[المقدمة تذكرة الصوام بشيء من فضائل الصيام والقيام وما يتعلق بهما من أحكام]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة الحمد لله الذي فضل شهر رمضان على سائر الشهور، وجعله موسما للمنافسة في الخيرات، والتجارة التي لن تبور. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرحيم الرحمن، الذي خصَّ شهر رمضان بإنزال القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.
وصلى الله وسلم على عبد الله ورسوله، نبينا محمد الذي لا خير إلا دلّ الأمة عليه وسبقها إليه، ولا شر إلا حذرها منه وكان أبعدها عنه. ورضي الله على آل بيته الطيبين الطاهرين، وصحابته الأئمة المهديين، والتابعين لهم لإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذه تذكرة موجزة بشيء من فضائل الصيام والقيام، وما يتيسر مما يتعلق بهما من أحكام. جمعتها لنفسي من كتب مشايخي، ومَنْ سَلف من أهل العلم جزاهم الله خيرا، وضاعف مثوبتهم، وأحببت أن ينتفع بها من شاء الله من إخواني المسلمين، تبليغا للعلم وقياما بواجب النصيحة. وسميتها:
стр. 2
تذكرة الصُّوام بشيء من فضائل الصيام والقيام وما يتعلق بهما من أحكام".
وأسأل الله تعالى أن يجعلها خالصة لوجهه، مقبولة لديه، وأستغفر الله من الخطأ والزلل في القول والعمل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
عبد الله بن صالح القصير
стр. 3
[الفصل الأول أحكام الصيام]
[أولا حقيقة الصيام وحكمه]
الفصل الأول
أحكام الصيام أولا: حقيقة الصيام وحكمه.
ثانيا: من حكم فرضية الصيام.
ثالثا: فضائل الصيام.
رابعا: خصائص شهر رمضان.
خامسا: أحكام تتعلق بالصيام.
سادسا: أمور يفطر بها الصائم.
سابعا: أمور لا يفطر بها الصائم.
ثامنا: فضل قيام الليل.
تاسعا: فضل قيام رمضان.
عاشرا: فضل ليلة القدر.
стр. 4
أولا: - حقيقة الصيام وحكمه هو الإمساك عن الطعام والشراب والنكاح، وغيرها من المفطرات - بنية العبادة فريضة أو نافلة - من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.
قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧] (١) .
فأباح سبحانه التمتع بهذه الأمور في ليل الصيام إلى الفجر، ثم أمر بالإمساك عنها من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
وقد جاء في السُنة الصحيحة عن النبي ﷺ ذكر أمور أخرى يفطر بها الصائم، غير تلك المذكورات في الآية، تأتي الإشارة إليها في موضعها - إن شاء الله - وألْحق أهل العلم بها أمورا من جنسها قياسا عليها لاتفاقها في العلة.
стр. 5
وصيام رمضان هو الركن الرابع من أركان الإسلام، وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة، ودليل فرضيته قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] إلى قوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٤ - ١٨٥] (١) .
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» (٢) ولمسلم: «وصوم رمضان وحج البيت» (٣) . وأحاديث كثيرة بمعناه في الصحيحين، وغيرهما من دواوين الإسلام.
وأجمع المسلمون على فرضيته إجماعا قطعيا معلوما بالضرورة من دين الإسلام، فمن أنكر وجوبه فقد كفر. فإن العلم
стр. 6
بفرضيته من العلم العام، الذي توارثته الأمة خلفا عن سلف.
ويجب الصوم على كل مسلم بالغ عاقل مقيم قادر سالم من الموانع، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] (١) وقوله ﷺ كما في الصحيحين وغيرهما: «صوموا لرؤيته - يعني الهلال - وأفطروا لرؤيته. . .» الحديث (٢) .
تذكير: يجب على المسلم أن يصوم رمضان إيمانا واحتسابا، لا رياء ولا سمعة ولا مجاملة لأحد، ولا موافقة لأهله، أو متابعة لمجتمعه.
فإن الصائم لا ينال ثواب الصيام؛ ولا تجتمع له فوائده إلا إذا كان الحامل له إيمانه، بأن الله تعالى فرضه عليه رحمة منه به وإحسانا إليه، واحتسب الأجر على صيامه عند ربه، الذي وعد به الصائمين. كما في الصحيح عن النبي ﷺ قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (٣) وقد قال تعالى:
стр. 7
﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١٢] (١) سواء كانت صوما أو غيره، والإحسان هو المتابعة والتأسي برسول الله ﷺ .
وكذلك يتعين على الصائم - فرضا أو نافلة - أن يصون صومه عما حرم الله عليه من الأقوال والأعمال والوسائل التي تبطل الصيام، أو تقدح فيه أو تنقص ثوابه، فإن المقصود بالصيام هو طاعة الله تعالى، وتعظيم حرماته، وجهاد النفس على مخالفة الهوى في طاعته، وتعويدها الصبر على محابه وعن محارمه ابتغاء وجهه.
وليس المقصود مجرد ترك الطعام والشراب وسائر الشهوات فقط، بل إنما شرع ترك هذه الأمور لأنها وسيلة توصل إلى ذلك، وتعين عليه، ولقطع الشواغل عنه والصوارف إلى ضده.
ولذا صح في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «الصيام جنة؛ فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم» (٢) . لذا ينبغي للصائم أن يحفظ
стр. 8
صيامه، وأن يصون لسانه من جميع الكلام إلا ما ظهرت مصلحته، وترجحت فائدته. ففي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت» (١) .
وقد كان السلف الصالح رحمة الله عليهم إذا صاموا قعدوا في المساجد، وقالوا: نحتفظ صومنا ولا نغتاب أحدا، وذلك لأنه صح في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (٢) رواه البخاري.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والظمأ» (٣) .
стр. 9
وفي ذلك التحذير الشديد، والزجر الأكيد عن أن يعرض الصائم نفسه إلى ما قد يفسد صيامه، أو ينقص ثوابه من قول الزور والعمل به، كالكذب، والبهتان، والغيبة، والنميمة، والشتم، وفاحش القول، بل كل ما لا مصلحة فيه من الكلام فينبغي اجتنابه والحذر منه في كل زمان ومكان.
وإذا شَرُف الزمان كرمضان، أو المكان كمكة، فإن السيئات قد تعظم، كما أن الحسنات تتضاعف، وربما كسب المفرط من آثامه ما يفوق حسنات صيامه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 10
[ثانيا من حكم فرضية الصيام]
ثانيا: من حكم فرضية الصيام شرع الصيام لحكم عظيمة كثيرة، استوجبت أن يكون فريضة من فرائض الإسلام، وركنا من أركانه، فكم فيه من المنافع الجمة، وكم له من الآثار المباركة.
فالصيام عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه، بترك محبوباته ومشتهياته، طاعة لربه وإيثارا لمحبته؛ فيقدم ما يحبه خالقه ومولاه على ما تحبه نفسه وتهواه، فيظهر بذلك صدق إيمانه، وكمال عبوديته لله، وخالص محبته، وعظيم طمعه ورجائه فيما وعد الله به أهل طاعته، من الرحمة والرضوان والمغفرة والإحسان والأجر العظيم والنعيم المقيم في الجنان.
وفي الصيام ممارسة ضبط النفس والسيطرة عليها والتحكم فيها، والأخذ بزمامها إلى ما فيه خيرها وسعادتها وفلاحها في العاجل والآجل، حيث يُصبِّر المرء نفسه على فعل الطاعات، وترك الشهوات.
وفي الصحيح قال ﷺ : «واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا» (١) وقال ﵊: «وما أعطي أحد عطاء خيرا
стр. 11
ولا أوسع من الصبر» (١) . وفي التنزيل: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] (٢) و ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] (٣) . وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] (٤) .
وفي الصيام من كسر النفس والحد من كبريائها حتى تخضع للحق وتتواضع للخلق، ما لا نظير له؛ فإن الشبع والري ومباشرة النساء، يحمل كل منها جملة من الناس - غالبا - على الأشر، والعلو، وبطر الحق، وغمط الناس في كثير من الأحوال.
وفي الجوع والظمأ وهجر الشهوات - خصوصا على وجه العبودية لله - ما يكسر من حدتها ويكبح من جماحها، ويكون عونا للمرء عليها ويجعلها تستعد لطلب وتحصيل ما فيه غاية سعادتها، وقبول ما تزكو به في حياتها الأبدية. قال تعالى:
стр. 12
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا - وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠] (١) وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] (٢) .
والصيام يذكر العبد بعظيم نعم الله عليه وجزيل إحسانه إليه؛ فإنه إذا جاع وعطش وهجر شهوته ذكر الأكباد الجائعة والأنفس المحرومة، فكان ذلك من دواعي حمده لربه على نعمته وشكره له على جوده وكرمه، وكان ذلك من أسباب رقة قلبه مما يجعله يعطف على المساكين ويغيث الملهوفين فيواسيهم ويجود عليهم. وذلك من أسباب حفظ النعم وزيادتها، واندفاع النقم والسلامة من آفاتها.
فالصيام من أعظم أسباب تطهير النفوس من أدرانها، وتزكيتها بتهذيب أخلاقها، وتنقيتها من عيوبها، مع ما فيه من إصلاح القلوب وترقيقها، وزرع التقوى فيها وتقوية خشيتها من خالقها وباريها. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] (٣) .
فبين سبحانه أن الحكمة من فرض الصيام هي تحقيق التقوى.
стр. 13
والتقوى كلمة جامعة لكل خصال الخير من فعل الطاعات، وترك المعاصي والسيئات، والحذر من مزالق الشهوات، واتقاء الشبهات.
وللصوم أثر واضح في الإعانة على ذلك، فإنه يلين القلب ويذكره بالله، ويقطع عنه الشواغل التي تصده عن الخير أو تجره إلى الشر، ويحبب إلى الصائم الإحسان وبذل المعروف. ولذا يشاهد تسابق معظم الصائمين إلى الخيرات، وتجافيهم عن المحرمات، وبعدهم عن الشبهات، وتنافسهم في جليل القربات.
стр. 14
[ثالثا فضائل الصيام]
ثالثا: فضائل الصيام الصوم عبادة من أجل العبادات، وقربة من أشرف القربات، وطاعة مباركة لها آثارها العظيمة الكثيرة العاجلة والآجلة، من تزكية النفوس، وإصلاح القلوب وحفظ الجوارح والحواس من الفتن والشرور، وتهذيب الأخلاق. وفيها من الإعانة على تحصيل الأجور العظيمة، وتكفير السيئات المهلكة، والفوز بأعالي الدرجات ما لا يوصف.
وناهيك بعمل اختصه الله من بين سائر الأعمال فقال كما في الحديث القدسي الصحيح: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» (١) رواه البخاري. فكفى بذلك تنبيها على شرفه، وعظم موقعه عند الله، مما يؤذن بعظم الأجر عليه.
فإضافة الله تعالى الجزاء على الصيام إلى نفسه الكريمة تنبيه على عظم أجر الصيام، وأنه يضاعف عليه الثواب، أعظم من سائر الأعمال، ولذلك أضيف إلى الله تعالى من غير اعتبار عدد؛ فدل على أنه عظيم كثير بلا حساب.
стр. 15
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» (١) . فما ظنك بثواب عمل يجزي عليه الكريم الجواد بلا حساب: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] (٢) .
والإخلاص في الصيام أكثر من غيره؛ فإنه سر بين العبد وبين ربه لا يطلع عليه غيره إذ بإمكان الصائم أن يأكل متخفيا عن الناس، فإذا حفظ صيامه عن المفطرات ومنقصات الأجر، دل ذلك على كمال إخلاصه لربه، وإحسانه العمل ابتغاء وجهه. ولذا يقول سبحانه في الحديث القدسي السابق: «يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» (٣) . فنبه سبحانه على وجهة اختصاصه به وبالجزاء عليه وهو الإخلاص.
والصيام جنة، يقي الصائم ما يضره من الشهوات، ويجنبه الآثام التي تجعل صاحبها عرضة لعذاب النار، وتورثه الشقاء في
стр. 16
الدنيا والآخرة كما قال ﷺ : «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (١) . ومعناه أن الصوم قامع لشهوة النكاح فيقي صاحبه عنت العزوبة ومخاطرها.
وقال ﷺ : «الصيام جُنَّة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم» (٢) رواه البخاري.
وفي المسند عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الصيام جنة؛ يستجن بها العبد من النار» (٣) .
ومن فضائل الصوم، أنه من أسباب استجابة الدعاء، ولعل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] (٤) ما ينبه على الصلة الوثيقة بين الصيام وإجابة الدعاء.
стр. 17
ومن فضائل الصوم، أنه من أسباب تكفير الذنوب، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» (١) .
وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة ﵁ قال: «سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة؛ قال: " يكفر السنة الماضية والباقية ". وسئل عن صيام يوم عاشوراء؟ فقال: " يكفر السنة الماضية» (٢) .
ومن فضائل الصوم، أنه يشفع لصاحبه يوم القيامة، لما روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة. يقول الصيام: أي ربِّ؛ منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه. قال: فيشفعان» (٣) .
ومن فضائل الصوم، فرح الصائم بما يسره في العاجل
стр. 18
والآجل، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه» (١) . وهذا من الفرح المحمود لأنه فرح بفضل الله ورحمته، ولعل فرحه بفطره لأن الله منَّ عليه بالهداية إلى الصيام والإعانة عليه حتى أكمله، وبما أحله الله له من الطيبات التي يكسبها الصيام لذة وحلاوة لا توجد في غيره. ويفرح عند لقاء ربه حين يلقى الله راضيا عنه ويجد جزاءه عنده كاملا موفرا.
ومما ينبه على فضل الصيام، وطيب عاقبته في الآخرة قوله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (٢) . وإنما كانت هذه الريح طيبة عند الله تعالى - مع أنها كريهة في الدنيا - لأنها ناشئة عن طاعته فهي محبوبة لديه.
ولعل في الحديث ما يشير إلى أن هذا الخلوف يفوح يوم القيامة من فم صاحبه أطيب من ريح المسك، حين يقف بين يدي ربه، مثله مثل الشهيد حين يأتي يوم القيامة، ففي الصحيح عن
стр. 19
أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمي، اللون لون دم والريح ريح مسك» (١) متفق عليه.
ومن فضائل الصيام، أن الله اختص أهله بابا من أبواب الجنة لا يدخل منه سواهم، فينادون منه يوم القيامة إكراما لهم، وإظهارا لشرفهم، كما في الصحيحين عن سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة بابا يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؛ فيقومون فيدخلون، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد» (٢) .
وانظر كيف يقابل عطش الصُّوام في الدنيا باب الريان، في يوم يكثر فيه العطشى؟ جعلنا الله ممن يشرب يوم القيامة شربة لا يظمأ بعدها أبدا بمنِّه وكرمه وجوده وفضله ورحمته، فإنه لطيف بعباده وهو أرحم الراحمين.
стр. 20
[رابعا خصائص شهر رمضان]
رابعا: خصائص شهر رمضان لما كان للصوم تلك الفضائل العظيمة والعواقب الكريمة؛ التي سبقت الإشارة إلى طرف منها، فرضه الله على عباده شهرا في السنة، وكتبه عليهم كما كتبه على الذين من قبلهم، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] (١) .
فجعل سبحانه صيام رمضان فريضة على كل مسلم ومسلمة، بشروطه المعتبرة، التي جاء بها الكتاب والسنة، فدل على أنه عبادة لا غنى للخلق عن التعبد بها، لما يترتب على أدائها من جليل المنافع وطيب العواقب، وما يحدثه من خير في النفوس، وقوة في الحق، وهجر للمنكر، وإعراض عن الباطل.
ومما اختص الله به شهر رمضان، ما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة» (٢) . رواه
стр. 21
البخاري.
وفيه أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين» (١) .
ولا يخفى ما في ذلك من تبشير المؤمنين بكثرة الأعمال الصالحة الموصلة إلى الجنة، وما يتيسر لهم من أسباب الإعانة عليها والمضاعفة لها، وما جعله الله في رمضان من دواعي الزهد في المعاصي والإعراض عنها، وضعف كيد الشياطين وعدم تمكنهم مما يريدون.
ومن فضائل صوم رمضان، ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (٢) . فمن صام الشهر مؤمنا بفرضيته محتسبا لثوابه وأجره عند ربه، مجتهدا في تحري سنة نبيه ﷺ فيه فليبشر بالمغفرة.
وإذا كان ثواب الصيام يضاعف بلا اعتياد عدد معين، بل يؤتى الصائم أجره بغير حساب، فإن نفس عمل الصائم يضاعف في
стр. 22
رمضان، كما في حديث سلمان المرفوع وفيه: «من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير، كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة، كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه» (١) . فيجتمع للعبد في رمضان مضاعفة العمل ومضاعفة الجزاء عليه. ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] (٢) .
ومن فضائل رمضان، أن الملائكة تطلب من الله للصائمين ستر الذنوب ومحوها، كما في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال في الصوام: " وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا " (٣) رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة.
والملائكة خلق أطهار كرام؛ جديرون بأن يقبل الله دعاءهم، ويغفر لمن استغفروا له، والعباد خطاؤون محتاجون إلى التوبة والمغفرة كما في الحديث القدسي الصحيح، يقول الله تعالى:
стр. 23
«يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم» (١) . فإذا اجتمع للمؤمن استغفاره لنفسه واستغفار الملائكة له، فما أحراه بالفوز بأعلى المطالب وأكرم الغايات.
وهو شهر المواساة والإحسان، والله يحب المحسنين؛ وقد وعدهم بالمغفرة والجنة والفلاح.
والإحسان أعلى مراتب الإيمان، فلا تسأل عن منزلة من اتصف به في الجنة وما يلقاه من النعيم وألوان التكريم، ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] (٢) .
ويتيسر في هذا الشهر المبارك إطعام الطعام وتفطير الصوام، وذلك من أسباب مغفرة الذنوب وعتق الرقاب من النار، ومضاعفة الأجور، وورود حوض النبي ﷺ الذي من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا. نسأل الله بمنه وجوده أن يوردنا إياه.
وإطعام الطعام من أسباب دخول الجنة دار السلام، ورمضان شهر تتوفر فيه للمسلمين أسباب الرحمة وموجبات المغفرة، ومقتضيات العتق من النار، فما أجزل العطايا من المولى الكريم
стр. 24
الغفار.
وهو شهر الذكر والدعاء وقد قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] (١) وقال سبحانه: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] (٢) وقال سبحانه: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] (٣) وقد قال تعالى في ثنايا آيات الصيام: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] (٤) مما يدل على الارتباط بين الصيام والدعاء.
وفي شهر رمضان ليلة القدر التي قال الله في شأنها: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٥) قال أهل العلم معنى ذلك: أن العمل فيها خير وأفضل من العمل في ألف شهر وهي ما يقارب ثلاثا وثمانين سنة خالية منها، وكفى بذلك تنويها بفضلها وشرفها، وعظم شأن العمل فيها لمن وفق لقيامها نسأل الله تعالى أن يوفقنا على الدوام لذلك بمنِّه وجوده.
وجاء في الصحيح عن النبي ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانا
стр. 25
واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (١) . وهذا من فضائل قيامها، وكفى به ربحا وفوزا.
ومن خصائصه، فضل الصدقة فيه عنها في غيره، ففي الترمذي عن النبي ﷺ «سئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: " صدقة في رمضان» (٢) .
وثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن. وكان جبرائيل يلقاه كل ليلة من شهر رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة» . ورواه أحمد، وزاد: «ولا يسأل شيئا إلا أعطاه» (٣) . والجود: سعة العطاء بالصدقة وغيرها.
وفي زيادة جوده ﷺ في رمضان اغتنام لشرف الزمان، ومضاعفة العمل فيه والأجر عليه، فقد روي عنه ﷺ كما في
стр. 26
حديث سلمان أنه قال في رمضان: «من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه» (١) . ولأن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا والوقاية من النار، ففي الحديث الصحيح: «الصوم جنة» (٢) . أي: وقاية من النار. وفي الصحيح أيضا قال ﷺ : «اتقوا النار ولو بشق تمرة» (٣) .
ومن خصائص رمضان، أن العمرة فيه تعدل حجة، فقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة» (٤) . وفي رواية: «حجة معي» .
стр. 27
ومن خصائصه، أنه شهر القرآن: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥] (١) فللقرآن فيه شأن في إصلاح القلوب والهداية للتي هي أقوم لمن تلاه وتدبره وسأل الله به، وكم جاء عن النبي ﷺ من بيان لفضل تلاوة القرآن لقوله ﷺ : «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» (٢) . وقوله ﷺ : «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي شفيعا لأهله يوم القيامة» (٣) . وقوله ﷺ : «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما» (٤) وقوله ﷺ : «خيركم من تعلم القران وعلّمه» (٥) . وكلها أحاديث صحيحة،
стр. 28
متضمنة لأعظم البشارات لتالي القرآن عن تفكر وتدبر، فكيف إذا كان في رمضان؟
جعلنا الله من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.
стр. 29
[خامسا أحكام تتعلق بالصيام]
[صوم المسافر]
خامسا أحكام تتعلق بالصيام صوم المسافر: المسافر في رمضان يجوز له أن يفطر، ويقضي عدد الأيام التي أفطرها، سواء دخل عليه الشهر وهو في سفره أو سافر في أثنائه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (١) .
وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: «كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم» (٢) . وثبت في السنن، أن من الصحابة من كان يفطر إذا فارق عامر قريته، ويذكر أن ذلك سنة رسول الله ﷺ .
فللمسافر أن يفطر ما دام في سفره ما لم يقصد بسفره التحايل على الفطر، فإن قصد ذلك فالفطر عليه حرام معاملة له بنقيض قصده، والجمهور على أن الشخص إذا قرر الإقامة في بلد أكثر من أربعة أيام فإنه يصوم لانقطاع أحكام السفر في حقه.
стр. 30
وقال بعض أهل العلم: الأفضل للمسافر فعل الأسهل عليه من الصيام أو الفطر لما في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كانوا - يعني أصحاب رسول الله ﷺ يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن» (١) .
ولما في سنن أبي داود عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: «يا رسول الله، إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر عليه وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر - يعني رمضان - وأنا أجد القوة، وأنا شاب فأجد بأن الصوم يا رسول الله أهون علي من أن أؤخره فيكون دينا علي، أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري أم أفطر؟ قال: "أي ذلك شئت يا حمزة» (٢) .
فإن شق عليه الصوم حَرُم عليه ولزمه الفطر لما في الصحيح «أن النبي ﷺ لما أفطر في سفره حين شق الصوم على الناس، قيل له: إن بعض الناس قد صام فقال النبي ﷺ : " أولئك العصاة، أولئك
стр. 31
العصاة» (١) .
ولما في الصحيحين عن جابر «أن النبي ﷺ كان في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه، فقال: "ما هذا؟ " فقالوا: صائم. فقال: "ليس من البر الصيام في السفر» (٢) .
وأما إذا تساوى الصوم والفطر بالنسبة له من حيث المشقة وعدمها، فالصوم أفضل اغتناما لشرف الزمن، ولأن صيامه مع الناس أنشط له وأسرع في براءة ذمته، ولأنه فعل النبي ﷺ في بعض أسفاره.
وذهب الإمام أحمد وجماعة من أهل العلم ﵏ إلى أن الفطر للمسافر أفضل، وإن لم يجهده الصوم أخذا بالرخصة. ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (٣) وفي الحديث: " إن الله يحب أن تؤتى رخصه " (٤) ولأنه آخر
стр. 32
الأمرين من النبي ﷺ ولما ثبت أن من الصحابة من يفطر إذا فارق عامر قريته، ويذكر أن ذلك سنة رسول الله ﷺ .
[صوم المريض]
ب- صوم المريض: المريض الذي دخل عليه شهر رمضان، وهو مريض، أو مرض في أثنائه له حالتان:
إحداهما: أن يرجى زوال مرضه، فهذا إذا خاف مع الصيام زيادة مرضه، أو طول مدته، جاز له الفطر إجماعا. وجعله بعض أهل العلم مستحبا، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (١) ولما رواه الإمام أحمد وغيره عن النبي ﷺ قال: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته» (٢) . فيكره له الصوم مع المشقة لأنه خروج عن رخصة الله، وتعذيب من المرء لنفسه.
أما إن ثبت أن الصوم يضره، فإنه يجب عليه الفطر، ويحرم عليه الصيام، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] (٣) ولما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: " إن
стр. 33
لنفسك عليك حقا " (١) . فمن حقها أن لا تضرها، مع وجود رخصة الله تعالى، وإذا أفطر لمرضه الذي يرجى زواله، قضى بعدد الأيام التي أفطرها ولا كفارة عليه.
الثانية: أن يكون المرض لا يرجى زواله، كالسل والسرطان والسكر وغيرها من الأمراض - نعوذ بالله من عضال الداء وشر الأسقام - فإذا كان الصوم يشق عليه فإنه لا يجب عليه؛ لأنه لا يستطيعه، وقد قال تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (٢) بل يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه؛ لأنه ليس له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، وفي هذا وأمثاله يقول تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ (٣) قال ابن عباس ﵄ في هذه الآية: ليست بمنسوخة، هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم (٤) رواه البخاري. والمريض الذي لا يُرجى برؤه في حكم الكبير. وهذا مذهب الجمهور. قال ابن القيم ﵀: ولا يُصار إلى الفدية إلا عند اليأس من القضاء.
стр. 34
[صوم الكبير]
ج- صوم الكبير: الكبير الذي لا يستطيع الصوم، أو لا يستطيع إتمام كل يوم لهرمه وضعفه، ولكن معه عقله وتمييزه، ولكن يشق عليه الصيام، فهذا أفتى ابن عباس وغيره من الصحابة ﵃: أنه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه، إقامة للإطعام مقام الصيام رحمة من الله وتخفيفا.
قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ (١) "نزلت في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يطيقان الصيام، أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا" (٢) . أي ولا قضاء عليهما. وثبت في الصحيح «أن أنس بن مالك ﵁ لما كبر وضعف عن الصيام أفطر وأطعم ثلاثين مسكينا» (٣) .
стр. 35
أما إذا كان الكبير قد فقد التمييز، وحصل منه التخريف والهذيان، فهذا لا يجب عليه صيام ولا إطعام، لسقوط التكليف عنه بزوال تمييزه وتخريفه، فأشبه الصبي قبل التمييز. فإن التكليف مرتبط بالعقل، فإذا أخذ ما وهب سقط ما وجب.
وأما إذا كان يميز أحيانا، ويخرف أحيانا، فإنه يجب عليه الصوم، أو الإطعام في حالة تمييزه، دون حال تخريفه، والصلاة أيضا كذلك.
[صوم المرأة]
د- صوم المرأة: الحيض من علامات البلوغ للنساء، فمتى ما رأت الفتاة الدم على وجه معتاد ولو كانت سنها دون الخامسة عشرة بل ولو كانت دون عشر سنين فهو حيض تصبح به الفتاة بالغة، فهي امرأة مكلفة يجب عليها الصيام، كما تجب عليها الصلاة وغيرها من الأحكام، التي يشترط لها البلوغ، قالت عائشة ﵂: "إذا حاضت الجارية فهي امرأة".
стр. 36
لكن يحرم على المرأة الصيام مدة الحيض، ولا يصح منها حتى تطهر كالصلاة. قال ﷺ في النساء: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم. . .» (١) . الحديث. فيجب على المرأة أن تفطر مدة الحيض، فإذا طهرت قضت بعدد الأيام التي أفطرتها لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (٢) وسئلت عائشة ﵂: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك - تعني الحيض - فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (٣) .
وإذا حدث للمرأة الحيض أثناء النهار، ولو قبل غروب الشمس بوقت يسير، وهي صائمة صوما واجبا بطل صيامها، ذلك اليوم - أي لا تعتد به وأجرها على الله - ولزمها قضاؤه بعد طهرها.
стр. 37
وإذا طهرت المرأة من الحيض، قبل طلوع الفجر ولو بيسير، من أيام رمضان وجب عليها الصيام، ولا بأس بتأخير الاغتسال إلى ما بعد طلوع الفجر، حتى تتمكن من السحور. والنفساء كالحائض في جميع ما تقدم من أحكام.
وإذا كانت المرأة حاملا أو مرضعا، وخافت على نفسها الضرر من الصيام، فإنها تفطر وتقضي ما أفطرته من أيام أخر.
أما إذا كان فطر المرأة الحامل أو المرضع، خوفا على ولدها، لا على نفسها، فالجمهور على أنها تطعم مع القضاء، عن كل يوم مسكينا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الحامل والمرضع تخاف على ولدها الضرر مع الصيام: تفطر وتقضي عن كل يوم يوما، وتطعم عن كل يوم مسكينا. وذهب جماعة من أهل العلم أن عليها الصيام، - أي القضاء فقط - دون الكفارة، كالمسافر، والمريض الذي يُرجى برؤه، ولعل هذا هو الراجح، ولا يتسع المقام لبسط أدلة ذلك، وهو رأي سماحة والدنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀.
стр. 38
[سادسا أمور يفطر بها الصائم]
[الأكل والشرب]
سادسا: أمور يفطر بها الصائم ١ - الأكل والشرب: وما كان بمعناهما، من مقوٍّ، أو مغذٍّ، إذا وصل إلى الجوف، من أي طريق كان، سواء الفم والأنف، أو الوريد، أو غير ذلك. وكان عن قصد واختيار فإنه يفطر به الصائم، لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (١) ولقوله ﷺ مخبرا عن ربه أنه قال في الصائم: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» (٢) . فالصيام ترك هذه الأمور، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فمن تناول شيئا منها أثناء النهار قاصدا مختارا لم يكن صائما.
[الجماع ومقدماته]
٢ - الجماع ومقدماته: فإنه مفسد للصيام بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (٣) فدلت الآية على حل التمتع بهذه
стр. 39
الأمور، حتى طلوع الفجر، ثم يصام عنها إلى الليل. فإذا جامع في نهار الصيام، فسد صومه وصار مفطرا بذلك، فعليه القضاء لذلك اليوم والكفارة، لانتهاكه حرمة الصوم في شهر الصوم.
فقد اتفق العلماء على أن من جامع في نهار رمضان فعليه القضاء والكفارة في الجملة، والكفارة مرتبة وهي:
أ) عتق رقبة مؤمنة.
ب) فإن لم يجدها فصيام شهرين متتابعين.
بر) فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، لكل مسكين مدٌّ من طعام، وهو ربع الصاع مما يجزئ في الفطر، لما في الصحيح من قصة «الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: هلكت وأهلكت. فقال: "ما لك؟ " قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : "هل تجد رقبة تعتقها؟ " قال: لا. قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا. قال: "فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ " قال: لا. . .» (١) .
وفي الحديث، أن الوطء في نهار رمضان من الصائم كبيرة من كبائر الذنوب، وفاحشة من الفواحش المهلكات؛ لأن النبي ﷺ
стр. 40
أقر الرجل على قوله: "هلكت" ولو لم يكن كذلك لهون عليه الأمر.
[إنزال المني في اليقظة]
٣ - إنزال المني في اليقظة: بمباشرة، أو تقبيل، أو بالاستمناء - وهي التي يسمونها العادة السرية أو جلد عميرة - ونحو ذلك، يفطر به الصائم وعليه القضاء؛ لأنه عن عمد واختيار.
[إخراج الدم من الجسد]
٤ - إخراج الدم من الجسد: بالحجامة ونحوها فإنه يفطر به الصائم، لقوله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» (١) . قال الإمام أحمد والبخاري وغيرهما عن هذا الحديث: إنه أصح شيء في الباب. فالحديث نص في الفطر بالحجامة، وهو مذهب أكثر فقهاء أهل الحديث، كأحمد وإسحاق وابن خزيمة وغيرهم من فقهاء الأمة، وكان فقهاء