[فضل كلمة لا إله إلا الله]
فضل كلمة لا إله إلا الله الحمد لله الذي فتح أبواب المشاهدات على أرباب المجاهدات. بمفتاح لا إله إلا الله وأحيا نفوس العارفين وملأ كؤوس الذاكرين من أقداح لا إله إلا الله. أبدع المصنوعات وأوجد المخلوقات ووسمها بميسم لا إله إلا الله. خلق الجنين من ماء مهين ليعبده بلا إله إلا الله. أرسل الرسل لأجلها مبشرين وعن ضدها محذرين فدعوا الناس كلهم إلى العمل بلا إله إلا الله. فهي رأس الملة والدين، وهي حبل الله المتين، فما خاب من تعلق بحبل لا إله إلا الله. غوِيتْ أحلام الجاهلين وضلّت أفئدة المعاندين حيث جعلوا إلهين اثنين بعدما طلع بدر لا إله إلا الله. أحمده سبحانه وأشكره إذ جعلنا من أهل لا إله إلا الله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنجي قائلها إذ خاب أهل الشرك ونجا أهل لا إله إلا الله. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي جدد الله به ما درس من معالم لا إله إلا الله. ومع ذلك قال له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فصدع بها ونادى، ووالى عليها وعادى، وقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق لا إله إلا الله» فدعا إلى الله سرًا وجهارًا ليلًا ونهارًا حتى انكشف الغطاء عن وجه لا إله إلا الله. اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الذين حموا بمرهفاتهم حوزة لا إله إلا الله. وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى، وجددوا إيمانكم في المساء والصباح بتأمل معنى لا إله إلا الله، فيا ذوي العقول الصحاح ويا ذوي البصائر والفلاح، نادوا بالفلاح فلا فلاح إلا لأهل لا إله
стр. 37
إلا الله. فكلمة الإسلام ومفتاح دار السلام لا إله إلا الله. فلا قامت السموات والأرض ولا صحت السنة والفرض ولا نجا أحد يوم العرض إلا بلا إله إلا الله. ولا جردت سيوف الجهاد وأرسلت الرسل إلى العباد إلا ليعلموهم العمل بلا إله إلا الله فانقسم الناس عند ذلك فريقين وسلكوا طريقين: فريق انقاد للعمل بلا إله إلا الله، والآخر حاد لعلمه أن دين آبائه يبطله لا إله إلا الله. فسبحان من فاوت بين عباده. بمقتضى حكمته ومراده وذلك من أدلة لا إله إلا الله. فطوبى لمن عرف معناها فارتضاها، وعمل باطنًا وظاهرًا بمقتضاها، فيكون قد حقق لا إله إلا الله. وويل من صاده الشيطان بالأشراك، فرماه في هوة الإشراك، فأبى واستكبر عن الانقياد للا إله إلا الله. ألم تسمعوا قول الله ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] حقيقة لا إله إلا الله. الذي هو إفراده بجميع العبادات. وتخصيصه بالقصد والإرادات. ونفيها عما سواه من جميع المعبودات. التي نفتها لا إله إلا الله. وذلك هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله. الذي لا يبقي في القلب شيئًا لغير الله. ولا إرادة لما حرّم الله. ولا كراهة لما به أمر الله. هذا والله هو حقيقة لا إله إلا الله. وأما من قالها بلسانه ونقضها بفعاله فلا ينفعه قول لا إله إلا الله. فمن صرف لغير الله شيئًا من العبادات. وأشرك به أحدًا من المخلوقات. فهو كافر ولو نطق ألف مرة بلا إله إلا الله. قيل للحسن رحمه الله تعالى: إن أناسًا يقولون من قال لا إله إلا الله دخل الجنة. فقال: من قالها وأدى حقها وفرضها أدخلته الجنة لا إله إلا الله. وقال ابن منبه لمن قال له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله. قال: بلى
стр. 38
ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت. بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك. لأنك في الحقيقة لم تقل لا إله إلا الله. فيا ذوي الأسماء العتيدة، لا تظنوا أمور الشرك منكم بعيدة. فإن ها هنا مهاوي شديدة. تقدح في لا إله إلا الله. أين من وحّد الله بالحب والخوف والرجاء والعبادة؟ أين من خصه بالذل والخضوع والتعظيم والقصد وأفرده بالتوكل فجعل عليه اعتماده؟ كل هذا من معاني لا إله إلا الله. فسارعوا عباد الله إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السموات والأرض أعدت للمتقين الذين قاموا بواجبات لا إله إلا الله ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين. وتمسكوا بعرى لا إله إلا الله فمن نفى ما نفته وأثبت ما أثبتته ووالى عليها وعادى رفعته إلى أعلى عليين منازل أهل لا إله إلا الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. ونفعني وإياكم. بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم (١) .
стр. 39
[التحذير من الشرك وأسبابه]
التحذير من الشرك وأسبابه الحمد لله الذي لم يخلق الجن والإنس إلا ليعبدوه، ولا أسبغ عليهم نعمه إلا ليحمدوه، ولا أنزل عليهم كتبه وأرسل إليهم رسله إلا ليعرفوه. أحمده سبحانه حمد عبد يخاف منه ويرجوه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا يسئل عما يفعل ويسأل خلقه عما فعلوه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي دعا أمته إلى التوحيد وأوصاهم بأن يخافوا الله ويتقوه، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وآله وأصحابه الذين آزروه ونصروه. وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى وراقبوه، وأطيعوا أمره ولا تعصوه. واعلموا أن الله ما خلقكم إلا لعبادته، ولا أمركم إلا بتوحيده وطاعته. والتوحيد إفراد الله بالعبادة، وهو دين الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده فأولهم نوح ﵇ أرسله الله إلى قومه لما وقعوا في الشرك والآثام. وغلوا في الصالحين فعبدوهم دون ذي الجلال والإكرام. وآخر الرسل محمد ﷺ النبي الأمين. الذي كسر صور هؤلاء الصالحين وزهق به الباطل وجاء بالحق المبين. أرسله الله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون، ويذكرون الله كثيرًا لا يفترون. لكنهم جعلوا بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين عالم السر والجهر. يقولون نريد التقرب إلى الله، ولنا عنده يشفعون: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] فبعث الله محمدًا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، يجدد لهم ما اندرس من دين أبيهم إبراهيم ﵇،
стр. 40
ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله على جميع العباد، لا يصلح منه شيء لنبي ولا ملك ولا أحد من الآحاد. فاتقوا الله عباد الله، وحققوا إيمانكم بالعمل بمعنى لا إله إلا الله، قبل أن ينظر المرء ما قدمت يداه، ولا ينفع أحد أحدًا إلا بإذن الله ورضاه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا - وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا - قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا - قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا - قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا - إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ١٨ - ٢٣]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم. بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم (١) .
стр. 41
[الفصل الثاني العقيدة]
[معنى شهادة أن لا إله إلا الله ومقتضاها]
стр. 42
معنى شهادة أن لا إله إلا الله ومقتضاها الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله - أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا - صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وأطيعوه.
عباد الله: إن الركن الأول من أركان الإسلام هو الشهادتان:
شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. وهذا الركن هو الأساس الذي تقوم عليه بقية الأركان، وتنبني عليه سائر أحكام الدين، فإن كان هذا الأساس سليمًا قويًا استقامت سائر الأعمال وكلها مقبولة عند الله وانتفع بها صاحبها، وإن اختل هذا الأساس فسدت سائر الأعمال وصارت هباءً منثورًا، وصارت كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، وصارت كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، صارت تعبًا على صاحبها في الدنيا وحسرة وخسارة يوم القيامة. عباد الله: إن الشهادتين لهما معنى ولهما مقتضى، ولا بد للناطق بهما أن يعرف ذلك المعنى ويعمل بذلك المقتضى، وإلا فإنه لا ينفعه مجرد التلفظ بهما. فمعنى شهادة أن لا إله إلا الله الإقرار بأنه لا يستحق العبادة إلا الله، وأن كل معبود سواه باطل:
стр. 43
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] ومقتضى شهادة أن لا إله إلا الله أن تفرد الله بالعبادة فلا تعبد معه أحدًا. فإذا قلت أشهد أن لا إله إلا الله فقد أعلنت البراءة من كل معبود سوى الله والتزمت بعبادة الله وحده، وفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، ولذلك لما قال النبي ﷺ للمشركين قولوا لا إله إلا الله فهموا من ذلك أنه يطلب منهم عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام فامتنعوا من أن يقولوا هذه الكلمة واستنكروها وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ - وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ - مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٥ - ٧] هذا معنى لا إله إلا الله، إنه جعل الآلهة إلها واحدًا، وترك عبادة ما سواه، وقد فهمه المشركون لأنهم عرب فصحاء وعباد القبور اليوم لا يفهمون معنى لا إله إلا الله ولا يعملون بمقتضاها، فلذلك يقولون لا إله إلا الله، ويعبدون الموتى، فالمشركون الأولون أعلم منهم بمعنى لا إله إلا الله وأعلم منهم بمقتضاها، هؤلاء القبوريون يقولون لا إله إلا الله ويقولون مع ذلك: يا علي. يا حسين. يا عبد القادر. ينادون الموتى ويستغيثون بهم في قضاء الحاجات وتفريج الكربات ويطوفون بقبورهم ويذبحون لهم، فما معنى لا إله إلا الله عند هؤلاء وما فائدتها - إنهم قوم لا يعقلون ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٣٧]
عباد الله: ومن مقتضى شهادة أن لا إلا الله أن تقيم الصلاة، فإنها الركن الثاني بعد الشهادتين، قال الله تعالى:
стр. 44
﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] ومن مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله أن تؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا وتفعل الواجبات الدينية وتترك المحرمات، فقد قاتل الصحابة ﵃ بقيادة أبي بكر الصديق ﵁ من منع الزكاة وهم يقولون لا إله إلا الله. وقال الصحابة إن الزكاة من حق لا إله إلا الله. قيل للحسن البصري ﵀: إن ناسًا يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة. فقال: من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة، وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال بلى ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك.
عباد الله: وكما أن الشرك الأكبر يناقض لا إله إلا الله وينافيها.
كذلكم سائر المعاصي التي هي دون الشرك تنقص مقتضى هذه الكلمة وتقلل من ثوابها بحسب الذنب الذي يصدر من العبد، ومطلوب من المسلم أن يقول لا إله إلا الله ويعلم معناها ويعمل بمقتضاها ظاهرًا وباطنًا، ويستقيم عليها، قال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] (شَهِدَ بِالْحَقِّ) أي: قال لا إله إلا الله. وهم يعلمون: بقلوبهم ما قالت به ألسنتهم من تلك الكلمة. فاتقوا الله عباد الله واعرفوا معنى هذه الشهادة واعملوا بمقتضاها فليس المقصود منها مجرد النطق بها من غير فهم معناها واعتقاد مدلولها والعمل به فإن ذلك لا ينفع ولا يجدي. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]
стр. 45
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم. بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم (١) .
стр. 46
[معنى شهادة أن محمدًا رسول الله ومقتضاها]
معنى شهادة أن محمدًا رسول الله ومقتضاها الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا مزيدًا.
أما بعد: أيها الناس. ومعنى أشهد أن محمدًا رسول الله. الإقرار بأنه رسول من عند الله، واعتقاد ذلك في القلب، ومقتضى هذه الشهادة يتلخص في أربعة أمور: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، فإذا شهدت أنه رسول الله وجب عليك أن تطيعه فيما يأمرك به، وأن تجتنب ما نهاك عنه، وأن تصدقه فيما يخبر به عن الله تعالى وعن الغيوب الماضية والمستقبلة، وأن لا تتقرب بشيء من العبادات إلا إذا كان موافقًا لشريعته، فتترك البدع والمحدثات وتترك الأقوال المخالفة لسنته مهما بلغ قائلها من العلم والفقه، فكل منا يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، يقول الإمام مالك بن أنس ﵀: كلنا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر، يعني رسول الله ﷺ ، وقال الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵀، أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد، ويقول الإمام أحمد بن حنبل ﵀: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي
стр. 47
سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك والله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] عباد الله: اتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعلموا أن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها. . الخ (١) .
стр. 48
[وجوب معرفة الله وتوحيده]
وجوب معرفة الله وتوحيده الحمد لله المتوحد بصفات العظمة والجلال، المتفرد بالكبرياء والكمال، المولي على خلقه النعم السابغة الجزال. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل الرسل في كل الخصال، اللهم صلّ وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه خير صحب وأشرف آل.
أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله واعبدوه فإن الله خلقكم لذلك قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] خلقهم ليعبدوه ويدينوا بعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه والتوجه في كل الأمور إليه، خلقهم ليعرفوا ويعترفوا أنه الرب الذي أوجد جميع المخلوقات، وأعدها وأمدها بكل ما تحتاج إليه من كل الجهات. وهي الفقيرة إليه بالذات وكل الصفات، خلقهم ليعرفوا ويعترفوا أنه الملك المالك لجميع الموجودات والعوالم والممالك، الذي له الحكم والحمد في الأولى والآخرة وإليه يرجعون، وإليه تنتهي الأقدار ومنه تبتدي، وإذا أراد شيئًا قال له كن فيكون. خلقهم ليعرفوا أحكامه الشرعية والقدرية والجزائية، ولها يخضعون فيعلموا أن كل شيء بقضاء وقدر، وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم هو مولانا وعليه فليتوكل المؤمنون، فترضى بالله ربًا وسيدًا، ومدبرًا، وحاكمًا، وبمحمد نبيًا رسولًا ومبشرًا ومنذرًا، وبالإسلام دينًا وطريقًا ومسلكًا، خلقهم ليعرفوا ويعترفوا أنه الله الذي لا إله إلا هو فليس له شريك في ألوهيته كما ليس له شريك في ربوبيته
стр. 49
وملكه فكما أنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور. فهو الإله المعبود المحمود المشكور. وكما أن جميع النعم الظاهرة والباطنة منه لطفًا وإحسانًا فهو المستحق لكمال الشكر إخلاصًا ومحبة له وخضوعًا وإذعانًا. وكما أنه الذي لطف بكم وعدلكم وسواكم فليكن وحده معبودكم ومرجوكم ومولاكم، وكما شرع لكم دينًا حنيفًا ميسرًا موصلًا للفلاح. فاسلكوا الصراط المستقيم متقربين إليه في الغدو والرواح. فليس لكم رب سواه ولا معبود ومقصود إلا الله. ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه. ولا معول في الأمور إلا عليه. فقوموا بعبوديته ظاهرًا وباطنًا لعلكم تفلحون. واستعينوا به وتوكلوا عليه لعلكم ترحمون. إذا سألتم فلا تسألوا إلا الله، وإذا استعنتم فلا تستعينوا بأحد سواه فإن الخلق كلهم فقراء عاجزون. وجميعهم إلى ربهم مضطرون مفتقرون. أعانني الله وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته. ووفقنا لمحبته ومعرفته والقيام بطاعته. ولا حرمنا خير ما عنده من الإحسان، بشر ما عندنا من الإساءة والعصيان، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم (١) .
стр. 50
[وجوب عبادة الله وبيان معناها]
وجوب عبادة الله وبيان معناها الحمد لله رب العالمين خلق الخلق لعبادته، وأمر بتوحيده وطاعته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أكمل الخلق عبودية لله وأعظمهم خشية له، دعا إلى الله وجاهد في الله حق جهاده، وقام على قدميه الشريفتين حتى تفطرتا من طول القيام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه وسار على نهجه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وتفكروا لماذا خلقتم وبماذا أمرتم، إنكم خلقتم لعبادة الله وحده لا شريك له وبها أمرتم - قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ - مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]
والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة وهي بهذا التعريف تشمل كل ما يصدر من العبد من الأعمال القلبية والبدنية والمالية المشروعة - حتى العادات تتحول إلى عبادات إذا قارنتها نية صالحة. فالنوم مثلًا إذا قصد به التقوي على الصيام أو على قيام الليل يكون عبادة، واتصال الرجل بأهله إذا قصد به التعفف عن الحرام
стр. 51
يكون عبادة، قال ﷺ : «وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» ، رواه مسلم. وقد صح الحديث بأن نفقة الرجل على أهله صدقة، وفي صحيح مسلم عن سعد عن النبي ﷺ قال: «إن نفقتك على عيالك صدقة» ، وأخرج الإمام أحمد من حديث المقدام بن معدي كرب عن النبي ﷺ قال: «ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة» ، وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يغرس غرسًا إلا كان ما أُكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل السبع منه فهو له صدقة، ولا ينقصه أحد إلا كان له صدقة» . وفي رواية له أيضًا: «فلا يأكل منه إنسان ولا دابة ولا طائر إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة» .
عباد الله: والعبادة قسمان: قسم واجب وقسم مستحب، والقسم الواجب منه ما يتكرر في اليوم والليلة خمس مرات كالصلوات الخمس ومنه ما يتكرر كل أسبوع كصلاة الجمعة ومنه ما يتكرر كل عام كصيام رمضان، وأداء الزكاة ومنها ما يجب مرة واحدة في العمر كالحج والعمرة من المستطيع، والقسم المستحب لا يتحدد بوقت كنوافل الصلوات ونوافل الصدقات ونوافل الصيام فيما عدا الأوقات المنهي عن الصلاة فيها وعن صيامها، ومن نوافل العبادة ما يطلب كل وقت كذكر الله بالقلب واللسان. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا - وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢] وقال تعالى:
стр. 52
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ - الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١] وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] وهكذا نرى أن عمر المسلم لا تمر منه فترة بغير عبادة قولية أو فعلية، ومن فرّط في فترة من عمره فتركها تمر بغير عبادة خسرها يوم القيامة.
أيها المسلمون: والعبادة لا تسمى عبادة وتنفع صاحبها عند الله إلا إذا كانت خالصة لله ليس فيها شرك ولا رياء ولا سمعة، قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣] وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] وقال تعال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ - الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ - الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ - وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٧] وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] وفي الحديث: «يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» وكما يشترط في صحة العبادة الإخلاص كذلك يشترط فيها المتابعة للنبي ﷺ ، قال ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» .
أيها المسلمون: إن عبادة الله هي أول الواجبات على العبد وهي حق الله عليه المقدم على سائر الحقوق، قال تعالى:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]
стр. 53
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] والآيات في هذا كثيرة. وفي حديث معاذ: أن النبي ﷺ قال «يا معاذ أتدرى ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا» . وعبادة الله واجبة على الإنسان العاقل من حين يبلغ سن التكليف إلى أن يموت، قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] وقال عن عيسى ﵇: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] عباد الله: من لم يعبد الله صار عبدًا للشيطان، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ - وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠ - ٦١] من لم يعبد الله صار عبدًا لهواه. قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] من لم يعبد الله صار عبدًا لدنياه. قال ﷺ : «تعس عبد الخميصة تعس عبد الخميلة إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض» . وعبادة الله وحده لا شريك له هي التي يحصل بها التمكين في الأرض، والأمن من المخاوف الدنيوية والأخروية. فال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]
стр. 54
أيها المسلم: إنك تعاهد الله في كل ركعة من صلاتك حينما تقرأ قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] تعاهد الله أن لا تعبد إلا إياه ولا تستعين إلا به ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم (١) . . الخ.
стр. 55
[حقيقة الإيمان وعلاماته]
حقيقة الإيمان وعلاماته الحمد لله الذي يقضي بالحق ويحكم بالعدل ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم يقدر الأمور بحكمة ويحكم بالشرائع لحكمه وهو الحكيم العليم، أرسل الرسل مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وليقوم الناس بالقسط ويؤتوا كل ذي حق حقه من غير غلو ولا تقصير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وانصروا الله ينصركم وأطيعوه يثبكم ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]
أيها الناس: إن الإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي ولكن الإيمان ما وقر في القلب ورسخ فيه وصدقته الأعمال بفعل الطاعات واجتناب المعاصي. إن كل واحد يستطع أن يقول إنه مسلم بل يرتقي إلى أعلى ويقول إنه مؤمن، كل واحد يستطع أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. المنافقون وهم في الدرك الأسفل من النار يذكرون الله. المنافقون يأتون إلى النبي ﷺ ويقولون ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] المنافقون يحلفون للنبي ﷺ وأصحابه إنهم لمنهم وما هم منهم ولكن كل هذه
стр. 56
الشهادات والأيمان لم تنفعهم فهم في الدرك الأسفل من النار تحت كل مشرك وكل دهري وكل يهودي وكل نصراني لأن هذه الشهادات والأيمان لم تصدر عن يقين وإيمان ولا عن قبول وإذعان ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] فالإيمان عقيدة راسخة قبل كل شيء تنتج قولًا سديدًا وعملًا صالحًا تنتج الحب لله ورسوله والإخلاص في توحيد الله واتباع رسوله ﷺ ، الإيمان جد وعمل ومثابرة ومصابرة وحبس للنفس على ما تكره من طاعة الله ومنع لها عما تحب من معصية الله، إن للإيمان علامات كثيرة ذكرها الله في كتابه وذكرها رسول الله ﷺ في سنته نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤] ونذكر أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ - وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ - أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٦] فبالله عليكم أيها المسلمون منْ منا بهذه المثابة، من منا إذا ذكر الله وجل قلبه خوفًا من الله وتعظيمًا له، من منا إذا تليت عليه آيات ربه زادته إيمانًا واستبشر بها لما يجد في نفسه من حلاوة التصديق بها والامتثال لأحكامها، من منا قام بتحقيق التوكل على الله والاعتماد عليه وعدم التعلق
стр. 57
بالمخلوقين، من منا أقام الصلاة على الوجه المطلوب بالمحافظة عليها وإتقان حدودها، من منا قام بالإنفاق مما رزقه الله من بذل زكاة وسد حاجة الأهل والأقارب والمعوزين؟ .
لنفكر أيها الناس في حال المسلمين إننا إذا فكرنا في حال المسلمين اليوم لا في هذه الجزيرة فحسب ولكن في جميع البلاد الإسلامية نجد مسلمين بلا إسلام ومؤمنين بلا إيمان إلا أن يشاء الله، والكل مقصّر، والكل غير قائم بما يجب عليه من حقوق لله تعالى، أو لعباد الله. إننا نجد في الأمة الإسلامية تقصيرًا في الإيمان واليقين ونجد تقصيرًا في الأخلاق الفاضلة وحمايتها ونجد تقصيرًا في الأعمال. إننا نجد تقصيرًا في الإيمان واليقين لأننا نجد بعض الناس ولاسيما بعض من عاش فترة في بلاد الكفر ونهل من صديد أفكارهم الملوثة وثقافتهم المزيفة نجد في هؤلاء من في قلوبهم شك وريب فيما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب نجدهم في شك من وجود الملائكة وفي شك من وجود الجن وفي شك من صحة رسالة محمد ﷺ ، لا بل بعضهم في شك من وجود الله تعالى، وجود خالقه. سبحان الله!! يشك في وجود خالقه ولا يشك في وجود نفسه إن كل من شك في وجود الله يجب أن يشك في وجود نفسه أولًا لأنه لم يخلقه أحد سوى الله عز وحل. نجد من المسلمين اليوم من إذا ذكر الله عنده لم يتحرك قلبه أبدًا ولا كأن شيئًا ذكر عنده فضلًا عن أن يوجل قلبه. نجد من المسلمين اليوم من إذا تليت عليهم آيات الله لم يزدادوا إيمانًا بل يزدادون رجسًا إلى رجسهم فيسخرون بها ويستكبرون عن أحكامها. نجد من المسلمين اليوم من لا يتوكلون على الله
стр. 58
تعالى وإنما يعتمدون على الأسباب المادية المحضة اعتمادًا كليًا ولهذا نجدهم لا يسيرون في طلب رزقهم على شريعة الله ظنًا منهم أن الأخذ بالطرق الشرعية يضيق موارد الرزق فلذلك نجدهم يسعون لتحصيل الرزق بكل وسيلة حلالًا كانت أم حرامًا. ونجد من المسلمين اليوم من اعتمد على أعداء الله في أمنه وسلامه حتى آل الأمر بهم إلى أن أطاعوهم في بعض الأمور المخالفة لشريعة الله تعالى والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ - فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥ - ٢٨] نجد هؤلاء الذين أطاعوا هؤلاء الأعداء في بعض الأمور المخالفة للشريعة إنما سلكوا هذا المسلك المنحرف لضعف توكلهم على الله وقوة اعتمادهم على غيره. انبهروا من قوة هؤلاء الأعداء المادية فظنوا أن كل شيء بأيديهم ونسوا أن الذي خلق هؤلاء هو أشد منهم قوة وأن قوة هؤلاء المبهورين لو أرادوها وجدوها في التوكل على الله تعالى والأخذ بأسباب نصره من تطبيق دينه والتزام شريعته في أنفسهم وفيمن ولاهم عليه لأنهم إذا فعلوا ذلك كان الله معهم ومن كان الله معه فلن يُغْلَبَ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤] نجد من المسلمين اليوم من لا يقيمون الصلاة ولا يحافظون عليها فلا يصلون مع الجماعة ولا يأتون بشروطها وأركانها وواجباتها فلا يبالون بالطهارة أتقنوها أم فرطوا فيها ولا
стр. 59
يصلون في الوقت ولا يطمئنون في القيام والقعود والركوع والسجود لا بل من الناس الذين قالوا إنهم مسلمون من لا يصلي بل من يسخر ويستهزئ. ممن يصلى، نجد من المسلمين من هو جماع منّاع لا ينفق مما رزقه الله فلا زكاة ولا صدقة ولا إنفاقًا كاملًا على من يجب عليه الإنفاق عليه ومع ذلك تجده يبذل الكثير من ماله فيما لا ينفعه بل فيما حرم الله عليه أحيانًا.
إن المسلمين اليوم في حال يرثى لها والشكوى إلى الله، تضييع لفرائض الله وتعد لحدود الله وتهاون في شريعة الله ونسيان لذكره وأمن من مكره، واعتناء بما خلق لهم، وغفلة عما خلقوا له؛ ولهذا سُلط عليهم أعداؤهم فاستذلوهم واستهانوا بهم وتلاعبوا بهم سياسيًا واقتصاديًا حتى صاروا كالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون فإنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم إنا نسألك في مقامنا هذا وفي انتظار فريضة من فرائضك التي مننت بفرضها علينا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد يا منان يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم نسألك أن تحبب إلينا الإيمان وتزينه في قلوبنا وترسخه فيها وأن تكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان وتباعدها عنا وأن تهيئ للأمة الإسلامية من أمرها رشدًا ولاة صالحين يقضون بالحق وبه يعدلون لا يخافون في الله لومة لائم لا يحابون قريبا لقربه ولا قويًا لقوته وأن تحفظ علينا ديننا وتثبتنا عليه إلى الممات إنك جواد كريم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . الخ (١) .
стр. 60
[مُجْمل عقيدة أهل السنة والجماعة]
مُجْمل عقيدة أهل السنة والجماعة الحمد لله الحي القيّوم - الذي قامت بأمره وعدله السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله إلى الثقلين الإنس والجن بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، وأطيعوه تفلحوا وتسعدوا في الدنيا والآخرة واعلموا - رحمكم الله - أن من أوجب الواجبات معرفة العبد ربه ودينه ونبيه محمدًا ﷺ فهذه أصول الإسلام كما قررها رسول الله ﷺ في حديث جبريل ﵇، فإن الواجب علينا معشر المسلمين معرفتها، وهي عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، فيجب علينا تعليمها لأولادنا ونسائنا وذوينا ومجتمعاتنا الإسلامية، وأن نفهمها ونتقبلها ونؤمن بها كإيمان السلف الصالح، وكما تقبلها الخلف عنهم بالرضى والقبول وصدق الله العظيم في وصف حالهم وإخلاصهم والدعاء لله بقولهم: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] أي مع الشاهدين بوحدانيتك فعقيدة المسلم الصحيحة هي الإيمان بالله وإخلاص العبادة له تعالى بما شرع، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]
стр. 61
وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ قال: «كنت رديف النبي ﷺ على حمار فقال لي: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله. قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا» الحديث، وأنه هو الحق، ووعده ولقاؤه حق، وكتابه حق، ورسوله حق، وأن الجنة حق، والنار حق، وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» وأن الساعة حق آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة لا يضامون في رؤيته كما يرى القمر ليلة البدر، هذه عقيدتنا آمنا بالله ربًا ومدبرًا ومصرفًا لأمور الخلق، ومربيًا لجميعهم بنعمه الظاهرة والباطنة، وأنه يحي ويميت، وهو حي دائم لا يموت، بيده مقاليد الأمور وهو على كل شيء قدير - وبالإسلام دينًا. وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولًا.
ونؤمن بملائكة الرحمن وأنهم عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ونؤمن برسل الله وكتبه السابقة إيمانًا مجملًا كما ورد في القرآن والسنة قال تعالى:
стр. 62
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩] وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى غير ذلك، ونؤمن بالبعث بعد الموت وأنه حق لا ريب فيه لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٦ - ٧] وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] ونؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره وأنه يقع بقضاء الله وتقديره لقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] فكل ما تجري به الأقدار المقدرة في علم الله من أحوال الناس من المنافع أو المضار والمكاره أو المسار والحوادث والأحداث والصحة والمرض والخصب والجدب والخير والشر والسعادة والشقاوة والحياة والموت وغير ذلك كلها تجري بقضاء الله وتقديره وإرادته.
ونوًمن بأسماء الله الحسنى، وصفاته العليا كما وصف تعالى نفسه في كتابه العزيز، وعلى لسان رسوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فلا سمي ولا كفؤ ولا ند له ولا يقاس بخلقه، تعالى وتقدس، وهو أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلًا وأحسن حديثًا، وهو تعالى ذو الكمال المطلق من جميع الوجوه.
ونؤمن أن القرآن العظيم كلام الله تكلم به حقيقة وأنه منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] وقال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] وقال: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤]
стр. 63
ونؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة من أحوال الناس بعد الموت وبنعيم القبر للمؤمنين وعذابه للمجرمين يوم يقوم الناس لرب العالمين.
ونؤمن بحوض النبي ﷺ ترد عليه أمته أهل السنة والجماعة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا، وأن الصراط منصوب على متن جهنم يمر عليه الناس على قدر أعمالهم الصالحة.
ونؤمن بشفاعة نبينا محمد ﷺ في الآخرة وهو أول شافع ومشفع بعد الإذن لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهو تعالى يرضى عن أهل التوحيد ويأذن بالشفاعة لهم، وأما المشركون فليس لهم من شفاعته نصيب لقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] اللهم شفع فينا نبينا محمدًا ﷺ واختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين، اللهم اجعلنا من حزبك المفلحين وأوليائك المقربين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 64
[الاستجابة لله ولرسوله وأثرها]
الاستجابة لله ولرسوله وأثرها الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أعدّ الجنة بمقتضى فضله وكرمه لعباده المؤمنين، وأعدّ النار بمقتضى عدله وحكمته للعصاة والكافرين، أحمده سبحانه لا أحصي ثناءً عليه وأستغفره، وأتوب إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله وأصلى وأسلم على أفضل خلقه محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وكل من دعا بدعوته صلاة وسلامًا دائمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول الله جلت قدرته وتعالت أسماؤه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] عباد الله: في هذه الآية الكريمة ينادي الله عباده المؤمنين بأجلّ الأسماء وأحبها إليهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يناديهم مذكرًا لهم ما اتصفوا به من إيمان وما تحلّوا به من فضائل من لازمها وطابع المتحلّي بها أن يستجيب لأمر الله طائعًا رغبًا ورهبًا، فيقول سبحانه: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤] أي أطيعوا الله واستقيموا واثبتوا على شرع الله وما جاءكم به رسول الله مهما كانت الأحوال أو قست الظروف إذا دعاكم الله ورسوله لما يحييكم.
والذي به حياتنا ودعينا إلى الاستجابة له والانقياد هو الإيمان، هو السنة والقرآن، هو الحق. وهذا إخبار صادق ووعد من قادر على الوفاء لا
стр. 65
يخلف الميعاد بأن المستجيب للحق سيحيا حياة طيبة، حياة عزّ وعمل: نعم، سيحيا يتلألأ له نوره وضاءً في الدنيا بنور البصيرة وسكنى القلوب، وبقاء الذكر والثناء الجميل، وفي الآخرة سيحيا حياة الخلود ونعم الحياة ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣١]
فاتقوا الله- أيها المسلمون- واستجيبوا لله ولرسوله بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، في العسر واليسر والمنشط والمكره وأثرة عليكم؛ استجِيبوا لله ولرسوله بإقامة الحدود: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] بإقامة العدل في أرض الله وبين عباده كل بحسبه وبقدر ما وَلِيَ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] بإقامة الجهاد عسكريًا وثقافيًا. . فعدّوكم أيها المسلمون إن لم تغزوه غزاكم، وفي غزوه لكم عسكريًا قضاء على الحياة الحسيّة، وفي غزوه ثقافيًا قضاء على الروح المعنوية- عياذًا بالله- فاستجيبوا لله ولرسوله، فليس ثم لمن لا يستجيب إلا العار في الدنيا والنار في الآخرة، ولا جرم فلئن كانت الاستجابة لله ولرسوله نورًا فإن عدمها لظلام، لئن كانت الاستجابة حياةً فإن عدمها لموت؟ لئن كانت الاستجابة لله ولرسوله عزًا وعلوًا فإن عدمها لذل وهوان ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]
عباد الله: إن الحاكم العدل الرءوف بعباده آذننا من هذه الآية بأنه أملك لقلوب العباد منهم، يقلّبها كيف يشاء ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]
стр. 66
روى البخاري عن عائشة قالت: «كانت يمين رسول الله: لا ومقلب القلوب» ، وفي هذا الإيذان منه تعالى بأنه أملك لقلوبنا منا إثر الأمر لنا بالاستجابة: إنذار وتحذير من التولي عن شرع الله وعدم الاستجابة له ولرسوله، وإعلام بأن عدم الانقياد وعدم الاستجابة من عوامل الحيلولة بين المسلم والاستقامة؛ بينه وبين معالم الحق، بينه وبين ما يشتهى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] فاتقوا الله عباد الله وراقبوه فإن مصيركم ومرجعكم إليه تعالى، وسيجازى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، فإما جنة عرضها السموات والأرض أعدّت لمن استجاب وإما نار تلظى وعذاب أليم وسوء حساب لمن لا يستجيب.
يقول سبحانه وقوله الحق ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [الرعد: ١٨]
أقول قولي هذا، وأسأل الله سبحانه أن يمنّ علينا بالاستجابة له ولرسوله، وبالثبات على ما يرضيه إلى أن نلقاه تعالى، وأن يغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، إنه غفور رحيم (١) .
стр. 67
[وجوب تقديم محبة الله ورسوله على ما سواهما]
وجوب تقديم محبة الله ورسوله على ما سواهما الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين وصلوات الله وسلامه على خاتم المرسلين أحمده سبحانه وأتوب إليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحابته إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها المسلمون إنه لا يخفى على كل ذي لب أن الله تعالى قد ذم من كره ما أحبه وأحب ما كرهه تعالى، قال تعالى: ﴿كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨] فالواجب إذًا على كل مسلم عاقل موفق أن يحب ما أحبه الله ورسوله ويكره ما كرهه الله ورسوله لتحصل له السعادة والفوز الكبير ولا شك أن الإنسان لا يؤمن إيمانًا قويًا صحيحًا حتى يحب ما أحبه الله ورسوله ويبغض ما أبغضه الله ورسوله ولا يكون المؤمن مؤمنًا حقًا حتى يقدم محبة الرسول ﷺ على محبة جميع الخلق بل على محبة الأهل والولد والناس أجمعين، ولهذا جاء في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين» ، ثم إن المحبة الصحيحة الصادقة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات وبغض المكروهات، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]
стр. 68
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] والسبب في نزول هذه الآية الكريمة أن أصحاب النبي ﷺ قالوا يا رسول الله إنا نحب ربنا حبًا شديدًا. فأحب الله أن يجعل لحبه علمًا فأنزل تعالى هذه الآية، وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» فمن أحب الله ورسوله محبة صحيحة صادقة من قلبه أوجب له ذلك بقلبه أن يحب ما يحبه الله ورسوله ويكره ما يكرهه الله ورسوله وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض فإن عمل بجوارحه شيئًا يخالف ذلك دل على عدم محبته الواجبة فعليه أن يستغفر الله ويتوب إليه من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة.
عباد الله: اعلموا أن جميع المعاصي إنما تنشأ من تقديم هوى الإنسان ونفسه على محبة الله ورسوله وكذلك البدع كلها إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع الشريف فكذلك المعاصي إنما تقع من تقديم الهوى على محبة الله ورسوله ومحبة ما يحبه ومن كان حبه وبغضه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه كان ذلك نقصًا في إيمانه الواجب فيجب عليه التوبة من ذلك والرجوع إلى سنة الرسول صلوات الله وسلامه عليه من تقديم محبة الله ورسوله وما فيه رضاء الله ورسوله على هوى النفس ومراداتها فيجب على كل مؤمن صادق الإيمان محبة الله ومحبة من يحبه من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين
стр. 69
والشهداء والصالحين عمومًا ولهذا جاء أن من علامات وجود حلاوة الإيمان أن يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] أستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين والمسلمات من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم (١) .
стр. 70
[وجوب تحكيم أمر رسوله ﷺ ]
وجوب تحكيم أمر رسوله ﷺ الحمد لله باعث الرسل بآياته، المبين الحلال من الحرام. . المتفضل على عباده بجزيل الإنعام. . الذي أحل لنا الطيبات وحرم الحرام على أيدي رسله وأنبيائه الكرام. . أحمده على ما أنعم به علينا من النعم الجسام. . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك القدوس السلام. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أكرم من صلى وصام. وطاف بالبيت العتيق ووقف بالمشعر الحرام. . صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الكرام عدد ما جلى النهار الظلام.
أما بعد: فيا عباد الله. . اعلموا رحمني الله وإياكم أن الدين مرجعه إلى الله سبحانه. . فهو الحاكم فيه وقد أرسل بالهدى. . فهو الإمام الأعظم الذي لا يقبل الله إيمان الناس حتى يعرضوا أمر الدين عليه ويرجعوا في التحكيم إليه. . كما قال جل وعلا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وقال عز من قائل: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] فالله أقسم في كتابه العزيز بأنه لا يؤمن من لا يحكمه في كل ما تنازع فيه هو وغيره ثم يرضى بحكمه ولا يجد في نفسه حرجًا مما حكم به. . وأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار لنفسه شيئًا بعد أمر رسوله ﷺ . . إذا أمر فأمره حتم والله هو المتفرد بالخلق والاختيار من المخلوقات. . قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] فالطيب من كل شيء هو مختاره وأما خلقه فعام للنوعين وبهذا يُعلم عنوان السعادة للعبد وشقاوته. . فإن الطيب لا يناسبه إلا الطيب ولا يألف من الأعمال إلا طيبها. .
стр. 71
فهو يعبد الله وحده لا شريك له بعبادته ويؤثر مرضاته على هوى نفسه ويحسن إلى خلقه ما استطاع فيعاملهم. مما يحب أن يعاملوه به وله من الأخلاق أطيبها كالحلم والوقار والرحمة والصبر والوفاء وسهولة الجانب والصدق وسلامة الصدر من الغل والغش والحقد والحسد والتواضع لأهل الإيمان والعزة. . والغلظة على أعداء الله ولا يختار من المطاعم إلا أطيبها وهو الحلال الهني الذي يغذي به البدن والروح أحسن تغذية ولا يختار من الأصحاب إلا الطيبين ويكون مثواه طيبًا. . فهذا ممن قال الله فيهم ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] فالله جعل الخبيثات للخبيثين. . والخبيثون للخبيثات. . والطيبات للطيبين. . والطيبون للطيبات. . فالكلمات والأعمال. . والنساء الطيبات لمناسبيها من الطيبين. . والكلمات والأعمال والنساء الخبيثات لمناسبيها من الخبيثين. . وجعل الخبيث بحذافيره في النار. . وجعل الطيب بحذافيره في الجنة. . وجعل الدور ثلاثًا دارًا أخلصت للطيبين، وهي حرام على غير الطيبين وهي الجنة، ودارا أخلصت للخبيثين والخبيثات ولا يدخلها إلا الخبيثون وهي النار، ودارًا امتزج فيها الطيب والخبيث وخلط بينهما وهي هذه الدنيا وبهذا الابتلاء والمحنة وهذا كله بموجب الحكمة الإلهية فإذا كان يوم المعاد ميز الله الخبيث من الطيب فجعل الطيب وأهله على حدة لا يخالطهم غيرهم. . وجعل الخبيث وأهله على حدة لا يخالطهم غيرهم. فعاد الأمر إلى دارين. . الجنة وهي دار الطيبين والنار وهي دار الخبيثين. . فأنشأ من أعمال الفريقين ثوابهم وعقابهم فجعل طيبات أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم هي عين نعيمهم ولذاتهم فأنشأ لهم منها أكمل أسباب النعيم والسرور وجعل خبيثات أقوال الآخرين وأعمالهم وأخلاقهم هي عين عذابهم وآلامهم فأنشأ لهم منها أعظم
стр. 72
أسباب العقاب والشقاوة وآلام العذاب. . فالله سبحانه جعل للسعادة والشقاوة عنوانًا يُعرفان به. . فالخبيث يتفجر من قلبه الخبث على لسانه وجوارحه. . والطيب يتفجر من قلبه الطيب على لسانه وجوارحه. . وقد يكون في الشخص مادتان فأيهما غلب عليه كان من أهله. فإذا أراد الله بالعبد خيرا طهره من المادة الخبيثة قبل الوفاة فيوافي ربه يوم القيامة مطهرًا فلا يحتاج إلى تطهيره بالنار فيطهره منها ما يوفق له من التوبة والحسنات والمصائب المكفرة حتى يلقى الله. . وما عليه خطيئة، ويمسك عن الآخر مواد التطهير فيلقاه يوم القيامة بمادة خبيثة ومادة طيبة وحكمة الله تأبى أن يجاوره أحد في داره بخباثته فيدخله النار طهرة له وتصفية. . ولما كان المؤمن الطيب المطهر مبرأ من الخبائث كانت النار حرامًا عليه. . فيا عباد الله تمسكوا بهدى نبيكم ﷺ واجعلوه أسوتكم وإمامكم في كل ما تعملون من أفعال وأقوال ولا تميلوا إلى اتباع النفس والهوى والشيطان فإنكم في دار ابتلاء وامتحان فطاعة الرسول طاعة لله. . والرسول يأمرنا بأمر الله يبين لنا الحلال من الحرام. . وينهانا عن الانحراف واتباع الأهواء والضلال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم (١) .
стр. 73
[أركان الإسلام الخمسة]
أركان الإسلام الخمسة الحمد لله رب العالمين ولي جميع الخلق بنعمه فهو المعبود بحق، إياك نعبد وإياك نستعين، أحمدك اللهم وأشكرك وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أهل العلم والهدى أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] يأمر الله عباده المؤمنين بأن يعبدوه وحده، بأن يركعوا ويسجدوا له وحده، يأمرهم بأن يفعلوا الخير لعلهم يرشدون. فعل الخير هذا يا عباد الله فيه الأمر بالمعروف، فيه النهي عن المنكر، فيه العبادة والتوحيد لله سبحانه، فيه البر والإحسان، فيه النصح وهداية العباد وإرشادهم إلى صلاحهم وسعادتهم. كل ذلك يا عباد الله يأمرنا الله به ويرضاه لنا ويجازي عليه ويثيب من عمل به.
عباد الله: بني الإسلام على أركان خمسة لا يكون الإنسان مسلمًا إلا إذا أقر بها وأداها كاملة بإيمان صادق وإخلاص. هذه القواعد الخمس أيها المسلمون: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه السبيل. فشهادة أن لا إله إلا الله تعني لا معبود بحق إلا الله. هي توجب أداء العبادات لله وحده، فلا دعاء ولا خضوع ولا خشوع إلا لله وحده، ولا استعانة ولا استغاثة إلا بالله وحده.
стр. 74
لا خوف ولا رجاء إلا من الله وحده، لا يجوز ولا يصح صرف شيء من ذلك لغير الله كائنًا من كان وإلا فالشهادة غير نافعة، وشهادة أن محمدًا رسول الله: طاعته في أمره حين يأمر، وترك نهيه حين ينهى، وتحكيم. شريعته، وقبول حكمه والرضى به: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] الصلوات الخمس في اليوم والليلة: فرائض الله آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين. أداؤها بإخلاص شرط لصحتها، وهي مقبولة إذا أديت كاملة بإيمان وخشوع وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر إذا أقيمت في أوقاتها في بيوت الله وإلا لم تكن صلاة مقبولة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وزكاة المال ركن الدين إذا أخرجت عن طيب نفس طهَّرت النفس وزكَّتها وزكت المال ونمته. أداؤها يبعد المسلم عن رذيلة الشح والبخل، وهي حق للفقراء والمساكين من المسلمين، جزء قليل من المال لا ينقصه، ومتى أخرج عن إيمان وإخلاص، طيبة به نفس المخرج وأعطي لمستحقه وأصحابه من الفقراء والمساكين وبقية المستحقين للزكاة إن وجدوا: تطيب نفوسهم بذلك وترضى وتطمئن، وتطهر نفس المزكي وينمو ماله ويحفظ من الآفات. زكاة الجاه لمن أعطاه الله جاهًا لها أهميتها ووزنها عند الله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] ويقول رسول الله ﷺ : «اشفعوا تؤجروا» فاتقوا الله عباد الله في ذلك وأخلصوا له النية والعمل. صوم شهر رمضان فريضة الله عليكم، وأعمال العباد لهم إلا الصوم فإنه لله وهو سبحانه يتقبله من عباده المؤمنين ويثيبهم عليه والله عنده حسن
стр. 75
الثواب. يدع الإنسان طعامه وشرابه، يمنع نفسه من الشهوات تقربًا إلى ربه وامتثالًا لأمره يرجو رحمته وعفوه وبره. والصوم يا عباد الله مع ذلك إمساك للجوارح عن ارتكاب الآثام، فصوم اليد إمساكها عن الإيذاء وتناول المحرمات، وصوم الرجل إمساكها عن السعي إلى الفساد والسعي إلى كل ما يغضب الله، وصوم اللسان إمساكه عن كل منكر ولغو وزور وغيبة، وصوم الأذن عدم الإصغاء إلى الإفك وعدم استماع الأكاذيب والنميمة والغناء والمزامير، وصوم العين عدم النظر إلى المحرمات عمومًا خاصة النساء الأجانب والتطلع إلى الأسرار والعورات وفي ذلك كله يقول رسول الله ﷺ : «إنما الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل» .
أيها المسلمون: شهر رمضان خصه الله بالخير والبركة والإحسان، أنزل فيه القرآن هدى للناس ورحمة، وفرض صيامه وسن قيامه رسول الله ﷺ . قال ﷺ : «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» .
عباد الله: افعلوا الخير، واعملوا الصالحات، وتعرّضوا لنفحات ربكم فإن لربكم في أيام دهركم نفحات. اسألوه المغفرة والهداية والتوفيق: أن يحفظ عليكم إسلامكم ويظهره على الدين كله ويمكن لأهله وحماته. اللهم اجعلنا من الفائزين بالمغفرة والعتق من النار (١) .