← Адаб

Адаб · id 30927

أصول البحث الأدبي ومصادره - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (350 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

واحد، صحيح فِعْلُ حماد هذا يعد سابقًا، وتحتل (المفضليات) منزلة عظيمة بين دارسي الأدب ونقاده، وتعد مصدرًا مهمًا من مصادر الشعر العربي، وتكتسب تلك المكانة من أن مؤلفها كان محل ثقة معاصريه، وموضع احترامهم وتقديرهم، إذ لم يطعن أحد في أمانته على الإطلاق، أو يشكك في روايته، كما أنها أول مجموعة تصل إلينا كاملة دون أن يسقط منها شيء، أو يدخله تحريف أو تزييف. (المفضليات) موثوقة الرواية، وأيضًا جمعت في بداية عصر التدوين، قبل أن ينتشر الانتحال في الشعر على يد حماد الراوية وغيره، فخلت من هذا، كما كانت (المفضليات) أيضًا بداية للتحول الفكري والنقدي فيما بعد، كثير من الناس أقبلوا عليها يشرحونها ويدرسونها دراسات متنوعة، يكشفون عن الخصائص الفنية فيها، ويوضحون ذوق الرجل في اختيارها، ومنهم من يكتشف الملامح البيئية، ومنهم من يكتشف الملامح الثقافية، ومنهم من يأخذ قوانين وقواعد لغوية نحوية وصرفية، ومنهم من ينظر إليها من الناحية البلاغية، وهكذا تعددت الدراسات حولها، وكان ذلك فتحًا عظيمًا. أما المنهج الذي سلكه المفضل الضبي في جمع مختاراته هذه: فالحقيقة أنه اعتمد فيه على ذوقه الخاص أولًا، فمن هذه الناحية هي تمثل منهج الاختيار الانطباعي المرتجل، المعتمد على الذوق الشخصي، ومن ثم لم يفرق بين شاعر مشهور وآخر مغمور، كما اعتمد على الثقة في صاحب النص ثانيًا، وقد سيطر هذان المبدآن عليه حتى أنسياه ترتيب الشعراء تاريخيًا أو هجائيًا، أو حتى ترتيب القصائد حسب القوافي أو الغرض، بل ربما غلبه الإعجاب بالنص فلم يذكر قائله، فجاءت بعض الأشعار غير منسوبة أحيانًا. ورغم ذلك فلو لم يصلنا من الشعر الجاهلي سوى هذه المجموعات الموثقة؛ لأمكن وصف تقاليده، ولغته وبيئته وعاداته، هذه حقيقة، فقد مثلت هذه

стр. 37

القصائد جوانب الحياة الجاهلية، ودارت مع الأحداث والأيام، وعلاقات القبائل بعضها ببعض، وبمن جاورهم من ملوك الغساسنة والمناذرة، وجاءت صورة صادقة لبيئتهم ولغتهم، ومن ثم فهي تعد مصدرًا مهمًا من مصادر الأدب العربي. النموذج الثاني هو (جمهرة أشعار العرب)، وجامع (الجمهرة) هو أبو زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي، وقد أحاط الغموض بحياة ذلك الرجل، فلم تذكر المراجع ترجمة وافية له، واختلفت فيه الأقوال اختلافًا بينًا؛ بعض المؤرخين يجعله من أدباء القرن الثاني الهجري مثل: سليمان البستاني وبطرس البستاني، والبعض يجعله من أدباء القرن الثالث الهجري ومنهم: جورجي زيدان في كتابه (تاريخ آداب اللغة العربية)، ولكن المطلع على مقدمة (جمهرة أشعار العرب) يرى أن القرشي يروي عن الأصمعي. فقد ورد نص في هذه المقدمة يقول: "وعن المقنع عن أبيه عن الأصمعي، الذي يروي هو أبو زيد القرشي، صاحب الجمهرة قال: دخلت البادية من ديار فَهْم فقال لي رجل منهم: ما أدخل القروي باديتنا؟ فقلت: طلب العلم. قال: عليك بالعلم فإنه أُنس في السفر، وزين في الحضر، وزيادة في المروءة، وشرف في النسب". إذا علمنا أن الأصمعي توفي سنة مائتين وستة عشر، وأبو زيد القرشي لم يرو عنه مباشرة، روى عن جيلين بعده هما المقنع وأبوه، فإذا افترضنا أن بين كل جيل وسابقه خمسة وعشرين عامًا؛ يكون أبو زيد قد عاش سنة مائتين وخمسين من الهجرة، أي في منتصف القرن الثالث الهجري، وقد ذهب إلى هذا الرأي الدكتور مصطفى الشكعة في كتابه (مناهج التأليف عند علماء العرب) وهو أقرب إلى الصواب.

стр. 38

أما عن (الجمهرة) فيعد هذا الكتاب أول كتاب يجمع فيه مؤلفه نماذج شعرية بطريقة علمية منظمة، تعتمد على التقسيم والتبويب، والقرشي بذلك يخالف (المفضليات) من حيث التقسيم، قسمها إلى أبواب، أما المفضل الضبي فلم يقسم (المفضليات) إلى أبواب. كما خالفه أيضًا في التصدير لكتابه، أبو زيد القرشي بدأ كتابه بمقدمة نقدية طويلة، عرض فيها عدة قضايا مهمة حول الشعر والشعراء، تحدث فيها عن قضية المجاز في القرآن، وتحدث أيضًا فيها عن أولية الشعر، وأورد أبياتًا نسبت لآدم ﵇ وعلق عليها، وذكر أشعارًا للملائكة والعمالقة وإبليس وعاد، إلى آخر هذه القضايا. كما تحدث فيها عن النبي ﷺ وعن الشعر، وذكر مواقف النبي ﷺ التي تؤكد إعجابه بالشعر العفيف، الذي يحث على الفضيلة ويدعو إلى مكارم الأخلاق، وذكر أيضًا أن الخلفاء الراشدين ساروا على نهجه ﵃، في الحقيقة مقدمة جيدة، وينبغي أن تقرأ بعناية، وقد خلت (المفضليات) من هذه المقدمة، وبعد هذه المقدمة قسم القرشي مختاراته إلى سبعة أقسام، واختار لكل قسم اسمًا وعنوانًا، وأدرج تحت كل قسم سبعة شعراء، وأورد لكل شاعر قصيدة واحدة، فيكون المجموع تسعًا وأربعين شاعرًا وقصيدة، كل شاعر له قصيدة موزعة على النحو التالي: القسم الأول في (الجمهرة) سماه: المعلقات أو السموط، جمع سِمْط وهو العقد، وهذا اسم من أسماء المعلقات، والشعراء الذين يمثلون هذا القسم عند أبي زيد هم: امرؤ القيس، زهير، النابغة الذبياني، الأعشى، لبيد بن ربيعة، عمرو بن كلثوم، طرفة بن العبد. القسم الثاني من (الجمهرة) سماه القرشي: المجمهرات، ويقصد بها القصائد محكمة السبك، من الناقة المُجَمْهَرة أي المتداخلة الخَلْق، كأنها جمهور من

стр. 39

الرمل، وشعراء هذا القسم عنده: عبيد بن الأبرص، عنترة، عدي بن زيد، بشر بن أبي خازم، أمية بن أبي الصلت، خَدَّاش بن زهير، النمر بن تَوْلَب. أما القسم الثالث من (الجمهرة) فقد سماه: المنتقيات، وهي للمسيب بن عَلَس، والمُرَقِّش الأصغر، والمُتَلَمِّس، وعروة بن الوَرْد، والمُهَلْهِل بن ربيعة، ودُريد بن الصِّمَّة، والمُتَنَخِّل بن عويمر الهذلي. والقسم الرابع سماه: المُذَهَّبَات جمع مُذَهَّبَة وهم: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، ومالك بن العجلان، وقيس بن الخطيم، وأُحَيْحَة بن الجِلاح، وأبو قيس بن الأَسْلَت، وعمرو بن امرئ القيس، وجميعهم من الأوس والخزرج. والمجموعة الخامسة هم أصحاب المراثي، وأتى بسبعة من المراثي الجيدة التي نال بعضها شهرة واسعة، وشعراؤها عنده هم: أبو ذؤيب الهذلي، علقمة بن ذي جَدَن الحميري، ومحمد بن كعب الغنوي، وأعشى باهلة، وأبو زبيد الطائي، ومالك بن الريب، ومتمم بن نويرة. والمجموعة السادسة أطلق عليها اسم أصحاب المَشُوبات، أي: التي شابها الكفر والإسلام، اختار القرشي سبع قصائد هي: رائية النابغة الجعدي، ولامية كعب بن زهير بانت سعاد، ولامية القُطامي، ولامية الحطيئة، وزايية الشماخ بن ضرار، ورائية عمرو بن أحمر، ونونية تميم بن مقبل العامري. والقسم السابع والأخير وضعه القرشي تحت عنوان: أصحاب الملحمات، ويقصد بها القصائد الحماسية التي قيلت في الحروب، وهي للفرزدق، وجرير، والأخطل، وعبيد الراعي، وذي الرمة، والكميت، والطرماح بن حكيم الطائي، ونلاحظ أن القرشي اعتمد على الشعراء المشهورين من الفحول، بخلاف المفضل الضبي الذي ذكر كثيرًا من المغمورين، في سياق حديثه عن الشعراء في مفضلياته.

стр. 40

وتمتاز (الجمهرة) بأنها خطت خطوة جديدة نحو المنهجية العلمية بهذا التقسيم، وبهذه المقدمة التي أتى بها أبو زيد القرشي في بداية جمهرته، وقد طبعت (جمهرة أشعار العرب) بمطبعة بولاق الأميرية سنة ألف وثلاثمائة وثمان من الهجرة، ثم طبعت بعد ذلك طبعات كثيرة، وقام الأستاذ علي محمد البيجاوي بتحقيقها، وطبعتها في دار نهضة مصر سنة ألف وتسعمائة وسبع وستين من الميلاد، كما قام بتحقيقها أخيرًا الدكتور محمد علي الهاشمي في المملكة العربية السعودية، عام ألف وثلاثمائة وتسعة وتسعين للهجرة، وطبعت بمطبعة لجنة البحوث والتأليف والترجمة والنشر. نكتفي بهذا القدر من الحديث عن هذين المصدرين كنموذجين لاتجاه الاختيار المجرد، وهو أول اتجاه من اتجاهات التأليف عند العلماء العرب. الاتجاه الثاني "اتجاه أصحاب الطبقات والتراجم " الاتجاه الثاني: يسمى اتجاه أصحاب الطبقات والتراجم: ونعني به ذلك الاتجاه الذي يعمد فيه المؤلفون إلى دراسة حياة الأديب، وبيان طبيعة بيئته التي نشأ فيها، والكشف عن منزلته بين الأدباء، أو وضعه في طبقته الفنية، لا يخضع هذا الاتجاه لغير هذين المقياسين: بيان حياة الأديب، والمقياس الثاني: تحديد طبقته الفنية، والمؤلفون في هذا الاتجاه لا يقصدون أديبًا واحدًا فحسب، وإنما تتجه الدراسة فيه إلى أكثر من أديب، يجمعهم عصر معين أو عصور متعددة، يضمهم إقليم واحد، وتشملهم عدة أقطار، يترجمون لهم ويُعرِّفون بهم، ويعرضون أمثلة من أدبهم، مصحوبة ببعض الآراء النقدية

стр. 41

الصادرة عن المؤلف، أو المنسوبة لغيره من العلماء أحيانًا، وقد تكون غير مصحوبة بهذه الآراء النقدية. وهم يهدفون من وراء هذه الدراسة، وذاك الاتجاه إلى تقويم أدب الأديب، وبيان منزلته بين نظرائه، وذلك من خلال تسجيل سيرته، والتعريف بأدوار حياته الفنية، والتعرض لنتاجه الأدبي، وذكر جملة مفيدة منه؛ حتى يمكن الحكم عليه، وتحديد مكانته الأدبية. والحقيقة أن هذا نمط جديد من التأليف، حاول أصحابه فيه تصنيف الأدباء، ووضعهم في طبقات محددة وفقًا لمقاييس معينة، يراها كل مؤلف حسب ذوقه، ومن ثم فهي تختلف من مؤلف لآخر، ولا شك في أن حاجة الباحث في الأدب إلى معرفة صاحب النص؛ لا تقل عن حاجته إلى النص ذاته، والمصادر التي تهتم بحياة الأدباء وأخبارهم وبيان منزلتهم، تعرف في مجال الدراسات الأدبية بكتب التراجم، وقد تسمى هذه الكتب باسم الطبقات. وقد استعمل هذا اللفظ على نطاق واسع بعدما استخدمه هؤلاء العلماء في مجال الأدب، وتجاوز ميدان الأدب إلى غيره من ميادين العلم والمعرفة، فرأينا طبقات الفقهاء، وطبقات المحدِّثين، وطبقات النحاة، وطبقات الأطباء، وطبقات الصوفية، وطبقات الشافعية، وطبقات الحنابلة، ومن المصادر الأدبية التي تحمل اسم الطبقات (طبقات فحول الشعراء) لمحمد بن سلام الجمحي، ثم (طبقات الشعراء) لابن المعتز، ومن المصادر التي تمت بالتراجم الأدبية كتاب (الشعر والشعراء) لابن قتيبة، و (الأغاني) للأصفهاني، وكتاب (الوزراء والكتاب) للجهشياري، و (معجم الأدباء) لياقوت الحموي، و (معجم الشعراء) للمرزباني. المصدر الأول الذي يمثل هذا الاتجاه -اتجاه الطبقات والتراجم- هو كتاب (طبقات فحول الشعراء) لمحمد بن سلام الجمحي.

стр. 42

يعد هذا الكتاب أقدم الكتب التي وصلتنا، هذا من حيث التأليف، ويهتم بالتعريف بالشعراء، وبيان طبقاتهم. ومؤلفه هو أبو عبد الله محمد بن سلام بن عبيد الله بن سالم الجمحي البصري، الذي ولد بالبصرة سنة مائة وتسع وثلاثين للهجرة، ونشأ هذا الرجل في بيت علم وأدب، فأبوه كان من رواة الأدب، وأخوه كان من رواة الحديث المشهورين، وقد تلقى العلم على طائفة من علماء عصره، في مقدمتهم: أبان بن عثمان، والمفضل الضبي، والأصمعي، وخلف الأحمر، ويونس بن حبيب النحوي، وغيرهم، ومن تلامذته: الإمام أحمد بن حنبل، وأحمد بن يحيى ثعلب، والمازني، والرياشي، وغيرهم. أما عن عنوان الكتاب فقد ظل معروفًا لفترة طويلة باسم (طبقات الشعراء)، وأشار إليه ابن النديم في فهرسته، وياقوت الحموي في (معجم الأدباء) أشار إليه بهذا الاسم (طبقات الشعراء)، وطبع بعض الطبعات بهذا الاسم، وظل معروفًا بطبقات الشعراء حتى جاء الأستاذ محمود شاكر -يرحمه الله- في العصر الحديث، وقام بتحقيق هذا الكتاب وجعل عنوانه (طبقات فحول الشعراء)، أضاف كلمة فحول طبعًا هذه الإضافة لم تكن عشوائية، وإنما كانت نتيجة بحث وتدقيق وتمحيص من قبل الشيخ. واعتمد محمود شاكر في هذا على نسخة مخطوطة وقعت في يده، وتحمل هذا العنوان (طبقات فحول الشعراء)، كما أن المؤلف ابن سلام أورد في الكتاب ذاته بعض الإشارات التي تدل على أنه قصد الفحول، ولم يقصد كل الشعراء، فيقول ابن سلام: "فاقتصرنا في هذه على فحول الشعراء الإسلاميين؛ للاستغناء عن فحول شعراء الجاهليين بطبقات المؤلفة في ذلك"، ثم يقول في موضع آخر: "ورتبت هذا المؤلف على عشر طبقات، كل طبقة تجمع أربعة من فحول شعراء الإسلام"،

стр. 43

تلاحظ معي أن كلمة فحول جرى ذكرها على لسان المؤلف، واعتمد محمود شاكر على ذلك، وعده دليلا على أنه يقصد الفحول، ولم يقصد كل الشعراء. كما اعتمد الشيخ محمود شاكر أيضًا في إثبات كلمة فحول على نصين وردا في كتاب (الأغاني) للأصفهاني، يؤيدان ما ذهب إليه. يقول الأصفهاني في ترجمته للمخبل السعدي: "وذكره ابن سلام في الطبقة الخامسة من فحول الشعراء". ثم يقول عند ترجمة عبيد بن الأبرص: "وجعله ابن سلام في الطبقة الرابعة من فحول الجاهليين"، فهذا كله جعل الشيخ محمود شاكر يرجح أن الكتاب اسمه (طبقات فحول الشعراء). أما عن الكتاب فقد بدأه ابن سلام بمقدمة نقدية مهمة، تعرض فيها لعدد من القضايا التي تتصل بأصول النقد الأدبي وثقافة الناقد، أشار في هذه المقدمة إلى ما يحتاجه الناقد من خبرة وثقافة، كما عرض فيها لنشأة العربية، وأولية علم النحو، وبعض الأخطاء النحوية للشعراء، وأشار إلى جمع الشعر، وما يفعله الرواة من وضع الأشعار على غير أصحابها، وانتحال الشعر، ويعد ابن سلام في طبقاته هو أول من أشار إلى هذه القضية، كما تحدث في المقدمة عن أولية الشعر العربي، وبيئته التي نشأ فيها، وأول من جمع الشعر. وبعد الانتهاء من المقدمة قسم ابن سلام الكتاب إلى قسمين؛ القسم الأول: جعله للشعراء الجاهليين، وقسمهم عشر طبقات وضع في كل طبقة أربعة شعراء، ثم ألحق بالشعراء الجاهليين طبقة أصحاب المراثي، ثم بعد ذلك ذكر شعراء مكة، ثم شعراء الطائف، يعني شعراء القرى. وهو الذي قال: "وجعلنا أصحاب المراثي طبقة بعد العشر طبقات"، يعني فصلهم واختار متمم بن نويرة، والخنساء، وأعشى باهلة، وكعب بن سعد الغنوي، وأفرد بابًا مستقلا في هذا القسم، وجعل له عنوانًا: شعراء القرى العربية وهن خمس: المدينة

стр. 44

ومكة والطائف، واليمامة، والبحرين، وذكر بعض الشعراء الذين يمثلون كل قرية من هذه القرى. أما القسم الثاني من الكتاب، فجعله ابن سلام للشعراء الإسلاميين، وقسمهم أيضًا إلى عشر طبقات، في كل طبقة أربعة شعراء فحول، وهم الشعراء الذين عاشوا في عصر بني أمية، أما الشعراء المخضرمون، فلم يفردهم بطبقة مستقلة، ولكنه ألحق بعضهم بالجاهليين والبعض الآخر بالإسلاميين، على حسب قربهم من هذه الطبقة أو تلك. أما عن منهج ابن سلام في طبقاته: فالإطار العام الذي يندرج تحته هذا الكتاب هو الإطار التاريخي، ويبدو ذلك من خلال التأريخ للشعراء، حين يسجل الوقائع الخاصة بهم، والظروف المؤثرة فيهم، كما يبدو أيضًا هذا المنهج التاريخي من خلال التركيز على البيئة، حيث أفرد لكل قرية عربية طبقة خاصة، وهو بذلك يؤكد أثر البيئة في الأديب من شتى النواحي، كما أن اعتماده على الزمان أيضا كمقياس للمفاضلة بين الشعراء في كتابه -حيث قسمهم إلى شعراء جاهليين وإسلاميين- يؤكد نزعته التاريخية الواضحة، يقول نفسه: "ففضلنا الشعراء من أهل الجاهلية والإسلام والمخضرمين فنزلناهم منازلهم". ولكن المتأمل لما أورده ابن سلام في كتابه، والمقاييس التي اعتمد عليها يدرك إدراكًا -لا شك فيه- أنه لم يقف عند حدود المنهج التاريخي فحسب، وإنما تخطاه إلى منهج فني واضح. نأخذ مثالا: عندما يورد بعض النماذج للشعراء الذين يترجم لهم، يورد بعض الآراء النقدية للنقاد، أو يبدي رأيه هو في هذه النماذج، هذا المنزع منزع فني لا محالة. تعقيبه على بعض النماذج والأخبار التي يوردها بنظرات نقدية صائبة هذا يعد منهج فني

стр. 45

كما أن فكرة الكتاب في حد ذاتها تقوم على مقياس فني دقيق، إذ إنه من غير اللائق أو المقبول أن يكون ابن سلام لا يعرف من الشعراء سوى هؤلاء الفحول الأربعة عشر بعد المائة، الذين جمعهم في كتابه، ولكنه نظر في شعر كثير لعدد كبير من الشعراء، ونخل ذلك الشعر وفحصه، واختار هؤلاء الفحول من خلال عدة مقاييس فنية اعتمد عليها، وكانت واضحة لديه ساعة تأليف هذا الكتاب. كما أن ترتيب الشعراء الأربعة داخل كل طبقة من الطبقات، كيف يرتب هؤلاء الشعراء؟ على أساس فني بحت، فالكتاب كما رأيت يجمع بين المنهجين التاريخي؛ من خلال التراجم والأخبار، وإيراد الأشعار، وذكر المناسبة والبيئة، والمنهج الفني ببنائه ومنهجه في المفاضلة، والآراء التي عرضها في المقدمة، ثم تعليقه على النماذج، وغير ذلك مما ورد في الكتاب. أما القيمة الأدبية لهذا الكتاب فإنه يمثل باكورة النتاج العلمي، المؤلف على أسس منهجية واضحة، هذه الأسس تدل على فكر صاحبه، وتكشف عن حسه النقدي والفني، وهو مصدر مهم من مصادر الأدب والنقد، لا يستغني عنه باحث في الأدب القديم، ليس لأنه يسرد لنا بعض الأخبار المجموعة عن الشعراء، وينزلهم منازلهم اللائقة بهم، ويوضح وجهتهم الفنية فحسب، وإنما لأسباب أخرى كثيرة، هذه الأسباب هي التي تجسد القيمة الحقيقية لهذا الكتاب، يمكن أن نشير إلى هذه الأسباب سريعًا: يرسي كتاب ابن سلام مبدءًا مهمًا ينبغي ألا يغفله الدارسون، وهذا مما يؤكد أهمية هذا الكتاب، هو توثيق النص الأدبي موضوع الدراسة، هذه قضية من أخطر القضايا التي يواجهها الباحثون، توثيق النص الأدبي قبل التعرض له، وقد ألح عليها ابن سلام إلحاحًا مستميتًا، فكان لا يقبل نصًا أو خبرًا إلا عن طريق الرواية الصحيحة، يقول: "ثم اقتصرنا بعد الفحص والنظر والرواية عمن مضى

стр. 46

من أهل العلم"، لا يسجل كل ما سمع، لا؛ لابد من النظر في المسموع وفحصه، والتأكد من صدق المسموع منه، وتسلمنا هذه القضية لقضية أخرى تتصل بها، وتشكل قيمة أخرى من قيم هذا الكتاب، وهي قضية الانتحال، التي أشار إليها ابن سلام، وهو أول من تنبه لها وعرض لها، وقال فيها قولًا فصلًا. ومما يزيد من قيمة هذا الكتاب أيضًا أن فيه دعوة للتخصص العلمي الدقيق، يبدو ذلك في تقرير ابن سلام أن الناقد وحده هو الذي يستطيع أن يميز بين جيد الشعر ورديئه، عندما يحكي عن خلف الأحمر ويقول: "وقال قائل لخلف: إذا سمعت أنا بالشعر واستحسنته فما أبالي ما قلت فيه أنت وأصحابك، فقال له: إذا أخذت أنت درهمًا فاستحسنته، فقال لك الصراف: إنه رديء، هل ينفعك استحسانك له؟! "، ومن ثم قرر ابن سلام أن الشعر صناعة وعلم مهم كبقية العلوم، يأتي عن طريق الدرس والممارسة، كذلك النقد أيضًا: "وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات". هذه الحقيقة نظرة جيدة من ابن سلام، وربما كان الدافع وراء القول فيها ما رآه من وضع الرواة، وأنه لا ينهض بكشف هذا الموضوع إلا ناقد متخصص، ولا يتمكن من الوضع إلا شاعر صناعة، الحقيقة ابن سلام يعد نموذجًا فريدًا في الاعتداد بالرأي، والموضوعية في الحكم، ومخالفته الرأي السائد، طالما أن المخالفة قائمة على أسس علمية، ومقاييس ثابتة واضحة. بالإضافة إلى ما سبق يمكن أن نعد كتاب (طبقات فحول الشعراء) كتابا في الأنساب، وإن غلبت عليه سمة الترجمة الشخصية للشعراء، كما يمكن أن نعده كتابًا في التاريخ الأدبي؛ لأنه يرصد كثيرا من الظواهر الفنية والفوارق البيئية، ويوضح أهم المؤثرات في حياة الشعراء، وكذا يعد كتابًا في النقد الأدبي، انطلاقًا من فكرة الطبقات في حد ذاتها، ثم الآراء النقدية التي أوردها الرجل، وهو يعلق على النماذج، أو يحللها، أو يجري موازنة بين الشعراء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 47

الدرس: ٤ مناهج التأليف عند العرب (٣) .

стр. 48

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع (مناهج التأليف عند العرب (٣)) كتاب (الشعر والشعراء) كنموذج على اتجاه الطبقات والتراجم الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه، وبعد: فأذكركم وأذكر نفسي أنني قد وعدتكم أننا سنأخذ مصدرين من مصادر اتجاه أصحاب الطبقات والتراجم كنموذجين من النماذج التي ندلل بها على هذا الاتجاه ومنهج العلماء فيه، ولكن الوقت لم يتسع آنذاك، فشرحنا مصدرًا واحدًا وهو كتاب (طبقات فحول الشعراء) لابن سلام. واليوم نشير إلى المصدر الثاني من مصادر اتجاه الطبقات والتراجم، ونأخذ كتاب (الشعر والشعراء) كنموذج على ذلك: كتاب (الشعر والشعراء) ألفه أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أحد أعلام القرن الثالث الهجري في اللغة والأدب والنحو، والفقه وغريب القرآن ومعانيه، كان الرجل عالمًا واسع الفكر متنوع الثقافة ورعًا، صادق الرواية حسن العشرة، كثير التصنيف. ومن أشهر كتبه: كتاب (غريب القرآن) و (غريب الحديث) و (مشكل القرآن) و (مشكل الحديث)، و (عيون الأخبار) و (الشعر والشعراء)، و (أدب الكاتب) وكتاب (المعارف)، و (المعاني) وكتاب (الإمامة والسياسة)، وغير ذلك من مؤلفات جاءت صورة صادقة لفكره وثقافته وشمول معارفه. توفي هذا الرجل ببغداد سنة مائتين وست وسبعين للهجرة. أما عن محتوى الكتاب، فإن العنوان يدل على محتواه؛ الكتاب اسمه (الشعر والشعراء). العنوان ذو شقين؛ الشق الأول: الشعر وما يتصل به من قضايا الإبداع والنقد، وقد افتتح ابن قتيبة كتابه بمقدمة توضح ذلك، والشق الثاني في العنوان: الشعراء وأنسابهم وأخبارهم وبيئاتهم المختلفة، ولم يخرج ابن قتيبة عن هذا الإطار. تأمل العنوان (الشعر والشعراء) يدل دلالة دقيقة على محتوى الكتاب. قسم ابن قتيبة كتابه إلى قسمين؛ القسم الأول: وهو المقدمة، عالج فيها مجموعة من الآراء والقضايا النقدية المثارة في عصره. مثل: قضية القدم والحداثة، التي شغلت الأدباء والنقاد آنذاك لفترة

стр. 49

طويلة، وانقسموا حيالها قسمين: مؤيد للحديث، ومتعصب للقديم رافض لكل ما عداه، وقد تعصب معظم النقاد في عصره للقديم، وصور ذلك ابن قتيبة في مقدمته فقال: "فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله، ويضعه في متخيره، ويرذل الشعر الرصين ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه، أو أنه رأى قائله". وابن سلام عرض للمحْدثين، ولكنه لم يذكرهم في طبقاته، ووقف ابن قتيبة موقفًا جريئًا من قضية القدم والحداثة، حين أعلن أنه لا يتعصب للقديم لقدمه ولا للحديث لحداثته، وإنما يتعصب للجيد من الأدب وإن كان حديثًا، فهو ينحي عنصر الزمان جانبًا عند الحكم على الشعر بالجودة أو الرداءة، وينظر إلى القيمة الفنية في النص ذاته، وأورد نماذج كثيرة لشعراء محْدثين، ودافع عنهم وأبدى إعجابه بهم. قضية أخرى: وهي قضية البناء الفني للقصيدة العربية، من حيث البداية والنهاية، وما بين البداية والنهاية، بحيث ذكر أن الشاعر كان يبدأ بالأطلال أو النسيب، ثم وصف الرحلة ثم الانتقال إلى وصف المطية، ثم الغرض الأساسي من القصيدة، وعرض ابن قتيبة وجهة نظره في ذلك البناء، وقدم تفسيرا له يسبق زمانه بكثير، تفسيرا جيدا، وجعل هذا الالتزام البنائي للقصيدة عند الشاعر الجاهلي مقياسًا من مقاييس الجودة، ولابد للشاعر أن يلتزم به، فقال: "وليس لمتأخري الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام"، يعني جعله مقياسًا يحكم من خلاله على الجودة بالنسبة للشاعر، وله وجهة نظره وحلله وعلله تعليلا نفسيًا رائعًا. أيضًا تناول ابن قتيبة في المقدمة أقسام الشعر من حيث اللفظ والمعنى، وحصره في أربعة أضرب: ضرب حسن لفظه وجاد معناه، وضرب حسن لفظه، وإذا

стр. 50

فتشت في معناه لم تجد فيه فائدة، وضرب جاد معناه وقصرت ألفاظه، وضرب تأخر معناه وتأخر لفظه، وذكر أمثلة لكل واحد من هذه الأضرب. كما تناول في المقدمة أيضًا قضية في غاية الأهمية، وهي قضية الطبع والتكلف، فعرف كلا منهما وأورد أمثلة لهما، وأوضح علامات التكلف في الشعر، كما تحدث أيضًا في مقدمته عن مثيرات الشاعرية، فذكر منها الشوق والطمع والطرب والغضب، وأشار إلى الأوقات التي يصعب فيها القريض أو يسهل؛ لأنه كما قال: "للشعر تارات يبعد فيها قريبه، ويستصعب فيه رَيِّضُه". وفي نهاية المقدمة أشار إلى بعض عيوب الشعر وعرف بها، وعرض لأقوال العلماء فيها وبين خطرها، فذكر منها: الإقواء والإكفاء والسناد والإيطاء، والإجازة، كما أشار إلى العيوب التي تنجم عن الإعراب مثل: الضرورات التي تقوم على مخالفة القياس اللغوي، تسكين المتحرك، عطف المنصوب على المخفوض، مخالفة المشهور في مد المقصور وقصر الممدود، إلى آخر هذه الأشياء. أما القسم الثاني من الكتاب فقد ترجم فيه للشعراء، ذاكرًا أنسابهم وأخبارهم وأحوالهم، ونماذج من أشعارهم، وبلغ عدد الشعراء الذين ترجم لهم في كتابه مائتين وستة من الشعراء الجاهليين والإسلاميين، حتى العصر الذي عاش فيه ابن قتيبة، وتختلف تراجم ابن قتيبة لشعرائه طولا وقصرًا، تبعًا للأخبار التي رويت عن كل شاعر، كما أنه لم يهتم بشرح النصوص التي أوردها، ولكنه قد يعلق عليها أحيانًا بتعليقات نقدية تدل على ذوقه الفني. أما بالنسبة للمنهج الذي سلكه ابن قتيبة في كتابه؛ إذا أردنا أن نتعرف على منهج ما لأي مؤلف، يمكننا الوصول إليه من خلال أحد طريقين؛ الطريق الأول: المؤلف نفسه عندما يشير إلى منهجه، هذه الطريقة العلمية الصحيحة، أي مؤلِّف

стр. 51

في مقدمة المؤلَّف لابد أن يشير إلى المنهج الذي سلكه في تأليفه ليعرف الناس، ولابد أن يلتزم بهذا المنهج. أما الطريق الثاني الذي يمكننا أن نتعرف على المنهج من خلاله: فيتمثل في تتبع القضايا المطروحة في الكتاب، أو في المؤلَّف، والتعرف على طرق المعالجة كيف عالجها، ونوعية المقاييس المستخدمة. وقد نضطر إلى سلوك الطريقين معًا للكشف عن المنهج، قد يأتي مؤلف ويذكر في بداية المؤلف أنه التزم بمنهج ما، ولكن من خلال تتبع لعرض القضايا والمعالجة والمقاييس -التي اعتمد عليها- نكتشف أنه لم يلتزم بهذا المنهج، فينبغي ألا نسلم بهذا الاعتراف الذي يذكره المؤلف في بداية المؤلَّف. فإذا أردنا أن نتعرف على المنهج الذي سلكه ابن قتيبة في كتابه (الشعر والشعراء) نجد أن ابن قتيبة نفسه يشير إلى هذا المنهج، فيقول: "هذا كتاب ألفته في الشعراء أخبرت فيه عن الشعراء وأزمانهم وأقدارهم، وأحوالهم في أشعارهم، وقبائلهم وأسماء آبائهم، ومن كان يعرف باللقب أو بالكنية منهم، وعما يستحسن من أخبار الرجل ويستجاد من شعره، وما أخذته العلماء عليهم من الغلط والخطأ في ألفاظهم، أو معانيهم، وما سبق إليه المتقدمون فأخذه عنهم المتأخرون، وأخبرت فيه عن أقسام الشعر وطبقاته، وعن الوجوه التي يختار الشعر عليها ويستحسن لها". هذا كلام ابن قتيبة في المقدمة ينفي عن نفسه التبعية والتقليد، ويؤكد تفرده بهذا المنهج، وأن له مقاييسه التي يختلف فيها عن غيره، فيقول في المقدمة أيضًا: "ولم أسلك فيما ذكرته من شعر كل شاعر مختارًا له سبيل من قلد، أو استحسن باستحسان غيره، ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه، ولا إلى المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره، بل نظرت بعين العدل على الفريقين، وأعطيت كلا حظه ووفرت عليه حقه".

стр. 52

حديث ابن قتيبة عن الشعراء، وأزمانهم وأحوالهم وقبائلهم وأسماء آبائهم، ومعرفة السابق المبتكر أو المبدع واللاحق المتبع أو المقلد، كما قال هو نفسه في المقدمة، كل هذا يعد من صميم المنهج التاريخي، ولو تتبعنا معالجته للشعراء داخل الكتاب لوجدناه يسلك هذا المنهج، فهو يذكر نسب الشاعر من جهة أبيه وأمه، ويحدد موطنه وطبيعة البيئة التي نشأ فيها، ويسرد بعضًا من أخباره وأشعاره. ولو تأملنا قضايا الكتاب تتكشف لنا أبعاد ذلك المنهج التاريخي، ولكن يتضح لنا أيضًا من خلال هذا التأمل والتتبع لهذه القضايا؛ أنه تخطى حدود المنهج التاريخي إلى غيره من المناهج، فمثلا حديثه عن اختلاف طبائع الشعراء، وتفاوتهم في الأغراض الشعرية تبعًا لذلك، مما يتصف بالمنهج النفسي، وأيضًا لو تأملنا حديثه عن مثيرات الشاعرية عندما قال: "وللشعر دواعٍ تحث البطيء وتبعث المتكلف منها: الطمع والشكر"، إلى آخر ما ذكر، لو تأملنا هذا لوجدناه أيضًا يتحدث عن صفات العاطفة وآثارها، وهذا يتصل بالمنهج النفسي أيضًا، وليس فيه إشارة إلى المنهج التاريخي. كما أن حديثه عن البناء الفني للقصيدة، وتعليله لهذا المنهج المتبع لدى شعراء العرب تعليل نفسي واضح، لا شك في ذلك، وإذا أنت فتشت في الكتاب لا تخطئ العثور على ملامح واضحة للمنهج الفني، كحديثه عن أقسام الشعر، وتنقيح الشعر بطول التفتيش فيه، بعض الآراء النقدية التي أوردها وإن كانت قليلة، مناقشة بعض الآراء التي أوردها لغيره، كل هذا يتصل بالمنهج الفني، وإن كان ابن قتيبة قد قرر أنه لا ينظر إلى عامل الزمان في الحكم على الشعراء، وإنما ينظر إلى الجودة، فلابد أنه يعني الناحية الفنية عندما قال: "أنا لا أنظر إلى المتقدم لتقدمه ولا إلى المتأخر لتأخره، وإنما أنظر بعين العدل"، عين

стр. 53

العدل هذه مقياسها فني بحت لا شك في ذلك، كما أن له حديثا عن المعاني والتشبيهات والألفاظ، وغيرها من العناصر الفنية أثناء ترجمته للشعراء، كل هذا من قبيل المنهج الفني. مما تقدم يتضح لنا أنه قد سلك منهجًا تاريخيًا، ويتضح لنا أيضًا أنه سلك منهجًا نفسيا، وأنه سلك أيضًا منهجًا فنيا، اجتماع هذه المناهج يطلق عليه المنهج المتكامل، وهو أصح المناهج في البحث الأدبي أو البحث العلمي عمومًا. أما عن القيمة الأدبية لكتاب (الشعر والشعراء) فإنه في الحقيقة يعد من أقدم المصادر الأدبية وأهمها، بعد كتاب (طبقات فحول الشعراء) لابن سلام، ولا يمكن أن يستغني عنه باحث أو دارس للأدب، فهو يترجم لمجموعة كبيرة من الشعراء الجاهليين والإسلاميين حتى عصر ابن قتيبة، ويورد كثيرًا من أخبارهم ومواقفهم، التي يمكن الكشف من خلالها عن شخصية هؤلاء الشعراء، وتفسير اتجاههم الفني، وهو في ذلك كله يلتزم الدقة والأمانة في نقل الأخبار عن المتقدمين والمعاصرين. وتبدو قيمة الكتاب أيضًا في أنه يكشف لنا عن شخصية ابن قتيبة، وفكره الأدبي ومقدرته النقدية، إذ لم يكن مجرد ناقل عن غيره أو سارد لمجموعة من الأخبار، وإنما عرض علينا فكره، وكشف لنا عن ذوقه من خلال تلك المقدمة المهمة، ومن خلال الآراء المتفرقة في الكتاب الدالة على ذلك، هذه حقيقة لابد أن نقررها، فالرجل كان مشهورا بالتفسير، كان محدثا وكان فقيها، ويدل على قيمة الكتاب أيضًا ويعلي من شأنه وشأن صاحبه: وضوح المنهج العلمي لديه، وهو منهج يتناسب مع طبيعة عصره الفكرية والثقافية، ويبدو ذلك في الإشارة إلى المنهج الذي سلكه منذ البداية، هذه طريقة لا يعرفها إلا الذين درسوا علم المناهج في العصر الحديث، يعلمون أنه لابد لكل باحث أو مؤلف من الإشارة

стр. 54

إلى المنهج في بداية التأليف أو البحث، إن ابن قتيبة سبقنا بكثير عندما أشار في مقدمة كتابه إلى المنهج الذي اتبعه، وهو يدل فعلا على النهج العلمي الذي سلكه منذ البداية. مما يؤكد هذه النزعة العلمية المنهجية لديه: كان يستخدم بعض العناوين المناسبة، وجودة التقسيم عندما يقسم كان يختار عناوين، عنونة أيضًا هذه لم تكن سمة معروفة آنذاك، ولكن إذا تأملنا الكتاب نجد فيه أكثر من عنونة، هو الذي عنونه وليس المحقق، أقصد العناوين التي وضعها ابن قتيبة نفسه، هذه تدل أيضًا على منهج علمي دقيق التزمه. ولعلك تستطيع مما تقدم إدراك ما أضافه ابن قتيبة من جديد بعد ابن سلام، يعني لو أننا وازنا بين الكتابين لوجدنا أن كتاب (الشعر والشعراء) فيه خطى جديدة، صحيح استفاد من كتاب (طبقات فحول الشعراء)، لكنه أضاف جديدًا، واختلفوا في المنهج وفي كل شيء؛ فابن قتيبة لم يقتصر على الشعراء الجاهليين والإسلاميين فقط، كما فعل ابن سلام في كتابه، وإنما زاد عليهم شعراء عاصروه وعاشوا في زمانه، وأورد نماذج لهم وأبدى إعجابه بهم، وهذا يؤكد مبدأ المساواة والعدل الذي أشار إليه في تعامله مع الشعراء. كما نلاحظ أن ابن قتيبة في ترجمته للشعراء كان أكثر إحاطة من ابن سلام، من حيث عدد الشعراء المترجم لهم والأخبار المروية عنهم، والتي يمكن من خلالها التعرف على شخصية الشاعر، وما أبدعه في مجال الشعر، والوجهة الفنية التي يلتزمها، فقد ترجم لمائتين وستة من الشعراء، مقابل مائة وأربعة عشر شاعرًا لدى ابن سلام، طبعًا للأخير عذره في الاقتصار على هذا العدد؛ لأنه مشغول بوضع الشعراء في طبقات، المنهج دقيق عند ابن سلام، لو أنه

стр. 55

سار على منهج ابن قتيبة لجاء كتابه أضخم بكثير من كتاب ابن قتيبة، لكن فكرة الطبقات وضع كل شاعر في مكانته الفنية هذا مجال ضيق إلى أبعد حد، ومن ثم لم يأت بشعراء كُثر، ومما يحمد لابن قتيبة أيضًا أنه اهتم بالتنبيه إلى اشتراك الشعراء في المعاني والصور والأفكار، وله إشارات كثيرة في هذا الجانب ربما غفل عنها ابن سلام، وكانت تلك الإشارات هي النواة الأولى للحديث عن قضية كبيرة كانت لها منزلة، وهي قضية السرقات الشعرية، التي عالجها كثير من النقاد بعد ذلك. هذا بالنسبة لكتاب (الشعر والشعراء) وهو المصدر الثاني الذي يمثل الاتجاه الثاني من اتجاه أصحاب الطبقات والتراجم. الاتجاه الثالث: "اتجاه الدراسة الأدبية والنقدية " نعود إلى الاتجاه الثالث وهو: اتجاه الدراسة الأدبية والنقدية: وأعني به النظر في التراث الأدبي شعره ونثره، ودراسته دراسة فنية لغوية، يتناول فيها المؤلف وسائل الأداء، يقف على مواطن الجودة والرداءة فيه، يتعرف من خلاله على شخصية الأديب، وما أحاط به من مؤثرات مختلفة، مِن خلال تلك الوسائل الفنية التي يتعامل معها. تمثل تلك الدراسات الأدبية والنقدية مرحلة تالية لمرحلتي الجمع والطبقات، فمثلا المفضل الضبي جمع مجموعة من الأشعار، (الاختيارات) وضعها في كتاب لم يدرسها بأي نوع من أنواع الدراسة، مثلا كتاب (طبقات فحول الشعراء) لابن سلام، اهتم الرجل بالترجمة للشاعر، وذكر نماذج من شعره ووضعه في منزلته، لكنه لم يحلل، ولم يعلل، ولم يشرح.

стр. 56

الاتجاه الثالث اعتمد على هذين الاتجاهين السابقين، اعتمد على الذين جمعوا هذه الاختيارات، اعتمد على الذين ذكروا نماذج لأصحاب الطبقات، أو الذين ترجموا كابن قتيبة مثلا في كتابه (الشعر والشعراء)، ولم يأت هذا النمط من الدراسة على صورة واحدة، فأحيانًا يأتي في صورة نظرة عامة في التراث الأدبي، لم يتقيد بعصر أو بأديب أو بيئة، وأحيانًا أخرى يرد في صورة موازنة بين شاعرين أو أكثر من شاعر، وقد يتناول المؤلف شخصية أدبية واحدة، ويجري حولها دراسة متكاملة يكشف عن منزلتها، وقد يتناول موضوعًا أو قضية محددة ويحيط بها من شتى جوانبها. وهناك طريقتان من خلال تتبعنا للمصادر الأدبية التي تمثل هذا الاتجاه: إما أن يكتب المؤلف دراسته بنفسه، وإما أن يلقيها في مجلس، أو يمليها على تلاميذه، ثم تجمع بعد ذلك في حياته أو من بعد حياته، وقد تجمع في حياته وتعرض عليه لإقرارها، أو يقوم أحد الأتباع بمراجعتها وروايتها عنه، ويطلق على هذا النوع الأخير من هذه الدراسات الأمالي أو المجالس، وهي كثيرة جدًا في تراثنا، وتختلف الأمالي أو المجالس عن النوع الأول الذي يقوم المؤلف نفسه بتدوينه، فالنوع الأول يكون أكثر شمولا واتساعًا، فهي لا تقتصر على فن واحد أو اتجاه محدد، وقد جمعت تلك المؤلفات بنوعيها بين الشعر والنثر، واتجه أصحابها نحو الدراسات النقدية حتى اكتسبت تلك المصنفات سمة النقد. وأبرز ملامح تلك المؤلفات الأدبية وأهم ما يميزها عن غيرها صفتان واضحتان؛ الصفة الأولى: التوسع والشمول في الموضوعات التي تعرضها، فهي لا تقتصر على فن واحد أو موضوع واحد، وإنما تتناول العديد من الفنون والموضوعات.

стр. 57

الصفة الثانية: الاستطراد والانتقال من موضوع إلى آخر، فنرى المؤلف ينتقل من قصة إلى حديث، ومن مقطوعة شعرية إلى حكمة أو خطبة، ومن نادرة لغوية إلى فكاهة شعبية، وكان ذلك متعمدًا منهم في بعض الأحيان؛ بقصد التشويق والإثارة، وإزالة السأم والملل عن المتلقي، ومع ذلك فقد أدت هذه المؤلفات الأدبية -بفضل اتساعها وتعدد موضوعاتها- خدمة جليلة للأدب وطلابه، وأصبحت من أهم مصادر الدراسات الأدبية والنقدية. ومن المؤلفات التي سلك فيها أصحابها هذا الاتجاه -اتجاه الدراسات الأدبية والنقدية- كتاب (البيان والتبيين) للجاحظ، وكتاب (مجالس ثعلب) لأحمد بن يحيى ثعلب، وكتاب (الكامل في اللغة والأدب) للمبرد، وكتاب (نقد الشعر) لقدامة بن جعفر، وكتاب (الأمالي) لأبي علي القالي، كتاب (الوساطة بين المتنبي وخصومه) للقاضي الجرجاني، كتاب (الموازنة بين الطائيين) للآمدي، كتاب (الموشح) للمرزباني، (العمدة) لابن رشيق، ومؤلفات كثيرة وهي موجودة بين أيدينا لمن أراد أن يطلع عليها ويستزيد منها. ولنأخذ مثلا كتاب (البيان والتبيين) للجاحظ: كتاب (البيان والتبيين) من أشهر الكتب في مجال البلاغة والأدب والنقد، ألفه الجاحظ عمرو بن بحر بن محبوب، كنيته أبو عثمان، واشتهر بالجاحظ لجحوظ عينيه، ولد بالبصرة سنة مائة وخمس وخمسين وقال: سنة مائة وخمسين للهجرة، والبصرة آنذاك في هذا التاريخ -يعني في القرن الثاني الهجري- كانت في عنفوان شبابها العلمي والأدبي. كان الجاحظ حريصا على العلم منذ صغره، فلما شب كان يغشى المساجد ومجالس العلماء، يسمع منهم ويجادلهم، كما كان يتردد على سوق المربد

стр. 58

بالبصرة، والتقى بالأدباء فيها وشارك في المساجلات الأدبية التي كانت تدور بها. وبالإضافة إلى ذلك كان يقوم باستئجار حوانيت الوراقين للمبيت بها، والنظر فيما تضم من مؤلفات، وبذلك كله تكون عنده حصيلة عظيمة من اللغة، وأخذها من مصادرها الأصلية، أضف إلى ذلك أنه كان يأخذ اللغة ويستقيها من أفواه الرواة أحيانًا، في سوق المربد بالبصرة، أحيانًا من العلماء الأجلاء الذين يلتقي بهم ويسمع منهم، ويتتلمذ عليهم، وفي مقدمتهم الأخفش، وقد وجد الجاحظ في العصر الذهبي للعلم والأدب كوكبة من العلماء الأجلاء، استفاد منهم إفادة وضحت آثارها في مؤلفاته. ومن هذه المؤلفات كتاب (البيان والتبيين)، فقد عاصر مالكًا والشافعي وأحمد بن حنبل، وفي مجال الكتابة عاصر ابن المقفع والصولي وابن قتيبة والمبرد وابن الزيات، وفي مجال اللغة عاصر الخليل بن أحمد الفراهيدي، وعاصر من الشعراء الكثير مثل: بشار بن برد وأبا نواس، ومسلم بن الوليد وأبا تمام والبحتري، وابن الرومي وغيرهم، وتتلمذ على الأصمعي وأبي عبيدة والأخفش، كل هذا ترك أثره في الرجل، ووضح ذلك الأثر في كتاباته. للجاحظ في مجال الدراسات الأدبية منهج معروف، يمثل مدرسة تسمى المدرسة الجاحظية، وهي شبيهة بمدرسة ابن المقفع، وقامت حولها دراسات كثيرة، وتأثر بها أتباعه، كما شهد بفضله واعترف بعلمه، وعظيم فكره علماء عصره، يدل على ذلك ما ورد عن أبي القاسم السيرافي حيث قال: "حضرنا مجلس الأستاذ أبي الفضل بن العميد الوزير، فجرى ذكر الجاحظ فغض منه بعض الحاضرين وأزرى به، وسكت الوزير عنه فلما خرج الرجل

стр. 59

قلت له: سكتَّ أيها الأستاذ عن هذا الرجل في قوله، مع عادتك على الرد على أمثاله؟! فقال: لم أجد في مقابلته أبلغ من تركه على جهله، ولو واقفته وبينت له لنظر في كتبه وسار بذلك إنسانًا يا أبا القاسم، فكتب الجاحظ تعلم العقل أولا والأدب ثانيًا، ولم أستصلحه لذلك"، يعني لم أراجعه فيما قال؛ لأني لا أريد إصلاحه، أريد أن يظل على جهله الذي كشف عنه إنكاره لعلم ذلك الرجل، وهو الجاحظ. وقد وضحت ثقافته من خلال مؤلفاته الكثيرة، التي أوصلها البعض إلى ثلاثمائة وستين كتابًا، وكل كتب الجاحظ منارات يهتدى بها، وابتكارات تدل على عبقريته، يشهد بفضلها ابن العميد في قوله السابق، كما شهد بفضلها المسعودي حيث قال: "وكتب الجاحظ مع انحرافه المشهور تجلو صدأ الأذهان، وتكشف واضح البرهان؛ لأنه نظمها أحسن نظم، ورصفها أحسن رصف، وكساها من كلامه أجزل لفظ". ومن كتبه كتاب (الحيوان)، وكتاب (البيان والتبيين)، وكتاب (البخلاء)، وكتاب (مسائل القرآن)، وكتاب (فضيلة المعتزلة)، وكتاب (الرد على النصارى)، وكتاب (العرجان والبرصان)، وكتاب (الكيمياء)، وأشهر كتبه هو كتاب (الحيوان) ثم (البيان والتبيين)، فهما يمثلان زبدة فكره وخلاصة علمه. وقد عَمَّر الجاحظ حتى شارف المائة، وأصيب في آخر أيامه بمرض الفالج، ولم يمنعه ذلك من الدرس والتصنيف، وبينما هو يقرأ ذات ليلة بإحدى الحوانيت انهالت عليه الكتب فدفن تحتها، ومات شهيد العلم سنة مائتين وخمس وخمسين للهجرة.

стр. 60

أما عن المؤلف وهو كتاب (البيان والتبيين)؛ فإنه يعكس اهتمام العرب في عصره بصناعة الكلام، وأساليب الفصاحة والبيان، وفنون الجدل والمناظرة والتمرس بالخطابة، حيث أشار فيه صاحبه إلى حاجة المتكلم الماسة للبيان، كأداة من أدوات الاحتجاج المقنعة، فهو يؤلف لعصره ولأبناء جيله، وعصرُه عصر كثر فيه الصراع بين أرباب الملل والنحل. حصر الجاحظ البيان في خمسة أشياء: اللفظ والإشارة والعقد والخط والحال، اللفظ أهم تلك الوسائل عنده، ومن ثم تحدث عنه بإسهاب، وأوضح دور الصوت في هذا المجال، وأشار إلى العيوب التي تعتري البيان بسبب علة في الصوت؛ كالحبسة واللثغة واللكنة واللحن، وغيرها من العلل التي تلحق اللفظ، ومقياس الفصاحة عنده هو القرآن الكريم. ولم يقتصر الجاحظ على دراسة اللفظ المفرد، وإنما اهتم باللفظ داخل التركيب، فعقد بابًا للبلاغة، وعرض التعريفات التي دارت حولها، وقارن بين مفاهيمها لدى الأمم المختلفة، وبيَّن شروطها من إيجاز، وموافقة الكلام لمقتضى الحال، ومتانة العبارة، والطبع، والموهبة وغير ذلك، كما تعرض الجاحظ في كتابه لأصل اللغة، وكيفية تعلمها، وما يطرأ عليها من تطور، وأشار إلى حركة الترجمة التي نشطت في عصره نشاطًا لا حد له، كما أشار إلى ما ينبغي للترجمان أن يتصف به من علم باللغة وغيرها، ورأى أن الشعر لا يترجم، وإذا ترجم ذهب سحره وتقطع نظمه، وبطل وزنه وذهب حسنه، وهذه رؤية إن دلت فإنما تدل على تمكنه في باب الشاعرية والنقد. كما استحوذ الزهد على جانب كبير من كتابه، حيث أورد كثيرًا من مواعظ الزهاد والنساك، وذكر أسماءهم؛ كالحسن البصري وأبي حازم الأعرج وأبي

стр. 61

عبد الحميد وعمر بن عبد العزيز، وذكر من الشعراء الزهاد: أبا العتاهية وأبا نواس والطرماح بن حكيم. والكتاب يقع في ثلاثة أجزاء، تدور في مجملها حول البيان والبلاغة والفصاحة. تحدث الجاحظ في الجزء الأول عن البيان وعيوبه، وأدواته ومكانته، وحلل عناصره، ثم تحدث عن البلاغة ومذاهب رجالها، ومفهومها لدى كل منهم، وترجم لبعض البلغاء، كما أورد طرفًا من الخطب القصار للسلف، محاولا توضيح ما ينبغي أن يتوافر في الخطبة؛ مِن قوة الطبع، وشرف المعنى وجمال اللفظ، ومراعاة مقتضى الحال، وترجم لعدد من الخطباء، كما أشار في هذا الجزء إلى السجع المطبوع والمتكلف، ومنزلته الأدبية، وتعرض للكلمات التي وردت موزونة في كتاب الله ، ونفى أن يكون ذلك من قبيل الشعر على الإطلاق. أما في الجزء الثاني من الكتاب، فقد تحدث عن الخطابة وأقسامها، وكل ما يتصل بها، وعرض لبلاغة الرسول ﷺ من خلال خطبه، كما تعرض لخطب بعض الصحابة والسلف الصالح -رضوان الله عليهم، وأشار في هذا الجزء أيضًا إلى مذاهب الشعراء المطبوعين، وطبقاتهم. وفي الجزء الثالث تحدث عن الشعوبية، فبين مزاعم الشعوبيين في الطعن على العرب، ورد على مزاعمهم وفند حججهم، خاصة فيما نعوه على العرب من عادة الإمساك بالعصى والقوس عند الخطبة. وكان الجاحظ منظمًا في رده، صادقًا في الإتيان بالحجة المفحمة، وينبع صدقه من ولاء واضح للدين والجنس واللغة، وفي ذلك الجزء أيضًا أورد الجاحظ كثيرا من المواعظ والحكم، والمقطعات الشعرية الدالة على الزهد، كما أشار إلى الرواية

стр. 62

وذكر طبقات الرواة، ويعد الجاحظ بكتابه هذا -وغيره من الكتب- رائدًا في ميدان دراسة علم البيان، وفلسفة اللغة العربية، وأستاذًا لمن جاء بعده كابن فارس، وابن جني، والسيوطي وغيرهم. وقد أهدى الجاحظ كتابه ذاك إلى القاضي أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي وزير المأمون، وقيل: إنه ألف القسم الأول منه في الفترة التي توثقت فيها صلته بهذا القاضي، بعد سنة مائتين واثنتين وثلاثين، ونال به جائزة بلغت خمسة آلاف دينار، ثم أكمله بعد انتقاله إلى البصرة. هذا رأي ذكره ياقوت في (معجم الأدباء)، والثابت أن كتاب (البيان والتبيين) تم تأليفه بعد كتاب (الحيوان)، يدل على ذلك قوله: "كانت العادة في كتاب (الحيوان) أن أجعل في كل مصحف من مصاحفه عشر ورقات من مقطعات الأعراب ونوادر الأشعار". وكتاب (البيان والتبيين) من أشهر كتب الأدب التي لا تخلو من الإشارة إليه، والاقتباس منه، والإشادة به كتب المعاصرين له، والذين من بعده حتى عصرنا هذا. أما عن منهج الجاحظ في كتابه، وبيان قيمته؛ فرغم أن الجاحظ كان بارعًا في معالجة القضايا التي يطرقها، ويجيد الاستدلال ويحكم التعليل، إلا أن كتابه (البيان والتبيين) جاء متشعب الأفكار كتشعب ثقافته، ومتداخل الموضوعات كتداخلها في خاطره، إذ لم يلتزم الجاحظ منهجًا واحدًا واضحًا في كتابه، وإنما تغلب عليه سمة الاستطراد والانتقال من موضوع لآخر، دون أن يتم الأول، ثم يعود إليه مرة أخرى، وترتب على ذلك تكرار الموضوع الواحد في أكثر من موضع داخل الكتاب، وتكرار النصوص التي استشهد بها.

стр. 63

وقد أحس الجاحظ نفسه بهذا الخلل المنهجي عندما قال في بداية حديثه عن البيان، بعد أن أطال الحديث عن العي والعجز: "وكان الحق أن يكون هذا الباب في أول الكتاب، ولكنا أخرناه لبعض التدبير". ويبدو أن السر في سيطرة النزعة الاستطرادية عليه: أن الجاحظ كان لم يشغل نفسه بالترتيب والتنظيم، انشغاله بتدوين الفكرة، وأن ثقافته الواسعة المزدحمة هي التي أملت عليه ذلك المنهج الاستطرادي، ولكن رغم ذلك فإن الكتاب عالي القيمة، يعد مثلا يحتذى لمن جاء بعده من العلماء، فقد نهجوا نهجه في التأليف، كما فعل ابن قتيبة في (عيون الأخبار) وابن عبد ربه في (العقد الفريد)، وقد ذاع صيت الكتاب في الشرق والغرب في أيام الجاحظ، ومن بعده كثرت نسخه واتسع ذيوعه، وقد حظي (البيان والتبيين) باهتمام بالغ، وإقبال عظيم من قبل الناشرين والمحققين، فطبع أكثر من مرة في مجلدين وفي ثلاثة مجلدات، وقام بطبعه أكثر من طابع وحققه أكثر من محقق، وآخر هذه الطبعات هي الطبعة التي كانت سنة ألف وتسعمائة واثنتين وتسعين، والتي أشرف على شرحه وتبويبه فيها الدكتور علي أبو مِلْحَم، لكنها لم تبلغ مبلغ التحقيق الذي قام به عبد السلام هارون من قبل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 64

الدرس: ٥ مناهج التأليف عند العرب (٤) .

стр. 65

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس (مناهج التأليف عند العرب (٤)) الاتجاه الرابع "الموسوعات العلمية " الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه، وبعد: فأشرنا إلى اتجاهات التأليف عند العرب، وعرضنا نماذج لكل اتجاه منها، وعرفنا من خلال ذلك العرض منهج العلماء في تلك المصادر، والموسوعات العلمية تمثل اتجاهًا من تلك الاتجاهات، وفي البداية نتعرف على الموسوعات العلمية: ما المقصود بها؟ ومتى ظهرت؟ وما العوامل التي ساعدت على ظهورها؟ الموسوعات العلمية عبارة عن كتب لا تختص بعلم معين أو فن محدد، وإنما تجمع بين عدة علوم وفنون مختلفة؛ أدبية وسياسية ولغوية، وفلكية، وجغرافية وغيرها، فمؤلف الموسوعة يسجل فيها كل ما يتوارد على خاطره، وتفيض به ثقافته حال تأليفها، وتغلب على هذا النوع من التأليف سمة الاستطراد والتفريع، وقد ظهرت الموسوعات العلمية في وقت مبكر من حياة العرب، بعدما طرقوا باب التأليف، ويعد كتاب (الحيوان) للجاحظ، وكتاب (عيون الأخبار) لابن قتيبة من بواكير التأليف الموسوعي لدى العرب. فإذا تأملنا في هذين الكتابين نلحظ أنهما موسوعتان أدبيتان لغويتان تاريخيتان سياسيتان متكاملتان، كما يعد كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني -الذي عاش في النصف الأول من القرن الرابع الهجري- من أكبر وأغنى الموسوعات الأدبية والتاريخية والاجتماعية والموسيقية، كما يمثل كتاب (الأنساب) للسمعاني وكتاب (معجم البلدان) لياقوت الحموي مرحلة تالية من مراحل التأليف الموسوعي عند العرب، ولا شك في أن ظهور تلك الموسوعات في هذه المرحلة المبكرة يرجع إلى عدة عوامل، ساعدت على ميلادها وانتشارها، ونجاح مؤلفيها في تأليفها.

стр. 66

من هذه العوامل التي أدت إلى انتشار هذا النوع من التأليف لدى العرب في تلك المرحلة المبكرة من حياتهم: المفهوم السائد لكلمة أدب آنذاك، فكلمة أدب آنذاك كانت تعني الثقافة العامة، أو الأخذ من كل فن بطرف، وشاع استخدامها في تلك الفترة للدلالة على هذا المعنى، وقد أثرت تلك الدلالة تأثيرًا كبيرًا على هؤلاء العلماء، ووجهتهم تلك الوجهة الموسوعية في تأليفهم. ومن هذه العوامل أيضًا: تطور البيئة الثقافية والفكرية لدى العرب، ففي العصر الأول قبل الإسلام عاشت الأمة العربية في إطار فكر ضيق، لا يتجاوز حدود بيئتهم العربية بأقاليمها وأهلها، هذه الحقيقة معروفة، كان العرب يتحركون في إطار ضيق، رغم الرحلات التي كانت لهم خارج الجزيرة، لكن الاختلاط لم يصل إلى حد التأثير والتأثر من ناحية الفكر والثقافة. هذه الرحلات لم تتح لهم التعرف على حضارات الأمم الأخرى والتعمق فيها، فلما جاء الإسلام وتمت الفتوحات الإسلامية اتسعت الدولة الإسلامية، واختلط العرب بغيرهم من الأمم الأخرى، وامتزجت الثقافة العربية بالثقافات الأجنبية، بالإضافة إلى اشتغال عدد غير قليل من المسلمين غير العرب بالتأليف، فالتقت الحضارات والثقافات والأفكار واللغات، وفي ظل هذه البيئة الجديدة التي أحدثها الإسلام وُجدت طائفة من العلماء ذوي ثقافة علمية واسعة متنوعة، ونضج فكري يسمح لصاحبه باستيعاب الحضارات الأجنبية، وبلورتها في حضارة عربية إسلامية جديدة، محاطة بسياج من العقيدة الإسلامية واللغة، نطالع ذلك كله في تلك الموسوعات العلمية التي حملت ذلك الفكر، وعبرت عن هذه الوجهة. وفي سياق الإشارة إلى أسباب ظهور تلك الموسوعات في تلك الفترة المبكرة من حياة العرب أيضًا؛ ينبغي ألا ننسى طبيعة تلك الفترة التي ظهرت فيها، وهي

стр. 67

فترة ميلاد التأليف لدى العرب، وتدوين علومهم ومعارفهم، فهي تمثل طورًا أوليًا من أطوار الحركة العلمية، وفي مثل هذا الطور يكتب المؤلفون ما تمليه ثقافتهم، وما تتطلبه بيئتهم، غير خاضعين لقوالب بحثية، أو منهجية تلزمهم بالتخصص في علم أو فن، هذه هي طبيعة هذه الفترة، وهذا ما حدث إزاء تأليف هذا النمط الموسوعي، فرأيناه يعكس صورة العقلية العربية والبيئة العربية في تلك الفترة المبكرة، ثم تطورت الحياة بعد ذلك وتطور معها التأليف الموسوعي، وانتقل من الإطار الفردي إلى الإطار الجماعي كما نرى الآن، هناك مؤسسات وهيئات علمية وبحثية متخصصة، تسعى جاهدة لإخراج مثل هذه الموسوعات العلمية عربية وغير عربية. ومما تجدر الإشارة إليه أنه لا تذكر الموسوعات العلمية إلا ويذكر معها العصر المملوكي، ذلك العصر الذي أطلق عليه عصر الموسوعات العلمية، وهو حكم صحيح إلى حد كبير، والسبب في أن ذلك العصر أطلق عليه هو أن عصرًا تكتب فيه هذه المجموعة من الكتب، التي جمعت إلى ضخامة الحجم نفاسة المحتوى، وإلى وفرة العدد أصول علومنا الحضارية؛ لا ينبغي لأحد أن يبخل عليه بهذه التسمية، فهو بحق عصر الموسوعات العلمية. ورغم ما كانت تعانيه الدولة الإسلامية آنذاك من تمزق وضعف؛ نتيجة الغزو التتري الغاشم، وضياع جزء كبير من تراثها العريق، رغم ذلك كله ازدهر فيها التأليف الموسوعي ازدهارًا عظيمًا، وظهرت أشهر الموسوعات العلمية في تلك الفترة؛ منها على سبيل المثال لا الحصر: (لسان العرب) لابن منظور، و (نهاية الأرب في فنون الأدب) لشهاب الدين النويري، و (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) لابن فضل الله العمري، و (صبح الأعشى في صناعة الإنشا) للقلقشندي، و (الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) لابن حجر، وغير ذلك من موسوعات كثيرة.

стр. 68

ومما تجدر الإشارة إليه أيضًا أن العصر المملوكي لم يكن مجرد عصر إحياء ما زوى، ولَمّ شتات ما اندثر من آثارنا الفكرية والحضارية، وتسجيل ما هو مهدد بالزوال من أدبنا، ما كان منه مسطرًا في الكتب أو مبعثرًا في الأذهان، لم يكن ذلك العصر هكذا بأي حال من الأحوال، وإنما كان عصر عطاء وبناء وابتكار، والدليل على ذلك هؤلاء الأعلام الذين أشرت إلى بعضهم، بالإضافة إلى العالم الجليل، والمفكر الأديب، والمؤرخ الدقيق، والفيلسوف العميق: عبد الرحمن بن خلدون. ورغم أن الحكام لم يكونوا عربًا آنذاك لكنهم كانوا مسلمين، والحضارة في جوهرها إسلامية قبل أن تكون عربية، وليس من المعقول أو المقبول أن يقف هؤلاء الملوك -الذين قهروا التتار وحاربوا الصليبيين- في وجه الفكر الإسلامي، والحيلولة دون عطائه، وفي ظل هذا الوضع الذي كان عليه الحال في تلك الفترة من تمزق وضعف، وغزو تتري وضياع ثروة طائلة، وحكام ليسوا عربًا، في ظل هذا الوضع كله تنبثق هذه الموسوعات ويظهر هذا الفكر؛ إنه لأمر عجيب حقًا يدعو إلى التأمل، ومعرفة الأسباب الداعية لذلك، فكم من عصور عاش فيها العرب آمنين مستقرين، ولم تبدع عبقريتهم مثل ما أبدع العلماء في العصر المملوكي، الأمر الذي يدعونا إلى الجري وراء الأسباب والكشف عنها، فما السبب وراء ذلك؟ في الحقيقة هناك عدة أسباب نشير إليها في عجالة: أولا: خوف العلماء من ضياع التراث العربي والإسلامي، واندثاره على يد المغول والتتار، هذا الخوف كان يسيطر على قلوبهم، فماذا يفعلون تجاه ذلك التراث؟ أقبلوا عليه يجمعون ما بقي منه، ويضمنوه موسوعاتهم، وساعدهم على ذلك تمتعهم بموهبة فطرية في شتى ميادين العلم والمعرفة، وفكر ناضج وقدرة فائقة على التأليف. ثانيا: التنافس الشديد بين العلماء في ذلك المجال، إذ اتخذوا من تأليف الموسوعات ميدانًا للمفاخرة والمباهاة، فالسيوطي مثلا زادت مؤلفاته على ستمائة

стр. 69

مؤلف، وزادت مؤلفات ابن تيمية على خمسمائة، وابن حجر العسقلاني بلغت مؤلفاته مائة وخمسين كتابًا، وبلغت مؤلفات صلاح الدين الصفدي أكثر من مائتي كتاب، وهكذا أصبح مجال التأليف مجالا فسيحًا للمنافسة بين العلماء، وكان هذا ضمن أسباب انتشار هذا النوع من التأليف في ذلك العصر. سبب ثالث: يتمثل ذلك السبب في تشجيع السلاطين المماليك على نشر العلم، واهتمامهم باقتناء الكتب، ومنحهم الجوائز السخية لأصحاب تلك الموسوعات، رغم أنهم لم يكونوا عربًا كما ذكرت، لكن الحس الإسلامي دفعهم إلى الحفاظ على ذلك التراث. السبب الرابع: هو توفر المادة العلمية، الممثلة في المعارف الثقافية والعلوم العربية الإسلامية، على مدى قرون ثمانية مضت، ويمكن القول في تعليل تلك الظاهرة: إن البيئة التي نشأت فيها الموسوعات المملوكية كانت بيئة خصبة مستنيرة، غير جامدة ولا متخلفة، وإن فترة تأليفها كانت فترة ازدهار ثقافي، وتألق حضاري في مختلف فروع الآداب، وجوانب المعرفة الإنسانية، وفنون العمارة الإسلامية، التي لا تزال شامخة في كل المدن الكبرى إلى الآن في مصر والشام. الصور التي جاءت عليها الموسوعات، ونماذج لها لو تأملنا هذه الموسوعات التي ألفت في العصر المملوكي لرأينا أنها تأتي على صورتين أو شكلين من أشكال التأليف: الصورة الأولى: وهي عبارة عن موسوعات عامة، تحتوي على علوم مختلفة ومعارف وفنون شتى؛ كالتاريخ والأدب واللغة والفقه والفلك، وغير ذلك من العلوم والفنون، ويمثل هذا النوع من الموسوعات كتاب (نهاية الأرب في فنون

стр. 70

الأدب) للنويري، ثم كتاب (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) لابن فضل الله العمري، ثم كتاب (التذكرة الصفدية) للصفدي، وغيرها من موسوعات موجودة بين أيدينا. الصورة الثانية من صور التأليف: موسوعات متخصصة، تتناول علمًا أو فنًا واحدًا تعرضه من جميع جوانبه عرضًا شاملا، يستوعب كل ما يدور حوله من قريب أو بعيد. مثل: كتب الحديث والفقه والتاريخ والتراجم والطبقات، فقد اهتم أصحاب هذه الكتب بالبحث في كل جوانب تلك العلوم، لم يتركوا جانبًا من جوانبها إلا وأحاطوا به علمًا في بحوثهم، ومن هذا النوع كتاب (النجوم الزاهرة) لابن تغري بردى، وكتاب (البداية والنهاية) لابن كثير، وكتاب (وفيات الأعيان) لابن خلكان، و (لسان العرب) لابن منظور، وغيرها من الكتب، وقد قامت تلك الموسوعات بدور عظيم في تطور النقد العربي، ووضع المقاييس الفنية التي يحتاجها الناقد. هذه حقيقة لا ينبغي إنكارها أو تجاهلها، هذه الموسوعات أدت خدمة جليلة للأدب والنقد، إذ حشد فيها مؤلفوها مجموعة من الرؤى النقدية لهم، أو لغيرهم من العلماء السابقين، كانت هذه الموسوعات مصدرًا من مصادر التعرف على تلك المقاييس؛ مِن خلال الأحكام النقدية التي يبحث عنها الباحثون، فيجدونها داخل هذه الموسوعات عبارة عن آراء لأصحابها أحيانًا، أو منقولة عن غيرهم أحيانًا أخرى، كما تعد هذه الموسوعات نواة طيبة لنشأة الفن القصصي فيما بعد، كيف ذلك؟ ما علاقة هذه الموسوعات بالفن القصصي الذي ذاع وانتشر في تلك الآونة؟

стр. 71

الفن القصصي يعتمد في جوهره على السرد، والسرد فن من الفنون الأدبية الحديثة، ومؤلفو هذه الموسوعات اختاروا النمط السردي حين تأليفهم لها، فهُم بذلك وضعوا حقيقة نواة طيبة لنشأة هذا اللون من الأساليب، وهو الأسلوب السردي. والآن سنعرض لبعض هذه الموسوعات عرضًا سريعًا؛ لمعرفة مدى الجهد الذي بذله أسلافنا من ناحية، ثم نتعرف على ما كان يتصف به هؤلاء العلماء من فكر وعلم وموهبة من جهة ثانية، ونتعلم أيضًا كيفية اختيار المنهج العلمي السديد حين نلجأ أو نتوجه إلى كتابة مثل هذه الموسوعات. أولًا: كتاب (العقد الفريد)، نتحدث عنه كنموذج من نماذج هذه الموسوعات العلمية. مؤلفه الأديب الأريب أبو عمر شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه القرطبي الأندلسي، وهو أحد علماء وأدباء الأندلس المشهورين. ولد في قرطبة سنة مائتين وست وأربعين للهجرة، وكانت قرطبة آنذاك من أعظم المدن الأندلسية حضارة ونهضة علمية، وهي تشبه بغداد حاضرة الدولة العباسية في ذلك الوقت، مِن حيث النهضة العلمية، والحضارة والحركة التأليفية النشطة فيها. نشأ ابن عبد ربه بين أحضان تلك الطبيعة الساحرة، فبعثت في نفسه حب الشعر فقرضه وبرع فيه، وظهر صداها في شعره، كما تتلمذ في تلك المدينة على طائفة من شيوخ عصره؛ كالخشني وابن وضاح، ويحيى بن الفقيه وجرياب المغني المشهور، وعاصر ابن عبد ربه ثلاثة من ملوك الأندلس المشهورين، ومدحهم بشعره ونال التكريم منهم؛ وهم: المنذر بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط، وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط، وعبد الرحمن الناصر، أشهر ملوك

стр. 72

الأندلس، وأسعدهم حظًا، وأطولهم فترة حكم، كما حكى لسان الدين بن الخطيب. لزم ابن عبد ربه قرطبة طوال حياته، ونهل من علوم الشرق التي زحفت إلى الأندلس، عن طريق استقدام الأدباء والعلماء إليها، ثم أصيب في أواخر حياته بمرض الفالج، كما أصيب الجاحظ من قبله بهذا المرض. وتوفي ابن عبد ربه بقرطبة سنة ثلاثمائة وثمان وعشرين للهجرة. يقول عنه الثعالبي صاحب (يتيمة الدهر): "إنه أحد محاسن الأندلس علمًا وفضلا وأدبًا ومثلًا، وشعره في نهاية الجزالة والحلاوة، وعليه رونق البلاغة والطلاوة". أما محتوى الكتاب ومنهج المؤلف فيه؛ فقد بدأ ابن عبد ربه كتابه بمقدمة وضح فيها مضمون الكتاب، والمنهج الذي سلكه؛ أما عن المحتوى فيقول: "وقد ألفت هذا الكتاب، وتخيرت جواهره من متخير جواهر الآداب، ومحصول جوامع البيان، فكان جوهر الجوهر ولباب الألباب، وإنما لي فيه تأليف الأخبار، وفضل الاختيار، وحسن الاختصار، وما سواه -يقصد المعلومات- فمأخوذ من أفواه العلماء، ومأثور عن الحكماء والأدباء، واختيار الكلام أصعب من تأليفه". هذا حق. ويقول في موضع آخر في بيان المحتوى: "وقد نظرت في بعض الكتب الموضوعة، فوجدتها غير متصرفة في فنون الأخبار، ولا جامعة لجمل الآثار، فجعلت هذا الكتاب كافيًا شافيًا، جامعًا لأكثر المعاني التي تجري على أفواه العامة والخاصة، وتدور على ألسنة الملوك والسوقة، وحليت كل كتاب منها بشواهد من الشعر، تجانس الأخبار في معانيها، وتوافقها في مذاهبها؛ ليعلم الناظر في كتابنا هذا أن لمغربنا على قاصيته، وبلدنا على انقطاعه حظًا من المنظوم والمنثور".

стр. 73

فالكتاب -كما هو واضح من تلك العبارات التي أوردها المؤلف، وتدل على تواضعه أيضًا- يعد من الموسوعات الأدبية التاريخية الاجتماعية، جمع فيه مؤلفه مجموعة من النصوص الأدبية في الشعر والنثر، ما بين حكمة مأثورة أو قول مشهور أو مثل سائر، بالإضافة إلى طائفة من الأخبار التاريخية والاجتماعية وغيرها، وطبائع النفس والنوادر والملح، وغير ذلك، ومن ثم ندرجه ونعده ضمن الموسوعات العلمية المشهورة. وفي مقدمة الكتاب أشار المؤلف إلى عنوانه، والسبب في اختياره فقال: "وسميته كتاب (العقد الفريد) لما فيه من مختلف جواهر الكلام، مع دقة السلك وحسن النظام، وجزأته على خمسة وعشرين كتابًا، كل كتاب منها جزآن، فتلك خمسون جزءًا، في خمسة وعشرين كتابًا، وقد انفرد كل كتاب منها باسم جوهرة من جواهر العقد". هذه الفكرة عن التسمية التي ذكرها المؤلف في المقدمة؛ تقطع كل ما دار حول العنوان من أقاويل، وتؤكد أن اسمه (العقد الفريد)، وأنه قائم على التخييل والتشبيه، كما يؤكد ذلك أيضًا تقسيم الكتاب، وتسمية كل قسم منها، فقد تخيل ابن عبد ربه كتابه عقدًا منظومًا، وسمى كل باب باسم من أسماء ذلك العقد، والعقد في حقيقته يتكون من خمسة وعشرين حبة ثمينة، لكل حبة منها اسم معروف، وأنفس حبات العقد هي الحبة الوسطى التي تسمى واسطة العِقد، عن يمينها اثنتا عشرة حبة، وعن يسارها اثنتا عشرة حبة، وأسماء الحبات من جهة اليمين تختلف، نبدؤها كالتالي مما يلي الواسطة مباشرة: المُجَنَّبَة، ثم العسجدة، ثم اليتيمة، ثم الدرة، ثم الزمردة، ثم الجوهرة، ثم الياقوتة، ثم المرجانة، ثم الجمانة، ثم الزبرجدة، ثم الفريدة، ثم اللؤلؤة، تلك هي الأسماء مما يلي الواسطة من جهة اليمين.

стр. 74

أما أسماء الحبات من جهة اليسار، فهي نفس الأسماء، لكن تضاف إليها كلمة الثانية فيقول: المجنبة الثانية، ثم العسجدة الثانية، ثم اليتيمة الثانية، ثم الدرة الثانية، ثم الزمردة الثانية، ثم الجوهرة الثانية، وهكذا حتى آخر الأسماء التي استخدمها ابن عبد ربه أسماء لأبواب مؤلفه، يعني أخذ كل اسم من أسماء العقد، ووضعها عنوانًا لباب من أبواب كتابه، فيقول: "الكتاب الأول -يعني الباب الأول: اللؤلؤة في السلطان، الثاني: الفريدة في الحروب ومدار أمرها، والثالث: الزبرجدة في الأجواد والأصفاد"، وهكذا حتى يصل إلى الواسطة فيقول: "كتاب الواسطة في الخطب". الواسطة التي هي أرفع حبات العقد يجعلها للخطب. ثم يبدأ من جهة اليسار فيقول: "كتاب المجنبة الثانية في التوقيعات والفصول والصدور، وأخبار الكتب، ثم العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأيامهم"، وهكذا حتى يصل إلى اللؤلؤة الثانية، وهي في النتف والهدايا والفكاهات والمُلح. أما عن المنهج الذي سلكه ابن عبد ربه في كتابه فيقول هو عنه: "فتطلبت نظائر الكلام، وأشكال المعاني، وجواهر الحكم، ودروب الأدب، ونوادر الأمثال، ثم قرنت كل جنس منها إلى جنسه، فجعلته بابًا على حدته؛ ليستدل الطالب للخبر على موضعه من الكتاب، ونظيره في كل باب"، يشير هذا إلى جزء من المنهج الذي اتبعه المؤلف، وهو منهج علمي سديد، يعتمد على الترتيب المنطقي المنظم للأفكار والموضوعات، وجعلها في باب واحد، والحقيقة أن هذا المنهج الذي اتبعه قد جنبه الوقوع في عيب التكرار، الذي رأيناه في بعض المؤلفات، وكان ابن عبد ربه دقيقًا عندما وضع في اعتباره حال المتلقي ساعة تأليف الكتاب، إذ كان من دوافع اختيار ذلك المنهج -كما أشار إلى ذلك- تجنيب القارئ مغبة الجهد في البحث عما يريد، فجاءت أبواب الكتاب بمثابة الفهارس، أو المنارات التي يهتدي بها القارئ، هذه خطوة أولى من خطوات المنهج العلمي، أشار إليها الرجل في كتابه.

стр. 75

ثم نمضي خطوة أخرى في طريق المنهج أيضًا نلمحها في قوله: "وقصدت من جملة الأخبار وفنون الآثار أشرفها جوهرًا، وأظهرها رونقًا، وألطفها معنى، وأجزلها لفظًا، وأحسنها ديباجة، وأكثرها طلاوة وحلاوة". هذه الفكرة تكشف عن منهجه في اختيار النماذج التي أتى بها، وضمنها كتابه، والأخبار والنوادر التي أوردها، وهو منهج يعتمد على التأثر الذاتي، والتذوق الفردي، ويفصح عن تمتع المؤلف بذوق فني رفيع يعتد به، ومعرفة تامة بمواطن الجودة والرداءة من الكلام، فالرجل لم يسجل في موسوعته إلا أشرف المعاني وأجودها، هذا جزء من المنهج أيضًا يتعلق بمسألة اختيار النماذج، والجزء الأول يتعلق بمسألة الترتيب والتنظيم. جانب ثالث من جوانب المنهج العلمي الذي استخدمه يشير إليه أيضًا بقوله: "وحذفت الأسانيد من أكثر الأخبار طلبًا للاستخفاف والإيجاز، وهربًا من التثقيل والتطويل؛ لأنها أخبار ممتعة وحكم ونوادر، لا ينفعها الإسناد باتصاله، ولا يضرها ما حذف منها"، فالرجل كما ترى في هذه الفكرة لا يكثر من ذكر الأسانيد عند إيراد الأخبار؛ حتى لا يمل القارئ أو يطول الكتاب، هذا أيضًا ملاحظة نضيفها إلى الملاحظة السابقة، من أنه يراعي حال المتلقي عند تأليفه ذلك الكتاب. وهذه الطريقة التي أشار إليها -حذف الأسانيد لأنها لا تفيد من وجهة نظره- رغم أنها تفيد القارئ في الحصول على المعلومة من أيسر الطرق؛ لأن الذي ينظر في كتاب من الكتب يود الحصول على المعلومة بسرعة، وفي وقت وجيز، لا يتعلق بذكر الأسانيد، فهو بهذا يقدم المعلومة لمن يطلع على الكتاب في أقل وقت زمني، رغم أنها تفيد القارئ في الحصول على المعلومة من أيسر الطرق، إلا أنها لا تفي بالغرض، أحيانًا الإنسان يقرأ خبرًا من الأخبار، فيرى أنه في حاجة ملحة إلى معرفة أصل ذلك الخبر، وتتبع رجاله، في هذه الحالة لابد من
следующие страницы →