← Адаб

Адаб · id 30927

أصول البحث الأدبي ومصادره - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (350 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الفن القصصي يعتمد في جوهره على السرد، والسرد فن من الفنون الأدبية الحديثة، ومؤلفو هذه الموسوعات اختاروا النمط السردي حين تأليفهم لها، فهُم بذلك وضعوا حقيقة نواة طيبة لنشأة هذا اللون من الأساليب، وهو الأسلوب السردي. والآن سنعرض لبعض هذه الموسوعات عرضًا سريعًا؛ لمعرفة مدى الجهد الذي بذله أسلافنا من ناحية، ثم نتعرف على ما كان يتصف به هؤلاء العلماء من فكر وعلم وموهبة من جهة ثانية، ونتعلم أيضًا كيفية اختيار المنهج العلمي السديد حين نلجأ أو نتوجه إلى كتابة مثل هذه الموسوعات. أولًا: كتاب (العقد الفريد)، نتحدث عنه كنموذج من نماذج هذه الموسوعات العلمية. مؤلفه الأديب الأريب أبو عمر شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه القرطبي الأندلسي، وهو أحد علماء وأدباء الأندلس المشهورين. ولد في قرطبة سنة مائتين وست وأربعين للهجرة، وكانت قرطبة آنذاك من أعظم المدن الأندلسية حضارة ونهضة علمية، وهي تشبه بغداد حاضرة الدولة العباسية في ذلك الوقت، مِن حيث النهضة العلمية، والحضارة والحركة التأليفية النشطة فيها. نشأ ابن عبد ربه بين أحضان تلك الطبيعة الساحرة، فبعثت في نفسه حب الشعر فقرضه وبرع فيه، وظهر صداها في شعره، كما تتلمذ في تلك المدينة على طائفة من شيوخ عصره؛ كالخشني وابن وضاح، ويحيى بن الفقيه وجرياب المغني المشهور، وعاصر ابن عبد ربه ثلاثة من ملوك الأندلس المشهورين، ومدحهم بشعره ونال التكريم منهم؛ وهم: المنذر بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط، وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط، وعبد الرحمن الناصر، أشهر ملوك

стр. 72

الأندلس، وأسعدهم حظًا، وأطولهم فترة حكم، كما حكى لسان الدين بن الخطيب. لزم ابن عبد ربه قرطبة طوال حياته، ونهل من علوم الشرق التي زحفت إلى الأندلس، عن طريق استقدام الأدباء والعلماء إليها، ثم أصيب في أواخر حياته بمرض الفالج، كما أصيب الجاحظ من قبله بهذا المرض. وتوفي ابن عبد ربه بقرطبة سنة ثلاثمائة وثمان وعشرين للهجرة. يقول عنه الثعالبي صاحب (يتيمة الدهر): "إنه أحد محاسن الأندلس علمًا وفضلا وأدبًا ومثلًا، وشعره في نهاية الجزالة والحلاوة، وعليه رونق البلاغة والطلاوة". أما محتوى الكتاب ومنهج المؤلف فيه؛ فقد بدأ ابن عبد ربه كتابه بمقدمة وضح فيها مضمون الكتاب، والمنهج الذي سلكه؛ أما عن المحتوى فيقول: "وقد ألفت هذا الكتاب، وتخيرت جواهره من متخير جواهر الآداب، ومحصول جوامع البيان، فكان جوهر الجوهر ولباب الألباب، وإنما لي فيه تأليف الأخبار، وفضل الاختيار، وحسن الاختصار، وما سواه -يقصد المعلومات- فمأخوذ من أفواه العلماء، ومأثور عن الحكماء والأدباء، واختيار الكلام أصعب من تأليفه". هذا حق. ويقول في موضع آخر في بيان المحتوى: "وقد نظرت في بعض الكتب الموضوعة، فوجدتها غير متصرفة في فنون الأخبار، ولا جامعة لجمل الآثار، فجعلت هذا الكتاب كافيًا شافيًا، جامعًا لأكثر المعاني التي تجري على أفواه العامة والخاصة، وتدور على ألسنة الملوك والسوقة، وحليت كل كتاب منها بشواهد من الشعر، تجانس الأخبار في معانيها، وتوافقها في مذاهبها؛ ليعلم الناظر في كتابنا هذا أن لمغربنا على قاصيته، وبلدنا على انقطاعه حظًا من المنظوم والمنثور".

стр. 73

فالكتاب -كما هو واضح من تلك العبارات التي أوردها المؤلف، وتدل على تواضعه أيضًا- يعد من الموسوعات الأدبية التاريخية الاجتماعية، جمع فيه مؤلفه مجموعة من النصوص الأدبية في الشعر والنثر، ما بين حكمة مأثورة أو قول مشهور أو مثل سائر، بالإضافة إلى طائفة من الأخبار التاريخية والاجتماعية وغيرها، وطبائع النفس والنوادر والملح، وغير ذلك، ومن ثم ندرجه ونعده ضمن الموسوعات العلمية المشهورة. وفي مقدمة الكتاب أشار المؤلف إلى عنوانه، والسبب في اختياره فقال: "وسميته كتاب (العقد الفريد) لما فيه من مختلف جواهر الكلام، مع دقة السلك وحسن النظام، وجزأته على خمسة وعشرين كتابًا، كل كتاب منها جزآن، فتلك خمسون جزءًا، في خمسة وعشرين كتابًا، وقد انفرد كل كتاب منها باسم جوهرة من جواهر العقد". هذه الفكرة عن التسمية التي ذكرها المؤلف في المقدمة؛ تقطع كل ما دار حول العنوان من أقاويل، وتؤكد أن اسمه (العقد الفريد)، وأنه قائم على التخييل والتشبيه، كما يؤكد ذلك أيضًا تقسيم الكتاب، وتسمية كل قسم منها، فقد تخيل ابن عبد ربه كتابه عقدًا منظومًا، وسمى كل باب باسم من أسماء ذلك العقد، والعقد في حقيقته يتكون من خمسة وعشرين حبة ثمينة، لكل حبة منها اسم معروف، وأنفس حبات العقد هي الحبة الوسطى التي تسمى واسطة العِقد، عن يمينها اثنتا عشرة حبة، وعن يسارها اثنتا عشرة حبة، وأسماء الحبات من جهة اليمين تختلف، نبدؤها كالتالي مما يلي الواسطة مباشرة: المُجَنَّبَة، ثم العسجدة، ثم اليتيمة، ثم الدرة، ثم الزمردة، ثم الجوهرة، ثم الياقوتة، ثم المرجانة، ثم الجمانة، ثم الزبرجدة، ثم الفريدة، ثم اللؤلؤة، تلك هي الأسماء مما يلي الواسطة من جهة اليمين.

стр. 74

أما أسماء الحبات من جهة اليسار، فهي نفس الأسماء، لكن تضاف إليها كلمة الثانية فيقول: المجنبة الثانية، ثم العسجدة الثانية، ثم اليتيمة الثانية، ثم الدرة الثانية، ثم الزمردة الثانية، ثم الجوهرة الثانية، وهكذا حتى آخر الأسماء التي استخدمها ابن عبد ربه أسماء لأبواب مؤلفه، يعني أخذ كل اسم من أسماء العقد، ووضعها عنوانًا لباب من أبواب كتابه، فيقول: "الكتاب الأول -يعني الباب الأول: اللؤلؤة في السلطان، الثاني: الفريدة في الحروب ومدار أمرها، والثالث: الزبرجدة في الأجواد والأصفاد"، وهكذا حتى يصل إلى الواسطة فيقول: "كتاب الواسطة في الخطب". الواسطة التي هي أرفع حبات العقد يجعلها للخطب. ثم يبدأ من جهة اليسار فيقول: "كتاب المجنبة الثانية في التوقيعات والفصول والصدور، وأخبار الكتب، ثم العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم وأيامهم"، وهكذا حتى يصل إلى اللؤلؤة الثانية، وهي في النتف والهدايا والفكاهات والمُلح. أما عن المنهج الذي سلكه ابن عبد ربه في كتابه فيقول هو عنه: "فتطلبت نظائر الكلام، وأشكال المعاني، وجواهر الحكم، ودروب الأدب، ونوادر الأمثال، ثم قرنت كل جنس منها إلى جنسه، فجعلته بابًا على حدته؛ ليستدل الطالب للخبر على موضعه من الكتاب، ونظيره في كل باب"، يشير هذا إلى جزء من المنهج الذي اتبعه المؤلف، وهو منهج علمي سديد، يعتمد على الترتيب المنطقي المنظم للأفكار والموضوعات، وجعلها في باب واحد، والحقيقة أن هذا المنهج الذي اتبعه قد جنبه الوقوع في عيب التكرار، الذي رأيناه في بعض المؤلفات، وكان ابن عبد ربه دقيقًا عندما وضع في اعتباره حال المتلقي ساعة تأليف الكتاب، إذ كان من دوافع اختيار ذلك المنهج -كما أشار إلى ذلك- تجنيب القارئ مغبة الجهد في البحث عما يريد، فجاءت أبواب الكتاب بمثابة الفهارس، أو المنارات التي يهتدي بها القارئ، هذه خطوة أولى من خطوات المنهج العلمي، أشار إليها الرجل في كتابه.

стр. 75

ثم نمضي خطوة أخرى في طريق المنهج أيضًا نلمحها في قوله: "وقصدت من جملة الأخبار وفنون الآثار أشرفها جوهرًا، وأظهرها رونقًا، وألطفها معنى، وأجزلها لفظًا، وأحسنها ديباجة، وأكثرها طلاوة وحلاوة". هذه الفكرة تكشف عن منهجه في اختيار النماذج التي أتى بها، وضمنها كتابه، والأخبار والنوادر التي أوردها، وهو منهج يعتمد على التأثر الذاتي، والتذوق الفردي، ويفصح عن تمتع المؤلف بذوق فني رفيع يعتد به، ومعرفة تامة بمواطن الجودة والرداءة من الكلام، فالرجل لم يسجل في موسوعته إلا أشرف المعاني وأجودها، هذا جزء من المنهج أيضًا يتعلق بمسألة اختيار النماذج، والجزء الأول يتعلق بمسألة الترتيب والتنظيم. جانب ثالث من جوانب المنهج العلمي الذي استخدمه يشير إليه أيضًا بقوله: "وحذفت الأسانيد من أكثر الأخبار طلبًا للاستخفاف والإيجاز، وهربًا من التثقيل والتطويل؛ لأنها أخبار ممتعة وحكم ونوادر، لا ينفعها الإسناد باتصاله، ولا يضرها ما حذف منها"، فالرجل كما ترى في هذه الفكرة لا يكثر من ذكر الأسانيد عند إيراد الأخبار؛ حتى لا يمل القارئ أو يطول الكتاب، هذا أيضًا ملاحظة نضيفها إلى الملاحظة السابقة، من أنه يراعي حال المتلقي عند تأليفه ذلك الكتاب. وهذه الطريقة التي أشار إليها -حذف الأسانيد لأنها لا تفيد من وجهة نظره- رغم أنها تفيد القارئ في الحصول على المعلومة من أيسر الطرق؛ لأن الذي ينظر في كتاب من الكتب يود الحصول على المعلومة بسرعة، وفي وقت وجيز، لا يتعلق بذكر الأسانيد، فهو بهذا يقدم المعلومة لمن يطلع على الكتاب في أقل وقت زمني، رغم أنها تفيد القارئ في الحصول على المعلومة من أيسر الطرق، إلا أنها لا تفي بالغرض، أحيانًا الإنسان يقرأ خبرًا من الأخبار، فيرى أنه في حاجة ملحة إلى معرفة أصل ذلك الخبر، وتتبع رجاله، في هذه الحالة لابد من

стр. 76

الرجوع إلى الأصل الذي نقل عنه، لا ينفعه الاعتماد على هذا المصدر وهو كتاب المؤلف، لماذا؟ لأنه حذف الأسانيد. وهكذا نحس وراء هذا المنهج فكرًا ناضجًا، وشخصية تتصف بالذكاء والخبرة والتحضر، وتجمع بين عدة ثقافات متنوعة، ذكر المنهج كاملا في كتابه حتى لا يترك القارئ في حيرة للبحث عن منهجه، وهو كما رأيت منهج علمي سديد، يتصل بالترتيب، يتصل باختيار النماذج وكيفية توظيفها توظيفًا جيدًا، حتى تتسم وتتسق مع الأفكار، أو الموضوعات التي يعرضها، ثم لم يحرم المتلقي من مراعاة ظروفه من حيث التخفيف، وتقديم المعلومة في وقت وجيز؛ حتى لا يمل أو يجهد نفسه. أما بالنسبة لقيمة كتاب (العقد) في ميدان الأدب؛ فإن الكتاب يمثل موسوعة ضخمة في الثقافة العربية، ودائرة معارف تكاد تكون مكتملة الحلقات من الأخبار والنصوص الأدبية، ويعد أول كتاب في الأندلس من حيث الإفاضة والشمول والتنوع، وكثرة التمثل عن أدب المشارقة، كما يعد كتاب (العقد الفريد) أيضًا مصدرًا مهمًا لمن يريد التعرف على حياة العرب؛ الأدبية والاجتماعية والسياسية وغيرها، ففيه حديث طويل عن الأدب، فيه اختيارات متنوعة من النصوص الأدبية الجيدة ما بين قصيدة وخطبة وحكمة ومثل. وهذه الاختيارات ناتجة عن ذوق فردي، وبالتأمل فيها نجد أنها اختيارات دقيقة تنم عن ذوق فني رفيع، قصائد ذات موضوعات جيدة، ذات أساليب فنية جيدة، حكم سائرة، أمثال جيدة، فهي فعلا زاد أدبي لمن أراد أن يتزود بمثله، كما يحتوي الكتاب أيضًا على دراسة وافية لأوزان الشعر العربي، والعروض والقافية، وما يتصل بهذا الجانب من زحاف وعلل، مع ذكر نماذج عدة لكل ذلك، وفي الكتاب أيضًا حديث عن التاريخ العربي والإسلامي، إذ تحدث عن

стр. 77

أيام العرب وأنسابهم والحروب ومدارها، كما تحدث عن السلطان والخلفاء في المشرق والمغرب، وشيء من أخبارهم. وتناول ابن عبد ربه في كتابه أيضًا الجانب الاجتماعي، فعقد كتاب الزبرجدة الثانية للحديث عن طبائع الإنسان والحيوان، تحدث عن النفس والدار واللباس والتزين والتطيب، ثم ذكر أنواعًا من الحيوان وصفاتها، وفي كتاب الفريدة الثانية تحدث عن الطعام والشراب، وما يتعلق بهما من آداب، وتحدث عن بعض ألوان التسلية والترفيه؛ حتى لا يمل القارئ كما ذكر. ورغم أن المؤلف لم يترك جانبًا إلا وأشار إليه في كتابه، نجد أن السمة الأدبية سيطرت عليه من أوله لآخره في عرض المادة العلمية، بأسلوب أدبي جيد، والاستشهاد في كل موقف بما يستجاد من الأدب، فصاحبه أديب بارع، ومما يؤكد أهمية الكتاب أيضًا إشادة العلماء به، ونقلهم عنه حين تأليفهم، كالأبشيهي في (المستطرف)، والبغدادي في (خزانة الأدب)، وابن خلدون في (المقدمة)، والقلقشندي في (صبح الأعشى) وغيرهم. وفي نهاية الحديث عن كتاب (العقد الفريد) تجدر الإشارة إلى أن ابن عبد ربه قد تأثر بالمشارقة في موسوعته؛ بدليل قول الصاحب بن عباد فيه عندما وصل إليه الكتاب وقرأه، قال الصاحب: "هذه بضاعتنا ردت إلينا"، كما يدل على تأثره أيضًا أخذ كثيرًا من أقسام كتاب (عيون الأخبار) لابن قتيبة، وجعلها أبوابًا عنده. مثل: كتاب السلطان، كتاب الحرب، كتاب السؤدد، كتاب الطبائع، كتاب العلم، وذلك لا يعيب المؤلف ولا الكتاب؛ لأن منافسة الأندلسيين للمشارقة والاعتناء بآدابه وأخباره، ودراستها تعد منهجًا من مناهجهم آنذاك، فهذا التأثر بالمشارقة لا يعيب الكتاب، ولا يعيب صاحبه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 78

الدرس: ٦ مناهج البحث الأدبي في العصر الحديث .

стр. 79

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس (مناهج البحث الأدبي في العصر الحديث) حقيقة المنهج وأهميته في مجال البحث العلمي الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه؛ وبعد: ففي بداية الحديث نتعرف على حقيقة المنهج، وأهميته في مجال البحث العلمي، وكيفية نشأة المناهج الحديثة. كلمة منهج: مصدر ميمي من الفعل نهج، وإذا رجعنا إلى قواميس اللغة، نبحث عن دلالة هذه المادة مادة نهج، نجد أنها تدور حول عدة معان من هذه المعاني: الوضوح والبيان، كما في حديث العباس ﵁ حيث قال: "لم يمت رسول الله ﷺ حتى ترككم على طريق ناهجة"، ناهجة؛ أي: بينة واضحة مستقيمة. ونقول: طريق نهج؛ أي: بين واضح وأنهج الطريق؛ أي: وضح واستبان، ونهجت الطريق؛ أي: أبنته وأوضحته، من معاني هذه المادة أيضًا الطريق الواضحة، ففي كتاب الله يقول سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: ٤٨)، والمنهاج كالمنهج، ومن معاني هذه المادة كذلك، سلوك الطريق الواضحة سلوك؛ أي: السير في الطريق الواضحة، ففي (لسان العرب): نهجت الطريق؛ أي: سلكته فهي تدور هذه المادة مادة نهج، تدور حول الوضوح والبيان، أو الطريق الواضحة، أو سلوك الطريق الواضحة. ثم أخذت الكلمة مدلولًا اصطلاحيًّا، عندما نشأ علم مناهج البحث، وأصبحت تطلق على مجموعة من القوانين والقواعد، التي تسيطر على سير العقل وتحدد

стр. 80

عملياته، حتى يصل إلى طريقة معدومة في موضوع من الموضوعات البحثية، مجموعة من القواعد والقوانين، اصطلح عليها علماء المناهج، يلتزم بها الباحث في موضوع ما، يود التعرف من خلاله على حقيقة علمية، سالكًا إحدى المناهج، التي سوف نشير إليها، ويمكن أن نعرفها بأسلوب آخر. نعرف المناهج فنقول: هي عبارة عن الطرق، التي يسلكها من يريد البحث في الأدب؛ لتحصيل المعرفة، وتحديد المشكلة المفترضة ومعالجتها، أو هي الوسيلة التي يتوصل الباحث من خلالها إلى هدفه المحدد، كل هذه التعريفات صحيحة، وتؤدي إلى غاية واحدة، فهي طريق يسلكها الباحث للوصول إلى الحقيقة، التي يحددها منذ بداية بحثه أو يفترضها بمعنى أدق. ولابد للبحث العلمي من منهج يسلكه الباحث، فهو بمثابة الأداة، التي يستخدمها؛ لتحصيل المعرفة، لا يوجد بحث دون منهج، لا بد لأي بحث علمي من منهج واضح، يسلكه صحابه. الكشف عن الحقائق يحتاج إلى منهج محدد، تحصيل المعرفة يحتاج إلى منهج محدد، الاستدلال يحتاج إلى منهج، المناقشة تحليل، كل هذه الوسائل تحتاج إلى منهج، فلابد للبحث العلمي من منهج واضح يسلكه الباحث، وبمقدار جودة الأداة، التي يستخدمها الباحث تكون دقة النتائج. وينبغي للباحث أن يدرس المناهج العلمية أولًا، قبل إقدامه على البحث، ينبغي أن يتعرف على طبيعة كل منهج، ومجالات استخدامه قبل دراسة الظاهرة العلمية، التي يود دراستها؛ لأن دراسة الظاهرة العلمية قبل دراسة المنهج، يعد مغامرة غير مأمونة، إذ أنه بدون منهج يحكم طريقة تحصيل المعرفة، والكشف عنها، أو معيار يحتكم إليه عند تحليلها، واستنباط النتائج منها تكون النتائج غير

стр. 81

دقيقة، ويترك القارئ كالمحتطب في ليلة ظلماء، هذه حقيقة، بدون المنهج المنهج يحكم طريقة تحصيل المعرفة، ويكشف عنها أو مقياس أو معيار، أو قانون يحتكم إليه الباحث، وهو يحلل وهو يستنبط تكون النتائج غير دقيقة، والقارئ نفسه يود الحصول على المعلومة، أو النتيجة فيجد نفسه في حيرة لا يدرك أبعادها. فالمنهج يكشف الطريق أمام الباحث، ويفتح أمامه أبواب المعرفة، ويجلي الفكرة للمتلقي ويكسب النتائج صفة الدقة والثبوت، هذه أشياء مهمة، ينبغي ألا ننساها ونحن نسلك بحوثنا، أو نتعامل مع قضايانا البحثية، والمنهج لا يفرض على الباحث فرضًا بأي حال من الأحوال، لا يمكن أن يفرض المنهج على الباحث، ولكن تحدده طبيعة الموضوع أولًا، ثم ثقافة الباحث ثانيًا، ثم اتجاهه الفكري ثالثًا. فكل موضوع له منهج يتناسب معه، يستطيع من خلاله أن يصل الباحث إلى نتائج دقيقة ومثمرة، كل فكر يناسبه منهج يتوائم معه، وينسجم معه، فثقافة الباحث، اتجاهه الفكري، الموضوع، هذه عوامل تحدد المنهج أو تعلب دورًا مهمًّا في اختياره، ولابد أن أشير هنا إلى نقطة مهمة، وهي أن المنهج غير الخطة، عندنا في مجال البحث الأدبي شيء يسمى الخطة، وشيء آخر يسمى المنهج، المنهج غير الخطة. الخطة عبارة عن الخطوط العريضة، التي تشكل إطار البحث، وهي تتمثل في الأبواب والفصول والمباحث، وهذه تتضح من خلال نظرة سريعة إلى فهرس الكتاب، لو نظرت في فهرس أي كتاب تتكشف لك خطته، وسوف نتحدث

стр. 82

عنها لاحقًا إن شاء الله تعالى، أما المنهج فيتضح من خلال معالجة الباحث لقضاياها المطروحة، داخل الأبواب أو الفصول، نتعرف عليه من خلال مناقشته للأفكار المعروضة، وتحليله لها، وكيفية الاستنباط منها. هذه هي المواطن التي نتعرف منها على منهج الباحث، كيف يناقش؟ كيف يحلل؟ كيف يعرض الأفكار؟ كيف يرتبها؟ نستنبط من هذا كله من صلب البحث، نستنبط منه المنهج الذي يسلكه الباحث، وجادلهم بالذكر أن المنهج ليس علمًا، حتى وإن أطلق على مجال درسه في العصر الحديث، علم المناهج، المنهج لا يعد علمًا ذو أصول يعني: ثابتة، لكنه فلسفة للعلم، بمعنى: أن المناهج تحلل العلوم، وتغوص في أعماقها، ولا تكون جزءًا منها. نفهم هذه العبارة جيدًا، هناك فرق بين المنهج وبين العلم، صحيح عندنا علم مناهج البحث، هذا علم أن أصبحت له أصول وقواعد، لكن ونحن نتعامل بمنهج علمي في أي قضية من القضايا العلمية، المنهج يعد فلسفة لهذا العلم، وأضرب مثلًا: فالباحث في علم الطب مثلًا قد يسلك منهجًا في بحثه، ويكشف عن نظرية طبية، لكنها لا تتصل بالمنهج الذي اتبعه لا من قريب ولا من بعيد. فالمنهج أداة يصل من خلالها الباحث إلى حقيقة علمية، قد تكون هذه الحقيقة العلمية، لا علاقة لها بالمنهج المتبع، قد يبحث في علم الجغرافيا، أو قد يبحث في علم الأدب سالكًا منهجًا من المناهج، وليكن المنهج النفسي مثلًا، ويصل من خلال القواعد النفسية، التي وضعها علماء النفس إلى حقيقة نقدية، أو أدبية عامة نتيجة أدبية بحتة، لكنها لا تتصل على الإطلاق بعلم النفس، أو بقضاياه، فالمنهج فلسفة للعلم وليس علمًا ساعة أن نستخدمه في بحوثنا.

стр. 83

-هذا شيء أحب أن أشير إليه أيضًا- نرى بعض الباحثين يقدم على البحث، ولا فكرة لديه عن المناهج العلمية، يثق في ذكائه والكم المعرفي عنده، ويعتمد في بحثه على التأثر الذاتي التلقائي فحسب، والتحليل الشامل للظاهرة، غير آبه بما وضع من مناهج علمية، تساعد على الوصول إلى الحقيقة، ولا يملك تصورًا لمنهج يسلكه حتى وإن كان مبتكرًا. كثير من الباحثين يقبلون على بحوثهم بهذا الفكر، لا يملكون تصورًا لمنهج ما، حتى وإن كان من ابتكاره، هذا في الحقيقة غير مقبول على الإطلاق في مجال البحث العلمي، إطلاقًا، فالتأثر التلقائي، والتحليل الشامل المعتمد على التأثر الذاتي، وسائل مشروعة ولازمة في مجال البحث الأدبي، لا ننكرها إطلاقًا، بل لا بد منها، لكنها غير كافية؛ لتحقيق أهداف مفترضة، والوصول إلى معطيات أكثر دقة، إذ لا بد من استخدام أدوات مساعدة، أدوات تساعد بجانب هذا التأثر الذاتي التلقائي، بجانب التحليل الشامل للظاهرة، لا بد من أداة تساعد الباحث. وأهم هذه الأدوات هي: المنهج الواضح لديه، ثم الإفادة من العلوم الأخرى، وبخاصة علوم اللغة والنحو والفلسفة والتاريخ والأخلاق، وكذا النظريات الحديثة في جميع المجالات العملية والفنية، لا بد أن يستفيد منها الباحث في مجال الأدب والنقد. ومما تجدر الإشارة إليه أيضًا أن مناهج البحث الأدبي، والعلمي بوجه عام، لا تتصف بالجمود ليست قوالب صماء، لكنها في تطور مستمر؛ نظرًا لتطور آليات البحث العلمي، والنتائج التي يتوصل إليها من خلال ذلك، فهي في الحقيقة ينبغي أن تعدل من حين لآخر، بل وترفض من جيل إلى جيل، إذا ما ثبت عدم صلاحيتها، وعلى الباحث متابعة تلك الحركة المتطورة؛ للتعرف على أحدث

стр. 84

النظريات والمناهج؛ بقصد الوصول إلى نتائج أكثر دقة، لا يعيش بمعزل عن المناهج والنظريات العلمية الحديثة، التي تتصل بالأدب، والتي يمكنه الإفادة منها في مجال البحث الأدبي. وقد نصادف باحثًا فطنًا لبيبًا، يتصور طريقًا يسلكها بحثًا عن الحقيقة، لم تحدد أصول هذه الطريقة من قبل، الطريقة التي يتصورها الباحث لم تحدد أصولها من قبل، لكنه اقتنع بها، ورآها صالحة مجدية، ومناسبة للموضوع الذي يعالجه في بحثه، ورأى أنه بإمكانه التوصل من خلال هذه الطريقة إلى نتائج مرضية، ماذا نفعل في هذه الحالة؟ هل نقبل منه ذلك المنهج، أم نرفضه؛ لأنه ليس منهجًا مشهورًا؟ الحقيقة: أنه في هذه الحالة يحسب ذلك للباحث، إذ من حقه أن ينظم أفكاره بالطريقة، التي يراها صالحة، بحيث تكون صحيحة في النهاية، وتسلم إلى نتائج دقيقة، وتسمى هذه الطريقة حينئذ بالمنهج التلقائي، ولو اطلع عليه علماء المناهج فيما بعد، لربما ارتضوا منهجًا ضمن مناهجهم البحثية في مجال الأدب والنقد، إذا تحققت عندهم المقاييس الموضوعة في علم المناهج، هذا بالنسبة لمفهوم المنهج، وأهميته في مجال الدراسات الأدبية. نشأة المناهج العلمية وتطورها أما عن نشأة المناهج العلمية وتطورها، فيمكن القول: إن أرسطو يعد أول من استخدم منهجًا علميًّا في البحث، واتخذه طريقًا للاستدلال والاستنباط، حين تحدث عن الكليات الخمس المعروفة لدينا: الجنس، النوع، الفصل، الخاصة، العرض. وقد لعبت هذه الكليات دورًا عظيمًا في دراسة جميع العلوم عند العرب، استفاد منها العرب في الحقيقة في مجال التأليف، وأهم من الكليات عند أرسطو، تلك

стр. 85

القضايا التي تتكون منها مقدمات القياس، وتتنوع أشكال القياس عنده تنوعًا واسعًا، وقد اهتم العرب بمنطق أرسطو، منذ أن طرقوا باب التأليف، فأخذوا يترجمونه ويشرحونه، ويلخصونه في مؤلفات كثيرة، لم يقفوا عند هذا الحد، ولكنهم استخدموه منهجًا لهم في وضع علومهم، ليس في مجال الأدب فحسب، وإنما نجده ماثلًا في علم الفقه مثلًا، وأصول الفقه، حيث تحدث الفقهاء عن الحدود والتعاريف، والكلي، والجزئي، والعام، والخاص، والقياس. كما وضح في علوم اللغة والنحو، حين توسع النحاة في الحديث عن القياس، كما توسعوا في الحديث عن العلل، التي يقوم عليها القياس، وهم بذلك في الحقيقة يحاكون أرسطو، حين تحدث عن العلل الأربعة: المادية والصورية والفاعلية والغائية، وقد أدرك العرب قبل غيرهم أن القياس الأرسطي قياس رياضي، يبدأ من الكليات، ثم يطرد في المفردات الجزئية، وإن صح ذلك في الرياضيات، لا يصح في مجال الدراسات الطبيعية والإنسانية، فإن القياس في هذه الدراسات، يبدأ من المفردات الجزئية إلى الكلية العامة، ومن ثم عد الاستقراء، والملاحظة أصلين أساسيين في دراسة تلك العلوم وبحثها. وضمت التجربة إلى العلوم الطبيعية، هذا في الحقيقة يشهد بعبقرية العرب، وأنهم لا يكونوا مجرد مقلدين، وإنما كانت لهم رؤيتهم الفكرية والمنهجية، التي أدركوا من خلالها أن القياس الأرسطي قياس رياضي، وفهموا ذلك فهمًا عميقًا، ومن خلال إدراك العرب ذلك، تمكنوا من تحقيق نهضة علمية شاملة، تجاوزت حدود العلوم اللغوية والدينية، وحققت ازدهارًا عظيمًا في مجال الطب والصيدلة، والكيمياء، والفلك؛ بفضل التجارب الكثيرة، التي كان يجريها العلماء، وبفضل العبقرية التي كانوا يتصفون بها، والتي من خلالها قدموا إضافاتهم إلى ذلك المنطق الأرسطي.

стр. 86

ومن أهم البحوث الأدبية عند العرب، التي اتضح فيها المنهج الأرسطي، كتاب (البرهان في وجوه البيان)، لابن وهب، الذي نشر باسم (نقد النشر)، ونسب إلى قدامة، فقد عقد المؤلف فيه فصلًا للقياس، تحدث فيه عن الحد والوصف والمقولات، وفصل صور القياس، وصرح أنه نقل الفصل كله عن المناطقة، هذه أمانة علمية ينبغي التنبه لها. فإذا تركنا كتاب (البرهان) إلى كتاب آخر، وليكن مثلًا كتاب (الأغاني) للأصفهاني، وهو أكبر مصنف يحتوي على ترا جم الشعراء في العصر الجاهلي، وما تلاه من عصور، يعرض المؤلف لآراء النقاد في هؤلاء الشعراء، نراه حين يتناول شاعرًا من الشعراء، يعرض أخبارًا متفرقة عن الشاعر في مواقف شتى، لا يعرضها عرضًا تاريخيًّا منظمًا أو مرتبًا، ليس معنى ذلك أنها أخبار غير دقيقة، لا هي في نفس الوقت تتسم بالدقة، لا تلبث هذه الأخبار المتفرقة، لا تلبث حين تمسها يد صناع، أن تسوى منها حياة الشاعر، وأطورها، وتكشف عن ثقافته وظروفه وفنه. يعني: نعرف من خلال هذه الأخبار المتفرقة، كل ما يتصل بالشاعر من قريب أو بعيد، ونحس ونحن نقرأ هذه الأخبار ميل الأصفهاني الشديد، إلى لاستقصاء والاستقراء، ودقة الملاحظة، والاستنباط، هذه كلها تتصل بالمنطق الأرسطي، ولكن ذلك المنطق وظف توظيفًا جيدًا. وعلى هذا النحو كان العرب يستضيئون بمنطق أرسطو في بحوثهم الأدبية، وغيرها، وكانت لهم محاولات خصبة للعناية بالجزئيات، والمفردات، واكتمال الاستقراء، وصحة الاستنباط تتسع في الملاحظة اتساعًا شديدًا، وقد ظلوا مع ذلك يحتكمون إلى المنطق الأرسطي، مكثرين من القواعد والضوابط والأقيسة،

стр. 87

وكانت لهم رؤيتهم الخاصة، وهم يتعاملون مع هذا الفكر، حسبما تقتضيه طبيعة علومهم، وبيئتهم، ظلوا على ذلك حتى ظهر عصر النهضة. هذا عن موقف العرب من المناهج، وهو موقف مشرف، إن دل فإنما يدل على صحة فكرهم، وعبقريتهم في ذلك المجال، بدليل تلك الإضافات والنهضة العلمية الرائعة، التي لا زلنا إلى الآن ننبهر، ونحن نتعمق فيها. أما الغرب فإنهم بدأوا يتعرفون على العلوم العربية، عرفنا الآن ما قدمه العرب نتيجة استخدامهم لهذا المنطق، وتوظيفهم له، وإضافتهم إليه، الغرب تعرف على العلوم العربية ومؤلفاتهم وتأملوها بدقة، وقفوا أمام تجاربهم، تأملوا ما نادى به العلماء والمفكرون العرب، من العناية بالاستقراء الكامل، والملاحظة والتجربة. استوعب الغربيون كل ذلك الفكر العربي استيعابًا جيدًا، وبدأ بعض الفلاسفة الغربيين يهاجم منطق أرسطو، والسر في ذلك هو الفهم العميق، لما قدمه العرب، فالفكر العربي هو الشرارة، التي انطلق منها البحث العلمي، أو المناهج البحثية عند الغرب، استوعب الغربيون الفكر العربي استيعابًا جيدًا، وبدأ بعض الفلاسفة الغربيين، يهاجموا منطق أرسطو. فرأينا الفيلسوف الإنجليزي روجر بيكون، الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي، رأيناه يهاجم المنطق الأرسطي، وما يفضي إليه من اعتماد العلم على الطريقة القياسية فحسب، لم يعجبه هذا، وقال: إنه ينبغي أن يعتمد على التجربة قبل كل شيء، وهذا ليس بجديد، وإنما فعله العرب من قبله، وهاجم أتباع أرسطو روجر بيكون، لم يعجبهم رأيه، هاجموه مهاجمة عنيفة حينذاك.

стр. 88

لكن فكرته ظلت حية، حتى بعث فيها الحياة من جديد أحد أتباع مدرسته، وهو الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون، الذي عاش في النصف الثاني من القرن السادس عشر، والربع الأول من القرن السابع عشر الميلادي. تأمل هذا التسلسل، وذلك الترتيب ونحن نتحدث عن نشأة المناهج الحديثة، كيف نشأت وتبلورت؟ فرانيسيس بيكون الذي عاش في النصف الثاني من القرن السادس عشر، يعد فاتحة عصر جديد في مجال البحث العلمي، ماذا فعل فرانسيس بيكون في هذا المجال؟ أخذ هذا الرجل يحذر من استخدام المنطق الأرسطي، وأقيسته في علوم الطبيعة لماذا؟ لماذا حذر فرنيسيس بيكون من استخدام هذا المنطق، وأقيسته في علوم الطبيعة؟ أو في العلوم الطبيعية؟ لاعتماده على أمثلة جزئية في وضع القوانين الطبيعية العامة؛ لأنه يعتمد أمثلة جزئية، ورأى أنه لا بد من الاستقراء الكامل، والاستعانة بالتجارب المتعددة بجانب الأقيسة، والاعتماد على هذه الأمثلة الجزئية، إضافات تعلم من العرب، تعلم كيف يتعامل مع الفكر الأرسطي، وسبقه العرب في الحقيقة إلى ذلك. كما رأى أن هذا أيضًا لا يكفي، رأى أن الاستقراء الكامل، والاستعانة بالتجارب المتعددة، رأى أن هذا أيضًا لا يكفي في مجال البحث في العلوم الطبيعية، بل لا بد من جمع الأمثلة القليلة، التي تنقض القانون العام، لماذا؟ لأن الأمثلة مهما كثرت وكانت صحيحة حقيقية، يمكن لمثال واحد سلبي أن ينقضها جميعها، ومن ثم فهو يرتب أمثلة أي قانون، فهو يرتب أمثلة أي قانون في ثلاث مجموعات مهمة، مجموعة إيجابية مجموعة سلبية، مجموعة متفاوتة الدرجة، يعني بين الإيجاب والسلب.

стр. 89

ودائمًا في كل خطواته لا بد من التجريب، والتجربة وحدها لا تكفي عنده، التجربة وحدها لا تكفي عنده، بل لا بد من الاستنباط والنشاط العقلي، تأمل ماذا فعل الرجل فرانيسيس بيكون؟ إنه أحدث ثورة حقيقية في مجال البحث العلمي، مهتديًا بأفكار العرب، ورؤيتهم التي أضافوها إلى منطق أرسطو، فالمنهج العلمي في البحث عن فرانسيس بيكون، يتمثل في الجمع بين التجربة، وبين القياس، أو بعبارة أخرى أدق: هو الذي يجمع بين الاستقراء القائم على التجربة، وبين القياس العقلي المحكم، يجمع بين الاستقراء القائم على التجربة، وبين القياس العقلي المحكم. أين هذا مما فعله العرب من قبله؟ هل هذا بجديد؟ إطلاقًا، هذا ما سلكه العرب من قبله في بحوثهم، التي أشرنا إليها، ثم ظهر بعد ذلك الفيلسوف الفرنسي ديكارت، في القرن السابع عشر، ورأى أن يضع للعلوم كلها رياضية، وطبيعية منهجًا واحدًا، صور هذا المنهج في مبحثه، أو في بحثه مقال في المنهج، أولًا: هاجم منطق أرسطو، كما هاجمه الفلاسفة من قبله، لماذا هاجمه؟ لأنه يفترض في مقدمات أقيسته، أنها يقينية لا يرقى إليها شك. ديكارت طبعًا لا يرضى بهذا على الإطلاق، كما سيتضح، أرسطو يفترض في مقدمات أقيسته أنها يقينية لا يرقى إليها شك، طيب ما موقفه من فرانسيس بيكون؟ الفيلسوف السابق ما موقف ديكارت من فلسفة فرانسيس بيكون؟ هاجمها كما هاجم منطق أرسطو، هاجم فرانسيس بيكون لماذا؟ لأنه اعتقد بالتجربة والمشاهدة الحية، في استنباط القوانين الطبيعية، اعتد بالتجربة والمشاهدة الحية في استنباط القوانين الطبيعية. وبدأ الرجل ديكارت يكشف عن منهجه الجديد، وهو منهج يعتمد على البراهين الرياضية، إذ العقل الإنساني في جوهره يكون وحدة، وما دام هذا العقل يسلم بقوانين الرياضة، فلابد أن تكون قوانينه عامة، تشمل الرياضة والطبيعة معًا، هذه هي وجهة نظر ديكارت، وهو يؤصل لمنهج موحد، يشمل العلوم جميعها

стр. 90

رياضية وطبيعية، ويرى أنه لكي نقف على المنهج القويم، لهذا العقل في البحث العلمي، ينبغي أن نعتمد على القياس. لكن لا قياس أرسطو، هو لا يقصد قياس أرسطو، بل نحلل نحن القياس، فنراه يبتدئ بأشياء بسيطة يسلم بها العقل، وهي البدهات وينتهي إلى أشياء مركبة، وقد رأى ديكارت أن يضع مكان قواعد المنطق الأرسطي القديم، الشديدة التعقيد من وجهة نظره أربع قواعد، تختصر المنهج السديد، لكل البحوث النظرية، يعني: اختصر منطق أرسطو، وما جاء به فرانسيس بيكون، وكل ما سبقه من معلومات، أو من فلسفة منهجية، حصرها في قواعد أربعة، يمكن أن نجملها فيما يلي: القاعدة الأولى: التوثيق وهي تفرض على الباحث ألا يسلم بشيء، إلا إذا بدى بديهي في نظر العقل، في الحقيقة هذا شيء جيد التوثيق، فالبحوث أيا كان نوعها يعتمد على مجموعة من الوثائق، والباحث يحللها ويشرحها، ويفسرها، يتعامل معها بطريقة من الطرق، التي يختارها؛ ليصل إلى النتيجة من خلالها. القاعدة الثانية: التحليل وهي تفرض على الباحث، أن يقسم كل مشكلة، يتناولها بالبحث إلى أكبر عدد ممكن من الأجزاء، التي يمكن أن تدرك بالحدث المباشر لماذا؟ لماذا لجأ ديكارت إلى هذه القاعدة؟ وهي تحليلية تحليل المشكلة إلى جزئيات صغيرة، يمكن أن تدرك بالحدث المباشر؛ لأنه بهذا يضمن صدق الإدراك لكل خطوة من خطوات البحث على حدة، كما تتاح له فرصة الكشف عن الجوانب المجهولة من المشكلة، كلما جزئت إلى جزئيات صغيرة، كان من السهل إدراك حقيقة هذه الجزئيات، ومعرفة اليقيني من غير اليقيني، يدركها يحيط بها.

стр. 91

القاعدة الثالثة: التركيب وهي تفرض على الباحث، أن يعيد ترتيب ما سبق أن حلله من مشكلة، أو من العناصر التي حلل المشكلة إليها، مراعيًا التسلسل المنطقي في ترتيب هذه العناصر، يعني بعدما يحلل هذه العناصر إلى جزئيات صغيرة، ويتعرف على كل جزئية، ويدرك أبعادها، وينظر فيها تفسيرًا وتحليل، يبدأ من جديد يعيد ترتيب هذه العناصر في تسلسل منطقي، بحيث تكون كل فكرة نتيجة لازمة للفكرة، التي سبقتها، ومقدمة طبيعية توجب الفكرة التي بعدها، يعني: فيه ترابط قوي بين هذه التركيبات، التي يعيدها الباحث في القاعدة، أو كما ذكر أو في الخطوة الثالثة. القاعدة الرابعة: المراجعة النهائية، وفيها يقوم الباحث في النهاية بإحصاء دقيق، ومراجعة تامة شاملة لكل جوانب المشكلة، وتفصيلاتها المختلفة، لا ينتهي عند هذا الحد، إنما التوثيق آه، تأكد من صحة المعلومات؟ نعم، يبدأ يحلل يفسر يشرح يتعامل مع هذه الوثائق، ويحللها إلى عناصر صغيرة، وإذا ما أحاط بها تفسيرًا وإدراكًا وتحليلًا، يبدأ في إعادة تركيبها، لا يقف عند هذا الحد، وإنما يراجع مراجعة، دقة مراجعة نهائية، يقوم الباحث في النهاية بإحصاء دقيق، ومراجعة تامة شاملة لكل جوانب المشكلة، وتفصيلاتها المختلفة. إذا تأملنا هذا نجد أن أساس الفلسفة الديكارتية، هو الشك المنهجي، إذا تأملنا هذه القواعد وما ذكره الرجل والفلسفة، التي يدعو إليها، وتصوره لمنهج موحد للعلوم الرياضية والطبيعية، نجد أن أساس الفلسفة الديكارتية هو الشك المنهجي، فهو يشك في جميع معارفه؛ لاحتمال أن يكون مخدوعًا فيها، وفي هذا قال عبارته المشهورة: أنا أفكر وإذن أنا موجود. هذا ديكارت فليسوف القرن السابع عشر، وهكذا نلاحظ أن هذا القرن، قد شهد ثورة فكرية على المنطق الأرسطي، تمخضت هذه الثورة عن ظهور منطق

стр. 92

حديث، عبر بمصطلح جديد يسمى علم مناهج البحث، نتج عن هذه الثورة الفكرية في مجال علم المناهج، نتج عنه ظهور علم له أصوله وقواعده، وتعنى به الجامعات، والأقسام الأكاديمية، يسمى علم مناهج البحث. كما أسفرت هذه الثورة أيضًا، عن ظهور ثلاثة مناهج أساسية: المنهج الاستقرائي، والمنهج الاستدلالي، والمنهج الاستردادي، والمنهج الأول هو منهج العلوم الطبيعية، المنهج الأول من المناهج، التي جاءت كثمرة لهذه الثورة الفكرية في القرن السابع عشر، على يد ديكارت والسابقين عليه، المنهج الأول وهو ما يسمى بالمنهج الاستقرائي، وهو منهج العلوم الطبيعية، ويعتمد هذا المنهج على الملاحظة والتجربة والفرض. والمنهج الثاني: هو المنهج الاستدلالي وهو منهج العلوم الرياضية، وهو منهج استنباطي، ينتهي في الباحث إلى النتائج المأخوذة من المقدمات، دون حاجة إلى الملاحظة، وأما المنهج الاستردادي، فهو المنهج المستخدم في العلوم التاريخية وما شابهها، وفيه يقوم الباحث بعملية استرداد للماضي من خلال الآثار، التي خلفها يعني: يسترجع المعلومات، وهو استرجاع أو استرداد يراد به الكشف عن حركة سير التاريخ، وتفسيرها، والربط بين خطواتها. ثم تلى بيكون وديكارت فلاسفة، ومفكرون مختلفون اتفقوا جميعًا على أن المنطق الأرسطي، لم يعد صالحًا كمنهج للبحث العلمي، وأنه قد انتهى زمنه، وبدأوا يبحثون عن مناهج علمية جديد، تعتمد على دراسة الظاهرة ورصدها، مع الجمع بين التفكير النظري والملاحظة، والتجربة في إطار قوانين علم مناهج البحث.

стр. 93

وفي بداية القرن التاسع عشر، شهد الشرق العربي تتطورًا ملحوظًا في شتى مجالات الحياة: السياسية، والاجتماعية، والأدبية، والفكرية بوجه عام، وقوي اتصال الشرق بالغرب، وازدهرت الحركة العلمية والفكرية، وتعمقت الصلة بين الأدب والعلوم الأخرى، وامتزج الأدب بهذه العلوم امتزاجًا لا ينكر هذه حقيقة؛ لدرجة أننا أصبحنا أمام ألوان من الإبداع الفكري المعقد، لا يمكن استكشاف عوالمه اعتمادًا على القيم الفنية المجردة، التي كان يعتمد عليها الباحثون في القديم، ويعدونها أسًّا مهمًّا من أسس البحث العلمي، أو الأدبي. أضف إلى ذلك ما رأيناه من صراع شديد بين العلوم، والفنون في ابتكار الأنظمة، والقوانين التي تحكم كل علم أو فن، هذه حقيقة نلمسها جميعًا، ثورة علمية في شتى المجالات، وهناك تسابق، هناك صراع شديد بين العلوم جميعها، والفنون جميعها في محاولة ابتكار الأنظمة، والمقاييس والمعايير، التي تحكم كل فن، ويحتكم إليها الباحثون في هذا المجال، ولا ننسى ونحن نتحدث في هذا السياق. ولا ننسى استقرار الحياة الجامعية في عالمنا العربي، وتأصل تقاليدها، ومقوماتها العلمية في مجال البحث، بصورة منهجية دقيقة، لا ننسى ذلك اهتمت الجامعات بهذه المناهج؛ من أجل الكشف عن مناطق جديدة في عالم المعرفة، الذي لا حدود له، هذا أيضًا واضح أمامنا على مستوى الجامعات في العالم العربي أجمع، من أجل ذلك كان لازمًا على القائمين بالبحث الأدبي التنبه لهذا التطور، والوقوف على المناهج العلمية الجديدة في مجال البحث العلمي، والأدبي خاصة؛ للتعامل مع الأدب الجديد، والكشف عن خصائصه. نعم وجد العلماء الذين يبحثون في الأدب أنفسهم، أمام نماذج أدبية معقدة لو أنهم اعتمدوا على الخصائص الفنية الموجودة في الأدب وحدها، لم يستطيعوا الكشف عن حقيقة ذلك الأدب، وسبب تعقيدها أنها امتزجت بالعلوم الأخرى،

стр. 94

فأصبح لزامًا عليهم التعرف على حقيقة هذا المزيج، هذا العنصر الجديد، الذي أصبح باديًا في الأدب، فكان لا بد للتعامل مع الأدب الجديد تعامل تعاملًا علميًّا حقيقيًّا، والكشف عن خصائصه، والوصول إلى نتائج حقيقة في هذا المجال. كان لا بد أو كان لزامًا عليهم من الوقوف على المناهج العلمية الجديدة، في مجال البحث العلمي والأدبي خاصة، وبدت الحاجة ملحة إلى التدقيق والتنظيم، وتحديد الغاية، والتفكير في الطرق، التي تتناسب مع التطور الجديد في الحقل الأدبي، وعلى إثر ذلك تطورت مناهج البحث الأدبي تطورًا ملحوظًا، خاصة بعد إخضاعها للمناهج والنظريات، التي أسفرت عنها الحركة العلمية النشطة، في شتى مجالات العلم والمعرفة. ففي مجال العلوم التجريبية ظهرت القوانين، التي تحكمها، ثم حاول دارسوا الأدب وناقدوه الإفادة من تلك القوانين، وتطبيقها على الأدب، وترددت بعض المصطلحات الخاصة بالعلوم التجريبية، على ألسنة الباحثين والنقاد، وأصبحنا نعلم ديناميكية الأدب، إستاتيكية الأدب، النمو الطبيعي، النبض، وغير ذلك من مصطلحات منقولة، من المجال التجريبي إلى ميدان الأدب والنقد. هذا في مجال العلوم التجريبية، انتقلت المصطلحات من هذه العلوم، وأصبحت تجري على ألسنة الباحثين والنقاد، والمبدعين أنفسهم، وفي مجال الدراسات الإنسانية، كعلم النفس والاجتماع والتاريخ والأخلاق، وغير ذلك، سجل الباحثون تقدمًا ملحوظًا، ووصلوا إلى عدة نظريات أفاد منها الأدب إلى حد كبير، إذ حاول دارسوا الأدب، وناقدوه تطبيقها في المجال الأدبي الإبداعي منه، والنقدي. ورغم تسرب تلك النظريات إلى الأدب تسربًا ملحوظًا، وسيطرتها على المجال البحثي فيه، ظلت طائفة من الباحثين، يعتقدون أن الأدب ينبغي أن يكون بمعزل عن تلك العلوم، هذا رأيهم وحجتهم أن هذه العلوم، لو اعتمدنا عليها في

стр. 95

بحوثنا الأدبية، فإنها تحول الأدب إلى قواعد جامدة، فالفن الأدبي عند هؤلاء مهما لحقه من تطور، لا يخرج عن كونه فنًّا، يخضع في المقام الأول لذوق الباحث والناقد، وتأثره ونبضه وشعوره، ولا يمكن إخضاع ذلك لقانون ثابت، كقوانين العلوم التجريبية، وكان لهؤلاء منهجهم الواضح في البحث الأدبي، وهو منهج يقوم على تفسير العمل الأدبي، وتحليله من خلال عناصره المعروفة: الخيال، والعاطفة، والفكرة، والأسلوب. من هنا كانت تعدد المناهج في مجال البحث الأدبي، فرأينا المنهج التاريخي، والمنهج النفسي، والمنهج الفني، والمنهج المتكامل، كلها تعبر عن وجهات أصحابها، وتصور تلك الحركة العلمية النشطة في ذلك الوقت، وهكذا يتضح لنا من الحديث السابق، أن مناهج البحث الأدبي في العصر الحديث متشعبة تشعبًا لا حد له، وأن الباحث مطالب حتمًا باستكمال أدواته المعرفية، من خلال الاطلاع على علم المناهج الحديثة؛ لمعرفة آخر ما وصل إليه العلم في هذا المجال، والوقوف على أصحها، وأنسبها، وهو علم متطور دائمًا بتطور العلوم التاريخية والاجتماعية والنفسية، وبقية العلوم الإنسانية الأخرى. وجدير بالذكر أنه لا يصح الاعتماد على منهج واحد، في مجال البحث الأدبي، بل لا بد من توظيف هذه المناهج كلها، حتى تكون النتائج دقيقة مثمرة؛ لأن الأدب نتاج بشري معقد، والعنصر البشري يؤثر ويتأثر بكل ما يحيط به، فمن اللازم أن يحيط الباحث في الأدب بكل هذه المؤثرات، بيئية كانت أم غير بيئية، كما أنه من الخير للأدب أن نأخذ بكل هذه المناهج، ونحاول الإفادة منها، ونحن نبحث في الأدب، فبذلك نربط الأدب بالحياة في تطورها، وهذا ما ينبغي أن يكون، إذ لا يليق بالباحث الأدبي، أو الأديب عمومًا أن يعيش بمعزل عن عالمه، بما فيه من حركة تطورية ناهضة. بهذا العرض السريع الموجز، نكون قد انتهينا من الحديث عن نشأة المناهج البحثية الحديثة في مجال الأدب، تعرفنا من خلاله على مفهوم المنهج، وأهميته في مجال البحث العلمي، ثم أشرنا إلى نشأته وتطوره، حتى وصل إلى ما هو عليه الآن. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 96

الدرس: ٧ المنهج التاريخي .

стр. 97

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع (المنهج التاريخي) المنهج التاريخي: مفهومه، ونشأته، ومقياس الجودة عند أصحابه الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه؛ وبعد: فنبدأ بعون الله : المنهج التاريخي: هو الذي ينهج بتقويم العمل الأدبي، أو الأدباء أنفسهم، والكشف عن جوانبهما المختلفة، على أساس ما بينهما من علائق وثيقة، تربطهما بالبيئة والعصر، والمجتمع، فالأدب في رأي أصحاب هذا المنهج وليد البيئة، وصدًى لأحداث المجتمع، وتلك الأحداث هي الملهمة الأولى للأدباء، والمثير الأقوى لإشعال عواطفهم، وتحريك وجدانهم، وتفجير كوامن الشاعرية داخلهم. تلك الأحداث هي النبع الذي يستمد منه المؤرخون للأدب، والمنظرون له والمبدعون أيضًا، فهي المصدر الذي يستمد منه كل طالب أي جانب من جوانب الأدب، ويعد التاريخ العام مصدرًا مهمًّا من مصادر الأدب، كما يعد تاريخ الأدب جزءًا من تاريخ الحضارة، والعلاقة بين التاريخ العام، وتاريخ الأدب علاقة وطيدة وثيقة، لا يمكن بحال من الأحوال أن نفصل بينهما، بل نعبر عن هذه العلاقة بقولنا: إنهما وجهان لعملة واحدة. فالمؤرخ يركز على الحدث في إطاره الزماني والمكاني، أما الأديب فإنه يخرج بهذا الحدث من إطاره الخاص إلى إطار عام، متخطيًا حدود الزمان والمكان، ومن المعلوم أن كل حدث تاريخي له جانبان: جانب مقيد بالإطار الزماني والمكاني والظروف، التي أدت لوقوعه، وجانب مطلق، هذا الجانب المطلق، يتمثل في القيم الفكرية

стр. 98

والأخلاقية، والإنسانية، التي يمكن أن يشكلها ذلك الحدث في جميع الأزمنة، والأمكنة. مهمة المؤرخ تتمركز في الجانب الأول، أما الجانب الثاني، فيمثل المادة الخام للأديب، يستقي منها مضامينه الفكرية، وأشكاله الفنية، وكل ما يريد أن يبدع فيه، ولو تأملنا النماذج الأدبية الخالدة لوجدنها تستمد أصولها من قضايا تاريخية، أو سياسية، أو إنسانية بارزة، هذه حقيقة جميع النماذج الأدبية، التي التفت إليها النقاد، وأعجبوا بها، ولا تزال تتردد إلى الآن على ألسنة الباحثين، والدارسين وغيرهم ممن يتذوقون الأدب، هذه النماذج لو تأملنا فيها جيدًا، لوجدناها تستمد أصولها من قضايا تاريخية بارزة، أو سياسية خطرة، أو إنسانية، فالتاريخ والأدب وسيلتان لغاية واحدة. هذه الغاية هي استيعاب الأحداث بأبعادها المختلفة، وتصويرها بطريقة ما، مع اختلاف أدوات كل من المؤرخ والأديب في هذا، فالمؤرخ وسيلته تحليلية، أما الأديب فوسيلته فنية بحتة، كما أنه لا يمكن إنكار أو تجاهل ما بينهما من تأثير وتأثر، لا يمكن بحال من الأحوال إنكار أن الأدب يؤثر في التاريخ، وأن التاريخ يؤثر في الأدب تأثيرًا بارزًا وواضحًا، ومن ثم فليس من السهل دراسة الأدب، أو الكشف عن طبائع الأدباء، واتجاهاتهم الفنية وغيرها، إلا بعد دراسة عصورهم، التي نشأوا فيها، وبيان أحوال مجتمعهم، وأثر البيئة في حياتهم. كل هذه الأشياء تكشف لنا عن جوانب كثيرة من الأدب، والإبداع الفني والخصائص، التي يتميز بها ذلك الفن، وهذا المبدع، وينبغي لمن ينشد الحقيقة من باحثي الأدب ودارسيه، ألا ينظر في الأدب أو الأدباء نظرة استقلالية، ويجعلهما في معزل عن تيارات عصرهما، والأحداث الكبرى التي تصنعهما، بل لا بد أن يدرس الأدب في إطار تلك الأحداث في إطار ذلك التاريخ؛ لأنهم لا ينفصلان كما ذكرنا.

стр. 99

ومجالات المنهج التاريخي في البحث الأدبي متعددة كثيرة، إذ لا بد من اللجوء إليه عند دراسة تأثر العمل الأدبي، أو الأديب ذاته بالبيئة، التي عاشها، لو أردنا أن نكشف عن بيئة من البيئات، أو أديب من الأدباء، ونبحث عن تأثره بهذه البيئة، هل استطاع أن يتفاعل معها أو يعيشها؟ هل انعكست أحداث هذه البيئة على فنه الأدبي؟ لا يمكن أن نصل إلى نتيجة في هذا المجال، إلا إذا لجأنا إلى المنهج التاريخي. وكذلك لو أردنا أن نتعرف على أثر البيئة في أي أديب من الأدباء يعيش فيها، لا بد من اللجوء إلى المنهج التاريخي، هو وحده الذي يستطيع أن يكشف لنا عن هذا التأثر، وكذلك عند دراسة الأطوار المختلفة للفنون الأدبية، والوقوف على آراء النقاد والعلماء في الأعمال الأدبية، والموازنة بينها، ومعرفة السابق، واللاحق منها، لو أننا وقفنا أمام قضية مثلًا من القضايا، أو أمام فن من الفنون الأدبية الكثيرة، وأردنا أن نتتبعه، ونعرف نشأته، نعرف من الذي ابتكر هذا؟ وما أول رأي قيل في تلك القضية. كل هذا لا ييجبنا أو لا يفيدنا أو لا يسعفنا، للوصول إلى نتائج مثمرة، إلا للوصول إلى نتائج مثمرة، إلا إذا لجأنا إلى منهج تاريخي، وكذلك الموازنة لو أردنا أن نوازن بين شاعرين، أو بين ناقدين حول قضية من القضايا، لا بد من اللجوء إلى المنهج التاريخي، وكذلك نلجأ إلى المنهج التاريخي أيضًا عند إرادة التأكد من نسبة النصوص لأصحابها، لو أردنا أن ننسب نصًّا اختلف فيه النقاد، فبعضهم ينسبه إلى قائل، وبعضهم ينسبه إلى قائل آخر، من الذي يفصل في هذه القضية؟ هو المنهج التاريخي. وغير ذلك من مجالات لا حصر لها، نحتاج إلى المنهج التاريخي في بحثها، والوصول إلى نتائج دقيقة من خلال ذلك البحث.

стр. 100

أما عن نشأة هذا المنهج: ففي القرن التاسع عشر، نلاحظ أن الحياة العقلية في أوربا، سجلت نهضة رائعة في مجال العلوم الطبيعية والتجريبية، نهضة لا ينكرها منكر، وأخذت مناهج هذه العلوم تفرض سلطانها على عقول الناس، وتسيطر على تفكيرهم، وراحت تجتذب إليها طائفة من مؤرخي الأدب، أخذوا ينادون بمحاولة تطبيق هذه المناهج، على الدراسات الأدبية، وإخضاعها لأساليبها، وقواعدها، وقوانينها العلمية. يعني: حاول جماعة من النقاد، أو الدارسين للأدب أن يأخذوا هذه القواعد، التي توصل إليها علماء البحث في العلوم الطبيعية والتجريبية، حاولوا أن يستفيدوا، أو يوظفوا هذه القواعد، التي توصل إليها هؤلاء العلماء في تلك العلوم، حاولوا أن يوظفوها في دراسة الأدب، وارتفعت ثلاث صيحات تدعو إلى هذه المحاولة، أو التجربة الجديدة، يمثل هذه الصيحات الثلاثة من النقاد الغربيين: ناقد يسمى "سانت بيف"، الذي عاش في القرن التاسع عشر، وناقد آخر يسمى "تين" هيبلاي تين"، وناقد ثالث يسمى "برنتير". وقد مضى هؤلاء الثلاثة ينكرون التذوق الشخصي، وكل ما يتصل بالذوق وأحكامه، وبدأوا يحاولون وضع قوانين ثابتة للأدب، ثبات قوانين العلوم الطبيعية، قوانين تطبق على كل الأدباء، كما تطبق قوانين الطبيعية على كل العناصر والجزئيات، وكل الكائنات، وهم في الحقيقة بهذا يلغون ذاتية الأديب، ويسوون بين الأعمال الإبداعية. ظهرت أولى تلك المحاولات على يد "سانت بيف"، الذي دعى إلى العناية بالشخصية الأدبية، ودراستها دراسة عضوية، ونفسية واجتماعية، ومعرفة مدى

стр. 101

تأثرها بالأحداث السياسية، والاجتماعية وغيرها من مؤثرات البيئة، ولم يهتم على الإطلاق بعواطف الأديب، لم ينظر إليها، ولا بحقيقة انفعاله بتلك البيئة التي عاش فيها، وعايشها، وبث سانت بيف أفكاره تلك في أحاديثه المعروفة، باسم أحاديث الاثنين، وأحاديث الاثنين الجديدة. طرح أفكاره في هذين العنوانين، التي دعى فيها إلى دراسة الأدباء دراسة علمية، على أساس علاقاتهم بالجنس، والبيئة، والعصر، والأدباء في رأي سانت بيف فصائل، كفصائل النبات والحيوان، تتشكل هذه الفصائل حسب ما يقع عليها من مؤثرات خارجية، والكشف عن هذه الخصائص عنده، يحتاج إلى بحث عميق في كل فصيلة من حيث علاقاتها، التي لا تنحصر بما يحيط بها من أشياء. هذه الرؤيا رؤية بيف، تعني أن الباحث الذي يسلك هذا المنهج، سيتحول إلى مؤرخ للأدب ليس إلا، هذه حقيقة ومن خلال تأريخه ذاك، يمكنه تصنيف الأدباء، وبيان ما ينفرد به كل منهم، وما يشتركون فيه، هذا المنهج أو هذه الرؤيا تفرض على الباحث في الأدب أن يسلك هذا التاريخ، طريق التأريخ للأدب، وتصنيف الأدباء، وبيان ما ينفرد به كل واحد من هؤلاء، وما يشترك فيه مع غيره، وسانت بيف نفسه يدرك هذا جيدًا، كما يدرك أن لكل شخصية أدبية من الخصائص ما يميزها عن غيرها، نعم لا ينكر هذا لا ينكر أن كل شخصية من الشخصيات الأدبية لها خصائص، تميزها عن غيرها من الشخصيات الأخرى. لكنه لم يشغل نفسه بالكشف عن تلك الخصائص، لماذا؟ لماذا لم يشغل نفسه ببيان تلك الخصائص، التي تميز كل شخصية أدبية عن غيرها من الشخصيات؟ لأن هذه الخصائص من وجهة نظره، لا تحقق الأهداف التي يسعى إليها، وما الأهداف التي يسعى إليها؟ سانت بيف كان يسعى إلى إخضاع الأدباء إلى قوانين ثابتة، كقوانين الطبيعة، قوانين ثابتة كقوانين الطبيعة، ومن ثم فإن معرفة الخصائص، التي تميز كل شخصية أدبية عن غيرها لا تحقق له هدفه.

стр. 102

ومن ثم لم يلتفت إليها وإن صح أن نقول: إن بعض الناس يتشابهون في الشكل، أو في الطباع مثلًا، أو في نمط سلوكي معين، فمن الصعب أن نقول ذلك في مجال العواطف، والأحاسيس، والاستعداد الفطري الذي يشكل الأديب، يعني: إذا تأملنا قول سانت بيف أو رؤيته جيدًا يعني: من المستحيل أن نطبق بعض الجوانب التي نادى بها، فإذا تشابه الأدباء في أي شيء، فإنهم لا يتشابهون في العواطف، والأحاسيس، والاستعداد الفطري الذي يشكل كل واحد منهم. فالأديب الواحد لا يخضع لقانون ثابت في هذا الجانب، الأديب الواحد عواطفه تتفاوت أحاسيسه ومشاعره، تعلو أحيانًا، وتهبط أحيانًا أخرى، فلا يمكن أن تكون ثابتة كثبات القوانين الطبيعية، إذا كان هذا يحدث للأديب الواحد، فما بالنا بطائفة من الأدباء مختلفي الحس والشعور، والتوجه الفني؟ بتلك الرؤية، وهذه الآراء التي طرحها سانت بيف، استطاع أن يضع جذور المنهج التاريخي. ثم جاء من بعده هيبوليت تين، فأسقط الخصائص الفردية التي يتميز بها الأديب، أسقطها إسقاطًا تامًّا، وحولها إلى خصائص جماعية، وقوانين حتمية، تشبه قوانين الطبيعة، وظهر صدى ذلك في كتابه (تاريخ الأدب الإنجليزي)، أصل لهذه الرؤية في هذا الكتاب، وأخضع تين الأدب والأديب معًا خضوعًا تامًّا جبريًّا؛ لعدة معايير نتأملها جيدًا، هذه المعايير هي: الجنس والبيئة والعصر. فيقول: أعثر على حالات البلد والإقليم والجنس والبيئة والتربية، والعادات التي عاش فيها إنسان ما، واسنتتج منها موقفًا طبيعيًّا، يكشف عن موهبة الأديب، وأعماله، هذا كلامه الذي يؤكد به تلك الرؤية، ويقصد بالجنس هنا: مجموعة من الصفات والخصائص الموروثة لدى أمة من الأمم، انحدرت من أصل واحد، ويعني بالبيئة المكان أو الوسط الجغرافي، الذي نشأ فيه الأديب أو جنس بشري ما، وما يشكله من عوامل طبيعية واجتماعية مختلفة، تؤثر في فكره.

стр. 103

ويقصد تين بالعصر: الزمان الذي تعيش فيه أمة ما، وما يسود فيه من سياسة ودين وعادات وتقاليد وغير ذلك، أو الحركة المكتسبة من ثقافة الشعب وتاريخه، أو بمعنى آخر، يقصد بها تأثير الماضي في الحاضر، ومناصرته له، والحقيقة أننا لا ننكر أثر الخصائص الجنسية في الإبداع الأدبي، لا ننكرها على الإطلاق، ونشهد بالتقدم العلمي الهائل في العصر الحديث، والتسابق الواضح بين الدول؛ لمعرفة خصائص الجنس البشري في كل إقليم، هذا شيء جيد لا ننكره، وهو ما يعرف بعلم الجينات، لا ننكره ولا ينكره أحد. ولكن لا بد أن نعترف: أنه إذا كان بالإمكان تطبيق ما نادى به تين في إقليم من الأقاليم، أو عصر من العصور الماضية، فمن الصعب تطبيقه الآن؛ بسبب الامتزاج الشديد بين الشعوب، واختلاط الأجناس إلى حد بعيد، فمن السهل فعلًا أن نطبق هذا القانون في الأزمنة، التي كان مثلًا يعيشها فيها الجاهليون؛ لأنهم كانوا أمة واحدة جنسًا واحدًا عرب، لكن في العصور التالية بعد ذلك، بداية بالعصر العباسي، وانتهاءًا بالعصر الحديث الذي نعيشه الآن. من الصعب في الحقيقة تطبيق هذا القانون؛ بسبب الاختلاط الشديد بين الأجناس، والامتزاج القوي بين الأمم، وتجدر الإشارة إلى أنه مع إيماننا الشديد بوحدة الأدب العربي، واتفاقه في كثير من الخصائص الفنية؛ رغم اختلاف البيئات وتباينها، إلا أننا لا ننكر أثر البيئة في تشكيل الإبداع الأدبي، كل بيئة ينعكس أثرها على الأدب الذي يقال فيها، ومع ذلك هناك خصائص عامة، مشتركة بين الآداب جميعها على اختلاف البيئات والأزمنة أيضًا، خاصة في العصر الحديث. ولدينا في الحقيقة طائفة من النماذج الأدبية، التي تختلف خصائصها تبعًا لاختلاف البيئات، التي قيلت فيها، كالأدب المهجري مثلًا، حيث إن له من

стр. 104

الخصائص ما يميزه عن غيره من الآداب، ولو فتشنا في النماذج، التي يحاكي فيها الأدباء الأدب القديم، كالمعارضة، والتقليد، ويتفقون معه في كثير من الخصائص، لرأينا أثر البيئة التي يعشونها واضحًا جليًّا، وأن محاكاتهم للأدب القديم، لا تلغي تأثرهم بتلك البيئة. يعني: لو أن شاعرًا من العصر الحديث، عارض شاعرًا من العصر العباسي، كالمتنبي أو البحتري مثلًا، وبرع في المعارضة من الناحية الفنية، هل نعدم أثر البيئة، التي عاش الشاعر فيها البيئة الحديثة، هل نعدم أثرها في هذا الفن الأدبي لا، لو تأملنا ودققنا وحللنا تحليلًا فنيًّا جيدًا، لتكشفت لنا ملامح البيئة التي يعيشها ذلك الشاعر في هذه النماذج، التي يحاكي أو يعارض، أو يقلد بها ذلك الشاعر العباسي. ورغم ذلك كله، فإننا ينبغي أن نطبق قانون البيئة في بحوثنا الأدبية، بحذر شديد عند الاحتياج إليه، هذا بالنسبة للرائد الثاني من رواد المنهج التاريخي، وهو هيبولاي تين، وتلك رؤيته التي كشف عنها، أما ثالث رواد هذا المنهج وهو برونت يير، صاحب نظرية تطور الأنواع الأدبية في الأدب والنقد، إذ حاول في كتابه (أصل الأنواع)، ألف كتابًا بعنوان (أصل الأنواع)، حاول في هذا الكتاب أن يمهد لتطبيق نظرية دارون، عن علم الأحياء المسماة بنظرية النشوء والارتقاء، وهي نظرية مشهورة ومعروفة. واقتفى برونت يير أثر سبنسر، الذي طبقها على علم الأخلاق والاجتماع يعني: قلد سبنسر الذي طبق هذه النظرية -نظرية النشوء والارتقاء-، قلد برنت يير سبنسر في تطبيقها على الأخلاق والاجتماع، وطبقها هو أيضًا على الأدب. وفي سبيل هذا -في سبيل تحقيق ذلك- كتب برونت يير كتابًا سماه (تطور الأنواع الأدبية)، وقسم فيه الأدب إلى فصائل، كفصائل الكائنات الحية الخاضعة للتطور

стр. 105

والنمو والتكاثر والكمال، ثم التلاشي وفي النهاية العدم، مؤكدًا خضوع الأدب في ذلك كله لعوامل بيئية واجتماعية مختلفة، فكل جنس أدبي له زمان خاص به، يولد فيه وينمو فيه، ويموت فيه، فله حياة خاصة به، في امتداد زمني معين، مثل الأجناس الحيوانية تمامًا. وفي سبيل تأكيد ذلك اختار برونت يير ثلاثة أنواع أدبية، هي المسرح والنقد الأدبي، والشعر الغنائي، وراح يطبق عليها نظريته السالفة الذكر، والحقيقة أن نظرية تطور الأنواع الأدبية، التي نادى بها برونت يير في حد ذاتها صحيحة، هي صحيحة في حد ذاتها؛ لأن الأدب ينمو، ويصيبه شيء من التطور، مثلما يصيب الكائنات الحية، ولكن الفرق شاسع بين تطور الكائنات، وتطور الآداب، فالكائنات الحية تتلاشى، وينفي بعضها بعضًا بخلاف الأدب، فإنه لا يصيبه شيء من ذلك على الإطلاق، ولا زلانا نستمع إلى الآن بالدرر الخالدة من أدبنا العربي في العصر الجاهلي والإسلامي، والأندلسي وغيرها من عصور، رغم ما طرأ على الأدب من تطور في هذه العصور، وعبر الأزمان المتلاحقة من بعدها، هذه أو هذا موجز عن نشأة هذا المنهج، وهم علماء ثلاثة، أبدى كل واحد منهم رؤيته، وأصلوا لهذا المنهج في الآداب الغربية. والحقيقة أن العرب عرفوا هذا المنهج قبل الأوربيين بأزمنة طويلة، وإن غاب عنهم المصطلح، فالفكرة لم تغب عن خاطرهم، ومؤلفاتهم التي بين أيدينا تشهد بذلك، وسبق أن أشرنا إلى بعضها، هم عرفوا المنهج التاريخي، عرفوا الفكرة عرفوا المفهوم، ولكن المصطلح والقوانين الحديثة، هذه هي التي لم يعرفها العرب. وهذا المنهج بمفهومه وأصوله الحديثة، التي انتشرت في البيئة الغربية، انتقل إلى البيئة العربية من خلال عدة طرق،

стр. 106

أهمها المستشرقون وهم: جماعة من الغرب تخصصوا في دراسة اللغات الشرقية وآدابها، حاولوا أن ينقلوا هذا المنهج من البيئة الغربية إلى البيئة العربية، من خلال تآليفهم، ومن خلال محاضراتهم، التي كانوا يلقونها على طلابهم، ونجحوا في ذلك أيما نجاح. الطريق الثاني: الذي انتقل هذا المنهج من البيئة الغربية إلى البيئة العربية من خلاله: البعثات العلمية الموفدة إلى أوربا، والذين ذهبوا إلى هذه البلدان، لا شك في أنهم قد انتهجوا ذلك المنهج في بحوثهم، وتأثروا به ثم نقلوه إلى أوطانهم بعد عودتهم، وفي أبحاثهم التي كتبوها، مستعينين بها أما ثالث هذه الطرق: فهي الترجمة، وقد قامت بدور عظيم في نقل الأفكار الغربية إلى البيئة العربية، في مجال البحث العلمي وغيره من مجالات العلم والمعرفة. هذا عن المنهج التاريخي وأصوله، التي وضعها هؤلاء العلماء، وقد انتقل بهذه الأصول إلى البيئة العربية، وبدأ العلماء يلتزمون به في تآليفهم، كما سنعرف الآن. قيمة المنهج التاريخي في مجال البحث الأدبي والآن نطرح سؤالًا قد يتبادر إلى الذهن بطبيعة الحال: هل هذا المنهج له قيمة في مجال الدراسات الأدبية؟ المنهج التاريخي هذا ما قيمته؟ ما قيمته في مجال البحث الأدبي، أو الدراسات الأدبية؟ هل يفيدنا أم أن الباحث سيضيع وقتًا في الأحاديث التاريخية، ولا فائدة من ورائها تتصل بالأدب كما قال البعض؟ نجيب على هذا، فنقول: بعد توضيح الأسس التي قام عليها المنهج التاريخي، وتتبع نشأته وتطوره، حتى صار منهجًا مستخدمًا في مجال الدراسات الأدبية، نقف على أهميته وقيمته في مجال هذه الدراسات الأدبية، فنقول: نعم للمنهج التاريخي قيمة عظيمة، في مجال الدراسات الأدبية، نشير إلى أهمها

стр. 107

أولًا: إذا أردنا معرفة تطور الأدب واللغة في عصر من العصور، فأي منهج يفيدنا في هذا؟ لو أردنا أن نتعرف على تطور الأدب في العصر الأموي، أو العصر العباسي، أو العصر الحديث مثلًا، فينبغي أن نسلك أي المناهج، حتى نصل إلى نتيجة صحيحة ودقيقة في هذا المجال؟ لا بد أن نلجأ إلى منهج تاريخي، فإنه هو المنهج الوحيد الذي يعيننا على معرفة ذلك التطور. ثانيًا: إذا أردنا الوقوف على تأثر الأدب بالحياة السياسية، أو الاجتماعية في مجتمع ما من المجتمعات، فلا يسعفنا في الحصول على هذه المعلومات، إلا المنهج التاريخي. ثالثًا: إذا أردنا أن نعرف السر في ازدهار فن النقائض مثلًا في عصر بني أمية، أو أي فن من الفنون الشعرية، في أي عصر من العصور، كالشعر الماجن مثلًا في العصر العباسي، أي المناهج يفيدنا في هذا المجال؟ إنه المنهج التاريخي، فهو الذي يكشف لنا عن الظروف السياسية والاجتماعية، التي هيأت لظهور هذه الفنون. كما يفيدنا المنهج التاريخي أيضًا في مجال الموازنات بين الأدباء، وفي الوقوف على آراء الأدباء، وعقائدهم، واتجاهاتهم المختلفة من خلال دراسة العصر، وما يشتمل عليه من معتقدات، ومذاهب مختلفة، كما يفيدنا أيضًا في دراسة النصوص الأدبية وتحليلها، من خلال الكشف عن الظروف، التي أحاطت بها، وأثرت فيها، كما يفيدنا أيضًا في التعرف على الأفكار الجديدة في مجال الأدب والنقد، وتحديد مبتدعيها، ومعرفة السابق واللاحق. كما يفيدنا أيضًا عند التأصيل للنظريات، والقضايا النقدية المهمة، وفي مجال الكشف عن التأثير والتأثر بين الآداب، قيم كثيرة وفوائد جمة لا يمكن أن ننكرها

стр. 108

في مجال، أو حين نستخدم المنهج التاريخي في مجال البحث الأدبي، ورغم هذه الفوائد، وغيرها للمنهج التاريخي في مجال الدراسات الأدبية، فإنه لا يخلوا من بعض العيوب، التي تلحق به إذا اعتمدنا عليه وحده، إذا اعتمدنا عليه وحده، لا يمكن أن نصل إلى نتائج يقينية. نشير سريعًا إلى بعض هذه العيوب منها: المنهج التاريخي كما رأيت يربط بين الأدب والسياسة برباط قوي، بمعنى أن الازدهار السياسي في أي عصر من العصور عند أصحاب المنهج التاريخي، يترتب عليه نهضة أدبية عامة، ونحن لا ننكر العلاقة القوية المتبادلة بين الأدب، والسياسة، هذا شيء ثابت، ولكن ذلك التلازم والترابط ليس مطردًا في كل العصور، فقد تأتي النتيجة عكسية تمامًا بمعنى: أنه قد يكون الاضطراب السياسي مقرونًا بازدهار أدبي واضح، وقد يكون العكس صحيحًا. وأوضح مثل لذلك: الأدب في القرن الرابع الهجري، أو عصر ملوك الطوائف بالأندلس، فقد ازدهرت فيهما الحياة الأدبية ازدهارًا لا شك فيه، بينما كانت الحياة السياسية تعاني ضعفًا شديدًا هذا عيب. من العيوب أيضًا: الاعتماد على المنهج التاريخي وحده، في مجال البحث الأدبي، يبعدنا عن استظهار الخصائص الفنية للأدب، لا ننظر إلى صورة فنية، ولا لفظة موحية، ولا أي ملمح من ملامح الأسلوب الفني، وهذه الملامح تعد أسمى غايات الأدب، المنهج التاريخي يهملها إهمالًا، كما أنه يهمل النوازع الفردية عند الأدباء، ويغفل العبقريات الشخصية، وهي من أهم مقاييس المفاضلة بينهم.

стр. 109

ومن ثم فأصحاب هذا المنهج يسوون بين الشعراء، من حيث الإبداع الفني؛ لأن مقياس الجودة عندهم: هو مدى انعكاس البيئة، أو المجتمع على الأدب، ونجاح الأديب في تصوير البيئة والمجتمع، لكن لا ينظرون إلى الناحية الفنية على الإطلاق، ومن العيوب أيضًا التي تؤخذ على هذا المنهج بهذا المفهوم، الذي رأيناه عند رواده، أنهم يضعون حدودًا فاصلة بين العصور الأدبية، والبيئات الفنية يعني: عندما يقسمون الأدباء إلى فصائل، كفصائل النبات، ويضعون لها قوانين ثابتة، لا يمكن أن تتداخل أو تتواصل، هذا شيء مرفوض الحقيقة في الأدب؛ لأنه من الثابت أن العصور الأدبية متداخلة، ولا يتأتى لنا الفصل التام بينها. كما أن الاعتماد على المنهج التاريخي وحده يؤدي إلى نتائج ناقصة؛ لأنه قائم على استقراء ناقص، ونظرية جزئية ضيقة، ولا تظن أيها الباحث أننا عندما نذكر هذه العيوب، أو المآخذ لا تظن أننا نرفض المنهج التاريخي، لا نحن نرفضه وإنما نقبله، بل نؤكد على لزومه، ولكن في ظل مجموعة من المناهج الأخرى المتكاملة، لا يكن هو المنهج الوحيد، الذي يستخدمه الباحث في بحثه للوصول من خلاله إلى نتائج يقينية، هذا لا يجوز. وفي نهاية الحديث عن هذا المنهج، المنهج التاريخي، تجدر الإشارة إلى شيء أو أمر مهم، ينبغي لنا أن نعيه جيدًا، شاع بين بعض المؤصلين للمناهج الحديثة، أن المنهج التاريخي من صنع الغرب، ليس المنهج التاريخي فحسب، ولكن كل المناهج الحديثة، بعض المؤصلين للمناهج في العصر الحديث، يدعون أن هذه المناهج من صنع الغرب، وعندما يتحدثون عن أي منهج منها، لا يذكرون إلا أسماء الأعلام الغربيين.

стр. 110

والحقيقة أن في هذا ظلم للعرب ظلم بين؛ لأن علماء العرب قد عرفوا أصول هذا المنهج قبل الأوربيين بأزمنة طويلة، يبدو لنا ذلك من خلال مؤلفاتهم، التي لا تزال منارة يهتدي بها كل من يسلك هذا الدرب، في الوقت الذي أقبل فيه هؤلاء العلماء، يؤلفون موسوعاتهم دون علم بالمصطلحات الحديثة، نعم لم يكن هناك علم يسمى علم المصطلح، أو علم المنهج، ورغم ذلك نجحوا في التأصيل لمناهج كثيرة. كتبوا هذه المؤلفات بفطرتهم، واعتمدوا فيها على أذواقهم، ونضرب مثلًا بهذا بكتاب (طبقات فحول الشعراء)، لابن سلام الجمحي، حيث سار فيه على منهج واضح أقرب ما يكون إلى المنهج التاريخي، كيف ذلك؟ عرفت كما سبق أن أصول المنهج التاريخي، التي وضعها علماء الغرب تتمثل في الزمان، والمكان، والبيئة، والجنس، إذا دققنا النظر في كتاب ابن سلام، نجد أنه سار على نفس هذه المبادئ، التي اهتدى إليها الغربيون في العصر الحديث. ونوضح ذلك ونشير إلى ذلك سريعًا، فمن حيث الزمان قسم ابن سلام الشعراء إلى قسمين: جاهليين، وإسلاميين، أما المخضرمون فإنهم ينتمون إلى أحد القسمين حسب تراث كل منهم، وعنصر الزمن هنا واضح جدًّا، كما ترى استخدم الزمان؟ نعم استخدمه في كتابه أو في تقسيمه للشعراء، وأما من حيث المكان، فالشعراء عنده أصلًا من أهل البادية، ولكن الرجل نظر فوجد أن شعراء القرى، أي: الحواضر يختلفون عن شعراء البادية، فعقد بابًا لشعراء القرى، ورأى أن لكل قرية شعراءها الفحول، كما فاضل بين شعراء كل قرية، وهو بذلك يؤكد أثر البيئة في الأديب من شتى النواحي. وهذا ما نبه إليه تين وبرنتيير وسانت بيف من الغربيين، سبقهم ابن سلام إلى هذا، بهذا يتأكد لنا أن ابن سلام سبق الغربيين بمئات السنين، في الاهتداء للمنهج
следующие страницы →