← Адаб

Адаб · id 30927

أصول البحث الأدبي ومصادره - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (350 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

-[أصول البحث الأدبي ومصادره]- كود المادة: GARB٥٤٢٣ المرحلة: ماجستير المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية الناشر: جامعة المدينة العالمية عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

الدرس: ١ مقدمة في أصول البحث الأدبي ومصادره . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الأول (مقدمة في أصول البحث الأدبي ومصادره) كلمة "بحث": معناها، ودلالتها الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه، وبعد: فأريد أن ألقي الضوء على كلمة "بحث" نتعرف على: معناها، ودلالتها، والمجال المعرفي الذي يتحرك في إطاره الباحث: لو رجعنا إلى المعاجم اللغوية لوجدنا أن كلمة بحث يدور معناها في اللغة حول معنيين؛ أولهما: طلب الشيء والتفتيش عنه، ففي (لسان العرب): "البحث طلبك الشيء في التراب". وفي كتاب الله يقول : ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ (المائدة: ٣١) ﴿يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ﴾ أي: يحفر فيها بمنقاره كأنه يفتش أو يطلب شيئًا في باطنها. ومن ذلك البحث عن المعادن وغيره. أما الدلالة الثانية لهذه الكلمة، فتعني السؤال عن الشيء والاستخبار عنه. بحث عن الخبر أي سأل وبحثه يبحثه بحثًا أي: سأل، وكذلك استبحثه واستبحث عنه، وبين المعنيين ترابط واضح، فمن أراد أن يطلب شيئًا غاب عنه أو يفتش عن شيء لا يقع تحت إدراكه؛ فإنه يبدأ بالمرحلة الأولى من مراحل هذا الكشف وهو التفتيش، يبدأ بالتفتيش والبحث أو التنقيب، فإن تعذر على الإنسان إيجاده

стр. 3

بواسطة التفتيش أو البحث أو التنقيب؛ يلجأ إلى المرحلة الثانية وهي السؤال عن ذلك الشيء؛ لكي يتعرف عليه ويدرك أبعاده. من خلال هذا المدلول نعلم أن كلمة بحث تدل على أن هناك شيئًا ما غاب عن الإدراك، وإن كان موجودًا في الحقيقة، شيء يفترض وجوده، وهي عبارة عن الفرضية التي يفترضها الباحث في بداية بحثه، ويحاول الكشف عنها، هذا الشيء الذي غاب عن الإدراك هو الحقيقة التي يفترض الباحث وجودها، ويسعى جاهدًا للكشف عنها، سالكًا عدة طرق، معتمدًا على ما لديه من حجج تؤكد صحة نتائجه، ومن ثم فالباحث يبدأ من حيث انتهى الآخرون، ويأتي بنتائج جديدة وأفكار مبتكرة، أما إن اكتفى بنقل ما ذكره الآخرون في قضية ما فإن ذلك لا يسمى بحثًا، وإنما يسمى تلخيصًا أو تقريرًا، هذا ما يفيده مدلول كلمة بحث، فمن أراد أن يبحث عن شيء موجود أو حقيقة علمية مقررة هذا لا يسمى بحثًا، يسمى تلخيصا يسمى تقريرا عن هذه الحقيقة. أما في الاصطلاح فيمكن أن نعرف كلمة بحث بأنه: عبارة عن تقرير يكتبه الباحث في قضية من القضايا الأدبية، يتناول من خلاله دراسة أجزائها، موظفًا ما لديه من إمكانات علمية للوصول إلى غاية معينة يسعى إليها، أو رأي واضح يهدف إليه، هذا هو المفهوم الذي اصطلح عليه علماء البحث الأدبي، أو البحث العلمي عامة. فالبحث العلمي لابد له من مجال علمي أو معرفي، يتحرك الباحث في إطاره -هذه حقيقة- يحلق في سمائه، ويدرك أبعاده ويستكشف كوامنه، فالبحث

стр. 4

الجغرافي مثلا مجاله علم الجغرافيا، والبحث الطبي مجاله العلوم الطبية، والبحث الأدبي مجاله الأدب بشعره ونثره، والدراسات التي دارت حولهما، وأعلام كل فن وقضاياه المختلفة، فالمجال المعرفي الذي يدور حوله البحث الأدبي هو الأدب. العرب والثروة الأدبية هل يملك العرب ثروة من علم الأدب تمكننا من النظر فيه، واستكشاف حقائقه، واستنباط مقاييسه والتعرف على قضاياه؟ هل يملك العرب ثروة من هذا المجال المعرفي تستحق الدراسة أو تستحق البحث؟ نعم لقد ترك العرب ثروة أدبية هائلة تفوقوا بها على سائر الأمم، وهي جديرة بالبحث للتعرف على ما فيها من قيم فنية وإنسانية، تؤكد عبقرية العربي، وقدرته على استيعاب الحياة، ومعايشتها فكريًا ووجدانيًا، والتعبير عنها في قالب فني. وإذا نظرنا إلى هذا التراث أو هذه الثروة العظيمة التي تركها أو امتلكها العرب؛ نجد أنها قد تطورت بتطور حياتهم عبر العصور المختلفة حتى يومنا هذا، ففي العصر الجاهلي أَوْلى العرب الشعر كبير عنايتهم، فهو مصدر عزتهم، وسِجِل مفاخرهم وأحسابهم وأنسابهم، وصورة صادقة لحياتهم، وفي صدر الإسلام واكب الأدب الحياة الجديدة، التي انعكست على موضوعاته وأفكاره ولغته وأخيلته، بل إن الإسلام أدى إلى قيام نهضة عامة في دنيا المعرفة والعلم، في ظلال الفكرة الإسلامية والمجتمع الذي آمن بها وهضمها، وسعى إلى تعزيزها ونشرها، ونتج عن ذلك ظهور حركتين أساسيتين في عصر صدر الإسلام: حركة دينية، وحركة ثقافية فكرية.

стр. 5

أما في عصر بني أمية -نحن نمر على الأدب مرورًا سريعًا؛ لكي نستكشف أو نتعرف على ما لحقه من تطور سريع، وفي نفس الوقت نتعرف على عناية العرب به- ظل الأدب وبخاصة الشعر محتفظًا بكثير من طوابعه البدوية، ومحافظًا على القالب الفني الموروث، ومع ذلك واصل السير في ميادين التطور السياسي والاجتماعي والديني والفكري، وأكبر دليل على ذلك أن الدكتور شوقي ضيف كتب كتابًا في هذا الشأن بعنوان (التطور والتجديد في الشعر الأموي)، كشف فيه عما لحق الشعر من تطور، وما طرأ عليه من جديد في ذلك العصر. ثم جاء العصر العباسي، ومنحت الدولة الحرية لرعاياها، وفتحت الباب على مصراعيه أمام الأجناس غير العربية، فاختلط العرب بغيرهم من الأعاجم، وامتزجت الأجناس واللغات والثقافات والحضارات، وذابت الفوارق بينها، وانصهرت جميعها في بوتقة عربية إسلامية، وتحولت إلى جنس عربي وثقافة عربية إسلامية، وحضارة عربية إسلامية، وشمل ذلك التغير والتطور والتجديد كل مناحي الحياة، وبالطبع لابد أن ينعكس على الأدب في ذلك العصر، فرأينا أدبًا مُجَدَّدًا، يعني أدبًا كان موجودًا في العصور السابقة، وأدخل العباسيون عليه بعض التجديدات، ثم رأينا أدبًا جديدًا في موضوعاته، وأفكاره ولغته وموسيقاه. فإذا وصلنا إلى العصر الحديث، ووقفنا على النهضة الأدبية التي تعددت أسبابها، وعرجنا على تأثر العرب بالغرب إبداعًا ونقدًا، ورأينا الأجناس الأدبية الجديدة التي جاءت نتيجة هذا التأثر، كالمسرحية والملحمة، والقصة والرواية، وغير ذلك مما أبدع العقل العربي، بالإضافة إلى النظريات والمذاهب النقدية الكثيرة؛ إذا عرفنا كل ذلك وغيره أدركنا قيمة هذا التراث، ووقفنا على قدرة

стр. 6

العقل العربي على الإبداع، ومواكبة الأعصر في تطورها من خلال ما أنتجته عقولهم. هذه لمحة سريعة عن ذلك التراث، أو عن ذلك المجال المعرفي الذي يدور حوله البحث الأدبي، وهو تراث عريق لأمة عريقة، وهو تراث جدير بالبحث، بل إنه في أشد الحاجة لاكتشاف عوالمه، والوقوف على جهود رجالاته، ويقوم بهذه المهمة رجال البحث العلمي والأدبي بوجه خاص، وإذا علمنا أن العرب في بداية حياتهم الفكرية لم يكن لديهم من وسائل الحفظ ما نملكه الآن، نحن الآن كما ترون في عصر المعرفة والتقنيات الحديثة، نمتلك كثيرا من الوسائل المتقدمة في حفظ المعلومات ونشرها، مما يساعد على ذيوع كل معلومة في وقت قصير والاحتفاظ بها إلى أمد طويل. أما العرب في حياتهم الأولى، فلم تكن متوفرة لديهم مثل هذه الوسائل، التي يمكنهم من خلالها حفظ هذا التراث، سنون مضت وتقلبات حدثت، وبلدان خربت على يد الأعداء، وكل ذلك كفيل بضياع ذلك التراث، حتى وإن كان العرب يمتلكون أدوات حفظه، فكيف وصل إلينا ذلك التراث؟ عصر الجاهلي ثم عصر صدر الإسلام ثم عصر بني أمية ثم العصر العباسي، حتى وصلنا إلى العصر الحديث، ونحن نعلم أن هذه العصور مر خلالها العرب بفترات ضعف وقوة، وحروب وتقلبات لا حصر لها، فكيف وصل إلينا ذلك التراث الذي هو جدير بالبحث كما قلت؟ وما الطرق التي ساعدتهم على حفظه وحمايته من الضياع. وهناك شيء أحب أن ألفت النظر إليه، ونحن نتحدث عن التراث الأدبي عند العرب الذي يمثل المجال المعرفي للبحث الأدبي، ذلك الشيء الذي أود الإشارة إليه هو: هناك من يظن أن هذا التراث من السهولة بمكان؛ لكثرة دورانه

стр. 7

على الألسنة، وتردد مسمياته وأجناسه الأدبية على ألسنتنا، فكثير من الناس يعتقد أنه إذا استمع إلى بيت من الشعر، أو قرأ قصة أو رواية أو مقالة أو خطبة؛ يظن أنه بإمكان أي إنسان أن يتمعنها ويتذوق ما فيها من جماليات فنية، هذا ظن خاطئ، هذا ظن غير صحيح؛ الحقيقة أن الأدب فن وصنعة وثقافة، لا يعرفها إلا أهل العلم بالأدب وحدهم، كما أشار إلى ذلك ابن سلام في طبقاته، ومهما حَلَّق الإنسان حولها أو تعمق فيها فلا يمكنه سبر أغوارها؛ فهي في أشد الحاجة إلى البحث والتأمل، والتذوق والتحليل، فالأديب ليس شخصًا عاديًا ولا يتحدث حديث الشخص العادي، وإنما يختلف حديثه باختلاف المواقف والمعاني، والأحاسيس والمشاعر. الطرق التي ساعدت العرب على حفظ تراثهم كيف استطاع العرب أن يحافظوا على تراثهم، وينتقل هذا التراث من جيل إلى جيل حتى وصل إلينا الآن؟ بمقدار ما للتراث من قيمة وأهمية تكون عناية الأمم به، والعمل على صيانته وحفظه من الضياع، والتراث العربي روح الأمة وشريان حياتها النابض، ومن ثم أولته جل عنايتها، وسعت للحفاظ عليه بكل ما لديها من وسائل أو طرق، تتناسب مع حياتهم في كل عصر. ومن أهم الطرق التي استعان بها العرب في حفظ تراثهم: الرواية الشفوية، ويقصد بالرواية الشفوية السماع والحفظ، ثم الاستظهار والنقل، وتعد الرواية الشفوية أول وسيلة من وسائل حفظ التراث الأدبي لدى العرب، وخاصة الشعر، بالإضافة إلى حفظ الأنساب والأخبار،

стр. 8

وتسجيل الوقائع التي كان الرواة يحرصون على تلقينها لمن يصغرهم، أو لأبنائهم، أو لمن يقوم بهذه المهمة في الأعصر التالية. وقد فرضت البيئة الجاهلية على العرب استخدام الرواية كوسيلة لحفظ تراثهم ونشره، بمعنى أن العرب في العصر الجاهلي -خاصة- لم يكن لديهم من الوسائل المتاحة غير وسيلة الرواية الشفوية، صحيح الكتابة كانت موجودة لكنها نادرة، ومن الصعب الحصول على أدواتها التي يستعان بها في الكتابة، كان ذلك صعبًا، وكان الله قد منح العربي قدرة على الحفظ، هذه طبيعة العربي وتلك عاملا مساعدًا، كون الله ميز الأعرابي بهذه الذاكرة القوية، وذلك القدر من الذكاء وصفاء الذهن، مكن العربي من الاستعاضة عن الكتابة بهذا القدر من الحفظ والاستذكار والنقل. والعرب كانوا يحرصون على ذلك حرصًا شديدًا، فيقول ابن رشيق القيرواني في كتاب (العمدة): "كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان؛ لأنه حماية لأعراضهم، وذب عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشادة بذكرهم، وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ فيهم، أو فرس تنتج". إن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على عناية العرب بهذا التراث الأدبي؛ لأنه يسجل أحسابهم وأنسابهم ومفاخرهم، ومآثرهم ومثالب أعدائهم. وكان الرواة في الجاهلية طبقات: الطبقة الأولى: وهم الشعراء، ومنهم الشعراء المحترفون الذين تجمع بينهم حرفة الفن الشعري، يعني يمتلكون الموهبة الشعرية، وهي التي تجمع بينهم. فكان هؤلاء الشعراء المحترفون يلزمون شاعرًا بعينه أو غيره من الشعراء، ويروون عنهم

стр. 9

حتى ينفتق لسانهم ويسيل عليه ينبوع الشعر، يعني يتعلمون كيفية النظم واختيار الكلمات والأوزان والقوافي من خلال الحفظ. ويمثل هؤلاء الشعراء المحترفون: أوس بن حجر التميمي، وزهير بن أبي سلمى، والحطيئة، وهدبة بن خشرم، وغيرهم كثير من الشعراء في ذلك العصر، ومن هذه الطبقة أيضًا -طبقة الشعراء المحترفين- شعراء لكنهم ليسوا محترفين، جمع بينهم النسب، يعني ينتمون إلى قبيلة واحدة، يروي خلفهم شعر سلفهم، حتى يظل شعر القبيلة محفوظًا لديهم؛ لأنه -كما أشار ابن رشيق- يحمل مفاخرهم وأخبارهم وأحسابهم وأنسابهم، ويخلد مآثرهم، فكانوا يروون الشعر لخلفهم جيلا بعد جيل، ويمثل هؤلاء الشعراء: الأعشى، الذي كان يروي شعر خاله المسيب بن عَلَس، وأبو ذؤيب الهذلي الذي كان راوية لساعدة بن جؤية الهذلي، وطرفة بن العبد الذي كان يروي للمرقش الأصغر عمه وخاله المتلمس. ومن هذه الطبقة الأولى -أي طبقة الشعراء- شعراء لم يجمع بينهم نسب، ولم تجمع بينهم حرفة الفن الشعري، وإنما جمع بينهم سلوك معين في الحياة، فكان يروي بعضهم عن بعض، كالشعراء الصعاليك مثلا، حيث كان يأخذ بعضهم عن بعض، كما نلاحظ عند تأبَّطَ شرا والشنفرى، وأبي دؤاد الإيادي، وزيد الخيل. الطبقة الثانية من طبقات الرواة الذين قاموا بدور كبير في حفظ ذلك التراث الأدبي: هم أفراد القبيلة أنفسهم، أفراد كل قبيلة كانوا يحرصون على حفظ أشعار الشعراء، الذين ينتمون إلى هذه القبيلة وروايتها؛ لأنها تسجل مناقب قومهم، وانتصاراتهم في حروبهم، كما تسجل مثالب أعدائهم، فكان أفراد القبيلة جميعًا -شعراء وغير شعراء- يحفظون هذه الأشعار، وتنتقل من جيل إلى جيل عبر الأجيال المختلفة. أما الطبقة الثالثة فيمكن تسميتها: طبقة الحفظة، وهم الذين كانوا يرتادون المحافل والأسواق، وينشدون الأشعار التي يروونها عن جميع الشعراء، لا يلزمون

стр. 10

شاعرا بعينه ولا قبيلة بعينها، وإنما كانوا يحفظون عن كل الشعراء، ويؤثرون الأشعار التي تسجل المآثر والمثالب، والأحساب والأنساب والأيام والأخبار، وكان هذا شاغلهم ولم يكن لهم شاغل سواه، وهم الذين قال عمر بن الخطاب فيهم: "كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه"، فكانوا يحرصون -هذه الطبقة من الرواة- على إذاعة هذه الأشعار، ونقلها من بيئة إلى بيئة ومن قبيلة إلى قبيلة، ومن بلد إلى بلد، فذاعت وانتشرت، وتنوقلت على الألسن، وحفظتها الذاكرة عبر الأجيال المختلفة. هذا بالنسبة للعصر الجاهلي، وظلت هي الأداة المستخدمة كما رأينا في حفظ الأشعار، أو التراث الأدبي عمومًا، ثم ظهر الإسلام، وبعد ظهوره استمرت رواية الشعر، وأجاز النبي ﷺ ذلك، وكان كثيرا ما يستنشد الصحابة شعرًا ﵃، كما شجع عليه صحابةُ رسول الله ﷺ ، فكان أبو بكر النسابة ﵁ وكان راوية للشعر، وكذلك كان عمر بن الخطاب ﵁، ثم زادت الحاجة إلى الرواية بعد إنشاء الدواوين في عهد عمر بن الخطاب ﵁؛ إذ كانوا يرجعون إلى الرواة لمعرفة الأنساب؛ لأنها كانت تقوم بدور مهم في رواتب الجند الفاتحين، وفي مراكز القبائل بالمدن الجديدة مثل: البصرة والكوفة، ولم تعد الرواية قاصرة على الشعر فقط في عصر صدر الإسلام، وإنما اتسعت لتشمل القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، معنى ذلك أن الرواية كانت تمثل أداة مهمة في حفظ التراث الأدبي في عصر صدر الإسلام، بالإضافة إلى حفظ القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة. وظل الحال على ذلك طوال عصر صدر الإسلام، ثم قامت الدولة الأموية، وكانت نزعتها عربية خالصة، فعملت جاهدة على حفظ هذا التراث، واستخدمت الرواية وسيلة لهذا الحفظ، واهتم خلفاء بني أمية بذلك اهتمامًا لا حد له، كما فعل معاوية وعبد الملك بن مروان وغيرهما من الخلفاء، إذ كانوا

стр. 11

كثيرًا ما يسألون وفود القبائل التي تفد عليهم عن بعض شعرائها، وكانوا إذا اختلفوا في بيت من الشعر أبردوا بريدًا إلى العراق، يعني أرسلوا بريدا إلى العراق يسألون علماءها عن صحة ذلك البيت، وإن دل ذلك فإنما يدل على شدة حرصهم ودقة روايتهم، كما اهتموا بتأديب أبنائهم من خلال مؤدبين يروونهم أشعار الجاهلية وأيامها وأخبارها. ومما ساعد على ازدهار الرواية في ذلك العصر أيضًا: ظهور طائفة القصاص، الذين كانوا يجلسون للعظة في المساجد الجامعة، وكانوا كثيرا ما يروون الأشعار وينثرونها للإفادة بما فيها في وعظهم، كما ظهرت جماعة في ذلك العصر أيضًا عنيت بغزوات الرسول ﷺ وما قيل فيها من أشعار، ومن هؤلاء: أبان بن عثمان بن عفان وعروة بن الزبير، وهناك جماعة أخرى اهتمت بأخبار العرب الماضين، وما كان يجري على ألسنة شعرائهم، كل هؤلاء كانوا يستخدمون الرواية في حفظ هذا التراث وفي نقله إلى غيرهم، كما ظهرت طائفة أخرى من الرواة لم يكونوا يحسنون نظم الشعر، فهم لا يروونه لغرض تعلمه، وإنما يروونه لنشره بين الناس، وهؤلاء يشير إليهم جرير بقوله: خروج بأفواه الرواة كأنها ... قَرَى هندواني إذا هُز صَمما هذه هي وظيفتهم، يحفظون أشعار الشعراء، ويروونها وينشرونها بين الناس، هذا ديدنهم، كان ذلك في عصر بني أمية، وكما رأينا اتسع مجال الرواية، واتسع أصناف الرواة وتعددت غاياتهم المختلفة، وكلهم يعتمد على الرواية، أي الحفظ والنقل والاستظهار. ثم جاء العصر العباسي، ونشأت طبقة من الرواة المحترفين، الذين يتخذون رواية الشعر عملًا أساسيًا لهم، فيهم عرب وفيهم موال، فيهم قراء للقرآن، وغير قراء، وهم جميعا حضريون، يعني كانوا يعيشون في البصرة والكوفة، وكانوا

стр. 12

يضيفون إلى رواية الأشعار كثيرا من الأخبار عن الجاهلية وأيامها، ومن هؤلاء الرواة: أبو عمرو بن العلاء، وحماد الراوية، وخلف الأحمر، ومحمد بن السائب الكلبي، والمفضل الضبي، وكانوا يرحلون إلى القبائل والأعراب في البادية وإلى نجد أحيانًا؛ ليأخذوا الأشعار والأخبار من ينابيعها الصحيحة، هذا في بداية العصر العباسي. ولا نكاد نمضي في ذلك العصر حتى يكون هؤلاء الرواة مدرستين متقابلين: مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة، واستطاع رواة هاتين المدرستين جمع مادة كثيرة من الأشعار والأخبار وأيام العرب، اعتمد عليها المدونون فيما بعد. أخذوا هذه الأشعار والأخبار من ينابيعها الصحيحة، هكذا قامت الرواية الشفوية بدور كبير في حفظ التراث الأدبي للعرب، منذ العصر الجاهلي وحتى سنوات عدة من بداية العصر العباسي، وهذه الرواية الشفوية تمثل وسيلة مهمة في حفظ ذلك التراث، وهي الوسيلة الأولى. أما الوسيلة الثانية من طرق حفظ التراث عند العرب فهي التدوين، بمعنى الكتابة، أي تسجيل ذلك التراث، بمعنى نقله من الذاكرة إلى كلام مكتوب مدون. بدأ التدوين الفعلي للنصوص في فترة مبكرة من حياة العرب، ففي عهد أبي بكر الصديق ﵁ جمع القرآن الكريم ودون في كتاب واحد، بعد أن كان مفرقًا في صدور الحفظة، وفي النصف الثاني من القرن الأول الهجري عرف العرب بدايات التدوين، حيث يطالعنا عدد كبير من الرواة العلماء والأدباء من العرب والموالي على حد سواء، يعيشون في الحضر، وهم على دراية كاملة ومعرفة واسعة بالبادية، يرحلون إليها ويلتقون بأهلها أو يلقونهم في الحواضر والأسواق؛ ليجمعوا ما لديهم من أشعار وأخبار، ثم يقومون بتدوينها، ويعملون على حفظها مدونة أي: مكتوبة، ودرسها وشرحها لتلاميذهم وإذاعتها على الناس.

стр. 13

وما إن استكملت الحياة الثقافية في كل من مدينتي البصرة والكوفة، حتى اشتد التنافس بين علماء ورواة المدرستين في سبيل جمع وتدوين التراث العربي القديم، بدءوا يرحلون إلى البوادي، لكن ليس من أجل الحفظ فحسب، وإنما من أجل الحفظ للتدوين، وبخاصة حفظ الأشعار والشعر الجاهلي. ومن علماء مدرسة البصرة الذين كان ذلك هدفهم: الأصمعي، الذي نقل الكثير عن فصحاء الأعراب الذين كانوا يفدون إلى البصرة، كما أكثر الخروج إلى البادية وشافه أهلها ونقل عنهم، ودون ما تجمع لديه، وله مجموعة شعرية منتقاة من الشعر الجاهلي سميت باسمه (الأصمعيات). ومن رجال مدرسة الكوفة المبرزين في ذلك المجال: المفضل الضبي، وهو عربي صميم أسهم بشكل واضح في حركة التدوين، وقام بجمع كثير من أشعار العرب وأخبارهم، وتتلمذ على يديه مجموعة من العلماء والرواة منهم: أبو عمرو إسحاق الشيباني، وابن الأعرابي، والفراء، وأبو زيد القرشي، وغيرهم من أعلام اللغة والأدب، وخلال عملية البحث والتدوين هذه -التي أشرنا إليها- حرص هؤلاء العلماء على أن يلتزموا في عملهم هذا منهجًا محددًا، وقائمًا على أصول ثابتة، مما يجعلنا نطمئن لمنهجهم في جمع هذا التراث وتدوينه، ومدى الاهتمام به، ونثق في صحته وسلامة ما وصل إلينا منه عن طريق هؤلاء الرواة. أقول هذا حتى لا يؤثر فينا ما نسمعه من كلام في مثل هذه القضية، وهي قضية نسبة الأشعار إلى غير أصحابها، أو ما يعرف بقضية الانتحال، هذا المنهج الذي حرص عليه هؤلاء العلماء منهج دقيق، يتلخص في نقطتين مهمتين؛ النقطة الأولى: تحديد مصادر هذا التراث وتعيين أماكن وجوده، كانوا يحددون المصدر أين يوجد، وفي أي مكان، ثم يشدون الرحال إلى هذه الأماكن، إلى تلك البوادي والمناطق المعزولة، نعم كانت معزولة نسبيا عن اختلاط اللغة في العصر

стр. 14

العباسي بالذات؛ لأن العرب اختلطوا بالموالي وظهر اللحن، فكان هؤلاء الرواة يفضلون أن يذهبوا إلى هذه المناطق المعزولة نسبيا؛ حتى تكون اللغة لغة بعيدة وصحيحة وخالية من اللحن؛ ليأخذوا اللغة من أفواه الأعراب الذين لم تفش فيهم عجمة أو لحن، هذا هو المنهج الأول. المنهج الثاني: فحص ما جمعه الرواة من نصوص فحصًا دقيقًا؛ لتوثيق مصدره ومتنه على أيدي خبراء ذوي بصر باللغة والشعر، فكشفوا عن زائفه ومنحوله، وميزوا الرواة الذين عرفوا بالضبط والثقة من الذين لم يعرفوا بهذا، مِن الذين اشتهروا بالوضع والنحل، فجرَّحوهم ونبهوا وأشاروا إليهم، ولم يكونوا يتهاونوا في ذلك على الإطلاق، ونحن نعلم أنه بمقدار تراث الأمة -كما قلت- وأهميته بالنسبة لهم يكون الاهتمام بهذا التراث رواية وتدوينًا وتمحيصًا، فكانوا جادين في عملهم، كانوا جادين في فحص الروايات، كانوا جادين في امتحان الرواة والتشدد في ذلك تشددًا واضحًا، وكانت نتيجة هذه الحركة النشطة أن وصل إلينا كم ضخم من هذا التراث، عكف عليه الدارسون كل يعمل في مجال تخصصه. فاللغويون يستخلصون منه معجم ألفاظ اللغة، ويميزون قواعد نحوها من صرفها وضوابط شعرها، وخصائصها الأسلوبية والبيانية، وآخرون منهم اختصوا بدراسته وتحليله، فشرحوا ألفاظه وفسروا غريبه، واهتم غيرهم بتذوقه ونقده، كما اتجه آخرون إلى تراجم الشعراء وجمع المرويات عنهم. وهكذا نحن الآن صرنا ضمن هؤلاء الباحثين، ننظر في هذا التراث ونبحث فيه؛ لنستكشف عوالمه، ونستنبط المقاييس الفنية، والأجناس الأدبية التي ابتكروها وتوصلوا إليها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 15

الدرس: ٢ العرب والبحث العلمي - مناهج التأليف عند العرب (١) .

стр. 16

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني (العرب والبحث العلمي - مناهج التأليف عند العرب (١)) هل كان العرب مجرد مبدعين أم أنهم عرفوا طريق البحث العلمي ؟ الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه وبعد: فهل وقف العرب عند ذلك الحد حد جمع المعلومات ولم تكن لهم رؤية علمية في النظر في هذا الإبداع؟ بمعنى: هل كان العرب مجرد مبدعين أم أنهم عرفوا طريق البحث العلمي وأسسه واتجاهاته؟ عرف العرب البحث العلمي منذ فترة مبكرة من حياتهم، لا أقول: إنهم عرفوه في العصر الجاهلي مثلا، لا فإن البيئة التي عاشوها لم تكن لتؤهلهم إلى معرفة هذه النهضة العلمية، التي رأيناها في العصور التالية، ولكنهم عرفوها إبان نهضتهم وحضارتهم الإسلامية، عندما جاء الإسلام ولفت أنظارهم إلى البحث والتأمل والنظر، وأطلق لها الحرية في التأمل ومعرفة ما وراء الكونيات، فقد انطلق العرب -من خلال فهمهم لهذا الدين الإسلامي- يمهدون الطريق في هذا المجال أمام الغربيين، الذين أفادوا منهم إفادة عظيمة باعتراف المنصفين منهم، الغربيون أنفسهم يعترفون بفضل الحضارة والعلماء العرب على الحضارة الغربية مثل: "برنارد لويس" "سيديو" وغيرهما كثير. وعندنا كتب كثيرة تحدثت عن هذه القضية، عندنا كتاب (قصة الحضارة) لـ "ديوران"، (الإسلام والحضارة العربية) لـ "وثوب"، (حضارة العرب) "جوستاف لوبون"، فضل العرب على حضارة الغرب كثير، عندنا كثير من المؤلفات موجودة، وفيها اعترافات من الغرب أنفسهم بأن العرب قد تفوقوا عليهم، وأنهم أفادوا منهم إفادة كبيرة في مجال البحث العلمي. ولم يكن تفوق العرب في مجال البحث الأدبي فحسب، صحيح هم اتجهوا إلى جمع التراث الأدبي وبخاصة الشعر، ولكن بحثهم وانطلاقاتهم العلمية تجاوزت حدود الأدب، فكانت لهم أبحاث في العلوم، كان تفوقهم في شتى مجالات البحث العلمي، وأصبحوا في القرن التاسع الميلادي حراس العلم، وسدنة المعرفة والمهيمنين على معظم مراكز الثقافة والبحث العلمي، في الوقت الذي كان

стр. 17

العلم في أوربا في سبات عميق، وأصبحت اللغة العربية هي لغة العلم والثقافة والحضارة. هذا الكلام لا أدعيه، وإنما هناك أدلة كثيرة عليه تؤكده وتثبت صحته، ويكفي أن نذكر من هذه الأدلة عرض بعض الأسماء لعلماء العرب الذين لا يوجد قرين لهم بين أبناء الغرب، من أمثال: جابر بن حيان، والكندي، والخوارزمي، والرازي، وثابت بن قرة، وحنين بن إسحاق، والفارابي، والطبري، وابن البيطار، والبيروني، وابن سينا، وابن الهيثم، وغيرهم كثير ممن ذاع صيته وعمت شهرته الآفاق، هؤلاء العلماء عرفوا بما قدموه للعلم والعلماء، وقاموا بدور واضح في ازدهار الحضارة الإنسانية عامة، حتى صار الشرق الإسلامي في العصور الوسطى مهدًا للعلم والفكر، وأصبحت اللغة العربية لغة الحضارة، ونمت في أحضانها فروع العلم المختلفة، هذه حقيقة قررها الغربيون أنفسهم، وأكدها تراث هؤلاء العلماء الموجود الآن، والذي يلقى العناية والرعاية من الغربيين قبل العرب أنفسهم. كانت النتيجة الطبيعية لعناية العرب بالبحث العلمي واهتمامهم به أن نمت العلوم الإسلامية، ونشأ العديد من العلوم الإنسانية ومن بينها: علوم الأخلاق والفلسفة، وآداب السلوك، وسياسة الملك وغيرها، واتسع مجال البحث في العلوم التطبيقية، مِن طب وهندسة وفلك وطبيعة وكيمياء وحساب وجبر ومنطق إلى غير ذلك، واتسعت بذلك مجالات الابتكار العلمي أمام الجميع. ولا شك في أن دعوة العقيدة الإسلامية إلى البحث والتأمل، وتشجيعها للعلم والعلماء وتنظيمها للعقل وحرية الفكر، لا شك في أن ذلك جعل العلماء يتقدمون في طريق البحث العلمي بخطى واثقة، وانطلقوا يدرسون شتى ظواهر

стр. 18

الكون بعقلية متحررة، ويؤيدون النظريات العقلية بالعديد من التجارب العلمية، هذه حقيقة، فالإسلام له الفضل الأكبر في تحرير هذه العقول، وفي دفعها دفعًا إلى البحث العلمي، ولم يمض قرن من الزمان على تعريب التراث العلمي للأمم الأخرى، مِن فرس وهند ويونان وأتراك وغيرهم، هذه حقيقة. نحن نعلم أن البيئة العباسية كانت عبارة عن محطة كبيرة، التقت فيها جميع الأجناس والثقافات والحضارات واللغات، الفرس والهنود والترك واليونان، كل أمة من هذه الأمم لها ثقافتها ولها فكرها ولها حضارتها، لها خصائصها التي تتميز بها، التقت كل هذه الأشكال والأصناف في البيئة العباسية فذابت الفوارق، وتحولت إلى الخصيصة العربية في اللغة وفي الحضارة، في كل شيء، الثقافة أصبحت عربية إسلامية، الحضارة أصبحت عربية إسلامية، الدين أصبح عربيا، وهذا حقيقي، لم يمض قرن من الزمان على تعريب هذا التراث العلمي للأمم، الفرس كانوا يستخدمون العربية، والهنود كانوا يستخدمون العربية، واليونان والأتراك وغيرهم. وقدم العلماء المسلمون كل جديد في العلوم الطبيعية والرياضية، ودخلوا التاريخ العلمي روادًا لآفاق لم يصل إليها أحد من قبل، وإليهم يرجع الفضل في تأصيل مبادئ المنهج التجريبي الاستقرائي، هذه حقيقة لابد أن نعترف بها، المنهج التجريبي الاستقرائي الذي يدعي كثير من الغربيين أن الفضل يرجع إليهم في تأصيله، الحقيقة أننا إذا نظرنا إلى ما قدمه علماؤنا العرب في هذه الأعصر الأولى؛ نجد أنهم هم الذين قاموا بالتأصيل لهذا المنهج التجريبي الاستقرائي، ووضعوا أوليات الكتب التجريبية في الطب، وفي التشريح، وفي الصيدلة وفي الكيمياء، وفي الطبيعة وفي النجوم والفلك والملاحة والجغرافيا، وغيرها من

стр. 19

المؤلفات، منطلقين من حيث انتهى إليه الأمم التي سبقتهم، وهذا منهج علمي دقيق، يعني لم يكونوا عالة على الهنود أو اليونان أو الفرس إطلاقًا، وإنما كانت لهم رؤيتهم المستقلة. وكتبهم في هذا المجال تشهد بعبقريتهم، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر (المختصر في حساب الجبر والمقابلة) الخورازمي، وقد ترجم هذا الكتاب إلى اللغة اللاتينية، وله رسالة أخرى تسمى (الرسالة المنهجية في الحساب الرياضي)، وترجمت إلى اللاتينية أيضا، وكتاب (الحركات السماوية وجوامع علم النجوم) الفرغاني، وترجم أيضا إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي، وكتاب (القانون المسعودي في الهيئة والنجوم) للبيروني، وكذا كتابيه (الآثار الباقية) و (الجماهر في معرفة الجواهر)، في هذه الكتب حديث عن الفلك وحساب المثلثات وحساب التوقيت والرياضة والجغرافيا، وكل هذه المعلومات وغيرها تؤكد عمق فكره ومتانة منهجه، بالإضافة إلى ما كتبه الكندي في المد والجزر، وابن سينا في علم الطبيعة والنبات والحيوان والمجال الطبي. وكانت براعتهم في الجانب الأدبي لا تقل عن براعتهم في الجانب العلمي التطبيقي والتجريبي، هذه حقيقة، وكتب التراث التي نحن الآن ننظر إليها ونتعامل معها، ونحاول فهم ما جاء بها تعلمًا وتذوقًا؛ لأكبر دليل على أن تفوقهم لم يكن في الجانب العلمي، أو التجريبي أو التطبيقي فحسب، وإنما كان في الجانب الأدبي قبل أن يكون في هذه الجوانب العلمية الأخرى، وجدير بالذكر أن هؤلاء العلماء الذين كتبوا في الفلك، أو في الجغرافيا أو في الطب أو في النبات أو في الحيوان أو غيرها من العلوم، كانوا أدباء في المقام الأول، ومنهم من نظم الشعر، فكانوا علماء يتصفون بالموسوعية.

стр. 20

وقد شهد بعبقرية هؤلاء العلماء "دوذي"، شهد بهذا التقدم العلمي للعرب، فله كتاب يسمى (تاريخ المسلمين في أسبانيا)، ذكر فيه أن الأوروبيين في العصور الوسطى كانوا يقعون تحت سيطرة البابوات، وكانوا تائهين في ظلام الجهالة، لا يرون النور إلا من سم الخياط، وكان النور لا يسطع إلا من جانب المسلمين، من علوم وآداب وفلسفة وصناعات، وكانت بغداد والبصرة والقاهرة ودمشق، وفارس، وقرطبة -كل هذه بلدان إسلامية كان المسلمون حكامها وتقع تحت إمرتهم- تمثل المراكز العظيمة للعلوم والمعارف، في وقت كانت فيه العواصم الأوروبية أشبه بالقرى الخالية من كل ما يشد الناس إليها، ويربطهم بها. فالعرب كان لهم السبق في مجال البحث العلمي لا شك في هذا، وأنهم أصلوا المناهج التجريبية التطبيقية. أدوات البحث العلمي عند العرب إذا ثبت لدينا أن العرب كان لهم باع في مجال البحث العلمي، ونحن نعلم أن البحث العلمي لابد له من أدوات بحثية، الآن البحث العلمي صار علما وله مناهج، فهل كان العرب ينطلقون في بحثهم هذا من خلال معرفة بمجموعة من الأدوات، أم ماذا كانوا يصنعون؟ ثبت لدينا حقيقة أنه كانت لهم تجارب بحثية رائعة، أفاد منها الغرب قبل العرب، فهل كان العرب يمتلكون أدوات البحث العلمي التي تؤهلهم لأن يكونوا أساتذة وروادًا في هذا المجال؟ من الأسباب التي مكنت العلماء العرب من الوصول إلى هذا المستوى في مجال البحث العلمي: دقة الأداة، وصحة المنهج، فقد استخدموا عدة أدوات تتفق مع بيئتهم وثقافتهم، يمكن إجمالها فيما يلي:

стр. 21

الأداة الأولى التي استخدمها العرب في مجال البحث العلمي، ومكنتهم من التفوق في هذا المجال على غيرهم: هي الروح العلمية، التي تتسم بالحيدة ونزاهة العقل، فقد أقبلوا على البحث بروح علمية واثقة وثابة، وفكر واع مستنير، مستعد لقبول الحق واعتقاده، متجرد من تأثير الأحكام المسبقة، وهذه مهمة جدا، هذه الأداة لابد أن يتصف بها كل باحث علمي مدقق حصيف واع، أن يمتلك الروح العلمية المحايدة والعقل النزيه، يقبل على البحث في ثقة وفكر واع، ويكون عنده استعداد لقبول الحقيقة أيًا كانت، طالما أن الحجة قد قامت عليها لابد أن يقبلها، بهذا استطاع العرب أن يبحثوا، وأن يستنتجوا وأن يتفوقوا، وأن يسيطروا على العالم كله في مجال البحث العلمي عندما اتصفوا بهذه الصفة. الأداة الثانية التي استخدمها العرب في بحوثهم: الشك في الموضوع، والشك قائم منذ أن تبدأ البحث في الأدب، وقلنا: إن كلمة بحث تعني أن هناك حقيقة مفترض وجودها، هي موجودة لكنك لا تدركها، فأنت تشك هل هي موجودة حقيقة؟ فإن كانت موجودة فعليك أن تأتي بالدليل، وتقيم الحجة على وجودها، فأنت تبدأ بالشك ثم تأتي بالأدلة حتى يتحول الشك إلى يقين. فالشك في الموضوع، أو في هذه الحقيقة المفترضة التي يتتبعها الباحث في بحثه؛ هذه أداة أخرى من أدوات البحث العلمي، وقد استخدمها العرب قديما، وكانت ضمن الوسائل التي مكنتهم من التفوق في هذا المجال، فادعى الآن في العصر الحديث "بيكون" و"ديكارت" أن الشك، أو المنهج الشكي من ابتكارهما، وهذا ادعاء خاطئ، والحقيقة أنهما كانا في ذلك تلميذين للباحثين العرب، وبخاصة النَّظَّام، والجاحظ والغزالي والخوارزمي، والبيروني، وعلماء كثر من المسلمين العرب وغير العرب، كان الشك أساسًا من أسس البحث العلمي عندهم.

стр. 22

فنأخذ مثلا الغزالي أوضح في كتابه (المنقذ من الضلال)، هذا دليل نستطيع أن نثبت من خلاله أن أداة الشك، أو هذا المنهج العلمي دليل أكيد على أن العرب قد سبقوا "ديكارت" و"بيكون" بأزمان طويلة، فيقول الغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال) أنه مر بمرحلة الشك في الأمور حتى يقوم الدليل على صحتها، فيقول: "إن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه، ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين فهو علم لا ثقة به، ولا أمان معه، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني". وعند النظام وعند الجاحظ كثير، وهذا معروف في كتب النظام والجاحظ. الأداة الثالثة من أدوات البحث العلمي التي استخدمها العرب: التجربة، التجربة تبدأ بالملاحظة ثم بعد ذلك الاستقراء ثم الموازنة، ثم التركيب، ثم الاستنباط القائم على المقدمات للوصول إلى نتيجة ثابتة، وهي النتيجة التي يظل الباحث يسعى وراءها، حتى تثبت لديه بالأدلة اليقينية، بعد مرحلة طويلة من الشك والتجريب، ومحاولة الموازنة، ومحاولة الاستنباط، هذا المنهج التجريبي كان من المناهج التي اعتمد عليها الجاحظ في بحوثه، وتحصيل العديد من معلوماته، اعتمد عليه اعتمادًا يكاد يكون كليًّا بالإضافة إلى الشك. وكان دائمًا يدعو الناس إلى أن يجربوا بأنفسهم، ويعد ذلك تأصيلًا لهذا المنهج، ومحاولة لزرع هذه الأداة في نفوس كل من يطلب العلم، فكانت المعاينة عنده تشكل العنصر الأول من عناصر البحث العلمي، يضم إليها التجربة والعرض والمقابلة والتصنيف، ومن ثم فإنه يعد أحد أعمدة علم الأحياء العرب، ومن أهم كتاباته في ذلك المجال كتاب (الحيوان)، الذي أكد فيه وحدة الطبيعة، وأوضح العلاقة بين المخلوقات المختلفة، وظلت آراؤه في التجربة منهجًا علميًا مقررًا لدى الباحثين من بعده.

стр. 23

وهو بهذا في الحقيقة يسبق "بيكون" الذي توفي سنة ألف وستمائة وست وعشرين، و"بيكون" هذا هو الذي نادى بأنه يجب علينا ألا نستند إلى أحكام المتقدمين ونسلم بآرائهم؛ لأنهم لا يعاينون الأمور عيانًا كافيًا، فما ينبغي لنا أن نكون أصحاب أفكار مسبقة نؤمن بها، بل يجب علينا أن نلجأ إلى المعاينة وإلى التجربة، ثم إلى استنباط النتائج العامة من الأمور التي نعاينها ونجربها، هذا كلام "بيكون"، و"ديكارت" له كلام يشبه هذا الكلام، فلسفته كانت تقوم على العقل. يقول: "لا تصدقوا إلا ما كان واضحًا"، فالوضوح إنما هو أصل الأمر في اليقين، فما ينبغي لقوة من القوى الظاهرة أن يكون لها سلطان على حرية تفكيرنا. هذا الكلام الذي قاله "بيكون" و"ديكارت" في القرن السابع عشر الميلادي -يعني بعد الجاحظ بمئات السنين- ليس جديدا في مجال البحث العلمي، هذه هي الحقيقة، ولكن إذا تأملنا كلام الجاحظ لوجدنا أنهما عالة على الجاحظ في أفكاره هذه، فمن كلام الجاحظ في كتاب (الحيوان): "لا أجعل الشيء الجائز كالشيء الذي تثبته الأدلة، ويخرجه البرهان من باب الإنكار". الشيء الجائز يعني هو الشيء الذي فيه احتمالان: احتمال أن يكون هو أو لا يكون، يعني الذي فيه شك، يعني لم تقم عليه الحجة. هذا كلام الجاحظ ولو تأملناه لوجدنا أنه أكثر دقة من كلام "بيكون" و"ديكارت"، فهو صاحب المنهج التجريبي فعلا القائم على التجريب. هذه مجموعة من الأدوات والأسس التي اعتمد عليها علماء العرب في بحثهم العلمي، بالإضافة إلى أداتين مهمتين كانتا ضمن أدوات حفظ التراث الأدبي لدى العرب، وهما أيضا أداتان مهمتان من أدوات البحث العلمي عند العرب؛ وهما: الرواية ثم الكتابة، نعم في المراحل الأولى اعتمد علماء العرب على الرواية في بحوثهم العلمية، ثم في مرحلة تالية اعتمدوا على الكتابة.

стр. 24

إذن اتضح أن العرب كانوا أصحاب سبق في مجال التأليف العلمي، وكان لهم سبق أيضا في معرفة الأدوات العلمية، أو أدوات البحث العلمي التي ينبغي أن يستخدمها الباحث حين بحثه. اتجاهات التأليف عند العرب "اتجاه الاختيارات الأدبية المجرد " هناك فرق بين المنهج والأداة: المنهج يأتي نتيجة تطور علمي وفكري وثقافي غير قليل حقيقة، الأمم التي تقدمت فكريًا وثقافيًا وعلميًا هي أفضل الأمم في معرفة المناهج العلمية السديدة، الموصلة إلى النتائج اليقينية التي لا شك فيها، فما موقف العرب من المناهج العلمية حين التأليف؟ هل كانت لهم مناهج حين استخدموا هذه الأدوات التي أشرت إليها؟ أم أن التأليف عندهم جاء تأليفًا انطباعيًا لم يكونوا يعرفوا منهجًا من المناهج؟ التدوين بدأ في فترة مبكرة من حياة العرب، وبدأ التأليف الحقيقي منذ أن بدأ التدوين يظهر في البيئة العربية، فلو رجعنا إلى عصر بني أمية لوجدنا أنه شهد حركة كبيرة في مجال التأليف، ولم تكن هذه الحركة قاصرة على علوم الدين واللغة والأخبار والأنساب فحسب، وإنما كانت لهم إسهاماتهم في مجال العلوم الأخرى كالكيمياء والطبيعة، فقد روي أن يزيد بن معاوية كتب أكثر من كتاب في الكيمياء والعلوم المعملية، ذكر منها ابن النديم كتاب (الحرارات)، وهذا دليل على أن العرب بدءوا يطرقون باب التأليف منذ فترة مبكرة، تواكب بداية التدوين عندهم. مما يؤكد ذيوع التأليف في عصر بني أمية: اشتهار عدد كبير من العلماء باقتناء المكتبات الخاصة والعامة، من هؤلاء: ابن شهاب الزهري التابعي، وكان من

стр. 25

أكابر الرواة الحفاظ الفقهاء، الوليد بن يزيد أبو عمرو بن العلاء وغيرهم، ومن المكتبات العامة في عصر بني أمية التي احتوت على ألوان شتى من العلوم والفنون، وارتادها طالب العلم مكتبة عبد الحكيم بن عمرو بن عبد الله بن صفوان، ويؤكد اهتمام بني أمية بالتأليف أيضًا وتفوقهم فيه -بجانب هذين- يؤكد هذا امتلاكهم لأهم أداة من أدوات التأليف؛ وهي الكتابة الفنية، وهذه أهم دليل. كلكم يعرف أن الكتابة الفنية في عهد بني أمية نهضت نهضة واضحة، واشتهر بها عدد من الكتاب مثل: يحيى بن يعمر العدواني وعبد الله الطالبي، وعبد الحميد بن يحيى الكاتب الذي وضع أسس الكتابة الفنية، هذه حقيقة، فكيف ترقى الكتابة إلى هذا المستوى ونقول: إن العرب لم يعرفوا المجال التأليفي؟! هذا لا يصح ولا يجوز، فرُقي الكتابة الفنية على يد عبد الحميد الكاتب -الذي وضع الأسس الفنية لها- لدليل أكيد على أن التأليف العلمي في ذلك العصر كان لا يقل في رقيه عن الكتابة الفنية بأي حال من الأحوال. فإذا جئنا إلى العصر العباسي وجدنا أن التأليف قد اتسع اتساعًا عظيما جدا، ونشطت الحركة العلمية نشاطا ملحوظًا، وظهرت الترجمة في عهد الرشيد والمأمون بعد أن أقيمت دار الحكمة، وترجم كثير من العلوم والفنون إلى اللغة العربية، كما اتسعت أرجاء الدولة العباسية، وامتدت مراكز الثقافة إلى الأقاليم التابعة لها، يعني لم تعد الثقافة قاصرة على البصرة والكوفة وبغداد، هذه مدن كبيرة مشهورة بالعلم والعلماء والتأليف والكتابة، ولكن اتسعت الأماكن والبلدان التي ظهر فيها كتاب ومؤلفون، امتدت امتدادًا لا حد له أقاليم تابعة، وأخذت هذه الأقاليم تنافس بغداد في التأليف.

стр. 26

إذن ظاهرة التأليف عند العرب لا يمكن إنكارها، الأدلة قائمة على أنها موجودة لدى العرب منذ أن بدأ التدوين يظهر، أو منذ أن اعتمد العرب على التدوين، في العصر الأموي ظهر التدوين وظهر معه بعض الكتب المؤلفة، ثم زادت الحركة في نهاية العصر الأموي، ثم اتسعت اتساعًا لا حد له، ونشطت نشاطا عظيمًا ملحوظًا في العصر العباسي، وكثير من المصادر تشهد بذلك. أما عن المناهج صحيح كانت لهم كتب، ونحن نتساءل هل كانت لديهم مناهج حين كتبوا هذه الكتب أم أنها كانت مجرد انطباعات شخصية صبوا فيها أفكارهم دون اتباع منهج أو دون الالتزام بمنهج؟ حقيقة يمكن أن نطلق عليها مناهج انطباعية بمعنى أنهم قد اكتشفوا طريقهم بأنفسهم. ليس معنى أنها مناهج انطباعية أننا لا يمكننا أن ندرجها تحت أي منهج من المناهج العلمية المتبعة، لا أقصد هذا، هي مناهج انطباعية صحيح ناتجة عن انطباع، لكن انطباع فكر راق، انطباع نفس واثقة وثابة نحو التقدم العلمي والرقي، انطباع علماء أجلاء كانوا في غاية الحرص على تعليم الأجيال أصول البحث العلمي، فليس معنى قولي: إنها مناهج انطباعية يعني لا ترقى إلى مستوى المناهج العلمية الحديثة، وإنما اكتشفوها بأنفسهم، ومهدوا الطريق لمن جاء بعدهم من خلال هذه المناهج وتوصلوا إلى ذلك عن طريق ذكائهم وخبرتهم وثقافتهم وعلمهم الذي ليس له حدود. لا يمكننا أن نقول: إنهم جميعًا اتبعوا منهجًا واحدًا، ولكن اختلفت اتجاهات هؤلاء العلماء وتعددت مناهجهم تبعًا لتعدد ثقافتهم واختلاف بيئتهم وغاياتهم، والموضوع الذي يكتبون فيه، كل عالم من هؤلاء العلماء كان يعيش في بيئة تختلف عن بيئة العالم الآخر، أو حتى إن كان يعيش في نفس البيئة، فكان يكتب

стр. 27

في موضوع يختلف عن الموضوع الذي يكتب فيه العالم الآخر، كان يملك لونًا من الثقافة يختلف عن ثقافة الآخر كانت لديه أو أمامه غاية أو لديه رؤية يود الوصول إليها من خلال هذه الكتابات وهكذا الاتجاهات تعددت، وتعددت المناهج تبعًا لتعدد هذه الاتجاهات والثقافات واختلاف البيئات. من خلال الاطلاع -الحقيقة- على المصادر الأدبية التي ورثناها عن العرب، والتي تمثل الثروة العربية الكبرى التي ينبغي أن نحافظ عليها من خلال الاطلاع على هذه المصادر يمكن إرجاعها إلى عدة اتجاهات بارزة نلخصها في التالي: الاتجاه الأول: اتجاه يسمى اتجاه الاختيارات الأدبية المجردة. الاتجاه الثاني: يسمى اتجاه الطبقات والتراجم. الاتجاه الثالث: يسمى اتجاه الدراسة الأدبية والنقدية. الاتجاه الرابع: اتجاه يسمى اتجاه الموسوعات العلمية. لو نظرنا إلى هذه الاتجاهات المتعددة لوجدنا أن كل مؤلف في تلك الاتجاهات يسلك منهجًا قد يتفق وقد يختلف مع غيره حتى في الاتجاه الواحد، يعني مثلا لو أخذنا الاختيارات الأدبية المجردة ووجدنا أن أكثر من عالم قد كتب فيها كتابًا أو أكثر فمن الممكن أن تتفق المناهج المتبعة في الاتجاه الواحد، ومن الممكن أن تتعدد المناهج بتعدد العلماء واختلاف ثقافاتهم وغاياتهم. الاتجاه الأول: الذي يسمى الاختيارات الأدبية المجردة. ما معنى الاختيارات الأدبية المجردة وما المقصود بها؟ الاختيارات الأدبية المجردة عبارة عن مجموعة من المختارات الشعرية التي انتقاها جامعوها من التراث الشعري القديم واعتمدوا في هذا الاختيار على ذوقهم الخاص، لماذا لجئوا إلى هذا المنهج أو إلى هذا الاتجاه؟ لماذا فكروا في جمع هذا التراث؟

стр. 28

الحقيقة أننا لو نظرنا إلى الغاية عند هؤلاء العلماء لوجدنا أن غايتهم نبيلة، فكانوا يجمعون هذه الأشعار ويودون حفظها أو يدعون إلى حفظها ويسجلونها أو يدونونها في كتب بقصد حفظها من الضياع. وهناك سبب آخر كانوا يقصدون من خلال ذلك تربية الملكة الأدبية والفنية لدى المتذوقين والمتعلمين هذه المختارات التي دونها هؤلاء العلماء في كتب أكيد سيأتي زمن -كالزمن الذي نحن فيه الآن، وقد سبقنا إلى هذا كثير في الأزمنة المتقدمة- ويطلعون على هذه النماذج، فيتذوقونها ويتعلمون منها من خلال الخبرة والممارسة والمران والتدريب. كانت هذه المختارات في الحقيقة مجالا خصبًا لكثير من الدراسات النقدية والأدبية التي استطاع أصحابها الوصول إلى مجموعة من المقاييس النقدية لازلنا نتدارسها إلى الآن ولو أخذنا مثلا كتاب (المفضليات) أو (الأصمعيات) أو المعلقات لوجدنا أن هناك كثيرا من الدراسات التي قامت حول هذه الأشعار التي دونت في هذه الكتب، ولم تكن هذه الدراسات مجرد نظرات عابرة بالعكس، وإنما كانت نظرات متعمقة، وكانت الغاية منها هي استنباط واستنتاج المقاييس الفنية لدى المبدعين، ولدى الذين قاموا على اختيار هذه النماذج التعرف على أذواقهم، والتعرف على الملكة الفنية التي كان يتصف بها هؤلاء المبدعون آنذاك في العصور المتقدمة. هذا الاتجاه -اتجاه الاختيارات الأدبية المجردة- ظهر في مرحلة مبكرة من مراحل التأليف عند العرب، ويمكن أن نعده أول اتجاه يظهر أو المرحلة الأولى من مراحل التأليف، وصرف أصحابه جل عنايتهم نحو الشعر خاصة لماذا؟ لأن الشعر له مكانة عظيمة لدى العرب ولأن الشعر له رواة، فمن المؤلفين من شغل نفسه بجمع نماذج من الشعر لشعراء مختلفين في العصر، بعض العلماء الذين كتبوا في هذا الاتجاه كان يختار مثلا شاعرا من الجاهلية، وشاعرا من صدر الإسلام وشاعرا من العصر

стр. 29

الأموي، ومنهم من كان يختار شعراء من العصر الجاهلي فقط، ومنهم من كان يختار شعراء من صدر الإسلام فقط، وهكذا. فمثلا عندنا المفضل الضبي وعندنا الأصمعي صرفوا عنايتهم إلى اختيار مجموعة من الأعصر المختلفة، والبيئات المختلفة، والاتجاهات الفنية المختلفة، لما نقرأ كتاب (الأصمعيات) نجد فيه مجموعة من الاختيارات المجردة لا تندرج كلها تحت فن أدبي واحد أو اتجاه فني واحد أو بيئة واحدة أو عصر واحد، وإنما تنوعت كل هذه الأشياء، وكذلك فعل المفضل الضبي في (المفضليات)، ومنهم من صرف جل عنايته نحو قبيلة بعينها، فيجمع شعرها بأي طريقة من الطرق، فرأينا مثلا السكري اهتم بجمع شعر قبيلة بني هذيل، ومنهم من اتجه نحو مجموعة من القصائد، كانت تتصف بصفة لا تتصف بها قصائد غيرها وعدها أفضل من غيرها وجمعها في ديوان كما صنع حماد الراوية عندما جمع المعلقات من مصادرها الأصلية. ومنهم من نظر إلى أبواب الشعر، هو يختار مجموعة من القصائد لا يشرحها، ولا يدرسها ولا يعلق عليها، وأحيانًا كان يذكر القصيدة دون قال الشاعر فقط لا غير، ليس له هدف ولا غاية إلا جمع وتسجيل وتدوين هذه المختارات الشعرية، فبعضهم كان ينظر إلى الغرض الشعري، وكان يجمع مجموعة من الأشعار، ويختار هذا الفن ويجعله عنوانا لكتابه كما وجدنا مثلا الحماسات، حماسة أبي تمام وحماسة البحتري وهكذا، ومع اختلاف طريقة كل واحد منهم إلا أنها جميعًا تندرج تحت اتجاه واحد يطلق عليه اتجاه الاختيارات الأدبية المجردة. وتعد هذه المختارات في الحقيقة مصدرًا مهمًا من مصادر الشعر العربي لابد لكل باحث في هذا المجال من الرجوع إليها، وليس الشعر العربي فحسب ولكن تعد مصدرًا من مصادر الدراسات الأدبية، فكل دارس للأدب، وكل دارس للشعر ينبغي له أن ينظر في هذه جيدا ويتأملها ولا تفوته، والحقيقة تتميز هذه المختارات

стр. 30

بميزة ربما لا تتميز بها غيرها من المؤلفات تتميز بصحة نسبة الأشعار الواردة بها إلى أصحابها، عندنا بعض المصادر فيها أشعار منسوبة نسبة خاطئة وأشعار منسوبة نسبة صحيحة، إلا هذه المصادر التي تندرج تحت هذا الاتجاه. يعني من يرجع إليها يرجع إليها وهو في غاية الاطمئنان من نسبة كل بيت إلى صاحبه؛ لأنها كانت تقوم على الرواية الصحيحة، كل مؤلف من المؤلفين الذين اتجهوا إلى هذا الاتجاه كان لا يجمع أو لا يدون كل الروايات التي تصل، أبدًا، فقد تجمعت لديهم أشعار كثيرة جدا لا حصر لها ولكنهم كانوا يخضعون هذه الأشعار للتدقيق والتمحيص من قبل جامعيها، فإذا شكوا في واحد من الرواة كانوا لا يأخذون عنه، إذا اختلفت الروايات كانوا يرفضون تسجيل هذه الروايات، ولم يأخذوا إلا ما صح لديهم، بناء على المقاييس التي أشرنا إليها قبل ذلك وهي مقاييس علمية لا شك فيها. ومن أشهر هذه المختارات التي تندرج تحت هذا الاتجاه المعلقات التي جمعها حماد الراوية، (المفضليات) التي جمعها المفضل الضبي، (الأصمعيات) التي جمعها الأصمعي، (جمهرة أشعار العرب) لأبي زيد القرشي، (الحماسات) وهي كثيرة، (مختارات ابن الشجري). والمنهج يظهر في الدراسة أكثر ما يظهر في مجرد الجمع أو تسجيل النموذج، ومن ثم فإن المناهج لم تتضح في هذا الاتجاه وضوحها في الاتجاهات التالية، يعني لو أحببنا أن نكشف على المنهج الذي اتبعه أو سلكه المفضل الضبي مثلا أو حماد الراوية في جمعه، لا نجد منهجًا بمعنى كلمة منهج، رجل راقته بعض الأشعار، ذوقه رضي عن مجموعة من الأشعار فجمعه في هذا الكتاب؛ لغاية هو يريدها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 31

الدرس: ٣ مناهج التأليف عند العرب (٢) .

стр. 32

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث (مناهج التأليف عند العرب (٢)) بعض المصادر التي تمثل اتجاه الاختيارات المجردة الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه، وبعد: فقد أشرت إلى اتجاهات التأليف عند العرب، وعلمنا أنه يمكن حصرها في أربعة اتجاهات: الاتجاه الأول: اتجاه الاختيارات المجردة. الثاني: اتجاه الطبقات والتراجم. الثالث: اتجاه الدراسة الأدبية والنقدية. الرابع: اتجاه الموسوعات العلمية. وعرفنا بالاتجاه الأول اتجاه الاختيارات الأدبية المجردة، ووضحنا الغاية منه عند أصحابه، والآن نعرض عرضًا سريعًا لبعض المصادر التي تمثل هذا الاتجاه، وهي كثيرة جدا لكنا نكتفي ببعضها على سبيل التمثيل، ونبدأ بأول مصدر وهو (المفضليات). (المفضليات) عبارة عن مجموعة من القصائد الطوال، اختارها المفضل الضبي، وجمعها في كتاب، ثم أطلق عليه اسمه، فصارت تعرف فيما بعد بـ (المفضليات) نسبة إليه. واسمه: المفضل بن محمد بن أبي يعلى الضبي، كنيته: أبو العباس، هذا الرجل ولد بالكوفة. أما تاريخ مولده بالتحديد فقد اختلف فيه، وكان المفضل لغويًا راوية للأخبار والآداب، وأيام العرب، وهو موثوق الرواية، ويعد من القراء المجيدين، كما يعد من المحدِّثين الذين يتصفون بالتقوى وحسن الخلق.

стр. 33

كان المفضل رأس مدرسة الكوفة، ولكنه قدم البصرة وأخذ عن علمائها، كما قدم بغداد في زمن الرشيد الخليفة العباسي، وحضر مجالسه ونال صِلاته، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن العلماء الأجلاء -في الأزمنة السابقة- كانوا لا يتعصبون لأي فكرة أو رأي، ويبحثون دائمًا عن الحقيقة أينما كانت، فهذا هو المفضل الكوفي يبحث عن الحقيقة في البصرة وفي بغداد، وفي أي مكان يظن أنه سيجد الحقيقة فيه. وقد شهد للمفضل الضبي الخليفة المهدي بغزارة علمه وصحة روايته والثقة فيها، فقال: "يا معشر من حضر من أهل العلم؛ إن أمير المؤمنين ليعلمكم أنه قد وصل حماد الشاعر بعشرين ألف درهم؛ لجودة شعره -وصل حماد يعني أعطاه عطية أو هدية- وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس منها -وهذا ما يسمى بالوضع أو الانتحال- ووصل المفضل الضبي بخمسين ألفًا لصدقه وصحة روايته، فمن أراد أن يسمع شعرًا جيدا مُحْدثًا فليسمعه من حماد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضل". هذا الخبر موجود في (معجم الأدباء) لياقوت، وله عدة دلالات ينبغي أن نتأملها ونحن نقرؤه. من هذه الدلالات: اهتمام الخلفاء بالرواية، أدرك الخليفة المهدي أن حماد الراوية كان وضاعًا، وأدرك أيضًا أن المفضل الضبي كان رجلًا ثقة في روايته مدققًا، نأخذ منها أيضًا: إعلام الناس بالموثوق بروايته وغير الموثوق بها؛ حتى يتنبه الناس عندما يقرءون شعرًا، أو يستمعون إلى شعر، أو يَرِد عليهم خبر، أو يقرءونه إلى آخره، لابد أن يكونوا على علم بمن هو الموثوق بروايته وغير الموثوق بها. ومن الدلالات أيضًا: الدراية التامة بالشعر الجيد وغير الجيد، والموضوع وغير الموضوع، ومن الدلالات: الاعتراف بصدق المفضل الضبي في روايته، وبحماد

стр. 34

الراوية في وضعه للشعر، والراجح أن المفضل الضبي توفي عام مائة وثمان وسبعين للهجرة، وقيل: سنة خمس وسبعين بعد المائة، وله مجموعة من الكتب منها: كتاب (الأمثال)، وكتاب (معاني الشعر)، وكتاب (الألفاظ)، وكتاب (العروض)، وأشهر كتبه (المفضليات). أما عن المؤلَف فما سبب تأليفه؟ يذكر ابن النديم في كتابه (الفهرست) أن المفضل الضبي خرج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن القرشي الهاشمي، على الخليفة المنصور، يعني ثار عليه ضمن الثائرين، وكان ذلك بالبصرة في سنة ١٤٥، ثم ظفر المنصور بالمفضل الضبي وعفا عنه، وقتل إبراهيم بن عبد الله، ثم عهد إلى المفضل الضبي تأديب ولده المهدي، أي تعليمه، وكان هناك مجموعة من الأدباء يقومون بتأديب أولاد الخلفاء والأمراء والوزراء، وروايتهم الأشعار القديمة؛ حتى تستقيم ملكتهم، فاختار المفضل الضبي هذه الأشعار ليعلمها المهدي، وانتقاها لتثقيفه. يعني هذه القصائد التي وجدت في (المفضليات) عبارة عن قصائد اختارها المفضل الضبي؛ ليعلم بها المهدي، وإذا عرفنا عددها ندرك مدى الاهتمام الكبير برواية الشعر، وتعليمه لأبناء الخلفاء والأمراء، وهذا ابن خليفة أو أمير، فما بالنا بأولاد علية القوم الآن، اختار هذه الأشعار وأسماها (الاختيارات)، ولكنها اشتهرت بـ (المفضليات) بعد ذلك، حتى صار اسم (المفضليات) علمًا لها، و (المفضليات) التي بين أيدينا الآن تحتوي على مائة وست وعشرين قصيدة، وعدد شعرائها سبعة وستون شاعرًا، منهم ستة إسلاميون، وسبعة وأربعون جاهليًا، وأربعة عشر مخضرمًا، وقد أضيف إليها في بعض النسخ أربع قصائد، حيث بلغ عددها مائة وثلاثين قصيدة.

стр. 35

أما عن شروح (المفضليات) فقد حظيت بالكثير من الشروح، ولا شك في أن صحة رواية المفضل الضبي، وثقة العلماء في ذوقه وعلمه وأمانته، ثم مكانته التي تبوأها بينهم؛ لا شك في أن ذلك كله وغيره -مما يتصف به الرجل من صفات حسنة- جعل الشراح يقبلون على مختاراته شرحًا وتأملا وتذوقًا، فقد شرحها أبو محمد القاسم بن الأنباري، كما شرحها أبو جعفر أحمد بن محمد النحوي المصري، المعروف بابن النحاس، وشرحها أيضًا أبو علي أحمد بن محمد المرزوقي، وأبو زكريا التبريزي، وأبو الفضل الميداني، وطبعت هذه الشروح أكثر من مرة، واشترك في تصحيحها والتعليق عليها عدد من العلماء. ومن أشهر طبعاتها الطبعة التي قام فيها الأستاذان: أحمد محمد شاكر، وعبد السلام هارون بتحقيقها في جزأين، سنة ألف وتسعمائة وثنتين وأربعين للميلاد. ثم طبعة أخرى وهي من الأهمية بمكان أيضًا، وهي طبعة دار نهضة مصر سنة ألف وتسعمائة وسبع وسبعين للميلاد، بشرح التبريزي، والتي قام بتحقيقها الأستاذ محمد البيجاوي في أربعة أجزاء. أما القيمة العلمية والأدبية لـ (المفضليات) فإنها تعد أقدم مجموعة شعرية، قامت على منهج الاختيار المجرد لنماذج من الشعر العربي، هذه حقيقة، (المفضليات) هي أول كتاب يؤلف في اتجاه الاختيار الأدبي المجرد، أما قبل أن يؤلف المفضل الضبي هذه (المفضليات) كان الرواة يشغلون بجمع أشعار القبائل، ويتنازعون حول أفخر بيت أو أهجى بيت أو أغزل بيت وهكذا. ولكن فكرة هذا الاختيار المجرد لشعراء متعددين لا ينتمون إلى بيئة واحدة، ولا إلى قبيلة واحدة، هذه الفكرة طرأت أولا على ذهن المفضل الضبي، وهو يعلم المهدي، والتي وضعها في اختياراته التي سميت بعد ذلك بـ (المفضليات)، اللهم إلا ما كان من حماد الراوية، الذي قام باختيار المعلقات وجمعها في كتاب

стр. 36

واحد، صحيح فِعْلُ حماد هذا يعد سابقًا، وتحتل (المفضليات) منزلة عظيمة بين دارسي الأدب ونقاده، وتعد مصدرًا مهمًا من مصادر الشعر العربي، وتكتسب تلك المكانة من أن مؤلفها كان محل ثقة معاصريه، وموضع احترامهم وتقديرهم، إذ لم يطعن أحد في أمانته على الإطلاق، أو يشكك في روايته، كما أنها أول مجموعة تصل إلينا كاملة دون أن يسقط منها شيء، أو يدخله تحريف أو تزييف. (المفضليات) موثوقة الرواية، وأيضًا جمعت في بداية عصر التدوين، قبل أن ينتشر الانتحال في الشعر على يد حماد الراوية وغيره، فخلت من هذا، كما كانت (المفضليات) أيضًا بداية للتحول الفكري والنقدي فيما بعد، كثير من الناس أقبلوا عليها يشرحونها ويدرسونها دراسات متنوعة، يكشفون عن الخصائص الفنية فيها، ويوضحون ذوق الرجل في اختيارها، ومنهم من يكتشف الملامح البيئية، ومنهم من يكتشف الملامح الثقافية، ومنهم من يأخذ قوانين وقواعد لغوية نحوية وصرفية، ومنهم من ينظر إليها من الناحية البلاغية، وهكذا تعددت الدراسات حولها، وكان ذلك فتحًا عظيمًا. أما المنهج الذي سلكه المفضل الضبي في جمع مختاراته هذه: فالحقيقة أنه اعتمد فيه على ذوقه الخاص أولًا، فمن هذه الناحية هي تمثل منهج الاختيار الانطباعي المرتجل، المعتمد على الذوق الشخصي، ومن ثم لم يفرق بين شاعر مشهور وآخر مغمور، كما اعتمد على الثقة في صاحب النص ثانيًا، وقد سيطر هذان المبدآن عليه حتى أنسياه ترتيب الشعراء تاريخيًا أو هجائيًا، أو حتى ترتيب القصائد حسب القوافي أو الغرض، بل ربما غلبه الإعجاب بالنص فلم يذكر قائله، فجاءت بعض الأشعار غير منسوبة أحيانًا. ورغم ذلك فلو لم يصلنا من الشعر الجاهلي سوى هذه المجموعات الموثقة؛ لأمكن وصف تقاليده، ولغته وبيئته وعاداته، هذه حقيقة، فقد مثلت هذه

стр. 37

القصائد جوانب الحياة الجاهلية، ودارت مع الأحداث والأيام، وعلاقات القبائل بعضها ببعض، وبمن جاورهم من ملوك الغساسنة والمناذرة، وجاءت صورة صادقة لبيئتهم ولغتهم، ومن ثم فهي تعد مصدرًا مهمًا من مصادر الأدب العربي. النموذج الثاني هو (جمهرة أشعار العرب)، وجامع (الجمهرة) هو أبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي، وقد أحاط الغموض بحياة ذلك الرجل، فلم تذكر المراجع ترجمة وافية له، واختلفت فيه الأقوال اختلافًا بينًا؛ بعض المؤرخين يجعله من أدباء القرن الثاني الهجري مثل: سليمان البستاني وبطرس البستاني، والبعض يجعله من أدباء القرن الثالث الهجري ومنهم: جورجي زيدان في كتابه (تاريخ آداب اللغة العربية)، ولكن المطلع على مقدمة (جمهرة أشعار العرب) يرى أن القرشي يروي عن الأصمعي. فقد ورد نص في هذه المقدمة يقول: "وعن المقنع عن أبيه عن الأصمعي، الذي يروي هو أبو زيد القرشي، صاحب الجمهرة قال: دخلت البادية من ديار فَهْم فقال لي رجل منهم: ما أدخل القروي باديتنا؟ فقلت: طلب العلم. قال: عليك بالعلم فإنه أُنس في السفر، وزين في الحضر، وزيادة في المروءة، وشرف في النسب". إذا علمنا أن الأصمعي توفي سنة مائتين وستة عشر، وأبو زيد القرشي لم يرو عنه مباشرة، روى عن جيلين بعده هما المقنع وأبوه، فإذا افترضنا أن بين كل جيل وسابقه خمسة وعشرين عامًا؛ يكون أبو زيد قد عاش سنة مائتين وخمسين من الهجرة، أي في منتصف القرن الثالث الهجري، وقد ذهب إلى هذا الرأي الدكتور مصطفى الشكعة في كتابه (مناهج التأليف عند علماء العرب) وهو أقرب إلى الصواب.

стр. 38

أما عن (الجمهرة) فيعد هذا الكتاب أول كتاب يجمع فيه مؤلفه نماذج شعرية بطريقة علمية منظمة، تعتمد على التقسيم والتبويب، والقرشي بذلك يخالف (المفضليات) من حيث التقسيم، قسمها إلى أبواب، أما المفضل الضبي فلم يقسم (المفضليات) إلى أبواب. كما خالفه أيضًا في التصدير لكتابه، أبو زيد القرشي بدأ كتابه بمقدمة نقدية طويلة، عرض فيها عدة قضايا مهمة حول الشعر والشعراء، تحدث فيها عن قضية المجاز في القرآن، وتحدث أيضًا فيها عن أولية الشعر، وأورد أبياتًا نسبت لآدم ﵇ وعلق عليها، وذكر أشعارًا للملائكة والعمالقة وإبليس وعاد، إلى آخر هذه القضايا. كما تحدث فيها عن النبي ﷺ وعن الشعر، وذكر مواقف النبي ﷺ التي تؤكد إعجابه بالشعر العفيف، الذي يحث على الفضيلة ويدعو إلى مكارم الأخلاق، وذكر أيضًا أن الخلفاء الراشدين ساروا على نهجه ﵃، في الحقيقة مقدمة جيدة، وينبغي أن تقرأ بعناية، وقد خلت (المفضليات) من هذه المقدمة، وبعد هذه المقدمة قسم القرشي مختاراته إلى سبعة أقسام، واختار لكل قسم اسمًا وعنوانًا، وأدرج تحت كل قسم سبعة شعراء، وأورد لكل شاعر قصيدة واحدة، فيكون المجموع تسعًا وأربعين شاعرًا وقصيدة، كل شاعر له قصيدة موزعة على النحو التالي: القسم الأول في (الجمهرة) سماه: المعلقات أو السموط، جمع سِمْط وهو العقد، وهذا اسم من أسماء المعلقات، والشعراء الذين يمثلون هذا القسم عند أبي زيد هم: امرؤ القيس، زهير، النابغة الذبياني، الأعشى، لبيد بن ربيعة، عمرو بن كلثوم، طرفة بن العبد. القسم الثاني من (الجمهرة) سماه القرشي: المجمهرات، ويقصد بها القصائد محكمة السبك، من الناقة المُجَمْهَرة أي المتداخلة الخَلْق، كأنها جمهور من

стр. 39

الرمل، وشعراء هذا القسم عنده: عبيد بن الأبرص، عنترة، عدي بن زيد، بشر بن أبي خازم، أمية بن أبي الصلت، خَدَّاش بن زهير، النمر بن تَوْلَب. أما القسم الثالث من (الجمهرة) فقد سماه: المنتقيات، وهي للمسيب بن عَلَس، والمُرَقِّش الأصغر، والمُتَلَمِّس، وعروة بن الوَرْد، والمُهَلْهِل بن ربيعة، ودُريد بن الصِّمَّة، والمُتَنَخِّل بن عويمر الهذلي. والقسم الرابع سماه: المُذَهَّبَات جمع مُذَهَّبَة وهم: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، ومالك بن العجلان، وقيس بن الخطيم، وأُحَيْحَة بن الجِلاح، وأبو قيس بن الأَسْلَت، وعمرو بن امرئ القيس، وجميعهم من الأوس والخزرج. والمجموعة الخامسة هم أصحاب المراثي، وأتى بسبعة من المراثي الجيدة التي نال بعضها شهرة واسعة، وشعراؤها عنده هم: أبو ذؤيب الهذلي، علقمة بن ذي جَدَن الحميري، ومحمد بن كعب الغنوي، وأعشى باهلة، وأبو زبيد الطائي، ومالك بن الريب، ومتمم بن نويرة. والمجموعة السادسة أطلق عليها اسم أصحاب المَشُوبات، أي: التي شابها الكفر والإسلام، اختار القرشي سبع قصائد هي: رائية النابغة الجعدي، ولامية كعب بن زهير بانت سعاد، ولامية القُطامي، ولامية الحطيئة، وزايية الشماخ بن ضرار، ورائية عمرو بن أحمر، ونونية تميم بن مقبل العامري. والقسم السابع والأخير وضعه القرشي تحت عنوان: أصحاب الملحمات، ويقصد بها القصائد الحماسية التي قيلت في الحروب، وهي للفرزدق، وجرير، والأخطل، وعبيد الراعي، وذي الرمة، والكميت، والطرماح بن حكيم الطائي، ونلاحظ أن القرشي اعتمد على الشعراء المشهورين من الفحول، بخلاف المفضل الضبي الذي ذكر كثيرًا من المغمورين، في سياق حديثه عن الشعراء في مفضلياته.

стр. 40

وتمتاز (الجمهرة) بأنها خطت خطوة جديدة نحو المنهجية العلمية بهذا التقسيم، وبهذه المقدمة التي أتى بها أبو زيد القرشي في بداية جمهرته، وقد طبعت (جمهرة أشعار العرب) بمطبعة بولاق الأميرية سنة ألف وثلاثمائة وثمان من الهجرة، ثم طبعت بعد ذلك طبعات كثيرة، وقام الأستاذ علي محمد البيجاوي بتحقيقها، وطبعتها في دار نهضة مصر سنة ألف وتسعمائة وسبع وستين من الميلاد، كما قام بتحقيقها أخيرًا الدكتور محمد علي الهاشمي في المملكة العربية السعودية، عام ألف وثلاثمائة وتسعة وتسعين للهجرة، وطبعت بمطبعة لجنة البحوث والتأليف والترجمة والنشر. نكتفي بهذا القدر من الحديث عن هذين المصدرين كنموذجين لاتجاه الاختيار المجرد، وهو أول اتجاه من اتجاهات التأليف عند العلماء العرب. الاتجاه الثاني "اتجاه أصحاب الطبقات والتراجم " الاتجاه الثاني: يسمى اتجاه أصحاب الطبقات والتراجم: ونعني به ذلك الاتجاه الذي يعمد فيه المؤلفون إلى دراسة حياة الأديب، وبيان طبيعة بيئته التي نشأ فيها، والكشف عن منزلته بين الأدباء، أو وضعه في طبقته الفنية، لا يخضع هذا الاتجاه لغير هذين المقياسين: بيان حياة الأديب، والمقياس الثاني: تحديد طبقته الفنية، والمؤلفون في هذا الاتجاه لا يقصدون أديبًا واحدًا فحسب، وإنما تتجه الدراسة فيه إلى أكثر من أديب، يجمعهم عصر معين أو عصور متعددة، يضمهم إقليم واحد، وتشملهم عدة أقطار، يترجمون لهم ويُعرِّفون بهم، ويعرضون أمثلة من أدبهم، مصحوبة ببعض الآراء النقدية
следующие страницы →