جمع الله لهن الجمال الباطن والظاهر من جميع الوجوه، أبكارا عربا أترابا، كأنهن اللؤلؤ المكنون، قاصرات الطرف من حسنهن الذي قصر عن وصفه الواصفون، مقصورات في خيام اللؤلؤ، والزبرجد عن رؤية العيون، يتمتع أهلها في كرم الرب الرحيم، وينظرون بأبصارهم إلى وجهه الكريم، فإذا رأوا ربهم تعالى نسوا ما هم فيه من النعيم، ينادي المنادي في أرجاء الجنة مبشرا لأهلها بدوام النعيم سرمدا، إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تصحوا فلا تمرضوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، وإن لكم أن يحل الكريم عليكم رضوانه فلا يسخط عليكم أبدا يتزاور فيها الأصحاب

стр. 47

والأقارب والأحباب، ويجتمعون في ظلها الظليل، ويتعاطون فيها كؤوس الرحيق والتسنيم والسلسبيل، ويتنادمون بأطيب الأحاديث متحدثين بنعم المولى الجليل، قد نزع من قلوبهم الغل والهم والأحزان، وتوالت عليهم المسرات والخيرات والكرم والإحسان، لمثل هذه الدار فليعمل العاملون، وفي أعمالهم الموصلة إليها فليتنافس المتنافسون، فواعجبا كيف نام طالبها؟ وكيف لم يسمح بمهرها خاطبها؟ وكيف طاب القرار في هذه الدار بعد سماع أخبارها؟ وكيف قر للمشتاقين القرار دون معانقة أبكارها؟ طريقها يسير على من يسره الله عليه، وهو امتثال الأوامر واجتناب النواهي والتوبة والإنابة إليه. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل واعتقاد، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل واعتقاد، إنك أنت الكريم الجواد.

стр. 48

[خطبة في تيسير الله المعايش لعباده] ١٨ - خطبة في تيسير الله المعايش لعباده الحمد لله ذي الفواضل الجليلة والعوائد، الذي خفف عن عباده المعضلات الشدائد، بما قيضه من أرزاق متنوعة، وبركات متتابعة وفوائد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك العظيم الواجد الماجد، الذي تفرد بالكمال المطلق فهو الإله السيد الصمد الأحد الواحد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل محمود وأكمل مثن على الله وحامد. اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه المحسنين في الأعمال والمقاصد. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، وتفكروا في نعم ربكم واشكروه، واذكروا آلاء الله وتحدثوا بفضله ولا تكفروه، واذكروا إذ كنتم من قبل أن ينزل عليكم هذا الغيث مبلسين، فأمدكم بغيثه فأصبحتم برزقه فرحين مستبشرين، ولئن شكوتم غلاء الأسعار وصعوبة المؤنة وتعذر المطلوب، فانظروا ما في ضمن ذلك من الألطاف والخصب الذي وضعه الله في القلوب، أما ذلك من ألطاف الباري ليخفف به عنكم الشدائد

стр. 49

والكروب، أليس من إحسانه إليكم أن سهل لكم كل مطلوب؟ فكم لله من خيرات وبركات ربانية، وكم له من أسرار وألطاف ظاهرة وخفية، أما قدر أسبابا وأعمالا متنوعة لتقوم بها معائش الخلق ويرتفقوا، أما سخر الغني للفقير والفقير للغني لينتفع الجميع ويرتزقوا؟ أما خصكم بما فجر لكم من ينابيع الأرض والعيون الجارية؟ أما أفادكم من بركات أرضه ونعمه المتتابعة المتوالية؟ أما ذلك نعمة في حق الأغنياء، وزيادة فضل عليهم وامتنان، ونعمة في حق الفقراء، لتكثر الأعمال والحرف ويتوافر الإحسان، فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون، وأكثروا من ذكره وشكره لعل النعم تدوم عليكم وترحمون، جعلنا الله وإياكم من الشاكرين لنعمائه، الصابرين على أقداره وبلائه، وجعل ما أنعم به علينا معونة على الخير، ودفع عنا وعن المسلمين كل شر وضير ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 50

[خطبة في فضيلة الذكر] ١٩ - خطبة في فضيلة الذكر الحمد لله الذي أعطى الذاكرين ما لم يعط أحدا من العالمين، ورفع لهم المنازل العالية، وجعلهم صفوة المؤمنين، وأشهد أن لا إله إلا هو ولا ضد ولا معين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل الذاكرين، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعهم إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واستعينوا على ذلك بذكر الملك العظيم، فإن ذكره يوصل العبد إلى كل خير جسيم، وينجيه من العذاب الأليم، فبذكر الله تطمئن القلوب، وتزول المكاره والكروب، أما علمتم أن من ذكر الله في نفسه ذكره الله في نفسه؟ ومن ذكره في ملأ ذكره في ملأ خير منهم، في حضرة قدسه، وأن الذاكرين الله كثيرا والذاكرات هم المفردون، وأنهم إلى كل خير وكرامة ونعمة سابقون، فذكر الله مجلبة للغنى وأنواع الفوائد مطردة للهم والغم والأنكاد والشدائد، أما سمعتم أن الإكثار من ذكر الله خير لكم من إنفاق الذهب والفضة والجهاد، وما شرعت العبادات كلها إلا لإقامة ذكر رب العباد، وأن الجنة

стр. 51

طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان، وغراسها العمل الصالح والإكثار من ذكر الملك الديان، فمن قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، غرس له بكل واحدة شجرة في رياض الجنان، ومن أكثر من ذكر الله غفرت له الذنوب وجبر ما فيه من نقصان، فيا فوز الذاكرين بمحبة الله في الدنيا وذوق حلاوة الإيمان، ويا سعادتهم يوم لقائه حين يحل عليهم الكرامة والرضوان، ويا غبطتهم في قبورهم حين يفترشون الروح والريحان، ويا فرحهم حين تتلقاهم الملائكة مهنئين لهم بالخير والكرامات والإحسان، ويا خسارة الغافلين ماذا فاتهم من النعم والسرور؟ وماذا حصل لهم من العقوبات والشرور؟ لقد حرموا خير الدنيا والآخرة، وباءوا بالخيبة والحسرة والصفقة الخاسرة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 52

[خطبة في التوكل على الله والاستعانة به] ٢٠ - خطبة في التوكل على الله والاستعانة به الحمد لله الذي وعد المتوكلين عليه بالكفاية التامة والمعونة، وهون عليهم الأثقال وحمل عنهم المشقة والمؤنة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى الذي خلقكم ورزقكم ورباكم، والذي أطعمكم وكفاكم وآواكم، والذي أنقذكم من الردى وهداكم، وتوكلوا حق التوكل عليه في إصلاح دينكم ودنياكم، واعلموا أن التوكل على الله من لوازم الإيمان، وبه يتحقق للعبد كل خير وبر وامتنان، فأنتم تعلمون أنكم فقراء مضطرون إلى ربكم في كل الأحوال والشئون، والرب هو الفعال لما يريد إذا قضى أمرا قال له كن فيكون، وهو الذي يعلم من مصالحكم مالا تعلمون، ويريد منها مالا تريدون ويقدر على ما ليس عليه تقدرون، فقوموا بالأسباب متوكلين على الله لا على سواه فأدوا أمره، واجتنبوا نهيه طالبين منه أن يعينكم على محبته ورضاه، وقوموا بالأسباب الدنيوية من تجارة أو صناعة أو فلاحة

стр. 53

أو غيرها من الأسباب قائمين بالسبب متوكلين ومعتمدين على مسبب الأسباب، فإنكم إذا اتصفتم بذلك لم تزالوا في عبادة وأعانكم المولى، ويسر لكم الطرق والأبواب، وثلاث كلمات هن روح التوكل والاستعانة، فمن قالها بلسانه مستحضرا لمعناها في قلبه فقد حقق التوكل واستقام بنيانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وحسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، التي هي كنز من كنوز الجنة، توصل العبد إلى كل خير عميم، فمتى علم العبد أنه لا حول لأحد ولا قوة إلا بالله، فاعتمد كل الاعتماد على ربه في جلب مصالح دينه ودنياه، وفي استدفاع المضار والمكاره واثقا بمولاه، عالما أنه النافع الضار، وأنه الواقي للشرور الجالب للمحاب والمسار، وأن الخلق كلهم في غاية الاضطرار إلى ربهم ونهاية الافتقار، فقطع رجاءه وتعلقه بالمخلوقين، وانزل حوائجه وشؤونه كلها بالله رب العالمين، فليبشر بالكفاية التامة وتيسير الأمور، ويا قرة عينه بالحياة الطيبة في كل ما يجري به المقدور، ومن انقطع تعلقه بالله وتعلق بمن سواه خذله ووكله إلى غيره وولاه ما رضيه لنفسه وتولاه، فاتقوا الله عباد الله، وأجملوا في السعي والطلب، وتوكلوا على المسبب

стр. 54

لا على السبب، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 55

[خطبة في النهي عن الإسراف في النفقات] ٢١ - خطبة في النهي عن الإسراف في النفقات الحمد لله الذي دبر عباده في كل أمورهم أحسن تدبير، ويسر لهم أحوال المعيشة وأمرهم بالاقتصاد ونهاهم عن الإسراف والتقتير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير، اللهم صل وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وأصحابه الذين سلكوا طرق الاعتدال والتيسير. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى ودعوا مجاوزة الحد في كل الأمور، واسلكوا طريق الاقتصاد في الميسور والمعسور، فقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] فيدخل في هذا الإرشاد النفقات الواجبة والمستحبات، كما يدخل فيه النوائب التي تنوبكم عند عوارض الحاجات، وقد حدث التوسع الزائد في هذه الأوقات، في الولائم ومحافل النساء وغيرها من الدعوات، وهذا ضرر عظيم، مخالف للشرع والعرف وحسن التدبير، ومضاره شاملة للغني والفقير، فالإسراف مخالف لما أمر به الشارع، فقد جعل الله

стр. 56

الأموال قياما للناس تقوم بها المصالح والمنافع، فمن صرفها في غير وجهها أو تجاوز بها حدها فقد ضيع ما جعله الله قواما حيث صرفها عن المصلحة وصدها، وهذا النوع من النفقة لم يضمن الله للمنفق خلفها ورفدها، ألا وإن الإسراف في النفقات لا يستجيزه أهل العقول الوافية، ولا يبني مكرمة عند ذوي الهمم العالية، ولا يصير له موقع يذكر، ولا معروف وإحسان يشكر، بل نشاهد المدعوين القادح منهم أكثر من المادحين، وذلك ضار لصاحبه ولمن أراد مقابلته من الفاعلين، ألا ترون العاجزين ومن ليس لهم مقدرة يلتزمون ذلك مجاراة للأغنياء القادرين، فلو أن رؤساء الناس التزموا واتفقوا على الاقتصاد لشكروا على ذلك، وكان خيرا لهم ولأهل البلاد، أما تشاهدون أفرادا من الرجال الأبرياء الذين لا يشك في كرمهم وعقلهم إذا سلكوا طريق الاقتصاد اتفق الناس على الثناء عليهم، ويرونه من محاسنهم وإحسانهم إلى الذين يختمون إليهم، وخصوصا في هذه الأوقات التي اشتدت بها المؤنة وارتفعت الأسعار، وصار الواحد إذا جارى الناس في توسعهم حمل ذمته مالا يطيق وتحمل المضار. فلو بذل ذلك في ضروراته وحاجاته، لكان خيرا له من بذله في أمور الست من كمالاته، وقد تشاهدون من يسرف في هذه النفقات

стр. 57

فهو مقصر غاية التقصير في قيامه بما عليه من الواجبات، فانظروا رحمكم الله ماذا يجب عليكم في أموالكم، وما يحسن شرعا وعقلا، واسلكوا هذا السبيل ولا تصغوا لمن يريد غير ذلك أصلا، ولا تضطروا عباد الله بإسرافكم في أمور لا يحبونها ولا تدخلوهم في أحوال ونفقات لا يرتدونها. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 58

[خطبة واعظة] ٢٢ - خطبة واعظة الحمد لله الجليل وصفه، الجميل لطفه، الجزيل ثوابه، الشديد عقابه، الحي القيوم، الذي أوجد الكون من عدم ودبره، وخلق الإنسان من نطفة فقدره، ثم السبيل يسره، ثم أماته فأقره، ثم إذا شاء انشره، فسبحانه من إله ما أعزه وأقدره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة معترف بوحدانيته، مقر بألوهيته وربوبيته وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل بريته، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه صفوة الله من خلقه وخيرته. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله ولا تغتروا بإمهاله وحلمه، وأصلحوا أعمالكم فإنها محصاة عليكم ومجازون عليها بحكمته وعلمه، واحذروا الدنيا فإنها كثيرة آفاتها وعللها، مدبر مقبلها ومائل معتدلها، إن أضحكت بزخارفها قليلا، أبكت بأكدارها طويلا، انظروا من جمعها ومنعها، كيف انتقلت إلى غيره وصار عليه تعبها ومأثمها، فتفكروا في عواقب من دانت لهم الأمور، وأسكرهم الجهل والغرور، وصنعوا فيها ما اشتهوا وأرادوا، ووصلوا من أرادوا وصله وقطعوا وعادوا، كيف هجم عليهم

стр. 59

الموت بغتة وهم لا يشعرون، وكيف انتزع أرواحهم العزيزة وهم في غفلة نائمون، عوضهم موحشات القبور، بعد منتزهات القصور، وصنع بهم الدود مستبشع الأمور، وتراكيبهم المعتدلة أمالها، ومفاصلهم المتصلة أزالها، وعيونهم المليحة أطفأ نورها وأحالها، ووجوههم الصبحية المليحة غيرها، وألسنتهم الفصيحة أسكتها وقطعها، وشعورهم الحالكة مزقها، وأبدانهم الناعمة لعب البلاء بها وفرقها، يتمنون الرجوع إلى الدنيا وهيهات لهم الرجوع، ويودون أن يردوا ليستدركوا ما يقدرون عليه من التوبة والنزوع، فلو سألتهم عما وصلوا إليه من الأحوال، لقالوا قد لقينا الشدائد والقلاقل والأهوال، ولقد حوسبنا على الدقيق والجليل من الأعمال، فلم نفقد من أعمالنا قليلا ولا كثيرا ولم نجد لنا شافعا ولا وليا ولا نصيرا، فيا حسرتنا على ما فرطنا في جنب الله، ويا ندامتنا على ما تجرأنا عليه من محارم الله، ويا شقاءنا من العذاب الدائم، ويا فضيحتنا من الحزن والخزي المتراكم، لقد جاءتنا الآيات والنصائح فرددناها، ولقد توالت علينا النعم من ربنا فما شكرناها، ولقد قدمنا الدنيا على الآخرة وآثرناها، فالآن أصبحنا بأعمالنا مرتهنين، وعلى ما قدمت أيدينا من الجرائم نادمين. ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] الآيات. بارك الله لي ولكم.

стр. 60

[خطبة في سؤال العبد عن النعم] ٢٣ - خطبة في سؤال العبد عن النعم الحمد لله الذي أعطى عباده الأسماع والأبصار والأفئدة لعلهم يشكرون، وأسدى عليهم أصناف النعم وسيحاسبهم عليها وعنها يسألون، فمن استعان بها على طاعة المنعم فأولئك هم المفلحون، ومن صرفها في معاصيه، فأولئك الذين خسروا أنفسهم وأهلهم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي ختمت به الأنبياء والمرسلون، وبهديه وسيرته يهتدي المهتدون، اللهم صلي وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم في الأقوال والأفعال والحركة والسكون. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله واعرفوا مقدار نعم الله، فقد قال ﷺ : «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن خمس، عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم» . فكلنا معشر المسلمين مسئول عن هذه الخمس، كما أخبر به الصادق في

стр. 61

المقال، فلينظر العبد موقع حاله، وماذا يجيب به هذا السؤال، فمن قال بصدق: يا رب قد أفنيت عمري في طاعتك، وأبليت قوتي وشبابي في خدمتك، ولم أزل مقلعا تائبا عن معصيتك واكتسبت مالي من طرق الحلال واجتنبت المكاسب الردية الموجبة للهلاك والنكال، وأنفقته فيما تحب واجتنبت إنفاقه في الفسوق، ولم أبخل بالزكاة ولا في النفقات الواجبة وآتيت الحقوق، وعلمت الخير ففعلته، وعرفت الشر فتركته، فليبشر عند ذلك برحمة الله وأمانه، والفوز بجنته ورضوانه. ومن قال: قد قضي عمري وشبابي في الذنوب والغفلات، ولم أبال بالمكاسب الخبيثة ولا بالغش والخيانات، وعلمت الخير والشر فلم انتفع بعلمي، ولا أغنت عني معرفتي ولا فهمي. فذلك العبد الذي هلك مع الهالكين، وسلك سبيل الظالمين المعتدين. فيا سوءتاه حين يندب الشاب شبابه، ويفتضح الشيخ إذا قرأ كتابه ويا ندامة المفرطين حين يحشر المتقون إلى الرحمن وفدا، ويساق المجرمون إلى جهنم وردا، لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا، ينادون مالكا خازن النار: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ - لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧ - ٧٨] ويقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ - قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٧ - ١٠٨] الآيات. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 62

[خطبة في وجوب معرفة الله وتوحيده] ٢٤ - خطبة في وجوب معرفة الله وتوحيده الحمد لله المتوحد بصفات العظمة والجلال، المتفرد بالكبرياء والكمال، المولي على خلقه النعم السابغة الجزال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل الرسل في كل الخصال، اللهم صل وسلم، على محمد وعلى آله وأصحابه خير صحب وأشرف آل. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله واعبدوه، فإن الله خلقكم لذلك قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] خلقهم ليعبدوه ويدينوا بعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه والتوجه في كل الأمور إليه، خلقهم ليعرفوا ويعترفوا أنه الرب الذي أوجد جميع المخلوقات، وأعدها وأمدها بكل ما تحتاج إليه من كل الجهات، وهي الفقيرة إليه بالذات وكل الصفات، خلقهم ليعرفوا ويعترفوا أنه الملك المالك لجميع الموجودات والعوالم والممالك، الذي له الحكم والحمد في الأولى والآخرة وإليه يرجعون، وإليه تنتهي الأقدار ومنه تبتدئ، وإذا أراد شيئا قال له كن فيكون، خلقهم ليعرفوا أحكامه الشرعية والقدرية

стр. 63

والجزائية، ولها يخضعون، فيعلمون أن كل شيء بقضاء وقدر، وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، هو مولانا وعليه فليتوكل المؤمنون، فنرضى بالله ربا وسيدا ومدبرا وحاكما، وبمحمد نبيا رسولا ومبشرا ومنذرا، وبالإسلام دينا وطريقا ومسلكا، خلقهم ليعرفوا ويعترفوا أنه الله الذي لا إله إلا هو، فليس له شريك في ألوهيته، كما ليس له شريك في ربوبيته وملكه، فكما أنه الخالق الرزاق المدبر لجميع الأمور فهو الإله المعبود، المحمود المشكور، وكما أن جميع النعم الظاهرة والباطنة منه لطفا وإحسانا، فهو المستحق لكمال الشكر إخلاصا ومحبة له وخضوعا وإذعانا، وكما أنه الذي لطف بكم وعدلكم وسواكم، فليكن وحده معبودكم ومرجوكم ومولاكم، وكما شرع لكم دينا حنيفا ميسرا موصلا للفلاح، فاسلكوا الصراط المستقيم متقربين إليه في الغدو والرواح، فليس لكم رب سواه، ولا معبود ومقصود إلا الله، ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه، ولا معول في الأمور إلا عليه، فقوموا بعبوديته ظاهرا وباطنا لعلكم تفلحون، واستعينوا به وتوكلوا عليه لعلكم ترحمون، إذ سألتم فلا تسألوا إلا الله، وإذا استعنتم فلا تستعينوا بأحد سواه، فإن الخلق كلهم فقراء عاجزون، وجميعهم إلى ربهم مضطرون مفتقرون، أعانني الله وإياكم على

стр. 64

ذكره وشكره وحسن عبادته، ووفقنا لمحبته ومعرفته والقيام بطاعته، ولا حرمنا خير ما عنده من الإحسان بشر ما عندنا من الإساءة والعصيان. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 65

[خطبة في بعض حقوق النبي ﷺ ] ٢٥ - خطبة في بعض حقوق النبي ﷺ الحمد لله الذي أوجب لرسوله حقوقا هي من لوازم الإيمان، وفضله وخصه بخصائص لا يشاركه فيها ملك ولا إنسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المتفرد بالوحدانية والكبرياء والسلطان، الذي له كل اسم حسن ووصف جميل، وهو الرحيم الرحمن، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، المبعوث إلى الإنس والجان. اللهم صل وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، فإن الله كتب الرحمة الكاملة للمؤمنين، فقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧] فهذه

стр. 66

الآيات الكريمة قد تضمنت ما يجب لهذا النبي الكريم من الحقوق التي لا يحصل ولا يتم الإيمان إلا بها، حقه الأصيل أن نؤمن به ونعترف بصدقه وأن كل ما جاء به حق لا ريب فيه، وأن نتبعه في أصول الدين وفروعه، ونقدم قوله وطاعته على طاعة كل أحد، ونعلم أنه لا يأمر إلا بالمعروف الذي هو الخير والهدى والبر والصلاح، ولا ينهى إلا عن المنكر الذي هو كل ذر وفساد وأعمال قباح، وأنه أحل لنا جميع الطيبات من المآكل والمشارب والملابس والمناكح وجميع التصرفات، وحرم كل خبيث من هذه الأشياء فرسالته احتوت على كل الكمالات، وكان دينه مبنيا على اليسر والسهولة، ورفع الأغلال قرة العيون وحياة القلوب، ووسيلة إلى كل خير وكمال، وعلينا أن نعزره بنصره ونصر شريعته في حياته وبعد مماته، فهو أولى بنا من أنفسنا في أمور العبد وحالاته، وعلينا أن نخضع لهديه ونقتدي به في جميع حركاته وسكناته، وعلينا أن نوقره بالإجلال والإكرام، والتوقير التام والاحترام، وأن يكون أحب إلينا من والدنيا وأولادنا ونفوسنا والناس أجمعين، وأن نكثر من الصلاة والتسليم عليه في كل وقت وحين، وأن لا ندعوه باسمه بل إذا خاطبناه فعلى وجه الإجلال والتكريم، وقد رفع الله له ذكره، فلا يذكر الله إلا ذكر

стр. 67

معه الرسول، كما في الخطب والشهادتين، اللتين هما أساس الإسلام، وفي الأذان الذي هو شعار الإسلام، وفي الصلاة التي هي عماد الدين، لما له من الحق الأكبر على الناس أجمعين، وكما أنه ﷺ تميز عن الخلق بكل أوصاف الكمال الممكن الذي لا يساويه فيه مخلوق فكان حقه بعد حق الله أوكد الحقوق، من الله علي وعليكم بمعرفة نبينا والقيام بحقه والاقتداء به في كل حال، وثبتنا بالقول الثابت على سنته في الحال والمال، وحشرنا في زمرته، وأدخلنا في شفاعته، وأوردنا حوضه العذب الشهي الزلال، إنه جواد كريم واسع النوال. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 68

[خطبة في حديث إني حرمت الظلم] ٢٦ - خطبة في حديث «إني حرمت الظلم. . .» الحمد لله الغني الحميد، الواسع الكرم ذي الخير المديد، يسأله من في السماوات والأرض وقد تكفل بشؤون العبيد، فسبحانه من إله كريم، وسع كل شيء رحمة وعلما، وتبارك من أولى عباده عفوا ومغفرة وحلما. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، في جميع النعوت والصفات، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل الرسل وخير المخلوقات، اللهم صل وسلم، وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه أولي الفضائل والكرامات. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، واشكروه على سوابغ نعمه وأياديه، وأشعروا قلوبكم الافتقار إليه على الدوام في هداية قلوبكم وحصول مطلوبكم على التمام، فقد سعد من تعلق قلبه خوفا ورجاء بالملك المولى وقد خاب من طغى وأعرض واستغنى، فمن تعلق بغير الله وكل إليه، ومن تعلق بربه أسعفه بمراده وقربه إليه، قال ﷺ : «قال الله تعالى: " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني

стр. 69

أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وأنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر، ذلك بأني جواد واجد ما جد عطائي كلام وعذابي كلام إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له كن فيكون، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 70

[خطبة في التحذير من حلق اللحى] ٢٧ - خطبة في التحذير من حلق اللحى الحمد لله الذي من علينا بالنبي الكريم، وهدانا به إلى الصراط المستقيم، واستنقذنا به من طرق الجحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله الرب الرحيم، الملك الجواد الكريم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي هو بالمؤمنين رؤوف رحيم، اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم في كل هدي قويم. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى وتمسكوا بهدي نبييكم المصطفى وامتثلوا أوامره واجتنبوا ما عنه زجر ونهى، فقد أمركم بحف الشوارب وإعفاء اللحى، وأخبركم أن حلق اللحى وقصها من هدي الكفار والمشركين، ومن تشبه بقوم فهو منهم فأحذروا مشابهة الظالمين، يا عجبا لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، كيف يزهد في هدي نبيه وأصحابه والتابعين لهم بإحسان؟! ويختار هدي كل كافر وفاسق فأين الأيمان؟ لقد أكرم الله الرجال باللحى وجعلها لهم جمالا ووقارا، فيا ويح من حلقها وأهانها وعصى نبيه جهارا، أيظن هؤلاء أن حلقها يكسب صاحبها بهاء وجمالا، كلا والله إنه ليشين الوجه، ويذهب نوره، ويزداد به إثما

стр. 71

ووبالا، ولكنه الاقتداء الضار يحسن كل قبيح، ويوقع صاحبه في الشر الصريح، أما قال أهل العلم: من جنى على لحية غيره فأزالها أو أزال جمالها على وجه لا يعود فعليه الدية كاملة؟! ثم هو مع ذلك يجني على نفسه ويجحد نعمة الله الشاملة، أما ترون وجوه الحالقين لها كيف يذهب بهاؤها وخصوصا عند المشيب، وتكون وجوههم كوجوه العجائز قد ذهبت محاسنها، وهذا من الشيء العجيب! فالله الله عباد الله في لزوم دينكم، ولا تختاروا عليه سواه، فإن فيه الخير والسعادة وكل جمال قد حواه، فوالله ما في الاقتداء بأهل الشر إلا الخزي والندامة، ولا في الاقتداء بنبيكم ﷺ إلا الصلاح والفلاح والكرامة، وإياكم أن تصبغوها بالسواد، فقد نهى عن ذلك خير العباد، فتوبوا إلى الله واستغفروه، وتمسكوا بالخير ولازموه، قبل أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله، يا ليتني حذرت من أهل الشر واقتديت برسول الله، يا ليتني أعود إلى الدنيا لأعمل صالحا وأتوب، فالآن فات كل مطلوب، وحصل كل مرهوب، وأحاطت بأهل المعاصي الخطايا والذنوب، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا - يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا - لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]

стр. 72

[خطبة في كل معروف صدقة] ٢٨ - خطبة في كل معروف صدقة الحمد لله المعروف بالخير والكرم، والامتنان المجازي البر بالبر، وعلى الإحسان بالإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله الرحيم الرحمن، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد الرسل وخلاصة الإنسان، اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن مدار التقوى على فعل الخير واجتناب الشر والفساد، وعلى إخلاص الدين للمولى والإحسان إلى العباد، فلقد قال من أعطى جوامع الكلام: «كل معروف صدقة» فيالها من كلمة عظيمة جامعة للخيرات، وياله من كلام بليغ محيط بأصناف البر والبركات، فكما دخل في هذا الإحسان الديني يدخل فيه الإحسان الدنيوي، وكما يدخل فيه المعروف بالجاه والمقال، يدخل فيه المعاونات البدنية والإحسان بالمال، ويتناول المعروف إلى الصاحب والقريب، والمعروف إلى العدو والبعيد، فمن علم غيره علما أو أهدى له نصحا فقد تصدق عليه، ومن نبهه على

стр. 73

مصلحة دينية أو دنيوية أو حذره من مضرة فقد أحسن إليه. أيها العبد لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق، وتباشر جليسك بالبشاشة وحسن الخلق، ولو أن تفرغ الدلو للمستقي والمتوضي، ولو أن تعطي صلة الحبل وتعير الإناء للمستجدي، وكلما كانت العارية أنفع كان أجرها أفضل، ومن المعروف إماطة الأذى عن الطريق، وعزل العظم والشوكة وجميع ما يؤذي، ومن المعروف هداية الأعمى في المساجد والطرق وهداية الحيران، وأن تسمع الأصم وتطعم الجائع وتسقي الظمآن، وتغيث المكروب واللهفان، ومن المعروف إعانة أصحاب الحوائج من الأقارب والأباعد والجيران، والعفو عمن ظلمك ومقابلة الإساءة بالإحسان، ومن المعروف الدعوة إلى طعام أو قهوة أو شراب، للأغنياء والفقراء والبعداء والأقراب، وسماحك لمن ينتفع بشيء من ملكك من ماشية ونخل وأشجار، بلبن أو خوص أو حطب أو ثمار، وإعانة المسلم بكتابة وعمل صنعة ونقل متاع، ومن المعروف بذل الفضل في المعاملات والمحاباة فيها فما شيء يترك ثوابه ولا يضاع، ومن المعروف الإحسان إلى المماليك من الآدميين وسائر الحيوانات، ففي كل كبد حراء أجر واكتساب للخيرات، ومن المعروف أن

стр. 74

تبذل لغيرك دواء نافعا أو تباشره بطب أو تصف له حمية أو دواء ناجعا، فكلما أوصلته إلى الخلق من البر والإحسان والتكريم، فأنه داخل في خطاب النبي الكريم، ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 75

[خطبة في العقل] ٢٩ - خطبة في العقل الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، فتبارك الله أحسن الخالقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد المرسلين وإمام المتقين، اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم أجمعين، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واذكروا ما تفضل به عليكم من العقل الذي تميزتم به على كثير من المخلوقات، واحذروا أن تضيعوه أو تهملوه في وضعه في الأمور الضارة أو غير الأمور النافعات، فما أنعم الله على عبد نعمة فاستعملها فيما خلقت له إلا حفظها الله ونماها، ولا أهملها ووضعها في غير موضعها إلا سلبها وبقي عليه شقاها، فهذا العقل الذي منحكم الله إياه من أفضل العطايا، فما بالكم تستعملونه في ركوب الدنايا، خلق الله لكم العقول لتعقلوا بها ما ينفعكم من
следующие страницы →