← Тараджим

Тараджим · id 30930

دعوة الشيخ محمد عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي

محمد السلمان

Полный текст (108 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[تصدير] دعوة الشيخ محمد عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تصدير الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه. . وبعد: فإن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية تعد - في تاريخنا الإسلامي الحديث - أبرز دعوة كان لها أعظم المعطيات والآثار في عالمنا الإسلامي حتى الوقت الحاضر. ومع كثرة الكتابات والبحوث والمؤلفات عن هذه الدعوة وصاحبها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فإن البحث الجديد لا يزال يجد له مكانا بين أحضانها، وكثير من جوانبها الإصلاحية لا تزال بكرا يتطلع إلى أقلام الباحثين ودراساتهم وكلما تطورت تلك الدراسات ومفاهيمها، واتسمت بالعمق والبحث العلمي المنهجي، ظهرت لنا أسرار جديدة عن مكانة هذه الدعوة وأهميتها في تاريخنا الإسلامي ككل، ودورها الكبير في إنارة عقول الأمة الإسلامية لمدة أربت على القرنين من الزمان. لقد ظهرت دراسات ومؤلفات كثيرة عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته إلا أن أغلبها تركز على الجانب التاريخي للدعوة بحيث إن القارئ لا يخرج بنتيجة نافعة عن هذه الدعوة حتى في جانبها التاريخي، فما بالك في جوانبها الأخرى القائمة على إيضاح مبادئها كما شرحها صاحب الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من علماء الدعوة. وكذلك إيضاح أثرها وانتشارها في العالم الإسلامي، وإذا ما أوردوا هذين الجانبين من دراسة دعوة الشيخ جاء إشارة خاطفة أو إيجازا مخلا. ولا يعني هذا أن أغمط بعض الدراسات والمؤلفات عن دعوة الشيخ حقها، فلقد أثبت بعضها جودته وأصالته وعمقه، ولكني رأيت أن أسهم بهذا الجهد المتواضع في هذا الكتاب عن " دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب "، والذي أرجو

стр. 2

أن يكون وافيا - ولو بقدر - للصورة التي يجب أن يعرفها مجتمعنا الإسلامي المثقف - وغيره - عن هذه الدعوة المباركة. وهذا الكتاب الذي أقدمه إلى القارئ الكريم يرجع في الحقيقة إلى محاضرات كنت قد ألقيتها عن تاريخ " دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب " على طلاب مرحلة البكالوريوس بقسم التاريخ في كلية العلوم الاجتماعية بالرياض والقصيم بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فتجمعت لدي بعض المعالم العلمية عن تلك الدعوة، رأيت أن أفرغها في هذا الكتاب. لقد قسمت الكتاب إلى ثلاثة فصول رئيسية: فالفصل الأول: يبحث في تاريخ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، شمل وصفا للحالتين السياسية والدينية للعالم الإسلامي في عصر الشيخ , ثم الحالة السياسية والدينية لنجد قبل دعوة الشيخ، أعقبتها بترجمة موجزة لحياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب شملت نشأته ورحلاته العلمية ومراحل دعوته. أما الفصل الثاني: فقد خصصته للحديث عن مبادئ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالتفصيل والمصادر الأصلية لهذه الدعوة، مع إيضاح هدف الدعوة وحقيقتها. أما الفصل الثالث: فيبحث في انتشار الدعوة وأثرها في العالم الإسلامي حيث تحدثت عن عوامل انتشار الدعوة، ثم انتشارها في أرجاء العالم الإسلامي والحركات والدعوات التي تأثرت بها سواء في آسيا أو أفريقيا ثم تقويم عام لذلك الانتشار. أما مصادر ومراجع الكتاب فقد حرصت أن تكون مصادر أصيلة خصوصا في مبحث مبادئ دعوة الشيخ، حيث اعتمدت على مؤلفات ورسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلماء دعوته، بالإضافة إلى مصادر ومراجع أخرى في باقي المباحث، وقد أثبتها في آخر الكتاب.

стр. 3

ولا يفوتني هنا إلا أن أتقدم بالشكر لوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد على نشرها هذا الكتاب في طبعته الثالثة منقحة، وأخص بالشكر معالي وزيرها الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ والمسؤولين في " إدارة الطباعة والنشر " بالوزارة، فجزى الله الجميع كل خير. وأخيرا , فإن هدفي من هذا الكتاب أن يفي بالغرض في إكمال الصورة الواضحة عن هذه الدعوة , فإن وفقت فمن الله، وإلا فإني أرحب بكل نقد علمي في هذا الصدد، ضارعا إلى الله المولى العلي القدير أن يصلح النية، وأن يختم لنا والمسلمين بالخير والتوفيق والسداد والعصمة من الزلل، وأن يجعل هذا في موازين أعمالنا يوم نلقاه. . إنه سميع مجيب، وعلى الله قصد السبيل. أ. د. محمد بن عبد الله السلمان عنيزة في ١٠ / ٥ / ١٤٢٠ هـ

стр. 4

[الفصل الأول تاريخ الدعوة] [حال العالم الإسلامي في عصر الشيخ] الفصل الأول تاريخ الدعوة حال العالم الإسلامي في عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب إن الباعث الأول والأخير على قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوته السلفية الإصلاحية هو: ما وصل إليه حال العالم الإسلامي في عصره من تدهور وانحطاط على كافة المستويات الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. ومما لا شك فيه أن التدهور الديني والسياسي هما العاملان القويان لدفع الشيخ محمد بن عبد الوهاب لقيامه بدعوته الإصلاحية، ومن هنا فإننا سنقصر حديثنا عن حال العالم الإسلامي في عصر الشيخ على هذين العاملين، مع الإشارة إلى أهم العوامل الأخرى , كما أننا سنركز الحديث بعد ذلك على إقليم نجد وحالته الدينية والسياسية قبل دعوة الشيخ فيه، ذلك الإقليم الذي منه نبعت الدعوة وفيه نشأ صاحبها وعاش. [الحالة السياسية] (أ) الحالة السياسية: كانت تتزعم العالم الإسلامي في مشرقه أثناء القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي) ثلاث دول عامة هامة هي: الدولة العثمانية: الدولة الصفوية في فارس، والدولة المغولية في الهند (١) . أما الدولة العثمانية: فقد وصلت إلى ذروة مجدها في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) ، ونظر إليها المسلمون بإعجاب وتقدير حينما وسعت فتوحاتها إلى أوروبا لنشر الإسلام (٢) ولكنها أخذت بعد ذلك تنخر فيها عوامل الضعف شيئا فشيئا حتى وصلت في القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر

стр. 5

الميلادي) إلى حالة سيئة من الضعف والركود السياسيين. فقد كان سلاطينها - في ذلك الوقت - من الضعف بمكان بحيث لم يكن لهم من أمر الدولة شيء (١) بل كان الأمر استبداديا بيد وزرائهم ورؤساء الجيش الإنكشاري الذين لا يعرفون من أمور السياسة شيئا، وفوق ذلك فقد كان سلاطينها في ذلك الوقت مع زعماء الدولة الآخرين قد اشتغلوا بالملذات والشهوات، وأهملوا شؤون الدولة، واهتم الكل بأموره الخاصة، وكان بعض الوزراء من عناصر أجنبية لا تهمهم مصلحة الدولة وعزها بقدر مصلحة أنفسهم (٢) . أما الولاة على أقاليم الدولة فقد ساءت إدارتهم، فهمهم الأكبر جمع الأموال من ولاياتهم على حساب شعوبها، مقابل ما بذلوه من رشاوي في سبيل حصولهم على إدارة هذه البلاد أو الولايات، لذلك لم يهتموا بتطوير ولاياتهم تلك، وإقامة الأمن والعدل (٣) فيها، كما أن الحاميات العسكرية التي توجد في هذه الولايات المختلفة كانت تحدث من الفوضى والنهب عند تأخر رواتبها الشيء الكثير، وهكذا تأخرت الزراعة والتجارة والحرف (٤) . ومما زاد حال الدولة سوءا التدهور العسكري الذي منيت به في ذلك العصر، فقد أخذت دول أوربا تتألب عليها من كل جانب، فقامت حروب بين الدولة العثمانية وبين دول (النمسا وروسيا وبولونية والبندقية) انتهت بمعاهدة " كارلوفتش " المشهورة في يناير عام ١١١٠ هـ (١٦٩٩ م) والتي حرمت الدولة من كثير من ممتلكاتها في أوربا (٥) وقد زادت هذه المعاهدة من أطماع دول أوربا في

стр. 6

أقاليم الدولة العثمانية، وظهر ما يسمى عند المؤرخين بـ (المسألة الشرقية) أي تقسيم ممتلكات الدولة العثمانية بين الدول الأوربية الطامعة، وهي مسألة تقوم على أساس الاستيلاء على البلاد الإسلامية باسم الاستعمار السياسي، وإخفاء ما ينطوي تحته من محاولة القضاء على الدين الإسلامي، لأنه هو الذي يقف في وجه هذه المحاولات الاستعمارية (١) . وكان من أهم مظاهر المسألة الشرقية في هذه المرحلة من الزمن الحملة الفرنسية على مصر والشام عام ١٢١٣ هـ (١٧٩٨ م) (٢) والتي نعتبرها - بحق - فاتحة الاستعمار في الشرق، كما أن الخطر البرتغالي الصليبي أخذ يتغلغل - قبل ذلك - في مناطق المحيط الهندي والجزء الجنوبي من البحر الأحمر (٣) . أما الدولة الصفوية في فارس: فهي التي أنشأها (إسماعيل بن صفي الدين) سنة ٩٠٦ هـ (١٥٠٠ م) واتخذ من مدينة (تبريز) عاصمة له، وقد اتسعت دولته فامتدت من الخليج العربي إلى بحر قزوين، وكانت هذه الدولة شيعية ذات عداء مع الدولة العثمانية السنية، وانتهت هذه الدولة سنة ١١٣٥ هـ (١٧٢٢ م) فخلفها أمراء من الأفغان حتى قضى عليهم (نادر شاه) سنة ١١٤٢ هـ (١٧٢٩ م) فنادى بنفسه ملكا، ثم أخذ يوسع أملاكه حتى امتدت دولته من الخليج العربي إلى بلاد الهند (٤) . وقد اهتم نادر شاه بقيادة جيشه وتنظيمه على النظم الحديثة، واستعان بالإنكليز على ذلك، ويقال إن نادر شاه حاول المؤاخاة بين أهل السنة والشيعة، وكان ذلك سبب مقتله بتدبير بعض أئمة المذهب الشيعي في بلاده سنة ١١٦٠ هـ (١٧٤٧ م) وبمقتله اضطرب أمر بلاد فارس واستمر هذا الاضطراب حتى قيام الدولة

стр. 7

القاجارية سنة ١٢٠٣ هـ (١٧٨٨ م) (١) . أما الدولة المغولية في الهند: فقد أنشأها (بابر شاه) من نسل تيمور لنك سنة ٩٠٩ هـ (١٥٠٥هـ) وخلفه ملوك أقوياء حتى جاء القرن الثاني عشر الهجري فاضطرب أمرها وطمع فيها أمراء الهندوس بدعم من شركة الهند الشرقية الإنكليزية , فأنجدها (نادر شاه) ملك فارس وعين (محمد شاه) ملكا على الهند تحت حمايته، وكان الأخير ضعيفا فاسقا، وخلفه ملوك أشد ضعفا، مما جعل البلاد مرتعا للحروب الداخلية، فانقسمت إلى ولايات مما سهل على شركة الهند الشرقية الإنكليزية الاستيلاء عليها ولاية بعد ولاية، ولم تلبث أن انتقلت سيادة هذه الولايات إلى الحكومة الإنكليزية سنة ١٢٧٤ هـ (١٨٥٦ م) (٢) . أما حال المسلمين على حدود العالم الإسلامي فلم تكن بأحسن من داخله , فقد تعرضت الإمارات الإسلامية على حدود روسيا القيصرية للضغط الحربي من جانب روسيا وخاصة إمارة التركستان الشرقية، حتى اضطر المسلمون هناك إلى قبول السيادة الروسية عليهم وذلك سنة ١١٤٤ هـ (١٧٣١ م) (٣) . . كما عانى المسلمون في الصين من اضطهاد أسرة (المانشو) الحاكمة هناك، فضيقت عليهم في دينهم، وحرمت عليهم ذبح البقر مما سبب انتقام المسلمين عدة مرات (٤) . أما المسلمون في (أندونيسيا) وما جاورها من جزر الهند الشرقية فقد كانوا على حالة من الضعف، فبالرغم من الانتشار الكبير للإسلام هناك عن طريق التجار المسلمين، إلا أن المسلمين هناك تفرقوا إلى إمارات صغيرة سهلت على الهولنديين والإنكليز غزوهم، وبالتالي استعمارهم في بلادهم (٥) .

стр. 8

تلك هي الحالة السياسية للعالم الإسلامي في مشرقه في عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب. أما المغرب الإسلامي: ففي الحقيقة لم تكن حالته السياسية بأحسن حظا من مشرقه، فقد كان العثمانيون قد استولوا على تونس والجزائر ومحوا دولتي (بني حفص وبني زيان) سنة ٩٦٤ هـ (١٥٥٦ م) بعدما كادت تقع في أيدي الأسبان، كما سقطت في مراكش دولة (بني وطاس) وقامت على أنقاضها (دولة السعديين) سنة ٩٥٦ هـ (١٥٤٩ م) ، وإذا كنا قد رأينا شيئا من الضعف السياسي للدولة العثمانية في هذا القرن (الثاني عشر الهجري) فلا شك أن هذا الضعف سينعكس على كافة ولاياتها ومنها تونس والجزائر مما جعلها لا تقوى على مقاومة حملات البرتغاليين والأسبان الحربية عليها، ومما زاد الطين بلة ضعف دولة السعديين هناك، فهي لم تكن من القوة بحيث تقف أمام هذه الحملات (١) إضافة إلى وجود فتن داخلية بين العرب والبربر وبين الإمارات التي تسكنها (الهوسا) المسلمة مع بعضها، وأخيرا بين قبائل الهوسا وقبائل الفولان (٢) . كل ذلك جعل هذه المنطقة من العالم الإسلامي ضعيفة لا تقوى حتى على الصمود في وجه الحملات الأوربية عليها. هذه لمحة موجزة عن حالة العالم الإسلامي السياسية في مشرقه ومغربه؛ وبالجملة فهي حالة سيئة تدل على ما يعانيه العالم الإسلامي في تلك الفترة من فساد سياسي عام (٣) وكان لهذا تأثير ملحوظ على الحالة الاقتصادية في العالم الإسلامي، فنتيجة لهذا التدهور انعدم الأمن والاستقرار فبارت التجارة بوارا شديدا، وأهملت الزراعة أيما إهمال (٤) هذا في الوقت الذي كانت دول أوربا تتجه نحو تقوية نفوذها على

стр. 9

حساب العالم الإسلامي الضعيف، وتهتم بتقوية جيوشها وتطور علومها واختراعاتها , فوصلت إلى قوة الكهرباء والبخار (١) . وبالرغم من هذا التدهور في العالم الإسلامي فإن الشعوب الإسلامية لا تخلو ممن توجد عنده الرغبة في إصلاح هذا الفساد (٢) ولكن الرغبة وحدها لا تكفي فلا بد من العمل المتواصل الهادف البناء. [الحالة الدينية] (ب) الحالة الدينية: ونعني بالحالة الدينية حالة العقيدة الإسلامية في نفوس أتباعها، ومدى تمسكهم في أسسها الصحيحة، ولما كان الإسلام عقيدة ومنهج حياة، وكانت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - تبعا للإسلام - دعوة دينية سياسية معا، لما كان الأمر كذلك، كان الأولى أن نتكلم عن الحالتين الدينية والسياسية معا دون فاصل ولكننا آثرنا الفصل حصرا للموضوع ولناحية تنظيمية بحتة. والواقع أن انحطاط الحياة الدينية لدى المسلمين لم يكن وليد هذا العصر فحسب، وإنما يسبقه بعدة قرون حينما دخل بالإسلام في الظاهر عناصر من أصحاب الملل والحضارات السابقة التي قضى عليها المسلمون في عصورهم الزاهرة , وقد استهدفت هذه العناصر من دخولها في الإسلام الكيد له والدس عليه، فنشأت بذلك الفرق والمذاهب الدينية المختلفة، ووضعت الأحاديث المكذوبة لنصرة آرائها ومذاهبها، ثم كان لاحتكاك المسلمين بالصليبيين في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) ثم المغول بعد ذلك - أثر في ظهور بعض الوثنيات تمثلت في تأليه الأولياء والصالحين وفي تقليد النصارى في بعض الطقوس الدينية، بالإضافة إلى انتشار الفوضى والجهل والاستهانة بالدين والحرمات (٣) . وعندما دخلت الدولة العثمانية دور الانحطاط في القرن الثاني عشر الهجري

стр. 10

كما سبق ازدادت الحالة الدينية سوءا بين المسلمين، ومما زاد في ذلك جمود علماء المسلمين في تلك الفترة، وتمسكهم بالقديم أيا كان خاصة علماء الآستانة وعلماء الأزهر، وقد شجعهم على هذا كره أصحاب السلطة في تلك الفترة للإصلاح أيا كان نوعه، وكثيرا ما يعدون صاحبه كافرا، كما فعلت الدولة العثمانية مع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب حينما عدت دعوته وحركته الإصلاحية خارجة عن الدين (١) وبعكس ذلك أطلق أصحاب السلطة العنان لأهل البدع والمتصوفين والبلهاء حتى علا شأنهم عند العامة واعتقدوا فيهم الولاية. يقول عبد المتعال الصعيدي: " كان الأبله محمد بن أبي بكر المغربي الطرابلسي المتوفى سنة ١٢٠١ هـ (١٧٨٦ م) ممن يعتقد فيهم الولاية، وكان يحب مجالس الشراب , ويتهافت على مجلسه النساء، ومع ذلك كان أهل الفضل من العلماء وغيرهم يحترمونه , وينقلون عنه أخبارا حسنة، وكان الولاة لا يردون له شفاعة "، ثم أورد مثالا آخر في هذا الصدد فقال: " وكان الشيخ البكري المتوفى سنة ١٢٠٧هـ (١٧٩٢ م) في أول أمره أبله، يمشي في الشوارع مكشوف الرأس والسوأتين، فاعتقد أهل مصر فيه الولاية، كما هي عادتهم في كل أبله. . وصاروا ينسبون له الكرامات " (٢) . ، ويورد المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في تاريخه قصة العنزة التي ادعى كبير خدام المشهد النفيسي بمصر أن السيدة نفيسة أوصت بها خيرا، فنسب الناس إليها الكرامات، وأرسلوا لها الهدايا الثمينة (٣) . وكان لأصحاب الطرق الصوفية منزلة عظيمة عند العامة وأصحاب السلطة فنشروا بذلك بدعهم بين الناس، كاتخاذهم مغنيين وطبول، وأعلام وسبح كبيرة ورفع الصوت بالذكر والغناء وتعظيم شيخ الطريقة وتقبيل أياديه والتبرك به وغير ذلك من أنواع البدع التي وقعت فيها الطرق الصوفية، وكان انتشار نفوذ

стр. 11

المتصوفين بدعم من السلطة المركزية، بل من فقهاء المسلمين أنفسهم , ووصل قوة نفوذ أصحاب الطرق الصوفية أن تولى عدد منهم مشيخة الأزهر فترة من الوقت (١) . هذا إلى جانب ما كان منتشرا بين عامة الناس في كافة أرجاء الدولة العثمانية وفي غيرها من بقاع المسلمين من بدع أصابت عقيدة التوحيد في الصميم، فقد انتشرت في البلاد المختلفة قبور الأولياء والصالحين التي بنيت عليها القباب والتي يتجه إليها الناس بأشياء لا يجوز صرفها إلا لله تعالى؛ كالدعاء والاستغاثة والذبح والنذر والشفاعة ونحوها، وكثيرا ما كانت تقام عند هذه القبور المنكرات والمفاسد وقد انتشرت هذه القبور في أرجاء مختلفة من أقاليم الدولة العثمانية بدعم من السلطة المركزية نفسها. * ففي الحجاز: يوجد في المدينة المنورة قبر حمزة وشهداء أحد، إضافة إلى ما يفعله الزائر لقبر النبي ﷺ من الأمور الشركية من دعائه والسجود له، وفي جدة ومكة يوجد قبر خديجة ﵂ وقبر أبي طالب، وفي الطائف يوجد قبر عبد الله بن عباس. * أما في اليمن: فتوجد قبور يتبرك العوام بها في اللحية والحديدة ونجران، وفي حضرموت والشحر ويافع وعدن. * وفي الشام: توجد قبور في دمشق وحلب وأقصى الشام. * وفي العراق: يوجد قبر أبي حنيفة، ومعروف الكرخي، والشيخ عبد القادر، وكذلك ما يفعله الشيعة عند مشهد علي بن أبي طالب ﵁ في النجف، ومشهد الحسين والكاظم في كربلاء. * أما في مصر: فيوجد قبر أحمد البدوي المشهور، وكذلك القبر المنسوب إلى الحسين في القاهرة وغيره من القبور التي يأتيها الناس هناك فيستغيثون بها

стр. 12

ويسألونها قضاء حاجاتهم وتفريج كرباتهم (١) . وعلى العموم انتشرت الأضرحة والقبور في كل مكان وفي كل مدينة في العالم الإسلامي، ولم يكتفوا بذلك بل عادوا إلى الجاهلية الأولى فقدسوا الجماد والنبات (٢) بل وصلت الحال في عُبَّاد القبور إلى أن علماءهم أخذوا يضعون الكتب لهؤلاء العامة لبيان كيفية الحج إلى هذه القبور وإقامة البدع عندها وسموها بأسماء " مناسك حج المشاهد والاستغاثة بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام ونحو ذلك " (٣) . ومن البدع التي أساءت إلى الحياة الدينية عند المسلمين بدعة المحمل، فقد اعتاد الأتراك العثمانيون أن يرسلوا إلى مكة - عن طريق ولاتهم - محملا وهو جمل ينصب عليه هودج يحمل الكسوة للكعبة المشرفة، ويزين بأنواع الزينة ويأتي إلى مكة في موكب من الطبول والمزامير، ويقوم بعض الناس بالتمسح به، وتقبيله زيادة في تعظيمه , وجعلوا ذلك كله كالسنة المتبعة المفروضة، بل توهم بعض العامة أن المحمل جزء من فريضة الحج. ومن البدع الأخرى بدعة الاحتفال بمولد النبي ﷺ ، وما يقع فيها من الأمور البدعية البعيدة عن جوهر الإسلام الصحيح (٤) . وبهذا كله نرى كيف ضاعت عناية الأتراك العثمانيين بدين الإسلام في هذه الأمور البدعية وما شابهها، دون الاهتمام بما هو أهم وأولى وذلك بالحرص على غرس الإسلام الصحيح في نفوس أتباعه، يقول محمد حامد الفقي: " كانت عنايتهم - أي الأتراك العثمانيين - بالدين منصرفة إلى زخرفة المساجد، وتزويق المصاحف، وتجديد كتابة الدلائل والبردة، ونحو ذلك " (٥) .

стр. 13

والحقيقة أن انتشار هذه البدع في الدين لم يكن قاصرا على أقاليم الدولة العثمانية فحسب، بل شملت المناطق الإسلامية الأخرى، فبجانب بدعة إقامة القباب على قبور الأولياء والتبرك فيها تنتشر في تلك المناطق الإسلامية الطرق الصوفية ببدعها المختلفة، ففي المغرب الإسلامي وغرب أفريقيا تنتشر بين القبائل الإسلامية هناك الطريقة التيجانية (١) وفي مسلمي التركستان المجاورة لروسيا انتشرت بينهم الطريقة النقشبندية، أما مسلمو الهند وأندونيسيا فانتشرت فيهما طرق صوفية متعددة أهمها النقشبندية والششينية وغيرها (٢) . ونختم حديثنا في هذا الصدد بهذا التصوير عن حالة العالم الإسلامي الدينية في تلك الفترة للعالم الأمريكي (لوثروب ستودارد) حيث قال: " وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس سجفا من الخرافات وقشور الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات وكثر عديد الأدعياء الجهلاء. . يوهمون الناس بالباطل والشبهات , ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور ". . إلى أن قال: " وعلى الجملة فقد بدل المسلمون غير المسلمين , وهبطوا مهبطا بعيد القرار، فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر ورأى ما كان يدهي الإسلام لغضب وأطلق اللعنة على من استحقها من المسلمين، كما يلعن المرتدون وعبدة الأوثان " (٣) .

стр. 14

[حال نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب] [الحالة السياسية] حال نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (أ) الحالة السياسية: في القرن الثالث الهجري قامت في منطقة نجد دولة مستقلة عن دولة الخلافة العباسية يطلق عليها " الدولة الأخيضرية " التي أسسها (محمد الأخيضر) سنة ٢٥٣ هـ (٨٦٧ م) ، واستمرت حتى منتصف القرن الخامس الهجري حيث سقطت تلك الدولة (١) وبسقوطها أصبحت بلاد نجد مجزأة إلى إمارات صغيرة يرتبط بعضها بالدويلات التي قامت في منطقة الأحساء ومنها الدولة العيونية (من سنة ٤٦٧ هـ -٧٥٠ هـ تقريبا) ، ودولة بني عامر بن عقيل (من ٧٥٠ هـ - ٩٣٢ هـ) ، ثم دولة بني خالد التي قامت عام ١٠٨٠ هـ (٢) . وكان الأتراك العثمانيون قد استولوا على منطقة الأحساء سنة ٩٦٣ هـ وفي أثناء حكمهم للمنطقة لم يتعرضوا لإقليم نجد من قريب ولا من بعيد، ولذلك لم تشهد منطقة نجد خلال تلك الفترة ولاة عثمانيين، ولا حامية تركية تجوب خلال دياره (٣) ذلك أن الدولة العثمانية لم تكن سياستها في ذلك الوقت تهتم بإخضاع نجد لحكمها، وكل ما يهمها هو الحجاز حيث الأماكن المقدسة الإسلامية، بالإضافة إلى السواحل الغربية والشرقية للجزيرة العربية خصوصا بعد أن تعرضت هذه السواحل لحملات البرتغاليين في أثناء القرن الخامس عشر الميلادي (٤) . وقد استمر العثمانيون يحكمون منطقة الأحساء حتى دخلت الدولة العثمانية فترة انحطاط في عهد السلطان (محمد خان الرابع) في العقد السابع من القرن الحادي عشر الهجري، فتمكن (بنو خالد) بزعامة (براك بن غرير آل حميد) من إجلاء الحامية

стр. 15

التركية والاستيلاء على الأحساء سنة ١٠٨٠هـ (١٦٦٩م) وفي أوج قوة بني خالد استطاعوا مد نفوذهم إلى الكويت وبعض بلاد نجد (١) . والواقع أنه منذ القرن الخامس الهجري أصبحت بلاد نجد مقسمة إلى إمارات صغيرة متفرقة متنازعة، وإذا كان بعض هذه الإمارات خاضعا للدويلات التي قامت في منطقة الأحساء فإن من يطلع على تاريخ نجد في تلك الفترة - على اختصاره - " تواجهه حقيقة مرعبة، وهي أن القوم كانوا في عراك مستمر ومرابطة دائمة، وثأر لا ينقطع، يتربص بعضهم ببعض الدوائر، ويتحين أهل كل قرية الفرصة للإيقاع بأهل القرية الأخرى، وقد ذهب في هذه الحروب - على صغر حجمها ولكن مع كثرة تكرارها - أعداد كبيرة، وليس من غير المتكرر أن تجد أن الجد قد قُتل في عراك قُتل فيه ابنه بعد عشرين عاما , وحفيده بعد عشرين أخرى وهكذا. . وأن تجد عائلة تخرج من الحكم ثم تعود وتخرج مخرجها مع خسائر في الأنفس في كلا الحالتين، هذا رغم أن هذه العائلات المتعادية قد تلتقي في نسبها في جد ليس بالبعيد كثيرا " (٢) . لقد كانت هذه الإمارات والقرى لا تعرف السكينة والأمن والحرية إلا قليلا، ففي الحرب يقتل أبناؤها، ويدمر بناؤها، ويحرق نخيلها، ويتلف زرعها، وفي فترات السلم يحبس الناس في بلدانهم فلا يستطيعون الابتعاد عنها إلا بمغامرة، فبداوة تسلب وتنهب وتقتل وتفرض على المدن المتفرقة الإتاوة، وتهدد سلامتها، وتقطع طرقها , فكانت إمارات نجد في تلك الفترة تجسيدا لقصة ملوك الطوائف في الأندلس (٣) . ولتوضيح ذلك سنورد الآن ثلاثة نصوص كأنموذج لما تزخر به مصادر تلك الفترة في تاريخ نجد من الحوادث المفجعة، والأخبار المؤلمة، وهي من بعض مؤرخي تلك الفترة:

стр. 16

أولا: يقول الشيخ أحمد المنقور في تاريخه: " وفيها - أي سنة ثمان وتسعين وألف للهجرة - قتل أحمد بن علي راعي المجمعة، ثم آل دهيش في المجمعة بعده، ثم علي بن سليمان بعدهم، ثم علي بن محمد عندنا، وسطوة آل محدث على الزلفى، وقتل فوزان بن زامل في الزلفى " (١) . ثانيا: يقول المؤرخ عثمان بن بشر في تاريخه: " وفي سنة عشرين ومائة وألف قُتل سلطان بن حمد القبس رئيس الدرعية وتولى بعده أخوه عبد الله ثم قتل، وفيها قتل حسين بن نفير صاحب التويم البلد المعروف في ناحية سدير قتله ابن عمه فايز بن محمد وتولى بعده في التويم، ثم إن أهل حرمة ساروا إلى التويم وقتلوا فايز المذكور وجعلوا في البلد فوزان. . ثم غدر ناصر بن حمد في فوزان فقتله، فتولى في التويم محمد بن فوزان فتمالأ عليه رجال فقتلوه منهم المفرع وغيره من رؤساء البلد وهم أربعة رجال، فلم تستقر ولاية لأحدهم، فقسموا البلد أرباعا كل واحد شاخ في ربعها فسموها المربوعة أكثر من سنة " (٢) . ثالثا: يقول صاحب كتاب (لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب) ما نصه: " لا هناك رئيس قاهر يردع الظالم وينصر المظلوم، بل كان كل من الحكام حاكم بلده. . والبداوة إذا قبائل شتى. . فكان البدو يتحاكمون في قصصهم وحوادثهم إلى العرف لا إلى الشرع. . وأولئك الحكام طاغون لكونهم يصدون الناس عن اتباع حكم الشرع. . وكان أهل الحضر أهل المدن من نجد دائما بعضهم يحارب بعض " (٣) . إن أوضح معطيات النصوص السابقة أن بلاد نجد كانت دائما - في تلك الفترة - تعيش حياة ملؤها الخوف والذعر وعدم الاستقرار في أمور حياتها كلها، أنتجتها تلك الحروب والفتن التي تطحنه عسكريا وخلقيا ونفسيا وفكريا، وهي - بحق - تعطي فكرة واضحة عن مدى تفكك المجتمع الذي وجد في دعوة الشيخ محمد بن

стр. 17

عبد الوهاب فيما بعد منقذا له من دوامة كان يجري في فلكها دون أن يعرف طريقا للخلاص منها (١) . [الحالة الدينية] (ب) الحالة الدينية: لعل من أهم المصادر التي تعطينا تصويرا شاملا عن الحياة الدينية في بلاد نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هي مؤلفات علماء ومؤرخي الدعوة السلفية وأتباعها (٢) وعلى رأسهم عمدتا مؤرخي نجد الشيخ حسين بن غنام، وعثمان بن بشر. وقد يجد الباحث في هذا الصدد بعض التناقضات في تصوير الحالة الدينية في نجد خاصة في كتب المؤرخين المحدثين، وبعض هؤلاء يبالغ في تصوير الحالة السيئة في بلاد نجد في تلك الفترة مبالغة كبيرة حتى إن الرحالة (بلجريف) قال عن أهل نجد في ذلك الزمن: " أهملوا القرآن وما عادوا يعرفون في أي جهة تقع القبلة وتناسوا الزكاة والصيام والحج " (٣) والبعض الآخر يغالط الحقيقة فيصف بلاد نجد في تلك الفترة بأنها " أنقى بلدان العالم الإسلامي إسلاما وأطهر الأقطار دينا ". كما وصفها لوثروب ستودارد (٤) . وبالرجوع إلى المصادر الموثوقة التي عالجت تاريخ تلك الفترة من بلاد نجد نرى أن كلا من هذين الوصفين قد جانب الصواب، حقيقة أن بلاد نجد لم تكن أسعد حظا من باقي أقطار العالم الإسلامي، فقد جرفها تيار الانحراف عن الدين الإسلامي الصحيح من شرك وبدع وخرافات كالدعاء والنذر والذبح وصرف أنواع العبادات الأخرى لغير الله - لكنها لم تصل في انحرافها أن تناسى أهلها شعائر الإسلام من صلاة وزكاة وصيام وحج، وخاصة أهل الحاضرة.

стр. 18

وعندما قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوته في بلاد نجد كان الخلاف بين الشيخ وبين مخالفيه على أساس التوحيد، أما بقية أعمال الإسلام فإنه لم يعارضه أحد بشأنها (١) وعند قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوته وقبله كان في نجد عدد من العلماء بعضهم تلقى العلم في مصر والشام وغيرها، وكان هؤلاء العلماء على المذهب الحنبلي حيث كان مذهب الإمام أحمد بن حنبل هو المتبع في تلك العهود، وكان انتشاره في نجد قبل بداية القرن العاشر الهجري، وهناك عدد قليل من العلماء على المذهب الشافعي والحنفي (٢) . وإذا كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد لاقى معارضة من بعض هؤلاء العلماء في دعوته السلفية مع ما كان لبعضهم من إنتاج علمي، فإننا نجد بعض علماء نجد السابقين للشيخ والمعاصرين له قد آمنوا بنفس الفكرة التي آمن بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب من انتشار البدع والشركيات المخالفة للعقيدة الإسلامية مثل صرف أنواع العبادة لأصحاب الأضرحة والقبور كالذبح عندها والنذر والاستغاثة ونحوها (٣) وذلك لأن هؤلاء العلماء استقوا أفكارهم من نفس المصادر التي استقى منها الشيخ أفكاره، وهي بالإضافة إلى الكتاب والسنة كتب الشيخين، شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرها من كتب السلف الصالح، ولكنهم لم يتمكنوا من نشر أفكارهم خوفا على أنفسهم أو خشية من مواجهة الأهالي. ومن هنا فقد عم الانحراف عن أساس العقيدة الإسلامية الصحيحة معظم بلاد نجد من أقصاها إلى أقصاها من شرك وبدع وخرافات كالدعاء والذبح والنذر والاستغاثة وغيرها من أنواع العبادة التي لا يجوز صرفها إلا لله تعالى بالإضافة إلى

стр. 19

التوسل بالأولياء والصالحين، وتقديسهم والاعتقاد بالجمادات كالأشجار والأحجار في جلب النفع ودفع الضر، حتى أصبح كثير من المسلمين مسلمين بالاسم فقط لكنهم بعيدون كل البعد عن حقيقة الإسلام. وقد فصل المؤرخ النجدي (حسين بن غنام) مظاهر الانحراف عن الإسلام الصحيح في نجد في تاريخه " روضة الأفكار والأفهام " (١) الذي فك سجعه وحرره الدكتور ناصر الدين الأسد باسم " تاريخ نجد "، وقد مثل حسين بن غنام لمظاهر هذه الانحرافات بتعظيم الناس في نجد للقبور، والأشجار , والأحجار، والأولياء. (أ) أما القبور: فيذكر منها قبر (زيد بن الخطاب) ﵁ في الجبيلة، وقبر (ضرار بن الأزور) في شعيب غبيراء، وقبر بعض الصحابة ﵃ في قريوه بالدرعية، وكل هذه القبور يتوجه إليها العامة يدعون أصحابها لتفريج الكرب وكشف النوب وقضاء الحاجات (٢) . (ب) أما الأشجار: فيذكر أن النساء والرجال يأتون بليدة الفدا حيث يكثر ذكر النخل المعروف بـ (الفحال) يتبركون به ويعتقدون فيه، فكانت تأتيه المرأة إذا تأخرت عن الزواج فتضمه بيديها ترجو أن يفرج كربها وتقول: يا فحل الفحول أريد زوجا قبل الحول، وكذلك شجرة الطرفية ينتابها طوائف من الناس فيتبركون بها، وتعلق المرأة فيها خرقا إذا ولدت ذكرا لعله يسلم من الموت. (جـ) أما الأحجار: فيذكر منها غار بنت الأمير الذي يزعمون أن الله فلقه لها لتعتصم به من أحد الفسقة الذي أراد هتك عرضها، فكان الناس يرسلون إلى ذلك الغار اللحم والخبز ويبعثون بصنوف الهدايا. (د) أما الأولياء: فيذكر منهم ولي عند العامة اسمه " تاج " وهو من أهل الخرج افتتن به الناس وسلكوا فيه سبيل الطواغيت فصرفوا إليه النذور، وتوجهوا إليه بالدعاء، واعتقدوا فيه النفع والضر، وكانوا يأتونه لقضاء شؤونهم أفواجا وكان

стр. 20

أعمى، فزعموا أنه يأتي من الخرج إلى الدرعية بدون قائد، وذلك لتحصيل ما تجمع له من النذور والخراج، ويذكر ابن غنام أن الحكام في المنطقة خافوه وهاب الناس أعوانه وحاشيته (١) . هذه هي حالة الحاضرة في بلاد نجد. أما البادية فلم تكن أسعد منها إن لم تكن أسوأ حالا، وذلك أن طبيعة الحياة الصحراوية بجفائها ورهبتها وتفرق سكانها، بالإضافة إلى انتشار الأمية بينهم، وعدم قيام دولة ذات سلطان تحمل الناس على الحق، كل هذه العوامل جعلت من البادية مرتعا خصبا لأنواع الشرك والبدع والخرافات (٢) . وإذا كانت المصادر التاريخية التي بين أيدينا قد أهملت الحديث عن حالة البادية، فقد أشار ابن بشر في تاريخه إلى وجود أنواع شركية فيها، كالذبح لغير الله طلبا للشفاء من بعض الأمراض عند بعض القبائل (٣) بالإضافة إلى عبادة الأشجار والأحجار التي أشار إليها الشاعر العامي (راشد الخلاوي) بقوله: فإن سلت قومي يا منيع فلا تسل ... أحجار وأشجار يعبدون خايبه (٤) . ومهما يكن من شيء فإنه كلما مرت الأعوام والأيام ازدادت الحالة سوءا في الحاضرة والبادية، حتى أذن الله بانبلاج فجر جديد حين قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بدعوته المباركة على حين فترة من دعاء المصلحين فأشرقت الجزيرة العربية بنور هذه الدعوة وتبدلت فيها مظاهر الحياة كلها.

стр. 21

[الشيخ محمد بن عبد الوهاب] [نشأته العلمية] الشيخ محمد بن عبد الوهاب حظيت حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدراسات كثيرة قام بها مؤلفون متعددون مسلمون وغير مسلمين، قدامى ومحدثون، وكلها تتحدث عنه بصفته رائدا في مجال الإصلاح والتجديد، وتجيء تلك الدراسات على شكل مؤلفات مستقلة عن شخصية الشيخ ودعوته , وبعضها تضمنتها كتب التاريخ العام أو تاريخ الشخصيات. ومن هنا فإننا سنوجز في حديثنا عن حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب اعتمادا على تلك الدراسات من ناحية، ودرءا للتكرار من ناحية أخرى، وإن كنا سنركز - بعض الشيء - على المواضع التي تلقي الضوء على حقيقة دعوته المباركة. نشأته العلمية: هو الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي من المشارفة , أحد فروع الوهبة من قبيلة تميم، ولد ﵀ في بلدة العيينة شمال غربي الرياض سنة ١١١٥ هـ (١٧٠٣ م) ونشأ بها، ويصفه ابن غنام بأنه حاد الذهن، ذكي، نبيه، فطن، فصيح اللفظ، سريع الحفظ، حفظ القرآن ولما يبلغ العاشرة من عمره (١) . وكانت بيئته التي نشأ فيها بيئة علمية دينية صالحة، فجده (سليمان بن علي) عالم من علماء نجد في عصره، انتهت إليه الفتيا في نجد، وألّف منسكا مشهورا، وأبوه (عبد الوهاب بن سليمان) من علماء بلده، تولى قضاء بلدتي العيينة ثم حريملاء , وعمه إبراهيم بن سليمان كان عالما قديرا (٢) . وقد تلقى الشيخ العلم في البداية على يد والده حيث درس عليه كتب الفقه الحنبلي , ثم أخذ يزيد في معلوماته بالقراءة الخاصة، حيث أخذ يقرأ كتب التفسير والحديث والأصول، وقد ساعده حبه للقراءة وشغفه بها أن يطلع على كل ما يقع في يده من كتب الدين، ولما كانت كتب الحنابلة متداولة بين علماء نجد نتيجة لانتشار هذا المذهب في نجد كما سبق، فقد اهتم الشيخ بقراءتها، وخاصة قراءة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية

стр. 22

وتلميذه ابن القيم، فاهتم الشيخ بقراءة كتبهما بعناية خاصة حتى إنه أخذ ينسخ الكثير منها (١) وتوجد في المتحف البريطاني بلندن حتى الآن كتب لشيخ الإسلام ابن تيمية بخط الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٢) والمطلع على مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب يرى أثر ابن تيمية وابن القيم على كتاباته واضحا، فقد اعتد الشيخ بأقوالهما، وتأثر بأفكارهما، واستنار بآرائهما، فكان لذلك أثره الكبير في تصحيح عقيدته، وتوجيه حياته ومنهج دعوته (٣) لذلك أكثر الشيخ من النقل عنهما في مؤلفاته بشكل ملحوظ. يمكننا بعد ذلك أن نجمل العوامل التي أثرت في نشأة الشيخ نشأة دينية علمية في خمسة عوامل: (١) استعداده الشخصي: وما اتصف به من الذكاء والفطنة وسرعة الحفظ وحبه للقراءة وكثرتها. (٢) أساتذته: سواء كان قد تلقى عنهم العلم مباشرة أو تأثر بمؤلفاتهم كابن تيمية وابن القيم. (٣) أسرته العلمية: حيث كان جده وأبوه وعمه من علماء بلده. (٤) ظروف مجتمعه وما كان يعيش فيه من انحراف عن مبادئ الإسلام الصحيح في كثير من أموره دفع بالشيخ إلى التعمق في دراسة العلوم الإسلامية ليعرف حقيقة الأمر. (٥) رحلاته العلمية وأثرها الواضح على اتجاهه العلمي الإصلاحي بعد ذلك. [رحلاته العلمية] رحلاته العلمية: لما أكمل الشيخ تعليمه في بلدة (العيينة) على أساتذته وبقراءاته الشخصية عزم على الارتحال إلى البلدان المجاورة طلبا للعلم والزيادة فيه كعادة السلف الصالح، فبدأ بحج بيت الله الحرام - للمرة الثانية - ثم اتجه من مكة إلى المدينة وأقام فيها حينا، أخذ

стр. 23

فيها العلم على الشيخ (عبد الله بن سيف النجدي) الذي أجاز الشيخ من طريقين: أولهما: طريق ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية وينتهي بالإمام أحمد. ثانيهما: طريق عبد الرحمن بن رجب عن ابن القيم إلى الإمام أحمد (١) . كما أخذ العلم في المدينة على الشيخ (محمد حياة السندي) ، ويروي ابن بشر أن الشيخ محمد وقف يوما عند الحجرة النبوية عند أناس يدعون ويستغيثون بقبر النبي ﷺ فرآه الشيخ محمد حياة السندي فقال للشيخ: ما تقول؟ قال الشيخ: إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون (٢) ثم خرج الشيخ من المدينة مارا ببلاد نجد إلى (البصرة) فتلقى العلم فيها على عدد من العلماء منهم الشيخ (محمد المجموعي) ، درس عليه في النحو واللغة والحديث والفقه، وفي البصرة كان يدعو الناس إلى التوحيد، وإخلاص العبادة لله، ويقول لهم: " إن محبة الأولياء والصالحين باتباع هديهم وآثارهم وليس باتخاذهم آلهة من دون الله، وأن العبادة كلها لله يكفر من صرف منها شيئا إلى سواه "؛ مما جعل الشيخ يتعرض لمضايقات من عامة الناس فاضطره ذلك إلى الخروج من البصرة في العراق قاصدا بلاد الشام لولا أن نفقته ضاعت منه في الطريق، فقفل راجعا إلى نجد، ومر في طريقه بالأحساء ونزل على الشيخ (عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الشافعي الأحسائي) وأخذ عنه في التفسير والحديث , ثم اتجه من الأحساء إلى (حريملاء) ، وكان أبوه قد انتقل إليها من العيينة لخلاف مع حاكمها (٣) هذه مجمل رحلات الشيخ عند عمدتي مؤرخي نجد (ابن غنام وابن بشر) . وبهذا يظهر لنا: ١ - أن البلاد التي زارها الشيخ في هذه الرحلات هي: مكة، المدينة المنورة، البصرة , الأحساء. ٢ - وأن المشايخ الذين أخذ عنهم هم: الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف، والشيخ

стр. 24

محمد حياة السندي في المدينة المنورة، والشيخ محمد المجموعي في البصرة، والشيخ عبد الله بن عبد اللطيف الأحسائي في الأحساء. ٣ - وأن العلوم التي تلقاها عن هؤلاء المشايخ هي: علوم الدين (من تفسير وحديث وفقه) ، وعلوم الآلة من (نحو وصرف وبلاغة) ، لكن صاحب كتاب (لمع الشهاب) في سيرة محمد بن عبد الوهاب (١) له رأي خاص في رحلات الشيخ محمد بن عبد الوهاب يختلف جذريا عن ما ذكره عمدتا مؤرخي نجد سواء في البلدان أو المشايخ أو العلوم. ١ - ففي (البلدان) يذكر أن الشيخ زار القصيم , والعراق (البصرة وبغداد) ، وبلاد فارس (كردستان، وهمذان، وأصفهان، والري، وقم، وقرية أبي لباس) ، وبلاد الشام (حلب ودمشق وبيت المقدس) ، ومصر (القاهرة) ثم عاد إلى بلاده مارا بمكة المكرمة. ٢ - وأما (المشايخ) الذين درس عليهم في تلك البلاد فيذكر منهم: عبد الرحمن بن أحمد وحسان التميمي في القصيم، وعبد الكريم الكردي الشافعي في بغداد، وميرزجان الأصفهاني، ومحمد المغربي في أصفهان. ٣ - وأما (العلوم) التي درسها على أولئك فيذكر التفسير والحديث، وعلوم الآلة، وعلم الهيئة والمنطق، والفلسفة، والهندسة، والتصوف، والرياضيات وغيرها، كما يذكر أن الشيخ كان يجيد اللغة التركية. هذا مجمل ما ذكره صاحب (لمع الشهاب) عن رحلات الشيخ محمد بن عبد الوهاب وهو لا يتفق مع ما ذكره ابن غنام وابن بشر عن البلدان إلا في (البصرة) و (مكة) وعن العلوم إلا فيما ذكره عن علوم الدين وعلوم الآلة، أما المشايخ فالاختلاف بينهم جذري. والواقع أن الباحث المتعمق يطمئن كثيرا إلى ما ذكره ابن غنام وابن بشر عن

стр. 25

رحلات الشيخ للأسباب الآتية: ١ - أن ابن غنام وابن بشر أدرى بتفاصيل حياة الشيخ من غيرهما (١) . ٢ - أن مؤلف (لمع الشهاب) لا زال مجهولا , وهو يتحامل كثيرا على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته، فيجب على الباحث أن يأخذ معلوماته عن الدعوة وصاحبها بحذر شديد. ٣ - إننا لا نجد في كتابات الشيخ نفسه من رسائل وكتب أي أثر لما ذكره صاحب اللمع عن هذه الرحلات سواء في البلدان التي زارها أو عن مشايخه فيها أو عن العلوم التي درسها عليهم. ٤ - أن العلوم التي ذكرها صاحب (لمع الشهاب) لا نجد لها أي أثر في كتابات الشيخ ومناظراته مع أن الحاجة قد تدعو إلى استخدام بعضها مثل الفلسفة والمنطق في الجدل والمناظرة (٢) . ٥ - أننا لا نجد لما ذكره صاحب اللمع أي أثر في كتابات علماء الدعوة ومؤرخيها ولو كان ما ذكره صحيحا، فليس من المعقول ألا نجد لها أي أثر في كتابات أولئك الذين حرصوا على تدوين حياة الشيخ ودعوته بالتفصيل خاصة ما يتصل بفضائله، ومعلوم أن السفر في طلب العلم فضيلة، ولو كان الشيخ قد سافر إلى بلدان أخرى غير التي ذكروا لما توانوا في تدوين ذلك وتفصيله (٣) . ٦ - أنه على الرغم مما ذكره الرحالة الأوربي (كارستن نيبور) المعاصر للشيخ محمد بن عبد الوهاب في رحلته إلى بعض أجزاء الجزيرة العربية عام ١١٧٨ هـ (١٧٦٥ م) من أن الشيخ زار بغداد وبلاد فارس (٤) . إلا أنه لا يمكن قبول ما ذكره دون تحفظ خصوصا وأن في كلام (نيبور) عن الشيخ ودعوته أخطاء دينية وتاريخية واضحة (٥) .

стр. 26

٧ - أن الكتاب المتأخرين الذين وافقوا لمع الشهاب في كلامهم عن رحلات الشيخ لا يحتج بهم، إذ لا شك أنهم قد تأثروا أو نقلوا عن لمع الشهاب كليا أو جزئيا في (١) هذا الصدد. ومهما يكن من أمر فقد فتحت هذه الرحلات أمام الشيخ تفكيره، ووسعت مداركه وعلومه، فاطلع على الفساد الديني والسياسي الذي يعيشه العالم الإسلامي حينذاك (٢) فعاد إلى بلده وكله عزيمة وأمل بأن يقوم بإصلاح هذا الفساد بقدر ما يسعه جهده عملا بقول رسول الله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» . [مراحل الدعوة] مراحل الدعوة: لقد أوجبت الظروف السياسية للدعوة أن تمر بعدة مراحل كان لها أكبر الأثر في تكوينها لحركة إصلاحية هامة، ليس في منطقة الجزيرة العربية فحسب بل في العالم الإسلامي بأسره، ويستطيع الباحث أن يستخلص هذه المراحل عند تتبعه لحياة الشيخ في حريملاء، ثم العيينة، ثم الدرعية، فعندما وصل الشيخ إلى حريملاء أخذ يجهر بدعوته وينكر ما يفعله الجهال من البدع والشرك في الأقوال والأفعال، ولكن والد الشيخ منعه من ذلك خوفا على ابنه من ثورة العامة، فاتجه الشيخ في هذه الفترة إلى البحث والتحصيل وألف كتاب (التوحيد) حتى إذا توفي والده سنة ١١٥٣ هـ (١٧٤٠ م) أعلن دعوته من جديد لكنه لم يلبث أن قرر أن (حريملاء) لا تصلح لنشر الدعوة لعدم استتباب الأمن فيها نتيجة لانقسام أهلها وانقسام الحكم فيها مما جعل الشيخ يتعرض لخطر عبيدها، الذين ضاقوا ذرعا بزجر الشيخ لهم وحدّه من تماديهم وفسقهم حتى إنهم قرروا قتل الشيخ (٣) مما جعل الشيخ يعزم على العودة إلى (العيينة)

стр. 27

- مسقط رأسه - فأهلها يعرفهم وحكمها مستقر أكثر من حريملاء، وكان حاكم العيينة في ذلك الوقت (عثمان بن حمد بن معمر) الذي فتح صدره للدعوة، ووعد الشيخ بنصرته ونشر دعوته، فمهد ذلك لانتقال دعوته من مرحلة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة إلى المرحلة العملية في تطبيق مبادئ الدعوة، وتمثل ذلك في أمور ثلاثة: ١ - هدم القباب المقامة على القبور مثل قبر (زيد بن الخطاب) في الجبيلة، وقد بدأ الشيخ بنفسه في هدم القبة , ثم تبعه أصحابه فهدموها. ٢ - قطع الأشجار التي يتبرك بها العامة مثل شجرة (الذيب) في العيينة قطعها الشيخ بنفسه وشجرة (قريوه) في الدرعية. ٣ - رجم الزانية التي جاءت إلى الشيخ وأقرت بالزنا، وطلبت إقامة حد الله عليها، وأقرت عند الشيخ أربع مرات في أربعة أيام، فلما تيقن الشيخ من توفر شروط إقامة الحد عليها أمر بها فرجمت لأنها محصنة، وكان (عثمان بن معمر) أول من بدأ برجمها (١) . لقد بهرت هذه الأعمال كلها الناس، لأنها أشياء جديدة لم يعتادوها مما جعلهم أمام ذلك قسمين: قسم آمن بذلك وأقر به، وقسم أنكره وحاربه وكان من ضمن هؤلاء حاكم الأحساء من بني خالد وهو (سليمان بن محمد بن غرير) من آل عريعر الذي كان له ما يشبه النفوذ السياسي على حاكم العيينة، لذلك أرسل (ابن غرير) إلى (ابن معمر) حاكم العيينة برسالة يتوعده ويتهدده بقطع راتبه السنوي إن لم يخرج الشيخ من بلده، ولما لم تكن دعوة الشيخ قوية في تلك الفترة بحيث يعوض ابن معمر بهذه القوة ما يفقده من كسب مادي من حاكم الأحساء , فقد أذعن ابن معمر لتهديده، وأمر الشيخ بالخروج إلى أي بلد يشاء , فاختار (الدرعية) لقربها من ناحية، ولما يعرفه من سيرة حسنة لحاكمها، إضافة إلى استقلال صاحبها وعدم خضوعه لسيطرة خارجية (٢) .

стр. 28

ولقد أحسن الشيخ الاختيار، فكان انتقاله إلى الدرعية موفقا، فقد أحسن حاكم الدرعية (محمد بن سعود) استقباله والترحيب به، ووعده بأن يمنعه مما يمنع منه نساءه وأولاده وقال له: " أبشر ببلاد خير من بلادك وبالعزة والمنعة، فرد عليه الشيخ قائلا: وأنا أبشرك بالعز والتمكين والنصر المبين، وهذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم فمن تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها العباد والبلاد، وأنت ترى نجدا كلها وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة وقتال بعضهم بعضا، فأرجو أن تكون إماما يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك "، ثم أخذ الشيخ يشرح للأمير محمد بن سعود دعوته وما تدعو إليه حتى اقتنع بها، فتعاهدا معا على نشر مبادئ الدعوة المباركة (١) . وهكذا تم ما يعرف تاريخيا بـ (اتفاق الدرعية) المشهور سنة ١١٥٧ هـ (١٧٤٤ م) ، فكان - بحق - نقطة تحول هامة في تاريخ تلك الدعوة وفي حياة نجد الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بل وفي تاريخ اليقظة العربية والإسلامية الحديثة (٢) . وقد بقي الشيخ ﵀ في الدرعية سنتين يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، فكان يرسل برسائله ومناظراته إلى أهل البلدان المجاورة ورؤسائهم وعلمائهم، فمنهم من قبل واتبع الحق، ومنهم من أبى وعارض، ولكن لم يستمر الحال على ذلك طويلا، فقد قام أولئك المعارضون على الشيخ ودعوته بالعدوان، وأعلنوا تكفير الشيخ وأتباعه وإباحة دمائهم، فأمر الشيخ حينئذ أتباعه بالجهاد (٣) دفاعا عن النفس أمام أولئك المعارضين من ناحية، وكسر الطوق وإزاحة حجر العثرة أمام نشر هذه الدعوة من ناحية، فانتقلت الدعوة بذلك إلى مرحلة جديدة ثالثة هي (مرحلة الجهاد لحمل الناس على الحق) وتهيئة الجو الصالح لنشر الدعوة، والعودة بالمسلمين إلى منهج الله وشرعه واتباعه عقيدة ومنهج حياة.

стр. 29

[الفصل الثاني مبادئ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب] [تمهيد] الفصل الثاني مبادئ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تمهيد قبل الدخول في تفاصيل الدعوة وأفكارها نحب أن نشير إلى أمرين هامين: أولهما: أن لقب " الوهابية " لقب لم يختاره أتباع الدعوة لأنفسهم، ولم يقبلوا إطلاقه عليهم، لكنه أطلق من قبل خصومهم - على اختلافهم - تنفيرا للناس منهم، وإيهاما للسامع أنهم جاءوا بمذهب خامس يخالف المذاهب الإسلامية الأربعة الكبرى واللقب الذي يرضونه ويتسمون به هو " السلفيون " (١) ودعوتهم " الدعوة السلفية ". وإذا كان تلقيبهم بـ (الوهابية) جناية على الواقع والحقيقة لهذه الدعوة فهي جناية أيضا على التاريخ نفسه، فقد أوقع ذلك كثيرا من المؤرخين المستشرقين في غلطة وهي نسبة هذه الحركة الإصلاحية المباركة إلى والد الشيخ محمد وهو " عبد الوهاب " وجعلوه مؤسسا لهذه الدعوة والحركة الإصلاحية (٢) . وثانيهما: أن هذه الدعوة ليست ذات مذهب خاص بها، وإنما هي الدعوة إلى الإسلام بكل مبادئه وتعاليمه الخالصة من شوائب الشرك والوثنية والبدع، وإذا كان أتباع الدعوة قد واجهوا في دعوتهم ألوانا من المعارضة بالسيف والقلم واللسان، فما ذاك إلا لأن الإسلام الصحيح أصبح في ذلك الوقت غريبا في النفوس وبعيدا عنها، وصدق الدكتور طه حسين حين قال عن الدعوة: " قلت إن هذا المذهب جديد وقديم معا، والواقع أنه جديد بالنسبة إلى المعاصرين ولكنه قديم في حقيقة الأمر، لأنه ليس إلا الدعوة القويمة إلى الإسلام الخالص النقي المطهر من كل شوائب الشرك والوثنية، هو الدعوة إلى الإسلام كما جاء به النبي خالصا لله وحده ملغيا كل واسطة بين الله والناس " (٣) .

стр. 30

[أهداف الدعوة ومصادرها] [أولا القرآن الكريم] أهداف الدعوة ومصادرها تهدف دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى تصحيح العقيدة الإسلامية وتطهيرها مما علق بها من أدران الشرك والبدع والخرافات (١) وذلك عن طريق تنظيم العلاقة بين الخالق والمخلوق بحيث يعترف المخلوق بسلطان الخالق عليه في جميع الأمور، لذلك لا يلتفت إلا إليه ولا يتعلق إلا به، كما تهدف الدعوة إلى العودة بالإسلام إلى ما كان عليه زمن النبي ﷺ وذلك عن طريق تركيز النشاط الإنساني للقيام بتطبيق أحكام الإسلام وحدوده وشعائره الظاهرة والباطنة (٢) وإقامة مجتمع إسلامي متكامل يؤمن بالإسلام عقيدة وعبادة وشريعة ومنهج حياة. وتعتمد الدعوة على ثلاثة مصادر هامة: أولا: القرآن الكريم: وهو المصدر الأول للتشريع الإسلامي، ويظهر اهتمام صاحب الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالقرآن الكريم أنه حفظه وهو لم يبلغ العاشرة من عمره، والمطّلع على مؤلفات الشيخ ورسائله يرى اهتمام الشيخ وتقديره الكبير لكتاب الله تعالى عن طريق سرده لآيات من القرآن الكريم تؤيد آراءه، حتى تكاد بعض مؤلفاته أن تصبح جمعا للنصوص سواء من القرآن أو السنة النبوية (٣) وفي كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب باسم " أصول الإيمان " يعقد فيه فصلا بعنوان " الوصية بكتاب الله "، ويبين الشيخ اعتقاده في القرآن الكريم في رسالته إلى أهل القصيم حيث يقول: " وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ,منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد ﷺ (٤) .

стр. 31

وقد أنكر الشيخ على مخالفيه اهتمامهم بكتب أخرى أكثر من اهتمامهم بكتاب الله مثل كتابي (روض الرياحين) و (دلائل الخيرات) ، حتى جهلوا الاستدلال بالقرآن وآياته (١) لذلك أمر الشيخ أتباعه بألا يكون في قلوبهم أجلّ من كتاب الله تعالى، كما أن علماء الدعوة كثيرا ما يطلبون من مخالفيهم الإتيان بدليل من القرآن أو السنة تؤيد آراءهم التي ناوؤوا بها الدعوة (٢) . [ثانيا السنة النبوية] ثانيا: السنة النبوية: هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وكما اهتم الشيخ محمد بن عبد الوهاب منذ صغره بدراسة القرآن الكريم وحفظه , فقد اهتم الشيخ أيضا بدراسة الحديث النبوي، وبخاصة على علماء البلدان التي زارها أثناء رحلاته المشهورة - كما مر - وفي مؤلفات الشيخ وأتباعه من علماء الدعوة لا يكادون يذكرون آيات القرآن الكريم إلا ويقرنونها بأشياء من أحاديث رسول الله ﷺ ، وفي كتاب (أصول الإيمان) يعقد الشيخ فصلا بعنوان " تحريضه ﷺ على لزوم السنة " ويظهر اهتمام الشيخ بالسنة النبوية في دعوته بقيامه باختصار (فتح الباري في شرح صحيح البخاري) لابن حجر، و (سيرة الرسول ﷺ لابن هشام) ليسهل على أتباعه الرجوع إليها (٣) ويقرر علماء الدعوة ما قاله الإمام مالك بأن كل شيء يؤخذ قوله ويترك إلا النبي ﷺ ، وإذا بانت لهم سنة صحيحة عن رسول الله ﷺ عملوا بها، ولم يقدموا عليها قول أحد كائنا من كان، ويؤمنون بأن محمدا ﷺ أفضل الأنبياء والمرسلين، وأن أفضل أمته الخلفاء الراشدون ثم باقي الصحابة، كما يعتقدون بأنه ﷺ أعلى مراتب المخلوقين " ومن أنفق نفيس أوقاته بالاشتغال بالصلاة عليه ﷺ الواردة عنه فقد فاز بسعادة الدارين، وكُفي همه وغمه كما جاء في الحديث عنه " (٤) .

стр. 32

[ثالثا آثار السلف الصالح] [الإمام أحمد بن حنبل] ثالثا: آثار السلف الصالح: يهتم الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من علماء الدعوة بالآثار الصحيحة التي وردت عن سلف الأمة الإسلامية المشهود لهم بالصلاح والعلم، وأهمهم طبقة الصحابة ﵃، وطبقة التابعين وتابعيهم بإحسان، وخاصة الأئمة الأربعة المشهورون وهم (أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل) ، وكثيرا ما يجد الباحث في مؤلفات الشيخ وأتباعه من علماء الدعوة أقوالا لهؤلاء الأئمة وغيرهم مسرودة في مؤلفاتهم ورسائلهم لتأييد ما يوردونه من آراء (١) . وقد تأثر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بثلاثة من علماء السلف الصالح تأثرا كبيرا وهم: (أحمد بن حنبل، وأحمد بن تيمية، ومحمد بن القيم) . * أما الإمام أحمد بن حنبل (١٦٤ هـ - ٢٤١ هـ) فقد تأثر به الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ورعه وتقواه وبعده عن المناصب، وفي كفاحه من أجل نصرة السنة ومحاربة البدع , وكان من الطبيعي تأثر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالإمام أحمد بن حنبل نظرا لانتشار مذهبه في نجد منذ القرن العاشر الهجري -كما سبق - وكان المذهب الحنبلي أشد المذاهب إنكارا للبدع في الدين، كما كان أسبق المذاهب إلى الاجتهاد والتحليق في سماء الكتاب والسنة، وعدم الوقوف عند حدود ما استنبطه الأئمة، وقد تأثر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بهذا كله (٢) ويصرح الشيخ وأتباعه من علماء الدعوة بأن مذهبهم في الفروع مذهب الإمام أحمد، ولا ينكرون من قلد غيره من الأئمة الأربعة , وإذا تبين لهم بدليل من الكتاب والسنة أن الحق بخلاف مذهب الإمام أحمد سارعوا إلى الأخذ به ولو خالف مذهب الحنابلة، أما في الأصول فمذهبهم مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتهم طريقة السلف ومنهم الإمام أحمد (٣) وحينما يحاول معاصرو الشيخ استدراجه للكلام في أسماء الله وصفاته يأخذ بطريقة الإمام أحمد في ذلك ويتمثل بأبيات منها هذا البيت:

стр. 33

وبالنعمة العظمى اعتقاد ابن حنبل ... عليها اعتقادي يوم كشف السرائر (١) [شيخ الإسلام أحمد بن تيمية] * أما شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (٦٦١-٧٢٨ هـ) : فهو أهم أئمة السلف الذين تأثر بهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من علماء الدعوة، لذلك اهتم الشيخ محمد بمؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية حتى إنه نسخ بعضها بخط يده واستطاع أن يترجم آراء ابن تيمية إلى عمل (٢) . ولقد تأثر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بآراء ابن تيمية تأثرا كبيرا، فكما كان ابن تيمية حنبليا معجبا بأحمد بن حنبل محاربا للتقليد وأنواع البدع والشركيات , فكذلك كان محمد بن عبد الوهاب، وكما هاجم ابن تيمية الصوفية والفلسفة اليونانية المنحرفتين وتقيد بالكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح، فكذلك فعل محمد بن عبد الوهاب (٣) وكما قام ابن تيمية بقطع صخرة وشجرة كان يتعبد بها كثير من العوام في بلاد الشام (٤) فكذلك قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقطع أشجار وهدم قباب للغرض نفسه - كما سبق - ومن هنا كانت كتب ومؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وكذلك تلميذه ابن قيم الجوزية من أعز الكتب عند الشيخ وأتباعه من علماء الدعوة. [الإمام محمد بن قيم الجوزية] * أما محمد بن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١ هـ) : فهو من أشهر تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد تأثر به الشيخ محمد بن عبد الوهاب في زهده وورعه (٥) . من ناحية، وفي محاربته لأنواع البدع والشركيات من ناحية أخرى، وتتضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من علماء الدعوة نقولا عن مؤلفات ابن القيم ومجموعة من آرائه، يقول الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب " وعندنا أن الإمام ابن القيم وشيخه (ابن تيمية) إماما حق من أهل السنة وكتبهم عندنا من أعز

стр. 34

الكتب " (١) ويظهر اهتمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بكتب ابن القيم وتأثره بها أن قام باختصار كتابه " زاد المعاد في هدي خير العباد "، وقد تطرق ابن القيم في مقدمة كتابه هذا إلى مسألة تحقيق معنى لا إله إلا الله (٢) وقد تأثر بذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب فركز على هذه المسألة في كثير من مؤلفاته ورسائله وخاصة في " كتاب التوحيد " (٣) . ومما تقدم كله ندرك اهتمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بآثار السلف الصالح وذلك كأحد الأسس النقلية التي اعتمدت وتعتمد عليها الدعوة في تقرير مبادئها بعد القرآن الكريم وسنة الرسول ﷺ . ولم تؤمن الدعوة بسلطان العقل المطلق، لأن العقل تجريب وكل تجريب فيه إمكان خطأ، أما النص ففيه اليقين المنزل، والعقل يجب أن يكون شاهدا على التصديق والإذعان لا ناقضا ولا رافضا لما اشتمل عليه القرآن والسنة الصحيحة (٤) . [حقيقة الدعوة] حقيقة الدعوة اختلفت آراء المؤرخين والباحثين في حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، هل هي حركة دينية أم سياسية أم للأمرين معا؟ . فمنهم من قال إنها حركة إصلاح ديني خالص، غايتها القضاء على ما أصاب الدين من شوائب الشرك والوثنية (٥) . وآخرون يرون أنها حركة سياسية اتخذت الإصلاح الديني وسيلة لتحقيق أهدافها والتي من أهمها إنشاء دولة مستقلة في الجزيرة العربية منفصلة عن الخلافة العثمانية (٦) . وفريق ثالث يرى أنها حركة دينية سياسية بدليل ما قامت به من إصلاح ديني وما

стр. 35

أسسته من حكومة مستقلة عن الخلافة العثمانية (١) . وفي رأينا أن الفريق الثالث أقرب الآراء إلى تفهم حقيقة الدعوة بالرغم من تأثر تلك الآراء كلها بفكرة فصل الدين عن الدولة والحياة، والتي على أساسها يزن الغربيون وأتباعهم الأحداث التاريخية بها. والحق أن أقرب وصف لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن نقول إنها حركة إصلاحية هدفها العودة بالمسلمين إلى ما كانوا عليه في عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين من تمسك بأهداب الإسلام وتعاليمه وتحكيمه في جميع شؤونهم الدينية والسياسية، إنها عودة إلى الإسلام الذي كان عليه المسلمون الأوائل والذي قادوا به العالم وسادوا. ولما كان الإسلام بطبيعته دين ودولة كانت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوة جامعة للأمور الدينية والسياسية معا. وغني عن البيان الأثر الذي تركته الدعوة في مجال الإصلاح الديني حيث دعت منذ باكورة ظهورها إلى ابتعاد المسلمين عما لحق بإسلامهم من شوائب الشرك والبدع والخرافات والتي كادت أن تشوه معالم الإسلام وتفسد جماله وتذهب بروعته، فأبانت بدعوتها تلك حقيقة الإسلام الناصعة كما أنزله الله على رسوله محمد ﷺ (٢) . أما الواجهة السياسية للدعوة فيكفي دليلا عليه ما قامت به الدعوة من إقامة مجتمع إسلامي متكامل في ظل دولة إسلامية تؤمن بالإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة. وفي اعتقادنا أنه من الخطأ اعتبار هدف الدعوة الأساسي إقامة دولة منفصلة عن دولة الخلافة العثمانية بقدر ما هو محاولة إصلاح تلك الدولة والمجتمع الإسلامي الذي يعيش في ظلها (٣) وإذا كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد أبطل الدعوة للسلطان

стр. 36

العثماني في خطبة يوم الجمعة، فقد بين ابن غنام أن سبب ترك الشيخ ذلك لأنها بدعة محدثة في الدين وأنكرها جماعة من العلماء قبله (١) . وإذا كانت الدولة العثمانية قد وقفت موقفا عدائيا من الدعوة وحركتها فذلك لأنها اعتقدت فيها نذيرا بتقويض سلطانها وخلافتها من بلاد العرب وقيام إمامة دينية جديدة، كما أن الدعوة قضت على نفوذ العثمانيين في الجزيرة العربية وبخاصة سلطتهم الدينية والسياسية في الحجاز وسلبتهم لقب حامي أو خادم الحرمين الشريفين، لذلك عهدت الدولة إلى واليها على مصر (محمد علي) بقمعها والقضاء عليها (٢) . وإذا كان بعض الباحثين (٣) تمنى لو تعاونت حركة محمد علي السياسية في نجد بدعوة نجد الدينية في سبيل الإصلاح الإسلامي في ذلك الوقت فإننا نتمنى - من قلوبنا - لو تعاونت الخلافة العثمانية مع الدعوة السلفية في نجد، وفهمتها على حقيقتها الناصعة التي لو اعتنقتها لكان شفاء للرجل المريض الذي كان يطلق لقبا عليها (٤) . ولا نشك أبدا أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد شوهت أمام السلاطين العثمانيين حتى تصوروها على غير حقيقتها، ويؤيد ذلك ما ذكره بعض الباحثين أن بعض أعداء الدعوة السياسيين كانوا كثيرا ما يكتبون إلى الأتراك العثمانيين أن حكام الدعوة السلفية في نجد من (آل سعود) اتخذوا راية شعارها (لا إله إلا الله محد رسول الله) بحذف " ميم " محمد الثانية - أي لا أحد رسول الله - وكل هذا تنفير للأتراك من الدعوة وأتباعها (٥) .

стр. 37

ولقد اشتركت جهات كثيرة في تشويه مبادئ الدعوة السلفية في نجد خاصة أولئك الذين اصطدموا بحركة الدعوة من أول ظهورها مثل (أشراف مكة) (١) كما أن (الإنجليز) كان لهم نصيب في ذلك، حتى إنهم كانوا يطلقون على أعدائهم في الهند لقب (الوهابيون) حتى ولو كانوا لا يمتون في سلوكهم ودعوتهم بأي صلة للدعوة السلفية في نجد (٢) . ونعود فنقول: إن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد تركت بجانب ذلك كله أثرا سياسيا آخر، فقد اشتملت مبادئها كثيرا من الآراء السياسية سواء في مؤلفات الشيخ أو أتباعه من علماء الدعوة، وعلى الرغم من أن هذه الآراء متأثرة إلى حد كبير بكتاب (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣) إلا أنها تعكس - بحق - الواجهة السياسية للدعوة. ولعل من أهم المصادر للآراء السياسية للدعوة هو كتاب ألفه الشيخ (سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب) - حفيد الشيخ - واسمه (توضيح توحيد الخلّاق في الرد على أهل العراق) (٤) . وبهذا ندرك أن الإصلاح الذي نادت به الدعوة لم يكن الغرض منه دينيا محضا - كما زعم بعض الباحثين (٥) - حقيقة إن الدعوة اهتمت بالإصلاح الديني أكثر من اهتمامها بالإصلاح السياسي، ولكن ذلك يرجع إلى الانحراف الديني في العالم الإسلامي - في ذلك الوقت - يفوق تدهوره السياسي، وفوق هذا وذاك فإن إصلاح العقيدة الإسلامية في نفوس المجتمع الإسلامي أساس كل إصلاح، ومن هنا نستطيع أن نرد على أولئك الباحثين الآخرين الذين ينقدون ويعيبون على الدعوة السلفية في نجد عدم الاهتمام بالتقدم الحضاري الذي يشهده العالم وقت ظهورها (٦) فمبادئ الدعوة - تبعا

стр. 38

للإسلام الحق - لا تتنافى مع التقدم الحضاري النافع إذا سار بهدى القرآن والسنة النبوية وآثار السلف الصالحين. ولعل الظروف الصعبة التي أحاطت بالدعوة وأتباعها في تاريخها الطويل هو الذي صرفها عن الأخذ بتلك الحضارة. أما أن ينسب إلى الحضارة وأدواتها أنها ربما قامت عوائق في طريق الدعوات الدينية الإصلاحية السليمة - ومن أجل ذلك تفاداها محمد بن عبد الوهاب فإنه غير صحيح، إذ ربما كانت هذه الحضارة أيسر تسخيرا في التوصل السريع والنشر العاجل (١) . وحينما عارض بعض جماعة (الإخوان) المتزمتين في عهد الملك عبد العزيز دخول أساليب الحضارة كالسيارة والتلغراف ونحوها قام علماء الدعوة في ذلك الوقت بإبطال اعتراضهم وبيان الحق في ذلك (٢) . وأيا كان الأمر فإن مبادئ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم تقف في يوم من الأيام حائلا أمام الأخذ بما ينفع في التقدم الحضاري بشرط ألا يكون ذلك مخالفا لأحكام الإسلام وتعاليمه (٣) ولعل ما تشهده المملكة العربية السعودية من تقدم حضاري - في هذا الوقت - في جميع مجالات الحياة خير شاهد على ما نقول.

стр. 39

[مبادئ الدعوة] [أولا التوحيد] مبادئ الدعوة سنحاول الآن أن نلقي ضوءا شاملا على المبادئ الأساسية لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والتي من أجلها وقع الاختلاف بينه وبين معاصريه من علماء الدين حينذاك، ويمكننا حصرها في سبع مسائل هي: التوحيد، والشفاعة، وزيارة القبور والبناء عليها، والبدع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتكفير والقتال، والاجتهاد والتقليد، وسنحاول أن نتعرف على كل مسألة. أولا: التوحيد: يمكن القول إن مسألة التوحيد هي أهم المسائل التي قامت من أجلها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكل ما عداها من المسائل فهو منضو تحتها أو فرع منها. ويعرف الشيخ محمد بن عبد الوهاب التوحيد بقوله: " هو إفراد الله بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده " (١) ويقسم الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب التوحيد إلى ثلاثة أنواع هي (٢) . (أ) توحيد الربوبية: وهو توحيد الله بأفعاله مثل الخلق والرزق والإحياء والإماتة وتدبير الأمور، وإنزال الغيث , ونحو ذلك - وهذا النوع الذي أقر به الكفار على زمن الرسول ﷺ ولم يدخلهم في الإسلام وقاتلهم الرسول ﷺ واستحل دماءهم وأموالهم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] والآيات في هذا كثيرة. (ب) توحيد الألوهية: وهو توحيد الله بأفعال العباد التي تعبَّدهم بها وشرعها لهم مثل الدعاء والنذر والاستعانة والاستغاثة والتوكل وغير ذلك، وهذا النوع هو

стр. 40

الذي وقع فيه النزاع من قديم الدهر وحديثه، وهو الذي جحده الكفار وكانت الخصومة فيه بين الرسل وأممهم من لدن نوح ﵇ إلى نبينا محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] (جـ) توحيد الأسماء والصفات: ويقوم على الإيمان بكل ما ورد في القرآن والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته ووصفه بها على الحقيقة وعدم التعرض لها بشيء من التكييف أو التشبيه أو التأويل أو التحريف أو التعطيل واعتقاد أن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (١) . وهذه هي عقيدة علماء الدعوة في الأسماء والصفات، وهو مذهب أهل السنة والجماعة من السلف الصالح، وكان اتباع علماء الدعوة لمذهب السلف في هذه الناحية إيمانا منهم بأنه المذهب الحق , وابتعادا منهم عن الخصومة المذهبية، والتي كانت مثار الفرقة بين المذاهب الإسلامية المختلفة المتعادية. لذلك ركز الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من علماء الدعوة دعوتهم على توحيدي (الربوبية والألوهية) (٢) وقد أخذ الحديث عن (توحيد الألوهية) القسم الأكبر من مؤلفاتهم ورسائلهم، ولا غرو فقد كان هذا القسم هو مثار الجدال بينهم وبين أعدائهم المخالفين لهم. ويرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن من عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما (٣) . ونتيجة لاهتمام الشيخ بمسألة التوحيد منذ أن كان طالبا للعلم فقد ألف كتابا يبحث في هذا الصدد وسماه " كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد "، جمع فيه آيات وأحاديث في بيان التوحيد والترغيب فيه، وبيان الشرك والتحذير منه، ونبه على
следующие страницы →