بالحجارة وقال بعضهم يلقى من أعلى مكان في البلد حتى يموت وقال بعضهم يحرق بالنار فالفاعل والمفعول به إذا كان راضيًا كلاهما عقوبته الإعدام بكل حال سواء كانا محصنين أم غير محصنين لعظم جريمتهما وضرر بقائهما في المجتمع فإن بقاءهما قتل معنوي لمجتمعهما وإعدام للخلق والفضيلة ولاشك أن إعدامهما خير من إعدام الخلق والفضيلة.
أيها المسلمون: إن علينا كمجتمع إسلامي قوامه الدين والأخلاق - ولله الحمد - أن نجتهد بقدر ما نستطع على التمسك بديننا، والتخلق بالأخلاق الفاضلة، وأن يسعى كل منا من الولاة فمن دونهم لمنع الفساد والمفسدين، وإصلاح المجتمع، وأن نتخذ الحيطة ونتبع مواقع الفساد لتطهيرها. على كل منا أن يراقب حال أولاده وأهله الذكور والإناث، فيمنع نساءه من الخروج متبرجات بثياب الزينة والطيب وغيره مما يلفت النظر، ويتفقد أولاده أين ذهبوا، وأين غابوا، ومَن أصحابهم، ومَن جلساؤهم، وأن يمنعهم من مخالطة السفهاء ومعاشرة من يخشى الفساد بمعاشرتهم، وعلى كل أهل حارة ومحلة أن يتفقدوا محلتهم وحارتهم ويتعاونوا على منع الشر والفساد فإذا أصلح الرجل أهله، وأصلح أهل الحارة جيرانهم، وحرص الولاة على إصلاح بلدهم، حصل بذلك من الخير ما يكفل السعادة للمجتمع، وإن أهمل الناس واجبهم في هذا، فاتهم من الخير بقدر ما فوتوا من الواجب.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الذكر
стр. 247
الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 248
[خطر الغيبة والنميمة]
خطر الغيبة والنميمة الحمد لله العليم بما نخفي وما نعلن، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء، أحمده سبحانه حمد من شغله عيبه عن عيوب الآخرين، وأشكره، وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وإذا مروا باللغو مروا كرامًا، وعلى أتباعه الذين حفظوا أنفسهم وألسنتهم من أن تجر إلى المسلمين سوءًا وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد فيا أيها المسلمون: اتقوا الله ولا تلقوا بأنفسكم في تيار الغيبة والنميمة فإنهما خصلتان قبيحتان ذواتا خطر كبير على العلاقات الأخوية والروابط الإسلامية، ما فشت إحداهما في أمة إلا وفرقت كلمتها وباعدت بين قلوب أهلها وأزاحت الستار عن مواطن الضعف لعدوهم فأتاهم من حيث لا يشعرون. أتدرون ما معناهما؟ النميمة هي نقل كلام شخص لآخر على وجه التحريش والإفساد. وما أكثر ما يجره هذا النقل على الإنسانية من ويلات ومصائب، ما أكثر ما يغرس من بذور للشر تفرق بين الأخ وأخيه والمرء وزوجه والصديق وصديقه فتبدل المحبة بغضًا والصفو كدرًا كيف لا تبدله وهي عدوة السلام عدوة الوفاق والوئام، ناشرة البغضاء ومرسية قواعد الشحناء، لذا عدها العلماء من أنواع السحر. ذكر ابن عبد البر عن يحيى بن أبى كثير قال: يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة، فيا ذوي النفوس العالية اربأوا بنفوسكم عن النميمة
стр. 249
فهي من أحط الأخلاق وأرذلها فما اتصف بها إلا لئيم يهتك الأستار وينشر الأسرار. دعوها فلطالما خربت بيوتا عامرة وفرقت أسرا مجتمعة وأزهقت أرواحا بريئة. تثبتوا إذا نقل إليكم النمام ما يجرح المشاعر أو يثيرها فإنه فاسق. والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] وإياكم والانخداع بالوشاة والنمامين فإن من نم لكم نم عليكم، فالنمام خائن ولو كان صادقا، مستهين بالتعاليم السماوية التي ذمت وتوعدت كل هماز مشاء بنميم، ذمته وآذنته بأنه لا يدخل الجنة. يقول رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة نمام» ، رواه مسلم. وقال «ألا أخبركم بشراركم» ؟ «المشاؤون بالنميمة» ، الحديث، رواه أحمد.
وأما الغيبة فهي: ذكرك أخاك بما يكره سواء في خلقه أو خلقه في غيبته، سواء كان فيه، ما ذكرت أو لم يكن فيه، «سئل رسول الله ﷺ عن الغيبة فقال: " ذكرك أخاك بما يكره "، فقال: رجل أرأيت إن كان في أخي ما أقول، قال: " بأن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته» ، فاتقوا الله عباد الله ولا تلوثوا أخلاقكم بالغيبة فقد نهاكم الله تعالى عنها في قوله: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] ثم صور لكم بعد ذلك حالة المغتاب تصويرا بشعا تشمئز منه النفوس وتنفر منه الطباع البشرية فقال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] فهل تطيب نفس - يا عباد الله - ذات إباء ودين وشهامة أن تأكل لحما اجتمع فيه ثلاث صفات كل واحدة منهن في منتهى القبح والفظاعة، وهذه الثلاث هي: كونه لحم
стр. 250
إنسان، وهذا الإنسان هو أخوك، وأخوك هذا ميت، فكيف لو كان حيًّا.
أيها المسلمون: ابتعدوا عن هذه الرذائل وطهروا ألسنتكم من قليلها وكثيرها فقد ورد أن عائشة ﵂ قالت لرسول الله ﷺ : «حسبك من صفية أنها كذا وكذا - تعني قصيرة، فقال: " لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» ، وخافوا عذاب القبر فإن الغيبة والنميمة من أسباب عذاب القبر، ولا تعرضوا أنفسكم لدخول النار فقد جاء الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «لما عرج بي إلى السماء مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت لجبريل من هؤلاء فقال الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» ، فاتقوا الله أيها المسلمون واحترموا أعراض إخوانكم كما احترمها الإسلام فقد نادى بتحريمها رسول الله ﷺ في أكبر مجمع فقال وهو واقف بعرفة يخطب الناس في خطبة الوداع «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا» ، هذه يا عباد الله تعاليم الإسلام تبين لنا بوضوح قبح مصير المغتاب والنمام وسوء أثرهما في المجتمع لما ينشرانه من مخاز ويتبعانه من عثرات كالذباب لا يسقط إلا على النتن والقاذورات وقد حرم الدين تتبع عورات المسلمين، يقول ﷺ : «من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه في جوف بيته» ، ويقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]
стр. 251
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم وجعلني وإياكم من الصالحين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 252
[الفصل الخامس الرقائق]
[التوبة من المعاصي]
الفصل الخامس
الرقائق
стр. 253
التوبة من المعاصي الحمد لله الملك الوهاب الرحيم التواب، خلق الناس كلهم من تراب، وهيأهم لما يكلفون به بما أعطاهم من الألباب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له بلا شك ولا ارتياب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي أنزل عليه الكتاب، تبصرة وذكرى لأولي الألباب صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآب وسلم تسليمًا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا ربكم وتوبوا إليه فإن الله يحب التوابين واستغفروه من ذنوبكم فإنه خير الغافرين، توبوا إلى ربكم مخلصين له بالإقلاع عن المعاصي والندم على فعلها والعزم على أن لا تعودوا إليها فهذه هي التوبة النصوح التي أمرتم بها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التحريم: ٨] ليست التوبة أن يقول الإنسان بلسانه أتوب إلى الله أو اللهم تب عليّ وهو مصر على معصية الله. وليست التوبة أن يقول ذلك وهو متهاون غير مبال بما جرى منه من معصية وليست التوبة أن يقول ذلك وهو عازم على أن يعود إلى معصية ربه ومخالفته.
أيها الناس: توبوا إلى ربكم قبل غلق باب التوبة عنكم فإن الله يقبل التوبة من عبده ما لم يغرغر بروحه فإذا بلغت الروح الحلقوم فلا توبة: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا - وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧ - ١٨]
стр. 254
فبادروا أيها المسلمون بالتوبة فإنكم لا تدرون متى يفاجئكم الموت ولا تدرون متى يفاجئكم عذاب الله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ - أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ - أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٩]
عباد الله: هل أمنتم مكر الله، يمدكم بالنعم المتنوعة وأنتم تبارزونه بالمعاصي، أما ترون ما وقع في العالم في كثير منهم من الضيق في العيش والمحن. إن المجاعة والطوفان ونقص المحاصيل والقحط أحاطت بكثير من البلاد ولا يزال المفكرون يبحثون في تأمين الغذاء للعالم، ألا تخافون أن يحل ذلك بكم. إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]
إن من أعظم العقوبات قسوة القلوب ومرضها وإن الكثير الآن قلوبهم قاسية يسمعون المواعظ والزواجر ويقرأونها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وكأنهم لا يسمعون، الجيد منهم إذا سمع الموعظة وعاها حين سماعها فقط فإذا فارقها خمدت نار حماسته واستولت الغفلة على قلبه وعاد إلى ما كان عليه من عمل يسمع المواعظ تقرع أذنيه في عقوبة ترك الصلاة وإضاعتها: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا - إِلا مَنْ تَابَ﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠] ولكنه لا يتوب وكأنه لا يسمع. يسمع المواعظ في عقوبة مانع الزكاة ومن يتتبع الرديء من ماله فيزكي به:
стр. 255
﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ - الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧] زكاة النفس بالبراءة من الشرك وزكاة المال حيث قدموا الشح على البذل في طاعة الله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧] يسمعون هذا كله وهم مصرون على منع الزكاة يحرمون أنفسهم خيرات أموالهم ويدخرونها لغيرهم وفي الحديث " «ما ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدوًّا من غيرهم فيأخذ بعض ما لا أيديهم وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله تعالى إلا جعل بأسهم بينهم» ، نعم يسمعون المواعظ في النهي عن شهادة الزور وما ورد فيها ومع ذلك يقدم عليها الناس كأنهم لم يسمعوا ولم يعوا وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠]
أيها الناس: إنه لا توبة مع الإصرار، كيف يكون الإنسان تائبًا من ذنب وهو يصر عليه وكيف يكون تائبًا من الغش وهو لا يزال يغش في بيعه وإجارته وجميع معاملاته كيف يكون تائبًا من الغيبة من أكل لحوم الناس وهو يغتابهم في كل مجلس سنحت له الفرصة فيه، كيف يكون تائبًا من أكل أموال الناس بغير حق وهو يأكلها تارة بدعوى ما ليس له وتارة بإنكار ما عليه وتارة بالكذب في البيع وغيره وتارة بالبقاء في ملك غيره بغير رضاه وتارة بالربا الصريح أو التحيل عليه، يقول النبي ﷺ : «من كان لأخيه عنده
стр. 256
مظلمة من مال أو عرض فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار أو درهم إلا الحسنات والسيئات» .
أيها المسلمون: إن التوبة الكاملة كما تتضمن الإقلاع عن الذنب والندم على فعله والعزم على ألا يعود إليه تتضمن كذلك العزم على القيام بالمأمورات ما استطاع العبد فبذلك يكون من التوابين الذين استحقوا محبة الله ورضاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فتوبوا أيها المسلمون إلى ربكم واستغفروه بطلبكم للمغفرة منه بألسنتكم وقلوبكم: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] بادروا بالتوبة قبل أن يأخذكم الموت فيحال بينكم وبينها وتموتون وأنتم على معصية الله. إن بعض الناس تغره الأماني ويغره الشيطان فيسوّف بالتوبة ويؤخرها حتى يقسو قلبه بالمعصية والإصرار عليها فتغلق دونه الأبواب أو يأخذه الموت قبل المهلة في وقت الشباب.
اللهم وفقنا للمبادرة بالتوبة من الذنوب والرجوع إلى ما يرضيك عنا في السر والعلانية فإنك علام الغيوب.
اللهم طهر قلوبنا من الشقاق والنفاق والسمعة والرياء، اللهم باعد عنّا وعن المسلمين الغش وشهادة الزور وارزقنا الصدق في المعاملات وجنبنا الحرام وفعل الآثام ما ظهر منها وما بطن، اللهم آمين والحمد لله رب العالمين.
стр. 257
[الخوف من عذاب الله]
الخوف من عذاب الله الحمد لله يرحم من يشاء ويعذب من يشاء وإليه ترجعون وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا أما بعد:
قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ - إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ - وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ - يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢ - ١٠٥]
وعن أنس ﵁ قال «خطبنا رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط فقال: " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خنين» ، متفق عليه.
وفي رواية بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شيء فخطب فقال: «عرضت عليّ الجنة والنار فلم أر كاليوم في الخير والشر، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يوم أشد منه غطوا رؤوسهم ولهم خنين» ، الخنين البكاء مع اجتذاب النفس.
وعن المقداد ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تدنو
стр. 258
الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم لمقدار ميل قال سليم بن عامر الراوي عن المقداد فوالله ما أدري ما يعني بالميل مسافة الأرض أم الميل الذي يكحل به العين فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا وأشار رسول الله ﷺ إلى فيه» ، رواه مسلم.
وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني أرى ما لا ترون أطّت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى والله، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثرًا ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى» ، رواه الترمذي وقال حديث حسن.
وعن أبي برزة فضلة بن عبيد الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه فيما فعل فيه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه» ، رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا قلت يا رسول الله الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال يا عائشة الأمر أشد من أن يهمهم ذلك» ، وفي رواية: «الأمر أهم من أن ينظر بعضهم إلى بعض» ، متفق عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من خاف
стр. 259
أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة» ، رواه الترمذي وقال حديث حسن.
وعن أبي هريرة ﵁ قال «قرأ رسول الله ﷺ : ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] ثم قال: " أتدرون ما أخبارها "؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال: " أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا فهذه أخبارها» ، رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وعن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة» ، متفق عليه.
وعن سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى حجزته ومنهم من تأخذه إلى ترقوته» ، رواه مسلم.
وعن النعمان بن بشير ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا وأنه لأهونهم عذابًا» ، متفق عليه.
стр. 260
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» ، متفق عليه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 261
[أشراط الساعة]
أشراط الساعة الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وبعد: أيها المسلمون إن للساعة قبل وقوعها أشراطًا وعلامات منها ما ذكره النبي ﷺ بقوله: «إن من أشراط الساعة، أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا» .
هذا الحديث الشريف تضمن أمورًا أربعة هي من أهم أشراط الساعة وأبرز علاماتها وأماراتها.
إنها مقدمة تمهد لخراب العالم وانصرام الدنيا وفناء الأشياء والحيوان فلا تقوم الساعة إلا بعد أن تميد الأرض بالشر وتضطرب بالكفر فلا يبقى على ظهرها خيرٌ أبدًا وتعم الحياة جاهلية وعناء وشرور عمياء وكفر بالإله وجحود بالرسالات وضلال مطبق شامل.
وقد قال ﷺ : «لا تقوم الساعة وعلى ظهر الأرض من يقول: الله الله» . وللساعة علامات صغرى حدثت كلها وعلامات كبرى لم يحدث منها شيء بعد وتبتدئ بظهور " المهدي " الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا ثم بخروج الدجال الفتنة الكبرى ونزول عيسى ابن مريم ﵇ وخروج يأجوج ومأجوج إلى آخر ما هو مفصل ومعروف.
أما العلامات الصغرى التي حدثت فكثيرة وإنك لتستطيع أن تلتمسها
стр. 262
من خلال حياة المسلمين الحاضرة، وما فيها من فواحش ومنكرات وفقد للحياء والتراحم ومجاهرة بالمعاصي ومنع للزكاة وخيانة للأمانة وتهافت على الآثام.
ومن أماراتها كثرة الترف والفسوق وأن ترى الذين كانوا حفاة عراة يرعون الشاء ويسكنون الصحراء، يتطاولون في البنيان ويتقلبون في أعطاف النعيم، فتصبح لهم أبنية شاهقة، ومراكب فاخرة وأثاث ورياش.
وإن الأمور الأربعة المتقدمة هي من أهم وأبرز هذه العلامات والأمارات. . فالعلامة الأولى والثانية: أن يرفع العلم ويثبت الجهل. . فكيف يكون ذلك؟ .
إن الله لا يقبض العلم من صدور العلماء ولا يرفعه انتزاعًا ولكن يقبضه بموت العلماء فيموت علمهم معهم.
وقال ﷺ : «إن الله لا ينتزع العلم من صدور العلماء انتزاعًا ولكن ينتزعه بقبض العلماء بعلمهم فيبقى أناس جهال يستفتون فيفتون فيضلون ويضلون» .
إن العلماء هم نور الحياة ونبراس الهداية وقبس الحق فإذا ماتوا ولم يكن من يقوم مقامهم ويملأ الفراغ العلمي الذي حدث بموتهم انطفأ ذلك النور وأظلمت الحياة وعم الجهل وتخبط الناس في دياجير الباطل والضلال.
قال رسول الله ﷺ : «إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء، يهتدى بها في ظلمات البر والبحر فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة» .
стр. 263
وقال ﵊: «اتبعوا العلماء فإنهم سرج الدنيا، ومصابيح الآخرة» .
وإننا لنرى بأم أعيننا، أكابر العلماء والفضلاء يموتون فلا من يخلفهم في علمهم وفضلهم وتنطفئ مصابيحهم فلا من يوقدها من بعدهم ولن يمر علينا وقت طويل - إذا امتد بنا هذا الحال - حتى نبحث عن العالم لا بل عن طالب العلم فلا نراه ويعم فينا الجهل بالدين فلا نفقه حقيقته وهداه.
إني لأرى العلم يقبض أهله بموت حملته ثم تبقى مقاماتهم فارغة فلا يملؤها إلا من دونهم ولا يخلفهم إلا من يصح أن يكون تلميذًا لهم. . ولقد بدأنا نشكو قحطًا في العلماء لأن المسلمين قد انصرفوا عن الدين وزهد الشباب المثقف في طلب العلم ورأوه سبة ومذلة وانحطاطًا وأقفرت البلاد الإسلامية من المعاهد الدينية والمدارس الشرعية أو كادت وماذا يحصل بعد أن يرفع العلم بقبض العلماء وتقفر البلاد من المعاهد المنتجة لهم، إلا أن يثبت الجهل ويسود الجهلاء ويكون الضلال المبين وإنما يحز في القلب أن الجهل بالدين قد أطبق على عامة المسلمين فأصبحوا لا يفرقون بين حق وباطل وحلال وحرام حتى قادهم الجهل إلى المعاصي والآثام.
وقال ﷺ : «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة» .
فماذا فعل المسلمون بهذه الفريضة؟ لقد عطلوها ورضوا بالجهل واطمأنوا إليه ونفروا من العلم وزهدوا فيه ثم استسلموا لشهواتهم وانقادوا لأهوائهم وضلوا ضلالًا بعيدًا.
стр. 264
أيها المسلمون: أما العلامة الثالثة والرابعة من أشراط الساعة فهي: شرب الخمر وظهور الزنا. إن الخمرة هي أم الخبائث والزنا الذي هو رأس الفواحش، ما ظهر في أمة إلا كان ذلك دليلًا على بلوغها أبعد حدود الإجرام وترديها في أعمق الكبائر والآثام.
وقد قال ﷺ : «الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر من شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وعمته وخالته» .
وقد قال ﷺ : «ما ظهر الزنا أو الربا في قرية، إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله» .
وقد قال ﷺ : «لا تزال أمتي بخير متماسك أمرها، ما لم يظهر فيهم ولد الزنا» .
وبعد: فإن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وإذا كانت نهاية العالم قد بدأت وأمارات الساعة قد ظهرت، فلنكن على ذكر مستمر لذلك اليوم الرهيب ولنكن على أتم استعداد للموت ولما بعد الموت، ولنحرص على أن نخرج من هذه الدنيا بنفس طاهرة لم تتلوث بالمعاصي وقلب سليم لم يتمكن فيه حب الدنيا.
﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]
اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من عذاب النار وخزي يوم القيامة، ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين اللهم آمين والحمد لله رب العالمين.
стр. 265
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما جاء فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 266
[الصبر وأقسامه]
الصبر وأقسامه الحمد لله الرب الرحيم الحكيم بما يقضيه في كل زمان، واللطيف بعباده حين تقلقهم الهموم والأحزان، الذي وعد الصابرين أجرهم بغير عد ولا حسبان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الديان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي صبر على أقدار الله وعلى طاعة الله وعلى إيذاء بني الإنسان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اتبعوا أثرهم بإحسان وسلم تسليمًا.
أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى واعلموا أن الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، فلا إيمان لمن لا صبر له، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحدٌ عطاء خيرًا وأوسع من الصبر، وبه يظهر الفرق بين ذوي العزائم والهمم وبين ذوي الجبن والضعف والخور، والصبر من مقام الأنبياء والمرسلين، وحلية الأصفياء المتقين، قال الله تعالى عن عباد الرحمن: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥] وقال عن أهل الجنة: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ - سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] والصبر ثلاثة أقسام صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله التي يجريها إما مما لا كسب للعباد فيه وإما مما يجريه الله على أيدي بعض العباد من الإيذاء والاعتداء.
فالصبر على طاعة الله أن يحبس الإنسان نفسه على العبادة ويؤديها كما أمره الله تعالى وأن لا يتضجر منها أو يتهاون بها أو يدعها فإن ذلك
стр. 267
عنوان هلاكه وشقائه، ومتى علم العبد ما في القيام بطاعة الله من الثواب هان عليه أداؤها وفعلها، فالحسنة ولله الحمد إذا أخلص الإنسان فيها لله واتبع رسول الله كانت بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله يضاعف لمن يشاء وفضل الله ليس له حد ولا انحصار.
وأما الصبر عن معصية الله فأن يحبس الإنسان نفسه عن الوقوع فيما حرم الله عليه مما يتعلق بحق الله أو حقوق عباده، ومتى علم ما في الوقوع من المحرم من العقاب الدنيوي والأخروي والاجتماعي والفردي وإن ذلك مما يضر بعاقبة أمره بل ويضر بمجتمعه فإن الذنوب عقوباتها في الدنيا قد تعم، ويبعث الناس على أعمالهم ونياتهم، متى علم العاقل ما يقع من جراء الذنوب أوجب ذلك أن يدعها خوفًا من علام الغيوب.
وأما الصبر على أقدار الله فمعناه أن يستسلم الإنسان لما يقع عليه من البلاء والهموم والأسقام، وأن لا يقابل ذلك بالتسخط والتضجر وفعل الجاهلية المنكر في الإسلام، وأن يعلم أن هذا البلاء لنزوله أسباب وحكم لا يعلمها إلا الله، وأن يعلم أن لدفعه ولرفعه أسبابًا من أعظمها لجوؤه ودعاؤه وتضرعه إلى مولاه، فهذه الأمراض التي أرسلها الله تعالى على عباده إنما هي رحمة بهم ليرجعوا إليه وليعرفوا أنه هو المتصرف بعباده كما يشاء، فلا اعتراض عليه، له الملك وله الحمد، وله الخلق وله الأمر، وبيده الخير وهو على كل شيء قدير ومع هذا فتلك الأمراض لم يحصل فيها ولله الحمد نقص في النفوس ولا هلاك وإنما هي أمراض يسيرة خفيفة قدرها المولى ولطف بعباده فلله الحمد رب السماوات والأرض.
стр. 268
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١]
فالإنسان يصاب بمصيبة في نفسه ومصيبة في أهله ومصيبة في أصحابه ومصيبة في نواح أخرى فإذا قابل هذه المصائب بالصبر وانتظار الفرج من الله صارت المصائب تكفيرًا لسيئاته ورفعة في درجاته وقد وردت الآيات والأحاديث الكثيرة في ذلك فقال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ - الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله من سيئاته كما تحط الشجرة ورقها» «وقال لامرأة من الصحابيات أبشري فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه كما تذهب النار خبث الحديد والفضة» ، وقال «وما من مسلم يشاك بشوكة فما فوقها إلا كتب الله له بها درجات ومحيت عنه بها خطيئة» ، وقال: «صداع المؤمن وشوكة يشاكها أو شيء يؤذيه يرفعه الله بها يوم القيامة درجة ويكفر بها عنه ذنوبه» ، الصداع وجع الرأس، وقال ﷺ : إن الله قال: «إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة - يريد عينيه -» ، وقال ﷺ : «إن الرجل يكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل فما يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها» ، وقال: «ما من مسلم يموت له ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم» ، وقال للنساء: «ما منكن
стр. 269
من امرأة تقدم ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابًا من النار فقالت امرأة واثنين قال واثنين» ، فهذه الأحاديث وما ورد بمعناها بشرى للمؤمن يحتسب من أجلها المصائب التي يصيبه الله بها فيصبر عليها ويحتسب ثوابها عند الله، ويعلم أن ذلك من عند الله تعالى، وأن سببه من نفسه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن إذا ابتلي صبر، وإذا أنعمت عليه شكر، وإذا أذنب استغفر، واغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 270
[فوائد التقوى]
فوائد التقوى الحمد الله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، أحمده سبحانه وأشكره على حلو نعمه ومر بلواه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله أفضل الأنبياء وأكرم الأتقياء صلى الله عليه وعلى كل من اتقى الله حق تقاته من صحب وآل وأتباع إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله فما خلقتم إلا للتقوى وما أسدى عليكم من نعم إلا لتستعينوا بها على تقواه. وحقيقة التقوى - رحمكم الله - هي أن تجعلوا أنفسكم دائمًا في وقاية من عذاب الله وعقابه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فلا يراكم حيث نهاكم ولا يفقدكم حيث أمركم. يروى عن أمير المؤمنين علي بن أبى طالب ﵁ قال: التقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل والاستعداد للرحيل.
أيها المسلمون: حقًّا إننا لمحتاجون للتقوى أشد من احتياجنا للماء والهواء ولو لم تكن إلا أنها تجلب محبة الله سبحانه ومن أحبه الله أحبه الناس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] وفي حديث أن الله إذا أحب عبدًا وضع القبول له في الأرض فاتقوا الله أيها الناس فبالتقوى أوصى الله ورسوله وجدير بالمسلم أن يعض بالنواجذ على وصية خالقه ومدبره ووصية رسوله ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] وقال عليه الصلاة
стр. 271
والسلام: «اتق الله حيثما كنت» ، وبالتقوى ينجو الإنسان من الشدائد وتندك أمامه العقبات وتزول الشبهات ويجعل الله له من كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا ويسر له الرزق من حيث لا يحتسب، يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ - وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٢ - ٤] بالتقوى ينضج عقل الإنسان ويتكون عنده ملكة قوية وبصيرة نيرة تضيء له الطريق المظلم ويفرق بها بين الحق والباطل وبين النافع والضار بل وتكفر سيئاته وتغفر ذنوبه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٨] وبالتقوى يأمن الإنسان إذا خاف الناس ويسر إذا حزنوا ويستبشر إذا قنطوا ويئسوا ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ - لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤] بالتقوى تزداد علاقات الإنسان بربه وينال الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥] بالتقوى يطمئن المسلم على ذريته من بعده ولا سيما ضعفاؤهم ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩]
عباد الله: أنتم لا محالة مسافرون عن هذه الدار وكل مسافر يأخذ أهبته ويسعى في تأمين راحلته وسفركم إلى دار الآخرة لا يحتاج إلا إلى زاد واحد هو التقوى وأنعم به من زاد يكفل لك السعادة الأبدية والطمأنينة
стр. 272
الكاملة والعيش الرغيد في جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، لذا وغيره يعرف الإنسان أنه لا غنى له عن التقوى فبها يتخلص من مآزق كثيرة لا في الدنيا والآخرة ولا سيما عند الورود على النار الذي لا ينجو بعده إلا المتقون، بالتقوى يكون الله معك وينصرك وتفوق عند الله وأوليائه يقول سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ويقول ﵊: «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى» ، ويقول بعض السلف " ما خرج عبد من ذل المعصية إلى عز التقوى إلا أغناه الله بلا مال وأعزه بلا عشيرة وآنسه بلا أنيس "، فاتقوا الله عباد الله فإن تقواه جمال وشفاء من الداء العضال واحرصوا أن تكون نفوسكم تقية فلن يسعد عند الله إلا التقي، كل من عداه فهو شقي. اتقوا الله فالتقوى خلف من كل شيء ولا خلف من التقوى. اتقوا الله فهي أول عدة تعدونها لأعدائكم وتفوقونهم بها. اتقوا الله في نفوسكم وفي أهليكم وفي أموالكم وفي معاملتكم وفي أولادكم وفي من تحت أيديكم وفي ما ائتمنتم عليه من مصالح المسلمين وفي أرحامكم وفي كل مجال من مجالاتكم العامة والخاصة لتفوزوا برضا الله ورضوانه، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 273
[فضل ذكر الله تعالى]
فضل ذكر الله تعالى الحمد لله المذكور بكل لسان المشكور على كل إحسان خلق الخلق ليعبدوه وأظهر لهم آياته ليعرفوه ويسر لهم طرق الوصول إليه ليصلوه فهو ذو الفضل العظيم والخير الواسع العميم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا.
أما بعد أيها الناس: اذكروا الله ذكرًا كثيرًا وسبحوه بكرة وأصيلًا، كونوا من أولي الألباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، كونوا من الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب وتنفرج الكروب، بذكر الله يحصل النصر ويثبت الله القلب في مواطن الفزع، ولذلك أمر الله تعالى بذكره عند مقابلة الأعداء في الحرب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] إن ذكر الإنسان لربه يملأ قلبه سرورًا ويكسو وجهه نورًا ويذكره الله به، يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] ويقول تعالى في الحديث القدسي الذي رواه النبي ﷺ عنه: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم» ، وقال النبي ﷺ «سبق المفردون، قالوا وما المفردون يا رسول الله؟ قال الذاكرون الله كثيرًا» ، وقال النبي ﷺ «مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله كمثل
стр. 274
الحي والميت» وسئل ﷺ «من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله قال: من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه» ، وقال ﷺ : «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» ، وأمر أن يلقن الميت إياها عند موته، وإن من أسباب ذكر الإنسان لها عند موته أن يكون مكثرًا لها في حياته فإن من أكثر من شيء ألفه، وقال ﷺ : «أكثروا من شهادة أن لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها» ، وقال ﷺ : «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل» ، وقال: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك» ، وقال ﷺ : «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» ، وقال ﷺ : «من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر» ، وقال: «لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس» ، وقال ﷺ «أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟ فسأله سائل من جلسائه كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال يسبح الله مائة تسبيحة فتكتب له ألف حسنة» . فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من هذه المكاسب العظيمة من أعمال يسيرة، أكثروا من ذكر الله بقلوبكم
стр. 275
وألسنتكم وجوارحكم، ليكن ذكر الله تعالى في قلوبكم قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم كونوا متذكرين دائمًا لعظمته وجلاله وكمال أسمائه وصفاته وأفعاله، ففي كل شيء له آية تذكركم به وتبرهن على وحدانيته وعظمته وقدرته وتبرز بها آثار رحمته وحكمته، اذكروا الله تعالى بألسنتكم بقول لا إله إلا الله، سبحان الله، الحمد لله، الله اكبر. واعلموا أن كل قول من الخير تريدون به وجه الله فهو من ذكر الله. اذكروا الله تعالى بجوارحكم بفعل الطاعات وترك المعاصي فإن كل فعل أو ترك تقومون به طاعة لله وتقربًا إليه فهو من ذكر الله. أكثروا من ذكر الله تعالى ولا تكونوا ممن أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطًا. أكثروا من ذكر الله قبل أن يحال بينكم وبينه إما بالموت أو بالعجز أو بحرمانكم منه عقوبة على غفلتكم. لا يشغلنك أيها المسلم عن ذكر الله مال ولا بنون فإنما: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦] والباقيات الصالحات كل عمل صالح وعلى رأسها قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.
عباد الله: إن ذكر الله تعالى غنيمة وربح وإن الغفلة عن ذكره غرم وخسارة، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم» ، والترة النقص والحرمان.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك اللهم اجعلنا في أهلنا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، من الذين اغتنموا أوقاتهم بالباقيات
стр. 276
الصالحات واعصمنا يا مولانا من الغفلة عن ذكرك ومن التشاغل بما لا يقربنا إليك ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب واغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم (١) .
стр. 277
[الفصل السادس المغازي والسير]
[صفات المصطفى ﷺ ]
стр. 278
صفات المصطفى ﷺ الحمد لله الذي ألبس المتقين لباس التقوى، وزيّن المؤمنين بزينة الإيمان، وقال في كتابه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] فنحمده تعالى على ذلك وبعد:
إخوة الإيمان: أنبأنا كتاب الله وهو أصدق الكتب بيانًا لأحوال الأمم وتواريخها، أن الناس كانوا قبل بعثة نبينا ﵊ في ضلال مبين وجهل عميق وعادات سيئة، يئدون البنات، ويحلون الميتات، ويعبدون الأصنام، ويقطعون الأرحام، ويشنون الغارات للسلب والنهب فيفضي ذلك بهم بطبيعة الحال إلى إراقة الدماء بغير الحق ظلمات بعضها فوق بعض كل ذلك كان في زمن فترة من الرسل، وانقطاع الوحي من السماء، وكان إذ ذاك رجال عقلاء يرقبون أن تتبدل هذه الأحوال - التي نغصت عليهم عيشتهم - إلى خير منها، فتداركهم الله بلطفه ورحمته إذ أرسل فيهم رسول السلام وصفوته من الأنام سيدنا محمدًا صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الكرام، فسعى هذا الرسول العظيم سعيه، وبذل جهده يدعوهم إلى الهدى وردهم عن الردى، يقودهم إلى العلم ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويسوقهم إلى العمل ليستغنوا عن غارات السلب والنهب، ويحثهم على مكارم الأخلاق ليحيوا حياة طيبة، قال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقال
стр. 279
تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦] وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] إلى غير ذلك من الآيات الواردة في رفعة شأنه وعلو مكانته، فما علينا إلا أن نقدر هذا الرسول العظيم حق قدره، أولا: بمعرفة ما كان عليه من جميل الخصال، وما قام به من جليل الأعمال، وثانيًا: بطاعته فيما جاءنا به من البينات والهدى، وما أمرنا به من مكارم الأخلاق إن كنا مؤمنين به ومحبين له فبذلك نحقق الغاية التي بعث بها ونثبت محبتنا له إذ لا قيمة لمحبة لا طاعة فيها للمحبوب.
وهنا يجدر بي أن أبين لكم بعض أخلاقه التي كان عليها فإنه ﵊ المثل الكامل في مكارم الأخلاق فأقول: روى الترمذي في كتابه الشمائل المحمدية بسنده عن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ قال الحسين ﵁: سئل أبى عن سيرة رسول الله ﷺ في جلسائه فقال: «كان رسول الله ﷺ دائم البشر سهل الخلق لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش، ولا عياب ولا مشاح يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه، ولا يخيب فيه طالبه قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث كان لا يذم أحدًا ولا يعيبه،
стр. 280
ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في مسألته حتى أن كان أصحابه ليستجلبونهم (أي يجلبون الغرباء إلى مجلسه ﵌ ليستفيدوا من مسألتهم ما لا يستفيدونه عند عدم وجودهم) ويقول إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام» (انتهى ما رواه الترمذي) ، ومن شمائله ﵊ أنه كان أعلم الناس، وأورع الناس، وأزهد الناس وأعدل الناس، وأحلم الناس، وأعف الناس، لم تمس يده يد امرأة لا يملك رقها أو عصمة نكاحها، أو لا تكون ذا محرم منه ﷺ ، وكان لا يواجه أحدًا بمكروه، ولا يتعرض في وعظه لأحد معين، بل يتكلم خطابًا عامًا، كان يقبل على أصحابه بالمباسطة حتى يظن كل منهم أنه أعز عليه من جميع أصحابه.
كان أشد الناس حياءً لا يثبت بصره في وجه أحد، كان يجيب دعوة الحر والعبد ويقبل الهدية ولو أنها جرعة لبن، أو فخذ أرنب، ويكافئ عليها، ويأكلها ولا يأكل الصدقة، كان يعود مرضى المساكين الذين لا يؤبه لهم. كان يتلطف بخواطر أصحابه ويتفقد من انقطع عن مجلسه، وكثيرًا ما يقول لأحدهم لعلك يا أخي وجدت مني أو من إخواننا شيئًا، كان يحب الطيب ويكره الرائحة الرديئة، كان يكرم أهل الفضل في أخلاقهم، ويتألف أهل
стр. 281
الشرف بالإحسان إليهَم، كان يكرم ذوي رحمه ويصلهم من غير أن يؤثرهم على غيرهم ممن هو أفضل منهم، كان لا يجفو على أحد ولو فعل ما فعل، كان له صلوات الله وسلامه عليه عبيد وإماء، وكان لا يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس، كان لا يمضي له وقت في غير عمل لله أو فيما لا بد له من إصلاح نفسه، كان أبعد الناس غضبًا وأسرعهم رضًا، وكان أرأف الناس بالناس وأنفع الناس للناس، وفي هذا القدر كفاية لمن وفقه الله للاقتداء به، فأخلاقه العظيمة صلوات الله وسلامه عليه لا يحصيها إلا الله الذي شهد له بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] فلنقتد به في أخلاقه الكريمة والله الموفق والمعين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 282
[فضل الصحابة رضوان الله عليهم]
فضل الصحابة رضوان الله عليهم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه، ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد: أيها الإخوة المؤمنون: قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وقال جل شأنه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]
هذه الآيات الكريمة وكثير غيرها مما أنزل الله في فضل أصحاب رسوله ﷺ .
فأصحاب رسول الله ﷺ هم حملة رسالة الإسلام الأولون، وهم أنصار رسول الله ﷺ المنافحون عنه، المجاهدون في سبيل إعلاء كلمة الله، ونشر دعوته. هؤلاء الذين كانوا في يوم من الأيام لو أصابهم الهلاك لما عبد الله بعد ذلك. هؤلاء الذين كان رسول الله ﷺ ينظر إليهم يوم بدر وهم يقاتلون المشركين، ويرفع رأسه إلى السماء قائلًا: «اللهم إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد» .
стр. 283
هؤلاء الذين ورد في فضائلهم من الآيات والسنن ما يضيق عن الحصر، ويتجاوز العد. هؤلاء الصحابة الذين آمنوا بالله ورسوله، وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه.
هؤلاء هم أفضل خلق الله بعد أنبياء الله، وهم أكرم خلق الله على الله بعد أنبيائه ورسله. هؤلاء الذين أكّد كتاب الله، وأكدت سنة رسوله ﵌ صدقهم وعدالتهم وتقواهم، والتزامهم التام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
ولذلك فقد نوه بفضائلهم رسول الله ﷺ وحذر من أن تجحد أو تنسى، وأوصى بهم كما أوصى بأهل بيته، فقال: «الله الله في أصحابي، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» ، وأمر ﵊ بحبهم وتوقيرهم، والنظر إليهم نظرة إجلال وتقدير.
فلقد سمع خالد بن الوليد يومًا، وهو يتلاحى مع عبد الرحمن بن عوف، وتعلمون أن خالدًا ﵁ كذلك من أصحاب رسول الله ﷺ ولكنه كان من المتأخرين في الإسلام، وليس من السابقين الأولين أما عبد الرحمن فقد كان من السابقين الأولين.
فحينما «سمع ﷺ خالدًا يرفع صوته على عبد الرحمن، غضب رسول الله ﷺ وقال: " هل أنتم تاركون لي أصحابي، لا تسبوا أصحابي فوالله لو أنفق أحدكم مثل أحد ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» فإذا كان الصحابي المتأخر لا يبلغ من الفضل مبلغ الصحابي المتقدم ويعتبر رفعه لصوته عليه، وعدم تأدبه
стр. 284
معه بمثابة سب يغضب الله ورسوله ﷺ له، فما بالكم بأولئك الذين ينتقدون أصحاب رسول الله ﷺ ويؤذون رسول الله فيهم ويوجهون لهم شتى التهم والطعون.
إن أصحاب رسول الله ﷺ هم الذين نقلوا لنا كتاب الله، إن أصحاب رسول الله ﷺ هم الذين نقلوا لنا سنن رسول الله ﷺ ، وإذا ما زعم أو ذهب ذاهب إلى الطعن بأصحاب رسول الله ﷺ فإن هذا الطعن لا يكون مجرد طعن بأشخاص سابقين بالإسلام والفضل، ولا يكون مجرد جحود لفضل أهل الفضل، ولكنه يكون كذلك بمثابة إنكار لصدق رسول الله ﷺ ، وبمثابة إعراض عن كتاب الله وسنة رسوله ﵊، لأن الطعن بأصحاب رسول الله ﷺ طعن بالنقلة العدول الذين نقلوا لنا كتاب الله، وسنة رسوله ﵊، فإذا ما طعن بهم، فإن ذلك الطعن، شاء الطاعنون أم أبوا يتضمن طعنًا بصدق تواتر نقل كتاب الله، وطعنًا بصحة ثبرت سنن رسول الله ﷺ ، ويترتب على ذلك من العظائم الكبيرة، والسخائم الكثيرة أهوال وأهوال تودي إلى إنكار الإسلام، وإلى طمس عظمته، ولذلك فإن الإقرار بعدالة أصحاب رسول الله ﷺ في الجملة، والبعد عن سبهم وانتقادهم، وتجريح بعضهم، إنما هو نوع من الحرص على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والغيرة على الإسلام، ومقارفة شيء من ذلك والخوض في مجال الفتن التي وقعت بينهم، وتجريح بعضهم بحجة تزكية البعض الآخر، كل ذلك يتضمن طعنًا في نقلة الإسلام وحملته،
стр. 285
وكل ذلك يؤدي والعياذ بالله إلى نوع من الاعتداء على الإسلام والابتعاد عن التقيد بتعاليمه وأحكامه.
إن أصحاب رسول الله ﷺ على العدالة، بذلك جاء القرآن، وبذلك شهد رسول الله ﷺ .
إن الطعون التي يكيلها البعض لهؤلاء جهلوا أم علموا إنما هي طعون برسول الله ﷺ ومحاولة لإنكار الإسلام.
فما تطاول امرؤ على أصحاب رسول الله ﷺ إلا جره ذلك التطاول إلى الاعتداء على حرمات الله ، وإلى إنكار الكثير من أحكام الإسلام، وإلى انتهاك كثير من الحدود.
فاحفظوا رسول الله ﷺ بأصحابه وآل بيته، أحبوهم لحب رسول الله ﷺ لهم، أحبوهم لحب الله إياهم، ابتعدوا عن الخوض في كل ما يؤدي إلى التقليل من شأنهم، احذروا أولئك الذين ينددون بهم، وليس لهم من حديث إلا الاعتراض عليهم، والتنديد بما بدر منهم، والتقليل من شأنهم.
إن هؤلاء يريدون بذلك التشكيك بصحة نقل القرآن العظيم، التشكيك في سنن رسول الله ﷺ ، فاحذروهم على دينكم، وخافوهم على رسالة نبيكم ﵌، واعلموا أن هؤلاء قوم ملعونون قد لعنهم الله وأعد لهم عذابًا أليمًا بما انتهكوا من حرمة رسول الله ﷺ وبما أثاروه من شبه حول رسالته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.