لكن يحرم على المرأة الصيام مدة الحيض، ولا يصح منها حتى تطهر كالصلاة. قال ﷺ في النساء: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم. . .» (١) . الحديث. فيجب على المرأة أن تفطر مدة الحيض، فإذا طهرت قضت بعدد الأيام التي أفطرتها لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (٢) وسئلت عائشة ﵂: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك - تعني الحيض - فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (٣) .
وإذا حدث للمرأة الحيض أثناء النهار، ولو قبل غروب الشمس بوقت يسير، وهي صائمة صوما واجبا بطل صيامها، ذلك اليوم - أي لا تعتد به وأجرها على الله - ولزمها قضاؤه بعد طهرها.
стр. 37
وإذا طهرت المرأة من الحيض، قبل طلوع الفجر ولو بيسير، من أيام رمضان وجب عليها الصيام، ولا بأس بتأخير الاغتسال إلى ما بعد طلوع الفجر، حتى تتمكن من السحور. والنفساء كالحائض في جميع ما تقدم من أحكام.
وإذا كانت المرأة حاملا أو مرضعا، وخافت على نفسها الضرر من الصيام، فإنها تفطر وتقضي ما أفطرته من أيام أخر.
أما إذا كان فطر المرأة الحامل أو المرضع، خوفا على ولدها، لا على نفسها، فالجمهور على أنها تطعم مع القضاء، عن كل يوم مسكينا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الحامل والمرضع تخاف على ولدها الضرر مع الصيام: تفطر وتقضي عن كل يوم يوما، وتطعم عن كل يوم مسكينا. وذهب جماعة من أهل العلم أن عليها الصيام، - أي القضاء فقط - دون الكفارة، كالمسافر، والمريض الذي يُرجى برؤه، ولعل هذا هو الراجح، ولا يتسع المقام لبسط أدلة ذلك، وهو رأي سماحة والدنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀.
стр. 38
[سادسا أمور يفطر بها الصائم]
[الأكل والشرب]
سادسا: أمور يفطر بها الصائم ١ - الأكل والشرب: وما كان بمعناهما، من مقوٍّ، أو مغذٍّ، إذا وصل إلى الجوف، من أي طريق كان، سواء الفم والأنف، أو الوريد، أو غير ذلك. وكان عن قصد واختيار فإنه يفطر به الصائم، لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (١) ولقوله ﷺ مخبرا عن ربه أنه قال في الصائم: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» (٢) . فالصيام ترك هذه الأمور، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فمن تناول شيئا منها أثناء النهار قاصدا مختارا لم يكن صائما.
[الجماع ومقدماته]
٢ - الجماع ومقدماته: فإنه مفسد للصيام بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (٣) فدلت الآية على حل التمتع بهذه
стр. 39
الأمور، حتى طلوع الفجر، ثم يصام عنها إلى الليل. فإذا جامع في نهار الصيام، فسد صومه وصار مفطرا بذلك، فعليه القضاء لذلك اليوم والكفارة، لانتهاكه حرمة الصوم في شهر الصوم.
فقد اتفق العلماء على أن من جامع في نهار رمضان فعليه القضاء والكفارة في الجملة، والكفارة مرتبة وهي:
أ) عتق رقبة مؤمنة.
ب) فإن لم يجدها فصيام شهرين متتابعين.
بر) فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، لكل مسكين مدٌّ من طعام، وهو ربع الصاع مما يجزئ في الفطر، لما في الصحيح من قصة «الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: هلكت وأهلكت. فقال: "ما لك؟ " قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : "هل تجد رقبة تعتقها؟ " قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا. قال: "فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ " قال: لا. . .» (١) .
وفي الحديث، أن الوطء في نهار رمضان من الصائم كبيرة من كبائر الذنوب، وفاحشة من الفواحش المهلكات؛ لأن النبي ﷺ
стр. 40
أقر الرجل على قوله: "هلكت" ولو لم يكن كذلك لهون عليه الأمر.
[إنزال المني في اليقظة]
٣ - إنزال المني في اليقظة: بمباشرة، أو تقبيل، أو بالاستمناء - وهي التي يسمونها العادة السرية أو جلد عميرة - ونحو ذلك، يفطر به الصائم وعليه القضاء؛ لأنه عن عمد واختيار.
[إخراج الدم من الجسد]
٤ - إخراج الدم من الجسد: بالحجامة ونحوها فإنه يفطر به الصائم، لقوله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» (١) . قال الإمام أحمد والبخاري وغيرهما عن هذا الحديث: إنه أصح شيء في الباب. فالحديث نص في الفطر بالحجامة، وهو مذهب أكثر فقهاء أهل الحديث، كأحمد وإسحاق وابن خزيمة وغيرهم من فقهاء الأمة، وكان فقهاء
стр. 41
البصرة يغلقون حوانيت الحجامين (١) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الأحاديث الواردة فيه - يعني الفطر بالحجامة - كثيرة، قد بينها الأئمة الحفّاظ.
وفي معنى إخراج الدم بالحجامة - وأنه يفطر به الصائم - إخراجه بالفصد للتحليل، أو لغير ذلك إذا كان الخارج من الدم نحو ما يخرج بالحجامة، وكذلك سحب الدم من الوريد، للتبرع أو لغير ذلك، فمن أراد فعل شيء من ذلك فليجعله ليلا، ومن اضطر إليه لمرض أو إسعاف مصاب، فليفطر ذلك اليوم - وهو معذور في ذلك شرعا - وليقض يوما مكانه.
[القيء]
٥ - القيء: وهو إخراج ما في المعدة من الطعام والشراب، عمدا فعليه القضاء ويفطر بذلك، لحديث: «من استقاء فعليه القضاء» (٢) .
стр. 42
[سابعا أمور لا يفطر بها الصائم]
سابعا: أمور لا يفطر بها الصائم ١ - الاحتلام أثناء الصيام لا يفطر به الصائم، لعدم القصد والعمد باتفاق أهل العلم.
٢ - من حصل منه القيء - التطريش - دون اختيار منه وهو صائم لم يفطر بذلك بل صومه صحيح لقوله ﷺ : «من ذرعه القيء - أي غلبه وقهره وسبقه في الخروج - فلا قضاء عليه» (١) .
٣ - ما يدخل في الحلق بغير اختيار من غبار أو ذباب، ونحو ذلك مما لا يمكن التحرز منه، فإنه لا يفسد الصوم، لعدم القصد. فإن الذي لم يقصد غافل، والغافل غير مكلف لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] (٢) ولقوله ﷺ : «عفي لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٣) .
٤ - خروج الدم من غير قصد: كالرعاف والنزيف والجرح،
стр. 43
ونحو ذلك، لا يفطر به الصائم، ولا يفسد به الصيام، لعدم الاختيار.
٥ - من أكل أو شرب ناسيا فصيامه صحيح ولا قضاء عليه؛ لقوله ﷺ : «عفي لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (١) . ولقوله ﷺ : «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» (٢) .
٦ - من أكل شاكا في طلوع الفجر صح صومه فلا قضاء عليه لأن الأصل بقاء الليل.
٧ - من أصبح جنبا من احتلام أو جماع، وضاق عليه الوقت، فإنه يصوم وله أن يؤخر الغسل إلى ما بعد السحور، وطلوع الفجر، وصومه صحيح ليس عليه قضاؤه. لما في الصحيحين: «أن النبي ﷺ كان يصبح جنبا من جماع ثم يغتسل ويصوم» (٣) . وفي صحيح مسلم قال ﷺ : «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم» (٤) . والنصوص في ذلك
стр. 44
متوافرة، وَذَكَرَ غير واحد الإجماع عليه.
٨ - من غلب على ظنه غروب الشمس: لغيم ونحوه، فأفطر ثم تبين له أنها لم تغرب، فليمسك ولا قضاء عليه، كما هو اختيار جماعة من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵏، قال: إذا أكل عند غروبها، على غلبة الظن، فظهرت، ثم أمسك فكالناسي. لأنه ثبت في الصحيح: «أنهم أفطروا على عهد النبي ﷺ ثم طلعت الشمس. .» (١) . الحديث. ولم يذكر في الحديث، أنهم أمروا بالقضاء، ولو أمرهم لشاع ذلك، كما نقل فطرهم، فلما لم ينقل دل على أنه لم يأمرهم. أ. هـ.
وثبت عن عمر ﵁ أنه أفطر ثم تبين النهار فقال: "لا نقضي فإنا لم نتجانف لإثم". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا القول أقوى أثرا ونظرا، وأشبه بدلالة الكتاب والسنة والقياس.
стр. 45
[ثامنا فضل قيام الليل]
ثامنا: فضل قيام الليل قيام الليل سنة مؤكدة، وقربة معظمة في سائر العام، فقد تواترت النصوص من الكتاب والسنة بالحث عليه، والتوجيه إليه، والترغيب فيه، ببيان عظيم شأنه وجزيل الثواب عليه، وأنه شأن أولياء الله، وخاصة من عباده الذين قال الله في مدحهم والثناء عليهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ - لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤] (١) .
فقد مدح الله أهل الإيمان والتقوى، بجميل الخصال وجليل الأعمال، ومن أخص ذلك قيام الليل، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ - تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧] (٢) ووصفهم في موضع آخر بقوله:
стр. 46
﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا - وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤ - ٦٥] إلى أن قال: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا - خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥ - ٧٦] (١) .
وفي ذلك من التنبيه على فضل قيام الليل، وكريم عائدته ما لا يخفى، وأنه من أسباب صرف عذاب جهنم، والفوز بالجنة وما فيها من النعيم المقيم، وجوار الرب الكريم، جعلنا الله ممن فاز بذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ - فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥] (٢) .
وقد وصف المتقين في سورة الذاريات، بجملة صفات - منها قيام الليل - فازوا بها بفسيح الجنات، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ - آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ - كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٧] (٣) .
فصلاة الليل لها شأن عظيم في تثبيت الإيمان، والإعانة على جليل الأعمال، وما فيه صلاح الأحوال والمال، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ - قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢] إلى قوله:
стр. 47
﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا - إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٥ - ٦] (١) .
وثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «أفضل الصلاة بعد المكتوبة - يعني الفريضة - صلاة الليل» (٢) وفي حديث عمرو بن عبسة قال ﷺ : «أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن» (٣) .
ولأبي داود عنه ﵁ قال: أيُّ الليل أسمع؟ - يعني أحرى بإجابة الدعاء - قال ﷺ : «جوف الليل الآخر فصَلِّ ما شئت، فإن الصلاة فيه مشهودة مكتوبة» (٤) .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين
стр. 48
يبقى ثلث الليل الآخر. فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» (١) .
وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرا إلا أعطاه إياه، وهي كل ليلة» (٢) .
وفي صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من تعار من الليل - يعني استيقظ يلهج بذكر الله - فقال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته» (٣) .
وأخرج الإمام أحمد وغيره عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة غرفا، يرى ظاهرها من
стр. 49
من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» (١) .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله : أعددت لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (٢) . قال أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] (٣) .
وجاء في السنة الصحيحة، ما يفيد أن قيام الليل من أسباب النجاة من الفتن، والسلامة من دخول النار. ففي البخاري وغيره عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ استيقظ ليلة فقال: «سبحان الله، ماذا أنزل الليلة من الفتنة؟ ماذا أنزل الليلة من الخزائن؟ من يوقظ صواحب الحجرات؟» (٤) . وفي ذلك تنبيه
стр. 50
على أثر الصلاة بالليل في الوقاية من الفتن.
وفي قصة رؤيا ابن عمر قال: "فرأيت كأن ملكين أخذاني، فذهبا بي إلى النار فإذا هي مطوية، كطي البئر، وإذا لها قرنان يعني كقرني البئر وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا ملك آخر. فقال: لم ترع. فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي ﷺ فقال: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل، فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلا» (١) .
وأخرج الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي عن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم» (٢) .
فتلخص مما سبق أن قيام الليل:
أ) من أسباب ولاية الله ومحبته.
ب) ومن أسباب ذهاب الخوف والحزن، وتوالي البشارات
стр. 51
بألوان التكريم والأجر العظيم.
ج) وأنه من سمات الصالحين، في كل زمان ومكان.
د) وهو من أعظم الأمور المعينة على مصالح الدنيا والآخرة، ومن أسباب تحصيلها والفوز بأعلى مطالبها.
هـ) وأن صلاة الليل أفضل الصلاة بعد الفريضة وقربة إلى الرب ومكفرة للسيئات.
و) وأنه من أسباب إجابة الدعاء، والفوز بالمطلوب المحبوب، والسلام من المكروه والمرهوب، ومغفرة سائر الذنوب.
ز) وأنه نجاة من الفتن، وعصمة من الهلكة، ومنهاة عن الإثم.
ح) وأنه من موجبات النجاة من النار، والفوز بأعالي الجنان.
стр. 52
[تاسعا فضل قيام رمضان]
تاسعا: فضل قيام رمضان فإذا تبين أن القيام من خصال الخير، وعظيم الأجر، وجزيل الأجر وأنه من خصال التقوى، التي فرض الله سبحانه الصيام لتحقيقها وتكميلها وتحصيل عواقبها الطيبة وآثارها المباركة، ظهر لك أن الصيام والقيام في رمضان متلازمان عند أهل الإيمان، فإن القيام في رمضان من الشعائر العظيمة التي سنها رسول الله ﷺ بقوله وفعله، ورغب فيها. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (١) .
وثبت في الصحيح عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ صلى في المسجد - من جوف الليل - فصلى بصلاته ناس من أصحابه ثلاث ليال. فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله - أي امتلأ من الناس - فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم» (٢) . وذلك في رمضان.
стр. 53
وفي هذا الحديث شفقة النبي ﷺ على أمته. وفيه حرص الصحابة ﵃ على السنة، ورغبتهم في قيام الليل. وفي الصحيحين أيضا عن النبي ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (١) . وهذا من أدلة فضل قيام رمضان، وخاصة العشر الأواخر منه - فإحياؤها من سنة النبي ﷺ تحريا لليلة القدر، طلبا لما فيها من عظيم الأجر.
وقيام رمضان شامل للصلاة، في أوله وآخره، والتراويح من قيام رمضان، ففي السنن وغيرها عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» (٢) . فينبغي الحرص عليها، والاعتناء بها، رغبة في الخير وطلبا للأجر، فيصلي المرء مع الإمام حتى ينصرف، ليحصل له أجر قيام ليلة.
وإن أحب أن يصلي من آخر الليل، ما كتب له - فله ذلك - ليفوز
стр. 54
بفضائل صلاة جوف الليل، فإنها - كما سبق - مشهودة مكتوبة يسمع فيها الدعاء ويستجاب، وتُقضى المسألة ويغفر الذنب، إلى غير ذلك مما جاء في فضل القيام.
فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «صلاة الليل مثنى مثنى» (١) . فلم يقيد الصلاة بعدد، فيصلي ما شاء الله، غير أنه لا يوتر إن كان أوتر مع الإمام أول الليل، لقوله ﷺ : «لا وتران في ليلة» (٢) .
والمقصود أن أوقات شهر رمضان أوقات شريفة مباركة، ينبغي للموفق أن يغتنمها في جليل القرب، والإلحاح على الله بالطلب لخيري الدنيا والآخرة، والتوفيق من الله، فإنه هو الرحمن المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 55
[عاشرا فضل ليلة القدر]
عاشرا: فضل ليلة القدر ليلة القدر ليلة شريفة، خصها الله بخصائص عظيمة، تنبئ عن فضلها ورفعة شأنها، منها:
١ - أنها الليلة التي أنزل فيها القرآن، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] (١) ففي تخصيصها بذلك تنبيه على شرفها وتنويه بفضلها، حيث أنزل الله تعالى فيها أعظم الذكر وأشرف الكتب، ففي قراءته فيها أخذ بسبب من أعظم أسباب الهدى ودواعي التقى.
٢ - وصف الله تعالى بأنها مباركة، بقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] (٢) الآية. فهي مباركة لكثرة خيرها وعظم فضلها، وجليل ما يعطي الله من قامها إيمانا واحتسابا (٣) من الخير الكثير والأجر الوفير.
٣ - إخباره تعالى عنها، بقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] (٤) أي يفصل من اللوح المحفوظ إلى صحف الكتبة
стр. 56
من الملائكة من الأمور المحكمة مما يتعلق بالعباد، من أمر المعاش والمعاد إلى مثلها من العام القابل، من الأرزاق والأعمال والحوادث والآجال، ونحو ذلك من الأمور المحكمة المتقنة بمقتضى علم الله تعالى وحكمته ومشيئته وقدرته، وذلك كله مما يبين شرف تلك الليلة وعظم شأنها.
٤ - ما يفيده قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] (١) من التنبيه على فضل قيامها وكثرة الثواب على العمل فيها، مع مضاعفة العمل، فإن عبادة الله تعالى وما يناله العبد من الثواب عليها خير من العبادة في ألف شهر خالية منها. وذلك ينيف عن ثمانين سنة، وإذا كان العمل الصالح يضاعف في رمضان ويضاعف ثوابه، فكيف إذا وقع في ليلة القدر؟ فلا يعلم إلا الله تعالى ما يفوز به من قامها إيمانا واحتسابا من الأجر العظيم والثواب الكريم.
٥ - تنزل الملائكة فيها إلى الأرض بالخير والبركة والرحمة لأهل الإيمان، كما قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ - سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٤ - ٥] (٢) ولذا فهي ليلة مطمئنة تكثر فيها السلامة من العذاب والإعانة على طاعة الغفور
стр. 57
التواب.
٦ - ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه» (١) . فهي ليلة تغفر فيها الذنوب، وتفتح فيها أبواب الخير، وتعظم الأجور، وتيسر الأمور.
فلهذه الفضائل العظيمة وغيرها تواترت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ في الحث على تحري هذه الليلة في ليالي العشر الأخير من رمضان، وبيان فضلها، وفي سنته ﷺ في قيامها، وهدي أصحابه ﵃ من الاجتهاد في التماسها ما يبعث همم طلاب الآخرة والراغبين في العتق والمغفرة مع وافر الأجر وكريم المثوبة، إلى اتباعهم على ذلك بإحسان، التماسا لرضا الرحمن، والفوز بفسيح الجنان.
ولم يرد عن النبي ﷺ نص صريح أنها في ليلة معينة لا تتعداها في كل سنة، وما ورد من النصوص في تحديدها بليلة معينة فالمراد - والله أعلم - في تلك السنة التي أخبر النبي ﷺ عنها فيها وحث على قيامها بعينها، وبهذا تجتمع الأحاديث التي ظاهرها التعارض، وتفيد تلك الأحاديث أنها تنتقل من سنة إلى أخرى، فقد تكون في سنة ليلة إحدى وعشرين، وفي أخرى ليلة ثلاث
стр. 58
وعشرين، وفي ثالثة أربع وعشرين، وهكذا.
قال الحافظ في الفتح: أرجح الأقوال أنها في الوتر من العشر الأخير وأنها تنتقل (١) .
قلت: ومما قرره أهل العلم بشأنها أنها تتحرى وتطلب في ليالي الشفع كما تطلب في ليالي الوتر، ولهذا جاء في بعض الأحاديث ونقل عن بعض السلف تحديدها في بعض الأعوام في ليالي الشفع من العشر.
وقد وجّه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ذلك بقوله: "إن كان الشهر تاما فكل ليلة من العشر وتر، إما باعتبار الماضي كإحدى وعشرين، وإما باعتبار الباقي كالثانية والعشرين، وإن كان ناقصا فالأوتار باعتبار الباقي موافقة لها باعتبار الماضي".
ولهذا ينبغي أن يتحراها المؤمن في كل ليالي العشر، عملا بقوله ﷺ : «التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» (٢) متفق عليه.
وإنما أخفى الله علمها عن العباد رحمة بهم ليكثر اجتهادهم في طلبها، وتظهر رغبتهم فيها، وتكثر العبادة فيها، ليحصلوا
стр. 59
على جليل العمل وجزيل الأجر بقيامهم لتلك الليالي المباركة، كل ليلة يظنون أنها ليلة القدر، فإنهم بقيامهم لتلك الليالي يثابون على قيام كل ليلة - لا سيما وأنهم يحتسبون أنها ليلة القدر، والأعمال بالنيات - مع أنهم يدركون ليلة القدر قطعا إذا قاموا كل ليالي العشر.
ولهذا كان من سُنةّ النبي ﷺ الاعتكاف تلك العشر، وهذا فيه الاجتهاد في العبادة، وبذل الوسع في تحري تلك الليلة، فينقطع في المسجد - تلك المدة - عن كل الخلائق، مشتغلا بطاعة الخالق، قد حبس نفسه على طاعته، وشغل لسانه بدعائه وذكره، وتخلى عن جميع ما يشغله، وعكف بقلبه على ربه وما يقربه منه، فما بقي له سوى الله وما شغل نفسه إلا بما فيه رضاه.
وحقيقة أن الاعتكاف سُنّة مأثورة وشعيرة مبرورة، وقد أوشكت أن تكون بين الناس مهجورة، فينبغي - لمن تيسّر له أمره - إحياؤها والترغيب فيها، فإن: «من سَنّ في الإسلام سُنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء» (١) رواه مسلم، وقال ﷺ : «من دل على خير فله
стр. 60
مثل أجر فاعله» (١) رواه مسلم.
ومما ينبغي التفطن له تربية الأهل على العناية بهذه الليالي الشريفة، وإظهار تعظيمها، والأخذ بسُنة النبي ﷺ فيها، فقد كان يوقظ أهله (٢) . وكل من يطيق القيام للصلاة والذكر، والتنافس فيما ينال به عظيم الأجر من خصال البر، حرصا على اغتنام هذه الليالي المباركة، فيما يقرب إلى الله تعالى، فإنها من فرص العمر وغنائم الدهر.
ومما يدعو إلى القلق وعظيم الحزن تساهل بعض الناس - هدانا الله وإياهم - فيها، وزهدهم في خيرها، حيث يظهر منهم الكسل فيها أكثر مما سبقها من الشهر، حتى يتخلّفون عن الفرائض ويهجرون المساجد، ويزدحمون في الأسواق، ويرتكبون بعض خصال النفاق، نسأل الله تعالى لنا ولهم العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا من المسارعين إلى المغفرة والجنات، المتنافسين في الخيرات، الفائزين بعظيم الأجور وأعالي الجنات، إنه سبحانه سميع مجيب الدعوات.
стр. 61
[الفصل الثاني في مهمات من أحكام زكاة الفطر]
[معنى زكاة الفطر]
الفصل الثاني
في مهمات من أحكام زكاة الفطر ١ - معنى زكاة الفطر.
٢ - تاريخ مشروعيتها والدليل عليها.
٣ - حكمها.
٤ - حكمة مشروعيتها.
٥ - على من تجب الفطرة.
٦ - أنواع الأطعمة التي تخرج منها زكاة الفطر.
٧ - المقدار الواجب في الفطرة.
٨ - وقت إخراج الزكاة.
٩ - لمن تعطى صدقة الفطر.
١٠ - إخراج قيمة زكاة الفطر.
١١ - نقل زكاة الفطر من بلد الشخص إلى بلد آخر.
стр. 62
١ - معنى زكاة الفطر أْي الزكاة التي سببُها الفطر من رمضان، وتسمى أيضا صدقة الفطر، وبكلا الاسمين وردت النصوص.
وسُمِّيت صدقة الفطر بذلك لأنها عند الفطر عطية يُراد بها المثوبة من الله، فإعطاؤها لمستحقيها في وقتها عن طيب نفس يُظهر صدق الرغبة في تلك المثوبة. وسميت زكاة لما في بذلها - خالصة لله - من تزكية النفس وتطهيرها من أدرانها، وتنميتها للعمل، وجبرها لنقصه.
[تاريخ مشروعيتها والدليل عليها]
٢ - تاريخ مشروعيتها والدليل عليها وكانت فرضيتها في السنة الثانية من الهجرة - أي مع رمضان - وقد دلّ على مشروعيتها عموم القرآن، وصريح السُّنة الصحيحة، وإجماع المسلمين؛ قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] (١) أي فاز كل الفوز، وظفر كل الظفر، مَن زكى نفسه
стр. 63
بالصدقة فنماها وطهرها.
وقال عكرمة ﵀ في الآية: "هو الرجل يقدم زكاته بين يدي - يعني قبل - صلاته - أي العيد. وهكذا قال غير واحد من السلف ﵏ في الآية: هي زكاة الفطر.
وروي ذلك مرفوعا إلى النبي ﷺ عند ابن خزيمة وغيره. وقال مالك ﵀: هي- يعني زكاة الفطر - داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] (١) .
وثبت في الصحيحين وغيرهما من غير وجه: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر» (٢) . وأجمع عليها المسلمون قديما وحديثا، وكان أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها.
[حكمها]
٣ - حكمها حكى ابن المنذر وغيره الإجماع على وجوبها، وقال إسحاق ﵀: "هو كالإجماع".
قلت: ويكفي في الدلالة على وجوبها - مع القدرة في وقتها - تعبير الصحابة ﵃ بالفرض كما صرَّح بذلك ابن عمر وابن عباس، قال ابن عمر ﵄: "فرض رسول الله ﷺ
стр. 64
زكاة الفطر. . . الحديث" (١) . وبنحوه عبر غيره ﵃.
[حكمة مشروعيتها]
٤ - حكمة مشروعيتها شرعت زكاة الفطر تطهيرا للنفس من أدرانها، من الشح وغيره من الأخلاق الرديئة، وتكميلا للأجر وتنمية للعمل الصالح، وتطهيرا للصيام مما قد يؤثر فيه ويُنقِص ثوابه من اللغو والرفث ونحوهما، ومواساة للفقراء والمساكين، وإغناءً لهم عن ذلّ الحاجة والسؤال يوم العيد.
فعن ابن عباس مرفوعا: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمةً للمساكين» (٢) . رواه أبو داود والحاكم وغيرهما.
وفيها: إظهارُ شكر نعمة الله تعالى على العبد إتمام صيام شهر رمضان وما يسَّر من قيامه، وفعل ما تيسر من الأعمال الصالحة فيه.
وفيها: إشاعة المحبة والمودة بين فئات المجتمع المسلم.
стр. 65
[على من تجب الفطرة]
٥ - على من تجب الفطرة؟ زكاة الفطر زكاة بدن، فتجب على كل مسلم ذكرا كان أو أنثى، حرا كان أو عبدا، وسواء كان من أهل المدن أو القرى أو البوادي، لإجماع من يُعتدّ بقوله من المسلمين.
ومن أدلة وجوبها حديث ابن عمر ﵄، قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين. وأمر بها أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (١) . متفق عليه.
ونحو هذا الحديث، مما فيه التصريح بالفرض والأمر، وإنما تجب على الغني، وليس المقصود بالغني في هذا الباب الغني في باب زكاة الأموال، بل المقصود به في زكاة الفطر؛ مَن فضل عنده صاع أو أكثر يومَ العيد وليلته من قوته وقوت عياله، ومن تجب عليه نفقته.
[أنواع الأطعمة التي تخرج منها زكاة الفطر]
٦ - أنواع الأطعمة التي تخرج منها زكاة الفطر ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كنا نعطيها - يعني صدقة الفطر - في زمان النبي ﷺ صاعا من طعام أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من الزبيب» .
стр. 66
متفق عليه (١) . وفي رواية عنه في الصحيح، قال: «وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر» (٢) .
فالأفضل الاقتصار على هذه الأصناف المذكورة في الحديث ما دامت موجودة، ويوجد من يقبلها ليقتات بها، فيخرج أطيبها وأنفعها للفقراء، لما في البخاري أن ابن عمر ﵄ كان يُعطي التمر (٣) وفي الموطأ عن نافع: كان ابن عمر لا يُخرج إلا التمر في زكاة الفطر، إلا مرة واحدة فإنه أخرج شعيرا لمّا أعوز أهل المدينة من التمر، - يعني لم يوجد في المدينة - فأعطى شعيرا" (٤) .
وفي هذا تنبيه على أنه ينبغي أن يُخرج أطيب هذه الأصناف وأنفعها للفقراء والمساكين، ومذهب مالك والشافعي، وأحمد والجمهور أن البُرَّ أفضل ثم التمر، قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] (٥) فإخراجها من أحد هذه الأصناف إذا وجد من يقبله ليقتات به أفضل؛ لأن فيه موافقة للسُّنة، واحتياط للدين. فإن لم توجد فبقية أقوات البلد سواها.
стр. 67
وذهب بعض أهل العلم - وهو قول مالك والشافعي وأحمد وغيرهم - إلى أنه يجزئ كل حبّ وثمر يقتات، ولو لم تعدم الخمسة المذكورة في الحديث، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، واحتج له بقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] (١) وبقوله ﷺ : «صاعا من طعام» (٢) . والطعام قد يكون برّا أو شعيرا. وقال: "هو قول كثير العلماء، وأصح الأقوال، فإن الأصل في الصدقات أنها تجب على وجه المساواة للفقراء ".
وقال ابن القيم ﵀: "وهو الصواب الذي لا يقال بغيره، إذ المقصود سدّ خُلَّة المساكين يوم العيد، ومواساتهم من جنس ما يقتات أهل بلدهم، لقوله ﷺ : «أغنوهم في هذا اليوم عن الطواف» (٣) .
[المقدار الواجب في الفطرة]
٧ - المقدار الواجب في الفطرة ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ : «فرض زكاة الفطر صاعا. . .» (٤) . والمراد به صاع النبي ﷺ وهو أربعة أمداد. والمدّ: ملء كفَّيِ الرجل المتوسط اليدين من البر الجيد ونحوه من الحب.
стр. 68
وهو كيلوان ونصف على وجه التقريب، وما زاد على القدر الواجب فهو من الصدقة العامة، وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] (١) .
[وقت إخراج الزكاة]
٨ - وقت إخراج الزكاة لإخراج زكاة الفطر وقتان:
الأول: وقتُ فضيلة، ويبدأ من غروب الشمس ليلة العيد إلى العيد، وأفضله ما بين صلاة الفجر وصلاة العيد. لما ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر ﵄ قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر. . .» الحديث. وفيه قال: وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة" (٢) . وتقدَّم تفسير - بعض السلف - قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى - وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥] (٣) أنه الرجل يقدّم زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته.
الثاني: وقتُ إجزاء، وهو قبل العيد بيوم أو يومين لما في صحيح البخاري ﵀ قال: «وكانوا - يعني الصحابة - يعطون - أي المساكين - قبل الفطر بيوم أو يومين» (٤) . فكان إجماعا
стр. 69
منهم.
وفي حديث ابن عباس ﵄: «فمن أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» رواه أبو داود وغيره (١) .
قال ابن القيم ﵀: "مقتضاه أنه لا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد". قلت: يعني من غير عذر وأنها تفوت بالفراغ من الصلاة.
وقال شيخ الإسلام: "إن أخَّرها بعد صلاة العيد فهي قضاء، ولا تسقط بخروج الوقت".
وقال غيره: اتفق الفقهاء على أنها لا تسقط عن من وجبت عليه بتأخيرها، وهي دين عليه حتى يؤديها، وأن تأخيرها عن يوم العيد حرام، ويقضيها آثما إجماعا إذا أخَّرها عمدا.
[لمن تعطى صدقة الفطر]
٩ - لمن تعطى صدقة الفطر؟ في حديث ابن عباس ﵄ قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين» (٢) . ففي هذا الحديث أنها تُصرف للمساكين دون غيرهم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لا يجوز دفعها إلا لمن يستحق الكفارة، وهم الآخذون لحاجة أنفسهم".
стр. 70
ويجوز أن يعطي الجماعة أو أهل بيت زكاتهم لمسكين واحد، وأن تقسم صدقة الواحد على أكثر من مسكين للحاجة الشديدة. ولكن ينبغي أن تسلم لنفس المسكين أْو لوكيله المفوض في استلامها من قبله.
[إخراج قيمة زكاة الفطر]
١٠ - إخراج قيمة زكاة الفطر لا يجوز إخراج قيمة زكاة الفطر بدلا عنها، لنص النبي ﷺ على أنواع الأطعمة مع وجود قيمتها. فلو كانت القيمة مُجزئة لبين ذلك النبي ﷺ ؛ فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وكذلك فإنه لا يُعلَم أن أحدا من أصحاب النبي ﷺ أخرج زكاة الفطر نقودا مع إمكان ذلك في زمانهم - وهم أعرف بسنته وأحرص على اتباع طريقته. وأيضا فإن إخراج القيمة يفضي إلى خفاء هذه الشعيرة العظيمة، وجهل الناس بأحكامها، واستهانتهم بها.
قال الإمام أحمد: "لا يعطي القيمة". قيل له: قوم يقولون: عمر بن عبد العزيز كان يأخذ القيمة؛ قال: يَدَعُونَ قول رسول الله ﷺ ويقولون: قال فلان. وقد قال ابن عمر: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر» (١) .
стр. 71
[نقل زكاة الفطر من بلد الشخص إلى بلد آخر]
١١ - نقل زكاة الفطر من بلد الشخص إلى بلد آخر الأصل أن الشخص يدفع زكاة فطره لفقراء البلد الذي يدركه عيد الفطر وهو فيه، وهي إنما تجب بغروب الشمس ليلة العيد، ونقلها إلى بلد آخر يفضي إلى تأخير تسليمها في وقتها المشروع، وربما أفضى إلى إخراج القيمة وإلى خفاء تلك الشعيرة، وجهل الناس بسنة النبي ﷺ فيها، ولم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من خلفائه الراشدين ولا عن أحد من أصحابه ﵃ فيما أعلم - أنهم نقلوها من المدينة إلى غيرها.
وبناءً عليه فنقلُها في هذا الزمان من مجتمع إلى آخر، والذي يدعو إليه بعض الناس ويرغب فيه، معدود من الأعمال المحدَثة التي يجب الحذر منها والبعد عنها، وتنبيه الناس على ما فيه من المخالفة. والله المستعان.
أما كون الإنسان يوكل أهله أن يخرجوا الزكاة في بلدهم وهو في بلد آخر فليس من هذا الباب، فإن الكلام في نقل زكوات بعض أهل بلد إلى بلد آخر، فإنه هو الذي قد تترتب عليه المحاذير السابقة.