← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30929

خطب مختارة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (296 стр.). Показаны 281–296 · переход к 286.

стр. 281

الشرف بالإحسان إليهَم، كان يكرم ذوي رحمه ويصلهم من غير أن يؤثرهم على غيرهم ممن هو أفضل منهم، كان لا يجفو على أحد ولو فعل ما فعل، كان له صلوات الله وسلامه عليه عبيد وإماء، وكان لا يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس، كان لا يمضي له وقت في غير عمل لله أو فيما لا بد له من إصلاح نفسه، كان أبعد الناس غضبًا وأسرعهم رضًا، وكان أرأف الناس بالناس وأنفع الناس للناس، وفي هذا القدر كفاية لمن وفقه الله للاقتداء به، فأخلاقه العظيمة صلوات الله وسلامه عليه لا يحصيها إلا الله الذي شهد له بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] فلنقتد به في أخلاقه الكريمة والله الموفق والمعين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 282

[فضل الصحابة رضوان الله عليهم] فضل الصحابة رضوان الله عليهم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه، ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين. وبعد: أيها الإخوة المؤمنون: قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وقال جل شأنه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] هذه الآيات الكريمة وكثير غيرها مما أنزل الله في فضل أصحاب رسوله ﷺ . فأصحاب رسول الله ﷺ هم حملة رسالة الإسلام الأولون، وهم أنصار رسول الله ﷺ المنافحون عنه، المجاهدون في سبيل إعلاء كلمة الله، ونشر دعوته. هؤلاء الذين كانوا في يوم من الأيام لو أصابهم الهلاك لما عبد الله بعد ذلك. هؤلاء الذين كان رسول الله ﷺ ينظر إليهم يوم بدر وهم يقاتلون المشركين، ويرفع رأسه إلى السماء قائلًا: «اللهم إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد» .

стр. 283

هؤلاء الذين ورد في فضائلهم من الآيات والسنن ما يضيق عن الحصر، ويتجاوز العد. هؤلاء الصحابة الذين آمنوا بالله ورسوله، وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه. هؤلاء هم أفضل خلق الله بعد أنبياء الله، وهم أكرم خلق الله على الله بعد أنبيائه ورسله. هؤلاء الذين أكّد كتاب الله، وأكدت سنة رسوله ﵌ صدقهم وعدالتهم وتقواهم، والتزامهم التام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ولذلك فقد نوه بفضائلهم رسول الله ﷺ وحذر من أن تجحد أو تنسى، وأوصى بهم كما أوصى بأهل بيته، فقال: «الله الله في أصحابي، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» ، وأمر ﵊ بحبهم وتوقيرهم، والنظر إليهم نظرة إجلال وتقدير. فلقد سمع خالد بن الوليد يومًا، وهو يتلاحى مع عبد الرحمن بن عوف، وتعلمون أن خالدًا ﵁ كذلك من أصحاب رسول الله ﷺ ولكنه كان من المتأخرين في الإسلام، وليس من السابقين الأولين أما عبد الرحمن فقد كان من السابقين الأولين. فحينما «سمع ﷺ خالدًا يرفع صوته على عبد الرحمن، غضب رسول الله ﷺ وقال: " هل أنتم تاركون لي أصحابي، لا تسبوا أصحابي فوالله لو أنفق أحدكم مثل أحد ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» فإذا كان الصحابي المتأخر لا يبلغ من الفضل مبلغ الصحابي المتقدم ويعتبر رفعه لصوته عليه، وعدم تأدبه

стр. 284

معه بمثابة سب يغضب الله ورسوله ﷺ له، فما بالكم بأولئك الذين ينتقدون أصحاب رسول الله ﷺ ويؤذون رسول الله فيهم ويوجهون لهم شتى التهم والطعون. إن أصحاب رسول الله ﷺ هم الذين نقلوا لنا كتاب الله، إن أصحاب رسول الله ﷺ هم الذين نقلوا لنا سنن رسول الله ﷺ ، وإذا ما زعم أو ذهب ذاهب إلى الطعن بأصحاب رسول الله ﷺ فإن هذا الطعن لا يكون مجرد طعن بأشخاص سابقين بالإسلام والفضل، ولا يكون مجرد جحود لفضل أهل الفضل، ولكنه يكون كذلك بمثابة إنكار لصدق رسول الله ﷺ ، وبمثابة إعراض عن كتاب الله وسنة رسوله ﵊، لأن الطعن بأصحاب رسول الله ﷺ طعن بالنقلة العدول الذين نقلوا لنا كتاب الله، وسنة رسوله ﵊، فإذا ما طعن بهم، فإن ذلك الطعن، شاء الطاعنون أم أبوا يتضمن طعنًا بصدق تواتر نقل كتاب الله، وطعنًا بصحة ثبرت سنن رسول الله ﷺ ، ويترتب على ذلك من العظائم الكبيرة، والسخائم الكثيرة أهوال وأهوال تودي إلى إنكار الإسلام، وإلى طمس عظمته، ولذلك فإن الإقرار بعدالة أصحاب رسول الله ﷺ في الجملة، والبعد عن سبهم وانتقادهم، وتجريح بعضهم، إنما هو نوع من الحرص على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والغيرة على الإسلام، ومقارفة شيء من ذلك والخوض في مجال الفتن التي وقعت بينهم، وتجريح بعضهم بحجة تزكية البعض الآخر، كل ذلك يتضمن طعنًا في نقلة الإسلام وحملته،

стр. 285

وكل ذلك يؤدي والعياذ بالله إلى نوع من الاعتداء على الإسلام والابتعاد عن التقيد بتعاليمه وأحكامه. إن أصحاب رسول الله ﷺ على العدالة، بذلك جاء القرآن، وبذلك شهد رسول الله ﷺ . إن الطعون التي يكيلها البعض لهؤلاء جهلوا أم علموا إنما هي طعون برسول الله ﷺ ومحاولة لإنكار الإسلام. فما تطاول امرؤ على أصحاب رسول الله ﷺ إلا جره ذلك التطاول إلى الاعتداء على حرمات الله ، وإلى إنكار الكثير من أحكام الإسلام، وإلى انتهاك كثير من الحدود. فاحفظوا رسول الله ﷺ بأصحابه وآل بيته، أحبوهم لحب رسول الله ﷺ لهم، أحبوهم لحب الله إياهم، ابتعدوا عن الخوض في كل ما يؤدي إلى التقليل من شأنهم، احذروا أولئك الذين ينددون بهم، وليس لهم من حديث إلا الاعتراض عليهم، والتنديد بما بدر منهم، والتقليل من شأنهم. إن هؤلاء يريدون بذلك التشكيك بصحة نقل القرآن العظيم، التشكيك في سنن رسول الله ﷺ ، فاحذروهم على دينكم، وخافوهم على رسالة نبيكم ﵌، واعلموا أن هؤلاء قوم ملعونون قد لعنهم الله وأعد لهم عذابًا أليمًا بما انتهكوا من حرمة رسول الله ﷺ وبما أثاروه من شبه حول رسالته. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 286

[فضل الجهاد في سبيل الله] فضل الجهاد في سبيل الله الحمد لله الذي أمر بالجهاد، لتطهير الأرض من الكفر والفساد، ووعد المجاهدين بعظيم الأجر والثواب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله جاهد في الله حق جهاده بالقلب واللسان، والدعوة والبيان، وبالسيف والسنان فكان كل عمره في الجهاد، وكل ساعاته صلاح ورشاد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين بذلوا نفوسهم وأموالهم في الجهاد في سبيل الله، طاعة لله وطلبًا لثوابه، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: عباد الله اتقوا الله، واعلموا أن الله سبحانه بحكمته البالغة يمتحن عباده المؤمنين، ويبتليهم بأهل الكفر والنفاق، ليظهر بذلك صدق المؤمنين في إيمانهم وترفع درجاتهم، وإلا فهو سبحانه قادر على أن ينتقم من الكفار فيهلكهم عن آخرهم في لحظة واحدة، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ - سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ - وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ - وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤ - ٨] أيها المؤمنون: إن الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة، كما أن لهم الرفعة في الدنيا، قال تعالى:

стр. 287

﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا - دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦] وقد أمر الله بجهاد الكفار والمنافقين وجهاد هؤلاء على أربع مراتب: بالقلب واللسان والمال والنفس، فجهاد الكفار بالمال والسلاح وجهاد المنافقين بالحجة والجدال. وقد شرع الله الجهاد لإعلاء كلمة الله، حتى يعبد الله وحده لا شريك له. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] وشرع الجهاد لقمع الكفار والمشركين، وكف أذاهم عن المسلمين قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] قال الإمام ابن القيم ﵀: والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين، إما بالقلب وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع. وذكر الإمام أحمد «عنه ﷺ أن رجلًا قال له أوصني فقال: أوصيك بتقوى الله فإنها رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض» ، وقال ﷺ : «ذروة سنام الإسلام الجهاد» ، وقال «ثلاثة حق على الله عونهم المجاهد في سبيل الله والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف» ، وقال ﷺ فيما رواه مسلم: «من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق» ، وذكر أبو داود عنه: «من لم يغز أو يجهز غازيًا أو يخلف غازيًا في أهله بخير أصابه الله سبحانه

стр. 288

بقارعة قبل يوم القيامة» ، وقال ﷺ : «إذا ضن الناس - أي بخلوا - بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة - وهي نوع من الربا - واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم» . وروى ابن ماجه عنه ﷺ : «من لقي الله وليس له أثر في سبيل الله لقي الله وفيه ثُلمة» . عباد الله: والجهاد في سبيل الله يكون بالمال ويكون بالنفس، وقد جاء الحث على الجهاد بالمال مقدمًا على الجهاد بالنفس في آيات كثيرة قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١] وعلق سبحانه النجاة من النار ومغفرة الذنوب ودخول الجنة على الجهاد بالأموال والأنفس قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ - تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٠ - ١٢] الآيات. . . وأخبر أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وقال ﷺ : «من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزنة الجنة كل خزنة باب أي فُلُ هلم» ، وقال ﷺ : «من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فسبعمائة» ، وذكر ابن ماجه عنه ﷺ : «من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله

стр. 289

بكل درهم سبعمائة درهم» ، وقال ﷺ : «من أعان مجاهدًا في سبيل الله أو غارمًا في غرمه أو مكاتبًا في رقبته أظله الله يوم لا ظل إلا ظله» . عباد الله: فالجهاد بالمال معناه أن تدفع مالًا يستعين به المجاهدون في سبيل الله في نفقتهم ونفقة عيالهم وفي شراء الأسلحة وغيرها من معدات الجهاد وفي ذلك فضل عظيم لأن الله ذكره في القرآن مقدمًا على الجهاد بالنفس مما يدل على أهميته ومكانته عند الله، والمسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ - مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٤ - ٢٤٥] أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 290

[غزوة بدر الكبرى] غزوة بدر الكبرى الحمد لله القوي القادر، العزيز الحكيم، أحمده وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ينصر المؤمنين بفضله، ويؤيدهم بقوته ويمدهم بملائكته، ما أخلصوا له النية، وأقاموا له الدين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سيد المجاهدين، وإمام الشجعان المقاتلين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، الذين باعوا أنفسهم لله، وقدموا أموالهم فداءً لدينه ونصرة لدعوته، ودفاعًا عن الحق، فكانوا من المهتدين. أما بعد: فيقول الحق سبحانه في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ - إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ - بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ - وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٦] (١) . أيها المسلمون: إن غزوة بدر الكبرى، أول معركة حربية كبيرة خاض غمارها المسلمون بقيادة رسول الله ﷺ ، وقد سبقتها في الواقع عدة أعمال عسكرية صغيرة كان المقصود منها تدريب الصحابة، وجس النبض، واختبار الموقف في نواح متفرقة من الجزيرة العربية، وبخاصة حول المدينة،

стр. 291

غير أن غزوة بدر كانت البداية الحقيقية للجهاد بالسلاح، الذي خاضه المسلمون ضد أعداء الدعوة الإسلامية، وليس يعنينا هنا أن نسرد عليكم تاريخ هذه الغزوة المباركة، فأحداث هذا التاريخ يطول عرضها، ولاشك أن المسلم الذي يرد المسجد ملم بعض الإلمام بتفاصيل هذه الآيات، لأنها جزء من بناء دينه المتين، وفصل من فصول التاريخ العريق لأمتنا الإسلامية المجيدة. وإنما الذي يعنينا هو أن نقف بكم على المعالم البارزة في ذلك التاريخ، وهي المعالم التي تحمل في طياتها دروسًا في الكفاح، وعظات تفيدنا في حاضرنا، الذي هو نقطة انطلاق إلى مستقبلنا. وأول درس نتلقاه من بدر هو الدرس الذي حدثنا عنه الله سبحانه في قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣] فهو يمتن على النبي وصحابته بنعمة النصر التي أنعم عليهم بها، برغم أنهم لم يكونوا متهيئين له، ولا أعدوا له عدته، بل إنهم لم يكونوا على استعداد نفسي لخوض معركة، بل لقد كانوا يتمنون ألا يلقوا حربًا، ولا يخوضوا معركة، وكان فريق منهم يكره ذلك كراهية شديدة، وكل ما كانوا يريدون هو أن يظفروا بالغنيمة التي خرجوا في مطاردتها، وذلك ما حدثتنا عنه الآيات الكريمة: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ - يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ - وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ - لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٥ - ٨] (١) .

стр. 292

فموقف المسلمين قبل بدر كان موقف الاستضعاف والذلة، إذ لم تكن قلوبهم متوحدة قبل المعركة حول هدف واحد، ولم تكن عزائمهم مشحوذة لقتال العدو، وهو موقف الذلة لأن عدتهما للمعركة لم تكن عدة حرب، بل كانت عدة غارة على قافلة، فإذا هم يواجهون بحرب لا مفر منها مع عدو مستعد غاية الاستعداد. وكان الموقف محرجًا حين صرفوا عن هدفهم الأحب إلى قلوب أكثرهم حين فاتتهم القافلة وواجهتهم العاصفة، كانوا يريدون غنيمة فإذا هم مطلوبون للبذل والتضحية. وكان الموقف عصيبًا حين نظروا إلى العدو الذي فاقهم عددًا، حتى بلغ ثلاثة أضعاف عددهم، وقد توافرت للعدو المؤنة والسلاح، أي أن عناصر النصر من ناحية الحساب المادي كانت في جانب المشركين، على حين كان عكس ذلك في جانب المسلمين. وكان الموقف يفرض على قائد المعركة ﷺ أن يعالج نواحي الضعف في صفوفه، قبل أن ينشب القتال، وأول ثغرة واجهها كانت تحويل وجهتهم عن الغنيمة السهلة إلى خوض المعركة المقبلة، ولم يلق القائد في هذا التحويل صعوبة تذكر، فسرعان ما استجابت نفوس المهاجرين والأنصار للوضع الطارئ الجديد، حتى لقد بلغ الأمر قمة روعته في كلمة سعد بن معاذ سيد

стр. 293

الأنصار بين يدي النبي ﷺ : " قد آمنا بك وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودًا ومواثيق على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أمرت، ولعلك يا رسول الله خرجت لأمر فأحدث الله غيره، فامض لما شئت وصل حبال من شئت واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من مالنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لحضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن نلقى عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله ". بهذه الكلمات الحاسمة وضع سعد بن معاذ أرواح الأنصار بين يدي القائد الذي جمع جنوده ليوحد وجهتهم ويقوي جبهتهم، وقد تولى الله سبحانه دعم هذه الصفوف المؤمنة حين صدقت عزيمتها على مقاتلة أعدائه، فإذا بكل ما كان عامل ضعف وذلة أصبح مصدر قوة ونصر، فأما قلة عدد المؤمنين وكثرة عدد المشركين فقد شاء الله أن يدعم القلة ويهون شأن الكثرة، حين أصبح اللقاء محتمًا، وعلى ذلك فمن المفيد أن يرى المشركون عدد المسلمين قليلًا فيستهينوا بهم، والاستهانة أول عوامل الانتكاس والهزيمة، فأما المؤمنون فبرغم أنهم كانوا يعلمون أن أعداءهم كثرة، فإن الله جلت حكمته قد خيل إليهم أن هذه الكثرة قليلة الشأن، طائشة الوزن، تافهة الأثر؛ لأن عشرين صابرين يغلبون مائتين، ومائة صابرة يغلبون ألفًا من الذين كفروا.

стр. 294

وهكذا صورت لنا الآية الكريمة حل مشكلة العدد في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤] (١) . وأما مشكلة السلاح فأمرها أهون من ذلك، إذا صح عزم المؤمن على منازلة عدوه، ومتى كان هدفه أن يموت شهيدًا في سبيل الله ورسالته، لقد كان السلاح الماضي هو الإيمان المكين واليقين الثابت في نصر الله والصبر على قساوة الصراع، وتلك هي العوامل التي تقف من وراء إمداد الله للمؤمنين بجنده الذي لا يغلب: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ - وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٥ - ١٢٦] (٢) . ولعلنا نزداد تصورًا وفهمًا لهذا الموقف الذي كان عليه المؤمنون حين نذكر دعاء الرسول ساعة الزحف، وهو يناجي ربه ويلح عليه: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض، اللهم أنجز ما وعدت، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، وعراة فاكسهم، وجياع فأشبعهم، وعالة فأغنهم من فضلك» ، ولم يكن هذا التوجه إلى الله شأن النبي القائد وحده، بل كانت دعوات الاستغاثة متصاعدة إلى عنان السماء، تجأر إلى الله تناشده النصر

стр. 295

والتأييد، فكانت الاستجابة لهذا الدعاء أسرع مما تصور الداعون، وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] لقد تبدلت الحال بعد توحد العزائم على القتال، فازداد المؤمنون توجهًا إلى الله، وتشبثًا بصدق الوجهة، وحرصًا على الموت من أجل الدعوة، على حين تراخت عزائم المشركين حين استهانوا بالمؤمنين، وزادهم البطر والرياء ضعفًا على ضعف، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٨] (١) فامتلأوا غرورًا، وتلك هي المقدمات الطبيعية للهزيمة التي ذاقوا ويلاتها على يد المؤمنين، فأشبعوهم قتلًا وأسرًا وإذلالًا، وهكذا - أيها المسلمون - ذاق أصحاب نبيكم حلاوة النصر في أول معركة وعاينوا النتيجة العملية لإيمانهم بالنبي وانتصارهم له، فهذا هو الدرس الأول من دروس غزوة بدر الكبرى. والدرس الثاني أن بدرًا قد وضعت الإيمان والكفر وجهًا لوجه، فأحس المؤمنون أن الأمر لم يعد يحتمل مساومة أو مطلًا، وأنه لا سلام مع وجود الكفر في جزيرة العرب، وقد آن للإيمان أن يدخل أول امتحان عملي يؤكد أصالته، فإن إيمان المؤمنين كان حتى قبيل غزوة بدر اقتناعًا نظريًا بمعاني الغيب وقيمه، وكانت بدر بما عاينوا فيها من تأييد الله أعظم تأكيد لدور الغيب في حياة المؤمنين، وفي اقتناعهم. لم يعد الغيب سرًّا أو تسليمًا، بل صار ملائكة تهبط من السماء إلى الأرض، ونصرًا لا تضمنه أسباب

стр. 296

الدنيا، وإنما تصنعه أقدار الغيب الذي به يؤمنون، ولهذا يخاطبهم الله سبحانه بهذا القول الحاسم، بعد أن صور لهم ذلتهم وعجزهم: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ - ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٧ - ١٨] (١) (٢) . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.