[مقدمة]
خطب مختارة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة بقلم الدكتور
عبد الله بن عبد المحسن التركي
وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الحمد لله الذي خلق الناس لعبادته وحده لا شريك له: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] والحمد لله الذي جعل إقام الصلاة غاية التمكين في الأرض: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]
والحمد لله الذي جعل إعمار المساجد من دلائل الإيمان بالله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨] والصلاة والسلام على خير من عبدَ الله وخير من أقام الصلاة وخير من عمّر المساجد سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
стр. 2
أما بعد:
فإنَّ عبادة الله وحده هي غاية خلق الإنسان وحكمته: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وما أنزل الله الكتب وابتعث الرسل إلا لتحقيق هذه الغاية: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [فصلت: ١٤]
والصلاة هي آكد أنواع العبادة بعد كلمة التوحيد وأعظمها وأهمها، ولأجل ذلك اقترنت الصلاة بالتوحيد الذي هو أساسها، والتي هي تطبيق له وتصديق: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]
وقال جل ثناؤه: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى - وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى - إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٢ - ١٤]
والأصل- في الصلاة - أن تؤدى في المساجد، ولأجل ذلك بُنيت المساجد في المجتمع المسلم.
إنَّ الوظيفة الأولى للمسجد هي: إقام الصلاة ومن هنا بدأ الرسول ﷺ ببناء المسجد: مَقْدَمه من مكة، ومن هنا- كذلك- عظمت مكانة المسجد في الإسلام: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ - رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧]
стр. 3
[فقه خطبة الجمعة]
ولئن كانت الصلوات هي الوظيفة الأولى للمساجد، فإنَّ الوظيفة الثانية هي تعليم الناس أمور دينهم، وإرشادهم إلى طاعة ربهم، واتباع رسولهم ﷺ ، ومن أبرز الوسائل في ذلك: خطبة الجمعة.
فمن دلائل العظمة والخلود والواقعية في التشريع الإسلامي: أن جعل الله للمسلمين منبرًا أسبوعيًا منتظمًا يتزودون منه بما يمسكهم بأصولهم، ويربطهم بعزائم الدين وأمهات المسائل.
والمنبر المعني هو: خطبة الجمعة.
إن هذه الخطبة أمر جليل الشأن، ينبغي فقهه على وجهه الصحيح، ابتغاء الاقتداء بالرسول ﷺ ، وابتغاء توسيع نطاق النفع العام.
فمن فقه خطبة الجمعة: التركيز على الأصول والثوابت والأركان، فقد «أخذت أم هشام بنت حارثة ﵂ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] عن لسان رسول الله ﷺ ، من كثرة ما يقرأ هذه السورة على المنبر في خطبة الجمعة» (١) .
стр. 4
و"ق" من السور المكية التي انتظمت الأصول الإيمانية العقدية: كالإيمان بالله، والآيات الكونية الدالة على وجوده، ووحدانيته، والبعث، والاعتبار. بما وقع للأمم المكذبة المعاندة.
يقول ابن القيم ﵀: "وكذلك كانت خُطَبُه ﷺ ، إنما هي تقرير لأصول الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، وذكر الجنة والنار، وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعد لأعدائه وأهل معصيته، فيملأ القلوب من خطبته إيمانًا وتوحيدًا، ومعرفة بالله وأيامه، لا كخطب غيره التي إنما تفيد أمورًا مشتركة بين الخلائق، وهي كالنوح على الحياة، والتخويف بالموت، فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيمانًا بالله، ولا توحيدًا له. . إلى أن قال: ومن تأمل خطب النبي ﷺ ، وخطب أصحابه وجدها كفيلة ببيان الدين والتوحيد، وذكر صفات الرب ﷻ ، وأصول الإيمان الكلية، والدعوة إلى الله، وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه".
ولا شك أن في ذلك حكمة بالغة، فإن الاهتمام بالأصول والثوابت من شأنه أن يجمع الأمة على ما ينبغي أن تجتمع عليه من محبة الله وطاعته، والتآخي والتعاون، وأن يجعل المصلين يخرجون بفائدة علمية محققة.
إن الجمعة مأخوذة من الجمع والاجتماع، وهذا لا يكون أو لا يزيد إلا بالربط بالثوابت والأصول.
стр. 5
ومن فقه الخطبة: الإيجاز والاختصار: فمن السنة أن يقصر الخطيب الخطبة، لقول رسول الله ﷺ : «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنّة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصُروا الخطبة وإن من البيان لسحرا» (١) .
وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: «كنت أصلي مع رسول الله ﷺ فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا» (٢) .
إن خطبة الجمعة ليست مجالًا لاستعراض البلاغة، ولا لاستعراض المعلومات. . والتطويل ذريعة للخطأ، وذريعة للملل المانع من التفاعل والاستيعاب والفهم. ويفهم - من مفهوم المخالفة - أن الذي يطيل الخطبة قليل الفقه.
وبالاطلاع على نماذج من خطب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - مثلا - وجدنا جل خطبه لا تزيد الواحدة منها على صفحة، وبضع صفحة، أي نحو (٦٠٠) ستمائة كلمة تقريبًا. . والمعدل الوقتي المتوسط لإلقاء هذه الكلمات هو ١٥ دقيقة على الأكثر.
стр. 6
ولا يصلح الاحتجاج - لطول الخطبة - بأن خطباء اليوم يواجهون مشكلات كثيرة، فإن ابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب كانا يواجهان مشكلات كثيرة أيضًا.
[مهمة الإمام والخطيب ومسئوليتهما]
مهمة الإمام والخطيب ومسئوليتهما: والحديث عن المسجد، لا ينفك عن الحديث عن إمام المسجد، وخطيب الجمعة، وقد تتحد هاتان الصفتان في شخص واحد، وقد يكون إمام المسجد غير خطيب الجمعة.
وفي الحالين، هناك مسئوليات لخطب الجمعة وواجبات، وهي كالتالي:
١ - مسئوليته العلمية والثقافية، إذ ليس يستطيع كل أحد أن يرقى المنبر، ويخطب خطبة الجمعة؛ بل يرقاه من يوفي بحقه.
والعلم والثقافة أول هذه الحقوق:
(أ) العلم بالله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] (١) .
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] (٢) .
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (١) .
(د) العلم بأقوال السلف في فهم الكتاب والسنة: قال الإمام أحمد ﵀ "أصول السنة عندنا: التمسك. بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم. . والسنة عندنا آثار رسول الله ﷺ . . والسنة تفسر القرآن، وهي دلائل القرآن".
وقال الإمام الأوزاعي ﵀: "اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم".
(هـ) العلم بالأحوال العامة: فإن القول في الواقع بلا علم ذريعة إلى ضلال عريض، وفساد كبير، وكانت طريقة السلف الصالح: أن يفهم الواقعة، ثم ينزل عليها النص الهادي إلى التي هي أقوم. . وكل ذلك مشروط بالمناط الرئيسي لخطبة الجمعة. . وهو المناط الذي تبينت معالمه في فقرة خطبة الجمعة. . وإلا فليس كل موضوع - بإطلاق- يناقش في منبر الجمعة.
٢ - مسئوليته في الاستيثاق والتثبت من الوقائع والأحداث والأخبار.
فليس من خصائص المؤمن - بله الخطيب - أن يكون ناشرًا للأقاويل والشائعات والأخبار غير الموثقة:
стр. 9
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] (١) .
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] (٢) .
٣ - مسئوليته في تقدير المصلحة العامة، فالخطبة إنما تقال في مجتمع. . ولهذا المجتمع مصالح عامة وحيوية، ومن هنا يجب أن تتقيد الخطبة بهذه المصلحة وتقدرها، بمعنى ألا يرد في الخطبة معنى، أو مفهوم، أو عبارة تضر بهذه المصلحة العامة.
٤ - مسئوليته في التفاعل مع المجتمع والدولة. . فالمسجد جزء من المجتمع والدولة، بهما قام، وفي كنفهما يعيش، ولذا يتعين على الخطيب أن يكون متفاعلًا مع الدولة والمجتمع، وأن يتكامل جهده مع الجهود الأخرى في التوجيهات العامة، والمقاصد الأساسية، والنظم الحافظة. . ومع مؤسسات التعليم والتثقيف والتوعية والتوجيه بوجه أخص.
٥ - مسئوليته في إحياء القيم العامة، والفضائل العظيمة مثل: الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الرحم، والإنفاق في سبيل الله، والتكافل، والعطف على الضعيف، والأرملة، واليتيم، والمسكين، والاستقامة والوفاء بالعقود والعهود وطاعة ولاة الأمر، والإخلاص والصدق، والتعاون على البر
стр. 10
والتقوى، والرحمة، والحياء، وحب العلم، والتآخي، والتواصي بالحق والصبر. . وغير ذلك من القيم والفضائل التي هي لباب الدين، بعد توحيد الله تعالى.
ولئن تعين على خطيب الجمعة أن ينهض بهذه المسئوليات جميعًا، فإن إمام المسجد مخاطب ومعني بهذه المسئوليات والمهام كذلك، وعليه أن يؤديها بإخلاص وجد واستمرار.
إن تجديد الإحساس والشعور والوعي بأعظم غاية في الإسلام، وهي: عبادة الله وحده لا شريك له، ومزيدًا من اجتلاء المفهوم الحقيقي لخطبة الجمعة، وفق السنة، وطريقة السلف الصالح، مسئولية الخطيب والإمام.
وبما أن خطبة الجمعة من شعائر الإسلام العظيمة التي شرعها الله لإعلاء ذكره والدعوة إلى سبيله، وإرشاد الأمة وتوجيهها إلى أقوم الطرق وتحذيرها من مغبة اتباع الهوى. . فقد عنيت وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية بحكم اختصاصها بهذا الأمر، ورأت من المناسب إعداد كتاب يتضمن الأحكام المتعلقة بالخطبة بالإضافة إلى اختيار عدد من الخطب التي تتناول عقيدة المسلم وعباداته ومعاملاته ودعوته إلى طريق الهدى والرشاد وتحذيره من طريق الردى والهلاك، سواء منها ما كان مأثورًا من خطب رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين، أو من الخطب المنتقاة لبعض العلماء والتي من شأنها أن تعين بعض الخطباء الذين يقومون. بمهمة الخطابة.
стр. 11
وإن الجهة المختصة في الوزارة تأمل أن تكون هذه الخطب محققة الهدف من جمعها وطبعها وتوزيعها، معينة للخطباء في واجبهم العظيم. وفي ختام هذه المقدمة نتوجه إلى الله العلي القدير بالشكر على ما يسر من إتمام هذا السفر العظيم كما نثني بالشكر لجهود حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود أيده الله ونصر به وبسمو ولي عهده الأمين، وسمو النائب الثاني دينَه، وأعلى بهم كلمته، وجعلهم هداة مهتدين ووفقهم لكل خير، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين أعظم الجزاء وأوفاه، فتلك الجهود العظيمة التي تساند الدعوة إلى الله وتوجيه المسلمين إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم وفقًا لكتاب ربهم وسنة نبيهم، وما جرى عليه سلف هذه الأمة الصالح التي تؤازر المسلمين في شتى الميادين والبقاع ولكل من أسهم في إخراج هذا الكتاب القيم الشكر والتقدير ونسأله جل وعلا أن يجزي الجميع خير الجزاء إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
د / عبد الله بن عبد المحسن التركي
وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
стр. 12
[تمهيد]
[الخطبة قيمتها ومنزلتها في الإسلام]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تمهيد - الخطبة
- قيمتها
- منزلتها في الإسلام
- بعض أحكامها
الخطبة: هي مشافهة الجمهور وإقناعه واستمالته.
فلا بد من المشافهة وإلا كانت كتابة، والإقناع هو أن يوضح الخطيب رأيه للسامعين ويؤيده بالبراهين ليعتقدوا ويقتنعوا به.
قيمتها: الخطبة في الإسلام شعيرة من شعائره العظام وعبادة من العبادات التي سنها رسول الله ﷺ وأمر بها وقام بها خلفاؤه من بعده ولا تزال الأمة مقتفية لآثارهم من بعدهم. غايتها إعلاء ذكر الله وتعظيم شعائره وحرماته، والدعوة إلى سبيله والتحذير من مخالفة أمره.
стр. 13
منزلتها في الإسلام: ازدهرت الخطابة في فجر الإسلام وكانت مدرسة الرسول ﷺ الخطابية خير مدرسة بلغت رسالة الإسلام العظمى إلى أرجاء المعمورة قاطبة وكان من فرسانها الصديق والفاروق والإمام علي ﵃ ثم هؤلاء القادة المسلمون الذين دوخوا الأكاسرة والقياصرة.
ولقد بلغت الخطابة على عهد الخلفاء الراشدين أوج أهميتها، ولم تعد قاصرة على وقت الجمعة، بل أصبحت تلقى كلما دعت إلى ذلك حاجة، وكان لها من الأهمية ما يجعل الخطبة البليغة تسكن فتنة أو تنفي فرقة أو تهدئ ثائرة أو تثير حربًا يقوم لها الناس ويقعدون.
وكان موقف الخطابة موقفًا عظيمًا في نفوس الأئمة وفي نفوس السامعين حتى كان الخلفاء يقومون بها بأنفسهم، ولا يوكلونها إلى غيرهم في قواعد الملك وحواضره، وبقي الحال كذلك فترة طويلة من الزمن، ولم يتخل الخلفاء عن خطابة الجمعة إلا بعد وفاة الخليفة المأمون بن هارون الرشيد فقد كان آخر الخلفاء المجيدين للخطابة وقد حفظت كتب الأدب والتاريخ مجموعة قيمة من خطبه، وبعده أخذ الخلفاء ينيبون عنهم من يقوم بها، وظل شأنها منذ ذلك الوقت في إدبار، فكثير من الخطب لا تحيي في قلوب السامعين إيمانا، ولا توطد توحيدًا، ولا تفيد المؤمنين معرفة، ولا تذكرهم بأيام الله، ولا تبعث في النفوس محبة الله تعالى، ولا تثير فيها الشوق إلى لقائه بالجهاد أو الاستشهاد وكثيرًا ما يخرج السامعون كما دخلوا فإنا لله
стр. 14
وإنا إليه راجعون.
وعليه فلا بد في الخطيب المسلم الذي يتبوأ هذه المكانة العليا من التوجيه والإرشاد لهذه الأمة المستنيرة بالوحي الخالد، أن يكون أهلًا لهذا المقام علمًا بأصول الدين وعملًا بدستوره وقيمه ومثله، وإلا كانت خطبته في الناس سخرية عليه وموعظته لا تتجاوز الآذان فليحرص الخطيب ألا يخرج أحد من المصلين، المستمعين لخطبته خالي الوفاض، بل لا بد أن يخرج كل منهم وقد امتلأ قلبه. بمحبة الله، والتصميم على طاعته، والدعوة إليه، والجهاد في سبيله والرهبة منه، والخوف من معصيته.
لا يخرجن أحد من المسجد إلا بفائدة جديدة يكون قد استفادها من الخطيب تنير له السبيل في أمور آخرته أو حياته وعليه بالقرآن العظيم، فليشف صدورهم به، فكفى به هاديًا، وكفى بالموت واعظًا، وكفى برسول الله ﷺ بشيرًا ونذيرًا.
وليعلم الأئمة والخطباء: أن الله قد حذّر من الغفلة عن ذكره، وتوعد على ذلك بأشد الوعيد فقال جل شأنه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ - وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧] ولقد شرع لنا - جل شأنه - من الفرائض ما ينبّه الغافل، ويذكّر الناس، فشرع لنا الصلوات الخمس كي تعين مقيمها على ذكره وشكره
стр. 15
وحسن طاعته، وعدم الغفلة عنه في يومه وفي ليله، وفرض على أهل القرية والمصر الجمعة، - بشروطها- ليسعى الناس إلى ذكر الله مجتمعين، يتعرضون لنفحات الله - تعالى - ورحمته بطاعته، ويتحيّنون ساعة إجابة لا يخيب الله بها من دعاه ويستمعون إلى النصح والتوجيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتعارفون بينهم، فيشد بعضهم بعضًا فيقوى الضعيف وينشط الخامل، وينتبه الغافل، ويرى الكافر من قوة المؤمنين وعددهم ما يخذله، ويضعف نفسه ويرغم أنفه.
[فضل الجمعة ويومها]
فضل الجمعة ويومها: ولقد عُني الإسلام عناية بالغة بأمر الجمعة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]
وعاب على أولئك الذين تشاغلوا عنها، وآثروا التجارة عليها فقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١]
ومنذ أن شرع الله - تعالى - صلاة الجمعة ورسول الله ﵊ حفيّ بها، محافظ عليها، كثير التأكيد على المسلمين بأدائها، كثير النهي عن التهاون بها.
стр. 16
فيوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، أخرج أحمد ومسلم والترمذي أن النبي ﷺ قال: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج» .
وفي يوم الجمعة «ساعة من دعا الله فيها استجيب له» (١) .
وعن أنس قال: «أتى جبريل بمرآة بيضاء فيها وكتة (٢) إلى النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ ما هذه؟ قال جبريل: هذه الجمعة فُضِّلْتَ بها أنت وأمتك؟ فالناس لكم فيها تبع: اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، وفيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله - تعالى - إلا استجيب له، وهو عندنا يوم مزيد، قال النبي- ﷺ : يا جبريل ما يوم المزيد؟ قال: إن ربك اتخذ في الفردوس واديًا أفيح فيه كثب مسك إذا كان يوم الجمعة أنزل الله ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين، وحف تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد، عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب، فيقول الله لهم: أنا ربكم قد صدقتكم وعدي، فاسألوني أعطكم فيقولون: ربنا نسألك رضوانك، فيقول: قد رضيت عنكم ولكم عليّ ما تمنيتم، ولديّ مزيد، فهم يحسبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير» (٣) .
стр. 17
وليوم الجمعة من المزايا والفضائل ما يضيق عن الحصر، فمن مزاياه وفضائله إضافة إلى ما تقدم. . . أن من مات فيه أو في ليلته - وهو مؤمن - وُقي فتنة القبر وعذابه، لما رواه أحمد والترمذي عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر» .
ولذلك فإن من الجدير بكل مسلم أن يحرص على الجمعة، ويحافظ عليها ويؤدي ما أمر به فيها على سبيل الوجوب أو الندب.
ومما أُمِرَ المسلمون به فيها: ١ - الإكثار في يومها من قراءة القرآن والذكر والدعاء والمناجاة والصلاة على رسول الله- ﷺ ففي كل ذلك قد وردت السنة.
٢ - كما يطلب من المسلم قبل الخروج لصلاة الجمعة الغسل والسواك والتطيب ولبس أحسن ما لديه من الثياب وأنظفها.
٣ - ويندب الأخذ من الشعر وقص الأظافر في يومها.
٤ - ويندب أن يقرأ في صلاة صبحها بسورتي: "السجدة والإنسان بعد الفاتحة".
٥ - ويندب التبكير بالذهاب إلى الجامع (١) .
стр. 18
٦ - ويستحب المشي إليها، والقرب من الإمام، والإنصات التام للخطبة وعدم التشاغل بشيء عن ذلك.
٧ - ويكره "الاحتباء" في المسجد - يوم الجمعة - وهو أن يجلس على إليتيه. رافعًا ساقيه، ضامًّا وِرْكيه إلى بطنه بثوبه أو يديه. «لنهيه- ﷺ عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب» لأن هذه الجلسة قد تؤدي إلى النوم.
٨ - ويستحب لمن غلبه النعاس في مكان من المسجد أن يتحول إلى غيره.
٩ - ولا ينبغي للمصلي أن يتخطى الرقاب، فذلك حرام عند بعض العلماء مكروه عند البعض الآخر لكثرة الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك.
١٠ - ولا ينبغي للمصلي أن يحضر الجمعة بثياب متسخة أو منفرة، أو رائحة غير زكيّة (١) .
١١ - ولا ينبغي للمصلي أن يتناول طعامًا ذا رائحة تؤذي كالثوم والبصل والفجل وغيرها.
стр. 19
١٢ - وليس له أن يفرق بين اثنين إلا إذا كانت بينهما فرجة كافية لم يسداها.
١٣ - ويندب لمن أتى المسجد - قبل الجمعة - التنفل مع طول القيام ما لم يصعد الخطيب المنبر (١) .
١٤ - وإذا أذن للجمعة فليس للمسلم أن ينشغل بشيء غير السعي إليها فالبيع أو الشراء حال السعي إلى الجمعة حرام عند العلماء.
أما شروط الجمعة فكثيرة أهمها: الخطبة ولها أفردنا هذا الكتاب الذي تجدون فيه تفاصيل أحكامها، وآدابها وكثيرًا مما يتعلق بها مضافًا إلى نماذج من الخطب المختارة.
стр. 20
[الفصل الأول خطب مأثورة]
[طرف من خطب النبي ﷺ ]
стр. 21
طرف من خطب النبي ﷺ فاتحة خطبته ﷺ : «عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: الحمد لله أو إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يقرأ ثلاث آيات:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] ثم يتكلم بحاجته» (١) .
стр. 22
[أول خطبة خطبها ﷺ بمكة حين دعا قومه]
أول خطبة خطبها بمكة حين دعا قومه حمد الله وأثنى عليه ثم قال:
«إن الرائد (١) لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعًا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعًا ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانًا، وبالسوء سوءًا، وإنها لجنة أبدًا، أو لنار أبدًا» (٢) .
خطبته ﵊ لإعلان نبوته، ودعوته لقومه بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٩] وقوله جل شأنه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] وقوله عز من قائل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ - وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤ - ٢١٥]
«ارتقى ﵊ الصفا، وصاح بأعلى صوته: "وا صباحاه" - وهي صيحة يصيح بها العربي حين يحس بخطر داهم يوشك أن يحيط بقومه أو عشيرته -.
стр. 23
ثم أخذ ينادي يا بني فهر، يا بني عدي، يا بني كعب (لبطون قريش) حتى اجتمعوا فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فال أبو لهب: تبًا لك يا محمد ألهذا جمعتنا؟ فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] » (١) .
стр. 24
[خطبة له ﷺ في التذكير بالله تعالى والدعوة إلى حبه والتحابّ فيه]
خطبة له ﷺ في التذكير بالله - تعالى - والدعوة إلى حبه والتحابّ فيه وقال ابن إسحاق: «ثم خطب رسول الله ﷺ الناس مرة أخرى فقال: "إن الحمد لله أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. إن أحسن الحديث كتاب الله - تعالى - قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس. إنه أحسن الحديث وأبلغه. أحبّوا من أحب الله. وأحبوا الله من كل قلوبكم (١) ولا تملّوا كلام الله وذكره، ولا تقسوا عنه قلوبكم، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا واتقوه حق تقاته. واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم إن الله يغضب أن ينكث عهده والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» (٢) .
стр. 25
[خطبة له ﷺ بمنى]
خطبة له ﷺ بمنى «خطب ﷺ بالخَيْفِ في منى فقال: نضَّر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم. فإن دعوتهم تحوط من ورائهم» . وفي لفظ: «إن دعوتهم تكون من ورائه» (١) .
«ومن كان همه الآخرة، جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وآتته الدنيا وهي راغمة. ومن كان همه الدنيا، فرّق الله أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له» (٢) .
[خطبة له ﷺ في الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
خطبة له ﷺ في الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا الله فلا يستجيب لكم، وقبل أن تستغفروه فلا يغفر لكم، إن الأمر بالمعروف لا يقرب أجَلًا. وإن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم وعمهم البلاء» (٣) .
стр. 26
[خطبة له ﷺ في التنفير من الدنيا]
خطبة له ﷺ في التنفير من الدنيا وخطب النبي ﷺ فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس إن هذه الدار دار التواء، لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح. فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء. ألا وإن الله - تعالى - خلق الدنيا بلوى، والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببًا وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضًا فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، إنها لسريعة الذهاب، وشيكة الانقلاب. فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها، واحذروا لذيذ عاجلها لكريه آجلها، ولا تسعوا في تعمير دار قد قضى الله خرابها، ولا تواصلوها - فقد أراد الله منكم اجتنابها - فتكونوا لسخطه متعرضين ولعقوبته مستحقين» .
стр. 27
[خطبة له ﷺ في بيان فضل العلم]
خطبة له ﷺ في بيان فضل العلم عن معاذ بن جبل قال: «قال رسول الله ﷺ تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل أهل الجنة وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء، يرفع الله به أقوامًا، فيجعلهم في الخير قادة، تقتص آثارهم، ويقتدى بفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة في مجالستهم وبأجنحتها تحفهم، ويستغفر لهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، التفكر فيه يعدل الصيام، ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، وهو إمام العمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء» (١) .
стр. 28
[خطبة حجة الوداع]
خطبة حجة الوداع «وفي حجة الوداع سنة عشر من الهجرة خطب النبي ﷺ الناس فقال: إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعة الله وأستفتح بالذي هو خير.
أما بعد أيها الناس: اسمعوا مني أبيّن لكم، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، في موقفي هذا.
أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلّغتُ. فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها. وإن كل ربا موضوع ولكن لكم رءوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون. قضى الله أنه لا ربا. إن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله. وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع. وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب - وكان مسترضعًا في بني ليث، فقتلته هذيل- فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية، وإن مآثر الجاهلية موضوع غير السدانة والسقاية. والعمد قود وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير. فمن زاد فهو من أهل الجاهلية.
стр. 29
أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدًا، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم. فاحذروه على دينكم.
أيها الناس: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم ثلاثة متوالِيَة، وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان.
أيها الناس: إن لكم على نسائكم حقا ولهن عليكم حقًا، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبيّنة فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتَضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف. واستوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرًا. فاعقلوا أيها الناس قولي فإنّي قد بلّغتُ، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لم تضلّوا أبدًا، أمرًا بينا، كتاب الله وسنة نبيه.
أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه، تعلَمُنّ أن كل مسلم أخ للمسلم وأن المسلمين إخوة، لا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمنّ أنفسكم. اللهم هل بلّغت؟ قالوا: اللهم نعم.
стр. 30
فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: اللهم اشهد. فلا ترجعوا بعدي كفّارًا يضرب بعضكم أعناق بعض.
أيها الناس: إن ربَّكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ قالوا نعم. فال: فليبلغ الشاهد منكم الغائب.
أيها الناس: إن الله قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا يجوز لوارث وصية. ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه. فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» .
стр. 31
[خطبة للصديق في الإخلاص والاعتبار]
خطبة للصديق في الإخلاص والاعتبار خطب ﵁ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه، فأريدوا الله بأعمالكم واعلموا أن ما أخلصتم لله من أعمالكم فطاعة أتيتموها، وحظ ظفرتم به، وضرائب أديتموها، وسلف قدمتموه من أيام فانية لأخرى باقية، لحين فقركم وحاجتكم.
اعتبروا عباد الله ممن مات منكم، وتفكروا فيمن كان قبلكم، أين كانوا أمس؟ وأين هم اليوم؟ أين الجبارون الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب؟ قد تضعضع بهم الدهر وصاروا رميمًا، قد تركت عليهم القالات الخبيثات وإنما الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات. وأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها؟ قد بعدوا ونسي ذكرهم، وصاروا كلا شيء.
ألا وإن الله قد أبقى عليهم التبعات، وقطع عنهم الشهوات، ومضوا والأعمال أعمالهم والدنيا دنيا غيرهم، وبقينا خلقًا بعدهم، فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا، وإن اغتررنا كنا مثلهم.
أين الوضاءُ الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؟ صاروا ترابًا، وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم. أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط وجعلوا فيها الأعاجيب؟ قد تركوها لمن خلفهم، فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] ! ".
стр. 32
أين من تعرفون من آبائكم وإخوانكم؟ قد انتهت بهم آجالهم فوردوا على ما قدموا فحلوا عليه، وأقاموا للشقوة أو للسعادة بعد الموت.
ألا إن الله لا شريك له، ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرًا، ويصرف به عنه سوءًا إلا بطاعته واتباع أمره. واعلموا أنكم عبيد مدينون، وإن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته، أما آن لأحدكم أن تحسر عنه النار ولا تبعد عنه الجنة؟ (١) .
стр. 33
[خطبة جامعة للفاروق فيها التنفير من تصديق الكهنة والحث على التحلي بالفضائل]
خطبة جامعة للفاروق فيها التنفير من تصديق الكهنة والحث على التحلي بالفضائل خطب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال. أما بعد: - أوصيكم بتقوى الله - الذي يبقى ويفنى ما سواه، الذي بطاعته يكرم أولياءه، وبمعصيته يضل أعداءه، فليس لهالك معذرة في فعل ضلالة حسبها هدى، ولا في ترك حق حسبه ضلالة.
تعلموا القرآن تُعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، فإنه لم تبلغ منزلة ذي حق أن يطاع في معصية الله.
واعلموا أن بين العبد وبين رزقه حجابا فإن صبر أتاه رزقه، وإن اقتحم هتك الحجاب لم يدرك فوق رزقه وإياكم وأخلاق العجم، ومجاورة الجبابرة، وأن تجلسوا على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن تدخلوا الحمام بغير مئزر، وإياكم والصغار أن تجعلوه في رقابكم.
واعلموا أن سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر، ولا يحل لك أن تهجر أخاك فوق ثلاثة أيام، ومن أتى ساحرًا أو كاهنًا أو عرّافًا (١) فصدقه بما يقول
стр. 34
فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ .
لا يخلون رجل بامرأة، فإن الشيطان ثالثهما، ومن ساءته سيئته وسرته حسنته، فهو أمارة المسلم المؤمن، وشر الأمور مبتدعاتها، وأن الاقتصاد في سنّة خير من الاجتهاد في بدعة، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، فإنه أهون لحسابكم، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر يوم تعرضون لا تخفى منكم خافية.
عليكم بهذا القرآن فإن فيه نورًا وشفاء، وغيره الشقاء، وقد قضيت الذي علي فيما ولاني الله من أموركم، ووعظتكم نصحًا لكم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم (١) .
стр. 35
[شيء من خطب خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز ﵁]
[أول خطبة له ﵁ بعد الخلافة]
أول خطبة له ﵁ بعد الخلافة في أول خطبة خطبها بعد توليه الخلافة قال: بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسوله: أيها الناس أصلحوا سرائركم تصلح لكم علانيتكم، وأصلحوا آخرتكم تصلح لكم دنياكم وإن امرأ ليس بينه وبين آدم أبٌ حي لمعرق في الموت.
стр. 36
[فضل كلمة لا إله إلا الله]
فضل كلمة لا إله إلا الله الحمد لله الذي فتح أبواب المشاهدات على أرباب المجاهدات. بمفتاح لا إله إلا الله وأحيا نفوس العارفين وملأ كؤوس الذاكرين من أقداح لا إله إلا الله. أبدع المصنوعات وأوجد المخلوقات ووسمها بميسم لا إله إلا الله. خلق الجنين من ماء مهين ليعبده بلا إله إلا الله. أرسل الرسل لأجلها مبشرين وعن ضدها محذرين فدعوا الناس كلهم إلى العمل بلا إله إلا الله. فهي رأس الملة والدين، وهي حبل الله المتين، فما خاب من تعلق بحبل لا إله إلا الله. غوِيتْ أحلام الجاهلين وضلّت أفئدة المعاندين حيث جعلوا إلهين اثنين بعدما طلع بدر لا إله إلا الله. أحمده سبحانه وأشكره إذ جعلنا من أهل لا إله إلا الله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنجي قائلها إذ خاب أهل الشرك ونجا أهل لا إله إلا الله. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي جدد الله به ما درس من معالم لا إله إلا الله. ومع ذلك قال له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فصدع بها ونادى، ووالى عليها وعادى، وقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق لا إله إلا الله» فدعا إلى الله سرًا وجهارًا ليلًا ونهارًا حتى انكشف الغطاء عن وجه لا إله إلا الله. اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الذين حموا بمرهفاتهم حوزة لا إله إلا الله. وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى، وجددوا إيمانكم في المساء والصباح بتأمل معنى لا إله إلا الله، فيا ذوي العقول الصحاح ويا ذوي البصائر والفلاح، نادوا بالفلاح فلا فلاح إلا لأهل لا إله
стр. 37
إلا الله. فكلمة الإسلام ومفتاح دار السلام لا إله إلا الله. فلا قامت السموات والأرض ولا صحت السنة والفرض ولا نجا أحد يوم العرض إلا بلا إله إلا الله. ولا جردت سيوف الجهاد وأرسلت الرسل إلى العباد إلا ليعلموهم العمل بلا إله إلا الله فانقسم الناس عند ذلك فريقين وسلكوا طريقين: فريق انقاد للعمل بلا إله إلا الله، والآخر حاد لعلمه أن دين آبائه يبطله لا إله إلا الله. فسبحان من فاوت بين عباده. بمقتضى حكمته ومراده وذلك من أدلة لا إله إلا الله. فطوبى لمن عرف معناها فارتضاها، وعمل باطنًا وظاهرًا بمقتضاها، فيكون قد حقق لا إله إلا الله. وويل من صاده الشيطان بالأشراك، فرماه في هوة الإشراك، فأبى واستكبر عن الانقياد للا إله إلا الله. ألم تسمعوا قول الله ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] حقيقة لا إله إلا الله. الذي هو إفراده بجميع العبادات. وتخصيصه بالقصد والإرادات. ونفيها عما سواه من جميع المعبودات. التي نفتها لا إله إلا الله. وذلك هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله. الذي لا يبقي في القلب شيئًا لغير الله. ولا إرادة لما حرّم الله. ولا كراهة لما به أمر الله. هذا والله هو حقيقة لا إله إلا الله. وأما من قالها بلسانه ونقضها بفعاله فلا ينفعه قول لا إله إلا الله. فمن صرف لغير الله شيئًا من العبادات. وأشرك به أحدًا من المخلوقات. فهو كافر ولو نطق ألف مرة بلا إله إلا الله. قيل للحسن رحمه الله تعالى: إن أناسًا يقولون من قال لا إله إلا الله دخل الجنة. فقال: من قالها وأدى حقها وفرضها أدخلته الجنة لا إله إلا الله. وقال ابن منبه لمن قال له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله. قال: بلى
стр. 38
ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت. بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك. لأنك في الحقيقة لم تقل لا إله إلا الله. فيا ذوي الأسماء العتيدة، لا تظنوا أمور الشرك منكم بعيدة. فإن ها هنا مهاوي شديدة. تقدح في لا إله إلا الله. أين من وحّد الله بالحب والخوف والرجاء والعبادة؟ أين من خصه بالذل والخضوع والتعظيم والقصد وأفرده بالتوكل فجعل عليه اعتماده؟ كل هذا من معاني لا إله إلا الله. فسارعوا عباد الله إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السموات والأرض أعدت للمتقين الذين قاموا بواجبات لا إله إلا الله ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين. وتمسكوا بعرى لا إله إلا الله فمن نفى ما نفته وأثبت ما أثبتته ووالى عليها وعادى رفعته إلى أعلى عليين منازل أهل لا إله إلا الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. ونفعني وإياكم. بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم (١) .
стр. 39
[التحذير من الشرك وأسبابه]
التحذير من الشرك وأسبابه الحمد لله الذي لم يخلق الجن والإنس إلا ليعبدوه، ولا أسبغ عليهم نعمه إلا ليحمدوه، ولا أنزل عليهم كتبه وأرسل إليهم رسله إلا ليعرفوه. أحمده سبحانه حمد عبد يخاف منه ويرجوه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا يسئل عما يفعل ويسأل خلقه عما فعلوه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي دعا أمته إلى التوحيد وأوصاهم بأن يخافوا الله ويتقوه، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وآله وأصحابه الذين آزروه ونصروه. وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى وراقبوه، وأطيعوا أمره ولا تعصوه. واعلموا أن الله ما خلقكم إلا لعبادته، ولا أمركم إلا بتوحيده وطاعته. والتوحيد إفراد الله بالعبادة، وهو دين الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده فأولهم نوح ﵇ أرسله الله إلى قومه لما وقعوا في الشرك والآثام. وغلوا في الصالحين فعبدوهم دون ذي الجلال والإكرام. وآخر الرسل محمد ﷺ النبي الأمين. الذي كسر صور هؤلاء الصالحين وزهق به الباطل وجاء بالحق المبين. أرسله الله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون، ويذكرون الله كثيرًا لا يفترون. لكنهم جعلوا بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين عالم السر والجهر. يقولون نريد التقرب إلى الله، ولنا عنده يشفعون: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] فبعث الله محمدًا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، يجدد لهم ما اندرس من دين أبيهم إبراهيم ﵇،
стр. 40
ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله على جميع العباد، لا يصلح منه شيء لنبي ولا ملك ولا أحد من الآحاد. فاتقوا الله عباد الله، وحققوا إيمانكم بالعمل بمعنى لا إله إلا الله، قبل أن ينظر المرء ما قدمت يداه، ولا ينفع أحد أحدًا إلا بإذن الله ورضاه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا - وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا - قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا - قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا - قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا - إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ١٨ - ٢٣]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم. بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم (١) .