العثماني في خطبة يوم الجمعة، فقد بين ابن غنام أن سبب ترك الشيخ ذلك لأنها بدعة محدثة في الدين وأنكرها جماعة من العلماء قبله (١) .
وإذا كانت الدولة العثمانية قد وقفت موقفا عدائيا من الدعوة وحركتها فذلك لأنها اعتقدت فيها نذيرا بتقويض سلطانها وخلافتها من بلاد العرب وقيام إمامة دينية جديدة، كما أن الدعوة قضت على نفوذ العثمانيين في الجزيرة العربية وبخاصة سلطتهم الدينية والسياسية في الحجاز وسلبتهم لقب حامي أو خادم الحرمين الشريفين، لذلك عهدت الدولة إلى واليها على مصر (محمد علي) بقمعها والقضاء عليها (٢) .
وإذا كان بعض الباحثين (٣) تمنى لو تعاونت حركة محمد علي السياسية في نجد بدعوة نجد الدينية في سبيل الإصلاح الإسلامي في ذلك الوقت فإننا نتمنى - من قلوبنا - لو تعاونت الخلافة العثمانية مع الدعوة السلفية في نجد، وفهمتها على حقيقتها الناصعة التي لو اعتنقتها لكان شفاء للرجل المريض الذي كان يطلق لقبا عليها (٤) .
ولا نشك أبدا أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد شوهت أمام السلاطين العثمانيين حتى تصوروها على غير حقيقتها، ويؤيد ذلك ما ذكره بعض الباحثين أن بعض أعداء الدعوة السياسيين كانوا كثيرا ما يكتبون إلى الأتراك العثمانيين أن حكام الدعوة السلفية في نجد من (آل سعود) اتخذوا راية شعارها (لا إله إلا الله محد رسول الله) بحذف " ميم " محمد الثانية - أي لا أحد رسول الله - وكل هذا تنفير للأتراك من الدعوة وأتباعها (٥) .
стр. 37
ولقد اشتركت جهات كثيرة في تشويه مبادئ الدعوة السلفية في نجد خاصة أولئك الذين اصطدموا بحركة الدعوة من أول ظهورها مثل (أشراف مكة) (١) كما أن (الإنجليز) كان لهم نصيب في ذلك، حتى إنهم كانوا يطلقون على أعدائهم في الهند لقب (الوهابيون) حتى ولو كانوا لا يمتون في سلوكهم ودعوتهم بأي صلة للدعوة السلفية في نجد (٢) .
ونعود فنقول: إن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد تركت بجانب ذلك كله أثرا سياسيا آخر، فقد اشتملت مبادئها كثيرا من الآراء السياسية سواء في مؤلفات الشيخ أو أتباعه من علماء الدعوة، وعلى الرغم من أن هذه الآراء متأثرة إلى حد كبير بكتاب (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣) إلا أنها تعكس - بحق - الواجهة السياسية للدعوة. ولعل من أهم المصادر للآراء السياسية للدعوة هو كتاب ألفه الشيخ (سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب) - حفيد الشيخ - واسمه (توضيح توحيد الخلّاق في الرد على أهل العراق) (٤) .
وبهذا ندرك أن الإصلاح الذي نادت به الدعوة لم يكن الغرض منه دينيا محضا - كما زعم بعض الباحثين (٥) - حقيقة إن الدعوة اهتمت بالإصلاح الديني أكثر من اهتمامها بالإصلاح السياسي، ولكن ذلك يرجع إلى الانحراف الديني في العالم الإسلامي - في ذلك الوقت - يفوق تدهوره السياسي، وفوق هذا وذاك فإن إصلاح العقيدة الإسلامية في نفوس المجتمع الإسلامي أساس كل إصلاح، ومن هنا نستطيع أن نرد على أولئك الباحثين الآخرين الذين ينقدون ويعيبون على الدعوة السلفية في نجد عدم الاهتمام بالتقدم الحضاري الذي يشهده العالم وقت ظهورها (٦) فمبادئ الدعوة - تبعا
стр. 38
للإسلام الحق - لا تتنافى مع التقدم الحضاري النافع إذا سار بهدى القرآن والسنة النبوية وآثار السلف الصالحين. ولعل الظروف الصعبة التي أحاطت بالدعوة وأتباعها في تاريخها الطويل هو الذي صرفها عن الأخذ بتلك الحضارة.
أما أن ينسب إلى الحضارة وأدواتها أنها ربما قامت عوائق في طريق الدعوات الدينية الإصلاحية السليمة - ومن أجل ذلك تفاداها محمد بن عبد الوهاب فإنه غير صحيح، إذ ربما كانت هذه الحضارة أيسر تسخيرا في التوصل السريع والنشر العاجل (١) .
وحينما عارض بعض جماعة (الإخوان) المتزمتين في عهد الملك عبد العزيز دخول أساليب الحضارة كالسيارة والتلغراف ونحوها قام علماء الدعوة في ذلك الوقت بإبطال اعتراضهم وبيان الحق في ذلك (٢) .
وأيا كان الأمر فإن مبادئ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم تقف في يوم من الأيام حائلا أمام الأخذ بما ينفع في التقدم الحضاري بشرط ألا يكون ذلك مخالفا لأحكام الإسلام وتعاليمه (٣) ولعل ما تشهده المملكة العربية السعودية من تقدم حضاري - في هذا الوقت - في جميع مجالات الحياة خير شاهد على ما نقول.
стр. 39
[مبادئ الدعوة]
[أولا التوحيد]
مبادئ الدعوة سنحاول الآن أن نلقي ضوءا شاملا على المبادئ الأساسية لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والتي من أجلها وقع الاختلاف بينه وبين معاصريه من علماء الدين حينذاك، ويمكننا حصرها في سبع مسائل هي:
التوحيد، والشفاعة، وزيارة القبور والبناء عليها، والبدع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتكفير والقتال، والاجتهاد والتقليد، وسنحاول أن نتعرف على كل مسألة.
أولا: التوحيد: يمكن القول إن مسألة التوحيد هي أهم المسائل التي قامت من أجلها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكل ما عداها من المسائل فهو منضو تحتها أو فرع منها.
ويعرف الشيخ محمد بن عبد الوهاب التوحيد بقوله: " هو إفراد الله بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده " (١) ويقسم الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب التوحيد إلى ثلاثة أنواع هي (٢) .
(أ) توحيد الربوبية: وهو توحيد الله بأفعاله مثل الخلق والرزق والإحياء والإماتة وتدبير الأمور، وإنزال الغيث , ونحو ذلك - وهذا النوع الذي أقر به الكفار على زمن الرسول ﷺ ولم يدخلهم في الإسلام وقاتلهم الرسول ﷺ واستحل دماءهم وأموالهم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] والآيات في هذا كثيرة.
(ب) توحيد الألوهية: وهو توحيد الله بأفعال العباد التي تعبَّدهم بها وشرعها لهم مثل الدعاء والنذر والاستعانة والاستغاثة والتوكل وغير ذلك، وهذا النوع هو
стр. 40
الذي وقع فيه النزاع من قديم الدهر وحديثه، وهو الذي جحده الكفار وكانت الخصومة فيه بين الرسل وأممهم من لدن نوح ﵇ إلى نبينا محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]
(جـ) توحيد الأسماء والصفات: ويقوم على الإيمان بكل ما ورد في القرآن والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته ووصفه بها على الحقيقة وعدم التعرض لها بشيء من التكييف أو التشبيه أو التأويل أو التحريف أو التعطيل واعتقاد أن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (١) . وهذه هي عقيدة علماء الدعوة في الأسماء والصفات، وهو مذهب أهل السنة والجماعة من السلف الصالح، وكان اتباع علماء الدعوة لمذهب السلف في هذه الناحية إيمانا منهم بأنه المذهب الحق , وابتعادا منهم عن الخصومة المذهبية، والتي كانت مثار الفرقة بين المذاهب الإسلامية المختلفة المتعادية.
لذلك ركز الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من علماء الدعوة دعوتهم على توحيدي (الربوبية والألوهية) (٢) وقد أخذ الحديث عن (توحيد الألوهية) القسم الأكبر من مؤلفاتهم ورسائلهم، ولا غرو فقد كان هذا القسم هو مثار الجدال بينهم وبين أعدائهم المخالفين لهم.
ويرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن من عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما (٣) .
ونتيجة لاهتمام الشيخ بمسألة التوحيد منذ أن كان طالبا للعلم فقد ألف كتابا يبحث في هذا الصدد وسماه " كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد "، جمع فيه آيات وأحاديث في بيان التوحيد والترغيب فيه، وبيان الشرك والتحذير منه، ونبه على
стр. 41
المسائل التي يمكن الاستدلال بها من هذه الآيات والأحاديث النبوية، وقد بدأ الشيخ كتابه في هذا الحديث عن آية ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ثم يتبعها بجملة من الآيات والأحاديث في الدعوة إلى عبادة الله، وفي معنى التوحيد، ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله وأنها مكفرة للذنوب إذا قيلت بإخلاص وبراءة من الشرك وعمل بمقتضاها، ثم ينتقل الشيخ إلى الكلام عن أنواع كثيرة من البدع والمفاسد بعضها أمور شركية وبعضها وسيلة إلى الشرك مثل: لبس الخيط والحلقة لرفع البلاء ودفعه والرقى والتمائم، والتبرك بالشجر والحجر ونحوها، والذبح لغير الله , والاستعانة والاستغاثة بغيره، ودعوة غير الله، والغلو في الصالحين ونحو ذلك، وقد جاء حديث الشيخ عن هذه الأنواع في (كتاب التوحيد) مختصرا، ولا يستطيع الباحث أن يأخذ فكرة علمية دقيقة عن آراء الشيخ في هذه النواحي إلا بقراءة كتبه ورسائله (١) ورسائل أتباعه من علماء الدعوة وكتبهم.
وكما اهتم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ببيان التوحيد، فكذلك اهتم ببيان ضده وهو (الشرك) وكل الأمور الموصلة إليه، حتى إنه ألّف رسالة مختصرة بعنوان " المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية "، وافتتحها بقوله: " لا غنى للمسلم عن معرفتها، فالضد يظهر حسنه الضد، وبضدها تتميز الأشياء " وشملت مائة وعشرين مسألة يوردها الشيخ باختصار شديد (٢) .
وإذا كان التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، فإن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط عمل صاحبه، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ويعرّف الشيخ محمد بن عبد الوهاب العبادة والجامع لها
стр. 42
وأنواعها بقوله: " العبادة اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فإن قيل فما الجامع لعبادة الله وحده؟ قلت طاعته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فإن قيل فما أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله؟ قلت: من أنواعها: الدعاء والاستغاثة وذبح القربان، والنذر، والخوف والرجاء، والتوكل، والإنابة والمحبة والخشية والرغبة والرهبة، والتأله والركوع والسجود والتذلل والتعظيم الذي هو من خصائص الألوهية "، ثم قال: " فمن صرف شيئا من هذه الأنواع لغير الله تعالى فقد أشرك بالله غيره " (١) .
والواقع أن كل هذه الأنواع إذا صرفت لغير الله تنافي (توحيد الألوهية) ، ولهذا كان هدف الدعوة هو القضاء على كل ما ينافي هذا التوحيد من مظاهر الشرك والوثنية (٢) وكان للشيخ محمد بن عبد الوهاب قدوة هامة هو شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال في هذا الصدد: " وقد بين الله هذا التوحيد في كتابه وحسم مواد الإشراك حتى لا يخاف أحد غير الله، ولا يرجو سواه، ولا يتوكل إلا عليه " (٣) .
ويفصل الشيخ محمد بن عبد الوهاب الحديث في بعض رسائله عن هذه الأمور المنافية لتوحيد الألوهية إذا صرفت لغير الله، فيقول مثلا في إحدى رسائله: " فمن عبد الله ليلا ونهارا ثم دعا نبيا أو وليا عند قبره فقد اتخذ إلهين اثنين ولم يشهد أن لا إله إلا الله لأن الإله هو المدعو. . ومن ذبح لله ألف أضحية ثم ذبح لنبي أو غيره فقد جعل إلهين اثنين كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] الآية [الأنعام: ١٦٢] . والنسك هو الذبح , وعلى هذا فقس. . اهـ " (٤) .
ويرد الشيخ محمد علي من قال: (إن اتجاهنا بهذه الأمور لغير الله من الأنبياء والأولياء ونحوهم إنما طلبا لشفاعتهم وجاههم عند الله) يرد عليه بقوله: " إن هذا وقول الكفار سواء بسواء، واقرأ عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]
стр. 43
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] (١) [يونس: ١٨] .
[ثانيا الشفاعة]
ثانيا: الشفاعة: يقسّم الشيخ محمد بن عبد الوهاب الشفاعة إلى قسمين: مثبتة ومنفية، وينقل كلاما لشيخ الإسلام ابن تيمية في هذا المعنى (٢) ويشرح الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب كلام جده بقوله: " الشفاعة نوعان: منفية في القرآن، وهي الشفاعة للكافر والمشرك، قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] وشفاعة أثبتها القرآن وهي خالصة لأهل الإخلاص (التوحيد) وقيدها تعالى بأمرين: الأول: إذنه للشافع أن يشفع كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] والثاني: رضاه عمن أذن للشافع أن يشفع فيه كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد " (٣) .
ومن أنواع الشفاعة التي أثبتها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من علماء الدعوة - اقتداء بالسلف الصالح - شفاعة الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال لورودها إما في القرآن أو في السنة الصحيحة، وكلها لا تكون إلا من بعد إذن الله تعالى ورضاه عمن شفع له، فلا يجوز أن تطلبها منهم وتدعوهم أن يشفعوا لك وإنما تطلبها من الله تعالى (٤) .
ويقرر علماء الدعوة بأنه من الشرك أن تطلب من الأموات شفاعتهم - حتى ولو كان الميت هو النبي ﷺ بدعوى أن لهم جاها عند الله - كما قال تعالى حكاية عن المشركين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] وقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] (٥) [يونس: ١٨] .
стр. 44
وتنطلق نظرة علماء الدعوة هذه من نظرة لهم عامة وهي: أنه لا يجوز طلب قضاء حاجة من الميت بل هو من الشرك , والأحسن الدعاء له والترحم عليه، فهو بحاجة إلى مثل هذا، أما الحي فيجوز الاستغاثة به فيما يقدر عليه؛ كأن تطلب من أحد الصالحين الأحياء الدعاء لك ونحو ذلك (١) .
وانطلاقا من إثبات علماء الدعوة الشفاعة للأنبياء والملائكة وللأولياء والأطفال فقد أثبتوا الشفاعة لنبينا محمد ﷺ يوم القيامة لأنها ثابتة في السنة الصحيحة، وقسموا شفاعته ﷺ إلى ستة أنواع، وكلها تكون يوم القيامة وهي: الشفاعة الكبرى، وشفاعته لأهل الجنة بدخولها، وشفاعته لقوم من العُصاة من أمته ألا يدخلوا النار، وشفاعته في إخراج العُصاة من أهل التوحيد من النار، وشفاعته لقوم من أهل الجنة في رفع درجاتهم، وأخيرا شفاعته في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب، وهي خاصة به دون غيره من الكفار " (٢) .
ويقرر علماء الدعوة بأن سبب الحصول على شفاعته ﷺ والطريق إليها هو اتباعه فيما جاء به قولا وعملا واعتقادا (٣) ولا يجوز طلبها من الرسول ﷺ نفسه، وإنما تطلبها من الله تعالى فتقول في دعائك: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه فيَّ، وأمثال هذا الدعاء (٤) .
من هذا العرض لنظرة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب للشفاعة ندرك حرص علماء الدعوة - وعلى رأسهم الشيخ محمد - على حماية جناب التوحيد والابتعاد عن كل ما هو وسيلة إلى الشرك والغلو في الصالحين.
стр. 45
[ثالثا زيارة القبور والبناء عليها]
ثالثا: زيارة القبور والبناء عليها: يمكن القول بأن هذه المسألة كانت من أهم المسائل التي كانت مثار الخلاف بين الشيخ وأعدائه , لا غرو فقد كانت أكثر مظاهر الوثنية انتشارا في العالم الإسلامي في عصر الشيخ تقديس العامة الجهلة لقبور الأولياء والصالحين وغيرهم، واتجاههم إليهم بالعبادة أو ما يقرب من العبادة (١) وقد سبق الكلام في ذلك عند حديثنا عن الحالة الدينية في العالم الإسلامي بعامة وفي بلاد نجد بخاصة.
وعندما قام الشيخ برحلاته إلى بعض بلدان العالم الإسلامي، ورأى انتشار هذه الوثنيات، صمم على إصلاح هذه الأمور ما وجد إلى ذلك سبيلا، ويرى الباحث في مؤلفات الشيخ وأتباعه من علماء الدعوة تركيزهم الشديد على هذه الناحية في أكثر مؤلفاتهم ورسائلهم.
وفي (كتاب التوحيد) يعقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب فصلا كاملا يورد فيه أن سبب كفر بني آدم من أول الخليقة - وفي عهد نوح ﵇ هو الغلو في قبور الصالحين، ثم يعقد فصلا آخر عن الوعيد الشديد فيمن عَبَدَ الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذ عبده، يعقبه فصل ثالث يتحدث فيه عن حماية الرسول ﷺ لجناب التوحيد، حيث حذر من الغلو في قبره وقال: «لا تتخذوا قبري عيدا» (٢) .
ويبين الشيخ في موضع آخر أن ما يفعله العامة عند قبور الصالحين والأولياء وغيرهم مناف لتوحيد الألوهية تمام المنافاة، حيث يصرفون لأصحاب هذه القبور أشياء لا تجوز إلا لله تعالى كالذبح والنذر والدعاء والاستغاثة ونحوها كما يفعل المشركون مع أصنامهم، والمشركون يؤمنون بأن الله هو الرازق والمحيي والمميت والمدبر؛ ولكنهم يتجهون إلى هذه الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى، وهذا ما يظنه العامة في هؤلاء الصالحين والأولياء (٣) وبذلك وقع هؤلاء العامة في شرك يماثل شرك المشركين في عهد النبي ﷺ ، بل يرى الشيخ أن مشركي زمانه أشد شركا من المشركين الأولين في أمرين:
стр. 46
أولهما: أن المشركين الأولين لا يدعون آلهتهم من الملائكة والأولياء والأصنام إلا في الرخاء، أما في حالات الشدة فيخلصون الدين لله، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢] بينما مشركو زمانه يتجهون إلى أصحاب هذه القبور في الشدة والرخاء.
ثانيهما: إن الأولين يدعون من الله أناسا مقربين عند الله، إما أنبياء، وإما أولياء، وإما ملائكة، أو يدعون أشجارا وأحجارا مطيعة لله ليست عاصية، بينما بعض مشركي زمانه يدعون مع الله أناسا من أفسق الناس، وممن يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك (١) .
لذلك كله تمسك الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من علماء الدعوة بالقاعدة الأصولية " سد الذريعة " والتي تقول إن كل ما يفضي إلى محرم فهو محرم مثله، فنهى النبي ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور لأن ذلك قد يكون ذريعة إلى تعظيمها ثم عبادتها، كما نهى ﷺ عن الغلو فيه أو المبالغة في مدحه أو اتخاذ قبره عيدا؛ لما يفضي ذلك كله إلى تعظيمه ثم عبادته وهو الشرك بعينه، «وقال للرجل الذي قال له: ما شاء الله وشئت: " أجعلتني لله ندا؟ ما شاء الله وحده» . . وهكذا (٢) .
ليس معنى ذلك أن علماء الدعوة يمنعون زيارة القبور مطلقا، ولكنهم يقسمون هذه الزيارة إلى ثلاثة أنواع: شرعية، وبدعية، وشركية.
أما الشرعية: فهي التي يقصد بها الزائر تذكر الآخرة والترحم على الميت والدعاء له بالمغفرة وقراءة الدعاء المأثور في ذلك الموطن، فهذا العمل مستحب شرعا.
أما البدعية: فهي التي يقصد بها الزائر دعاء الله وسؤاله عند قبر ذلك الميت، فهذا العمل بدعة منهي عنه.
أما الشركية: فهي ما يفعله الوثنيون عند القبور من الشرك البواح , وذلك بصرف أحد أنواع العبادة لصاحب القبر والتي لا تصلح إلا لله تعالى، كأن يدعو صاحب القبر كشف ضره وجلب الخير له، وشفاء الأمراض والأسقام، مع التقرب له بالذبح
стр. 47
والنذر له والطواف على قبره، ونحو ذلك، فهذا العمل شرك واضح (١) .
ولقد جاهد الشيخ محمد وعلماء الدعوة بكل قوتهم لصرف الناس عن الزيارة البدعية والشركية إلى الزيارة الشرعية التي شرعها الرسول ﷺ عند زيارة القبور، ومن هنا قرر علماء الدعوة بأنه لا تشد الرحال إلا لزيارة المسجد النبوي والصلاة فيه , وإذا قصد مع ذلك زيارة قبر النبي ﷺ فلا بأس (٢) .
، وذلك لحديث «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» [رواه البخاري ومسلم] (٣) .
وتمسكا بالقاعدة الأصولية السابقة " سد الذريعة " فقد شدد علماء الدعوة في تحريم البناء على القبور من قباب وغيرها , ورأوا وجوب هدمها لأنها وسيلة إلى الشرك، فهي تؤدي إلى تعظيم صاحب القبر ومن ثم عبادته (٤) وقد استدل علماء الدعوة بما ورد في السنة الصحيحة من تحريم البناء على القبور ووجوب هدم ما بني عليها، ومن ذلك وصية الرسول ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁ بأن لا يدع قبرا مشرفا (أي مرتفعا) إلا سويته، رواه مسلم. وروي أيضا عن جابر ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يكتب عليه» ، وغير ذلك من الأحاديث في هذا المعنى , ومن هنا ندرك أن علماء الدعوة في تحريمهم للبناء على القبور وهدمهم لها إنما هو تبعا لما ورد في السنة الصحيحة عن ذلك (٥) .
لذلك قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بهدم قبة قبر (زيد بن الخطاب) حينما كان في العيينة - كما سبق - كما قامت جيوش الدعوة بهدم قبة قبر (الحسين بن علي) ﵁ في كربلاء بقيادة الأمير سعود بن عبد العزيز في ذي القعدة عام ١٢١٦هـ (١٨٠١ م) ، كما هدموا القباب الموجودة على القبور عند دخولهم مكة في محرم سنة
стр. 48
١٢١٨ - هـ (١٨٠٣ م) (١) .
وليس معنى ذلك أن البناء على القبور في حد ذاته يصل إلى الشرك الأكبر - كما يعتقد بعض الناس - وإنما هي بدعة محرمة لأنها وسيلة إلى تعظيم صاحب القبر ثم عبادته فيجب إزالتها، وفي ذلك يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أحد أجوبته: " أما بناء القباب عليها (أي القبور) فيجب هدمها ولا علمت أنه يصل إلى الشرك الأكبر، وكذلك الصلاة عنده وقصده لأجل الدعاء لا أعلمه يصل إلى ذلك، ولكن هذه الأمور من أسباب حدوث الشرك فيشتد نكير العلماء لذلك " (٢) .
ولهذا لم يرد عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب شيئا عن القبة المقامة على قبر الرسول ﷺ في المدينة المنورة، بل كذَّب في إحدى رسائله الذين قالوا إنه يستحسن هدمها ويأمر به (٣) لذلك حينما دخل الإمام سعود بن عبد العزيز بجيشه المدينة سنة ١٢١٨ هـ (١٨٠٣ م) هدم القباب الموجودة على قبور الصحابة وغيرهم، أما القبة المقامة على قبر الرسول ﷺ فلم يتعرضوا لها واكتفوا بمنع الزائرين لقبره ﷺ من الزيارات البدعية والشركية , ولعل السبب في عدم التعرض لها بالهدم - من بين القباب - أنهم رأوا في هدمها شرا مستطيرا على العالم الإسلامي يزيد في اختلافه ونزاعه وتفرق كلمته (٤) ومع ذلك لم يسلم أتباع الدعوة من فرية هدم قبة قبر رسول الله ﷺ خاصة من المؤرخين الأوربيين الذين أطلقوا لخيالاتهم العنان في هذا الشأن , فأخذوا يتلذذون بذكر هذه الأسطورة الباطلة (٥) .
هذه نظرة عامة عن موقف دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من زيارة القبور والبناء عليها والتي تقوم على مكافحة تقديس أصحاب القبور وتعظيمها لما تؤدي إلى الشرك.
لقد خدمت فكرة الدعوة إلى التوحيد التي نادى بها الشيخ وحدة المسلمين
стр. 49
السياسية (١) ذلك أن أصحاب هذه القبور متفرقون، كل فرقة تعظم قبرا لا تعظمه الفرقة الأخرى، وبينما أهل التوحيد يعبدون الله وحده ويتجهون إليه بكل أمورهم، فإذا ما انضم المجتمع الإسلامي كله إلى صف أهل التوحيد قويت وحدته الدينية التي على أساسها تقوم كل وحدة.
[رابعا البدع]
[مفهوم البدع ووقت ظهورها وبيان حكمها]
رابعا: البدع: يذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في بعض رسائله أن كل محدثة في الدين بدعة، ويسمي الشيخ وأتباعه من علماء الدعوة هذه المحدثات بالدين باسم " البدع " (٢) مستدلين بحديث رسول الله ﷺ في ذلك.
وليس صحيحا ما ذكره بعض الباحثين من أن علماء الدعوة وأتباعها توسعوا في معنى البدعة فجعلوا من البدع عادات لا صلة لها بالعبادات كبعض أمور الملبس والمأكل (٣) وهذا هو الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ يقول في هذا الصدد: " الكلام في العادات لا في العبادات، والمباحث الدينية نوع والعبادات نوع آخر، فما اقتضته العادة من أكل وشرب ومركب ولباس ونحو ذلك ليس الكلام فيه "، ثم يعرّف البدعة بقوله: " والبدعة ما ليس لها أصل في الكتاب والسنة، ولم يرد بها دليل شرعي من هديه وهدي أصحابه "، وهذا هو الشيخ سليمان بن سحمان - أحد علماء الدعوة - يقول: " إن لبس العمائم والأردية والأزر وغيرها من العادات التي هي من قسم المباحات التي لا يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها لا من قسم العبادات " (٤) .
ويحدد الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب زمن ظهور البدعة بأنها ما حدثت بعد القرون الثلاثة الهجرية، ويحصرها بالبدع المتخذة دينا وقربة، أما ما لا يتخذ دينا وقربة فليس ببدعة، ومعنى ذلك أن البدع عنده محصورة في العبادات فقط.
ومنذ قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوته وهو يجاهد في محاربة البدع بكل
стр. 50
أشكالها؛ ولذلك نهى تلاميذه عن قراءة كتابي (دلائل الخيرات وروض الرياحين) لاشتمالهما على أمور بدعية في الدين (١) .
ولقد أخذ الحديث عن البدع المحدثة في الدين حيزا كبيرا من مؤلفات ورسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من علماء الدعوة، بل لا تكاد تجد شيئا من هذه المؤلفات والرسائل إلا وقد أشارت -تفصيلا أو إجمالا - إلى تلك البدع التي دخلت في دين الإسلام، وأبعدت المسلمين عن إسلامهم الصحيح النقي، وعلى سبيل المثال اشتملت الرسالة الصغيرة الوافية التي كتبها الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمهما الله - عند دخول جيوش الدعوة مكة في محرم سنة ١٢١٨ هـ اشتملت على حديث واف عن أنواع متعددة من هذه البدع، فذكر بدعة رفع الصوت بالصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان، و بدعة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وبدعة التوسل بجاه النبي أو الحلف به. . وغيرها (٢) .
أما حكم هذه البدع في نظر علماء الدعوة، فهي مذمومة على كل حال، ويختلف الحكم عليها باختلاف نوعها والقصد الذي أراده فاعلها، فإذا كان بعض هذه الأنواع محرما، فإن بعضها قد يصل إلى درجة الشرك مثل الحلف بغير الله إذا قصد المقسم بحلفه التعظيم (٣) .
ويمكن القول: إن هناك بدع يجد الباحث تركيز علماء الدعوة في الحديث عنها في كثير من المناسبات، وأهم هذه الأنواع:
[بدعة الاحتفال بالمولد النبوي]
(أ) بدعة الاحتفال بالمولد النبوي: فعلماء الدعوة وعلى رأسهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، يرون أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة محدثة في الدين لأنها لم ترد عن سلف هذه الأمة، وعلى رأسهم الصحابة ﵃، ولا شك أنهم أكثر حبا لرسول الله ﷺ منا، فلو كان الاحتفال بمولده خيرا
стр. 51
لفعلوه، هذا إضافة إلى ما يشمله الاحتفال من المنكرات في الدين البعيدة عن مبادئ الإسلام وتعاليمه، لهذا أنكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب على (سليمان بن سحيم) مطوع الرياض حضوره الاحتفال بالمولد وقال: " الناس يشهدون عليك أنك تروح للمولد وتقرؤه لهم وتحضرهم، وهم ينخون ويندبون مشايخهم، ويطلبون منهم العون والمدد، وتأكل اللقم من الطعام المعد لذلك، فإذا كنت تعرف أن هذا كفر فكيف تروح إليهم وتعاونهم عليه وتحضر كفرهم؟ " (١) ويذكر أن الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في رسالته - التي أشرنا إليها سابقا - أن من البدع ما اعتيد في بعض البلدان من قراءة مولد النبي ﷺ بقصائد وألحان وتخلط بالصلاة عليه والأذكار والقراء ة. . ويتوهم العامة أن ذلك من القرب والسنن المأثورة (٢) .
ولم يكن علماء الدعوة أول من قام بإنكار هذه البدعة , فقد أنكرها قبلهم شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) الذي رأى فيها تشبها بالنصارى الذين يجعلون يوم مولد المسيح ﵇ عيدا لهم، وفوق ذلك فهو عمل لم يفعله سلف هذه الأمة، ولو كان فيه خير لفعلوه.
[بدعة المحمل]
(ب) بدعة المحمل: كان الأتراك العثمانيون قد تعودوا أن يرسلوا إلى مكة عن طريق ولاتهم كل سنة محملا يحمل الكسوة للكعبة المشرفة (٤) و (المحمل) جمل منصب عليه هودج، ويزين بأنواع الزينة يجعلونه في مقدمة ركب قافلة الحج، ويأتي في موكب من الطبول والزمور الذي لا يتفق مع قدسية المكان , بل جعلوا ذلك كالسنة المتبعة أو الفريضة الشرعية حتى توهم العامة أن المحمل جزء من فريضة الحج، وبالغوا في تعظيمه حتى كان الناس يتمسحون به ويقبلونه (٥) .
стр. 52
وقد عد علماء الدعوة هذا كله من البدع المستحدثة في الدين يجب محاربتها، ولذلك عندما دخل الإمام سعود بن عبد العزيز الحجاز سنة ١٢١٨ هـ منع المحمل من المجيء إلى أرض الحجاز، بل أرسل إلى السلطان العثماني رسالة يحذره فيها من إرسال المحمل لأنه بدعة لا يرضاها الشرع، وفي عهد الملك عبد العزيز وبعد استيلائه على الحجاز عام ١٣٤٥ هـ (١٩٢٦ م) حاول المصريون تجديد مراسم المحمل، فمنعهم الملك عبد العزيز من ذلك (١) .
وينبغي أن نلاحظ أن للمحمل أهدافا أخرى وهي حماية الحجيج، ولذا فهناك محمل سوري لا يحمل كسوة الكعبة، وأثناء الصراع بين السعوديين والعثمانيين حاول العثمانيون استغلاله لأهداف عسكرية.
[بدع الصوفية]
(ج) بدع الصوفية: يرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن الصوفية منهج فاسد فيها كثير من البدع والطرائق المختلفة المخالفة لهدي الرسول ﷺ وسنته وذلك في عباداتهم وخلواتهم وأذكارهم المخالفة للشرع الإسلامي (٢) .
ومن هنا جاءت محاربة علماء الدعوة للصوفية والمتصوفين , وذلك بسبب ما دخل على الصوفية من بدع مختلفة لا تمت إلى الإسلام بصلة، فأصبحت الصوفية بعد ذلك من الفرق الفاسدة في المجتمع المسلم " (٣) .
ويعلل المؤرخ حسين بن غنام إنكار الشيخ لترهات الصوفية وشطحاتهم بأنها مخالفة للقرآن الكريم والسنة النبوية، وما كان عليه سلف الأمة الصالح , ويمثل ابن غنام لهذه الشطحات من الصوفية بأمثلة عديدة منها قوله: " حكايات تنفر منها الأسماع مثل بيع الجنة وغرفها، وكون الولي يجر على مركب في الهواء من الذهب، ومثل قولهم: إن البر في يمينه والبحر في شماله، ومثل دعوى بعضهم العروج إلى السماء بالأرواح كل حين، وعلمهم بما سيقع من الغيب "، ويختم ابن غنام تلك الأمثلة بقوله: " ومثال
стр. 53
هذه الحكايات والخرافات. . مما هو هتك للشريعة وسلوك للغي " (١) .
والواقع أن إنكار الشيخ محمد بن عبد الوهاب لبدع الصوفية قد ظهر منذ باكورة دعوته المباركة، فحينما كان الشيخ في البصرة أخذ يهاجم رجال الطرق الصوفية ومشايخ الشيعة الموجودين في البصرة وينكر عليهم بدعهم (٢) فتعرض الشيخ لأذى منهم اضطره إلى الخروج من البصرة - كما سبق.
وفي نجد تعرض أيضا لهجوم وعداوة من يسميهم " أولاد شمسان وأولاد إدريس وكذلك فقراء الشياطين الذين ينتسبون إلى الشيخ عبد القادر وهو منهم بريء كبراءة علي بن أبي طالب من الرافضة "، ويصف الشيخ عملهم بقوله: " الذين يأكلون أموال الناس بالباطل يأمرون الناس أن ينذروا لهم وينخونهم ويندبونهم " (٣) وهذا يدل على أن للصوفيين وجودا في بلاد نجد، فقد كانت بدعهم موجودة عند بعض علماء نجد سواء في عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو قبله (٤) .
وليس معنى ذلك أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته تنكر كرامات الأولياء الصالحين، ولهذا يقول الشيخ في رسالته لأهل القصيم: " وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله " (٥) كما أنه ليس كل من ادعى الولاية فهو ولي - في نظر علماء الدعوة - ولهذا يصف الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود من تسمى بالولي في عصره - في رسالة عامة له - بقوله: صار الولي في هذا الزمان من أطال سبحته ووسع كمه وأسبل إزاره ومد يده للتقبيل، ولبس شكلا مخصوصا وجمع الطبول والبيارق، وأكل أموال عباد
стр. 54
الله ظلما وادعاء، ورغب عن سنة المصطفى وأحكام الشرع " (١) .
[خامسا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
خامسا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إن أهم ما يميز الدعوة السلفية التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب عدم وجود فجوة أصلا بين المجال النظري للدعوة وبين التطبيق العملي للمؤمنين بها، بل لا تعرف حركة إسلامية كانت أمينة على مبادئها وملتزمة بها في مجال التطبيق مثل حركة الدعوة السلفية (٢) ولهذا كان من المبادئ الأساسية التي تبنتها الدعوة الحزم في تطبيق أوامر الدين الإسلامي على أتباعها واجتناب نواهيه، وجعلت كل مسلم في المجتمع الإسلامي مسؤولا عن هذا التطبيق حسب استطاعته، وهذا ما أطلقت عليه الدعوة اسم " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ".
ولهذا يرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقدر الذي توجبه الشريعة الإسلامية ومبادئها (٣) .
وفي الرسالة التي كتبها الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لأهل مكة بعد دخول جيوش الدعوة الحجاز عام ١٢١٨ هـ، يذكر أن الأمير سعود الكبير بيّن لعلماء مكة أن الاختلاف بينهم قائم على أمرين:
أحدهما: إخلاص التوحيد لله تعالى.
والثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لم يبق عندهم إلا اسمه وانمحى أثره ورسمه، ويذكر الشيخ عبد الله أن علماء مكة وافقوا الأمير سعود على ذلك واستحسنوا رأيه دون مشقة (٤) .
ويلخص الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رأي الدعوة في نظام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوله: " ونرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي
стр. 55
عن المنكر على كل قادر بحسب قدرته واستطاعته، إما بيده، فإن تعذر فبلسانه، فإن تعذر فبقلبه، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (١) .
وفي الحقيقة أن نظام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يكن شيئا ابتكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته وإنما هو مبدأ ونظام إسلامي أصيل، فقد كانت الدولة الإسلامية قديما يوجد فيها منصب يسمى " الحسبة " ويسمى صاحبه " المحتسب " وعمله تطبيق قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان مع المحتسب أعوان يراقبون أمور العباد والأخلاق العامة والتجارة وأرباب الحرف والأسعار والموازين إلى غير ذلك (٢) وهو مماثل لنظام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الدعوة السلفية إلى حد كبير، وإن كان النظام ينصب عند الدعوة على الاهتمام بأمور العبادات والأخلاق العامة، فيوجهوا الناس إلى حضور صلاة الجمعة والجماعة، ويمنعونهم من الإفطار في رمضان , وهكذا. . كما يحافظون على حماية المجتمع من المفاسد كشرب الخمور وأنواع اللهو والفساد، والجهر بالمعاصي بشكل عام.
ويذكر لنا صاحب كتاب " لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب " أنه في عهد الدولة السعودية الأولى كان رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشرفون على أمور البيع والشراء لمنع هذه الأمور من المفاسد العامة كنقص المكيال والميزان والتعدي على الآخرين (٣) .
وحينما يأمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أتباعه بالتمسك بنظام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يوجههم الوجهة الإسلامية في هذا الصدد القائمة على الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]
стр. 56
ولهذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في إحدى رسائله: ". . . أهل العلم يقولون: الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحتاج إلى ثلاث: أن يعرف ما يأمر به وينهى عنه، ويكون رفيقا فيما يأمر به وينهى عنه، صابرا على ما جاءه من الأذى " (١) .
ويحرص الشيخ محمد بن عبد الوهاب على توجيه أتباعه نحو آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيذكر أنه إذا صدر منكر من مسلم أمير أو غيره ينصح برفق خفية، فإن وافق وإلا أرسل إليه من ينصحه , فإن لم يفلح أنكر عليه ظاهرا إلا إذا كان صاحب المنكر أمير، فيرفع الأمر إلى ولي الأمر الأكبر خفية، وكان هذا التوجيه من الشيخ حرصا منه على إجماع الأمة وعدم الفرقة ولذلك يقول الشيخ: " يذكر العلماء أن إنكار المنكر إذا صار يحصل بسبب افتراق لم يجز إنكاره، فالله الله العمل بما ذكرت لكم، فإنكم إن لم تفعلوا صار إنكاركم مضرة على الدين، والمسلم ما يسعى إلا في إصلاح دينه ودنياه " (٢) .
والحق: أن قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتي حرصت الدعوة السلفية على تطبيقها قد أثمرت الثمار المطلوبة على مدار التاريخ، وكان هذا بتوفيق الله ثم بفضل توجيهات الشيخ محمد بن عبد الوهاب نحو آدابها وتمسك أتباعه بها، ويصف لنا المؤرخ ابن بشر حال مكة بعد دخولها في ميدان الدعوة ودولتها (الدولة السعودية الأولى) بقوله: " وفشا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مكة، فلا يشرب التنباك في أسواقها , وأمر سعود أن يجعل في أسواقها من يأمرهم بالصلاة إذا دخل الوقت , فكان إذا أذن المؤذن دار (النواب) في الأسواق: الصلاة. . الصلاة " (٣) وفي عصرنا الحاضر لا زال نظام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائما في المملكة العربية السعودية، وله إدارة مستقلة باسم " الرئاسة العامة لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " لها نظام خاص وميزانية مالية خاصة بها.
стр. 57
[سادسا التكفير والقتال]
سادسا: التكفير والقتال: قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوته السلفية وهو مؤمن إيمانا تاما بأنه لا بد لهذه الدعوة لكي تنتشر أن تؤمَّن ضد أعدائها والمعارضين لها، لذلك أخذ يبحث عن مستند يستند إليه في ذلك الوقت فانتهى إلى (محمد بن سعود) أمير الدرعية الذي تعاهد مع الشيخ على الدفاع عن الدعوة ونشرها وليس معنى ذلك أن الدعوة انتشرت بحد السيف، ولكن العكس هو الصحيح - كما يظهر ذلك لكل باحث بعمق في تاريخ تلك الدعوة - فقد كانت الدعوة في معظم الأحوال تسبق الغزوات، فتكون مهمة الغزوات حماية أنصار الدعوة والراغبين في الدخول فيها.
لقد سلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب في سبيل نشر دعوته عدة طرق ووسائل يأتي (الجهاد والقتال) في آخر قائمة تلك الوسائل، فقد سلك أسلوب (الوعظ والتدريس) وعقد في كل يوم عدة مجال لتدريس تلاميذه مبادئ الدعوة، وسلك أيضا أسلوب (الخطابة) لبيان مبادئ الدعوة كما سلك أسلوب (الرسائل) بينه وبين أهل البلدان المختلفة، كما سلك أسلوب (المناظرات) مع علماء تلك البلدان، وسلك أيضا أسلوب (تأليف الكتب) التي تبحث في حقيقة الدعوة.
ثم إذا لم تفد كل هذه الوسائل والطرق يأتي الأسلوب الأخير (الجهاد والقتال) لحماية الدعوة وأنصارها والراغبين في الانضواء تحت لوائها (١) ولإيجاد المناخ المناسب لانتشار الدعوة , ولإقامة دولة إسلامية تؤمن بالإسلام عقيدة وعبادة وشرعة ومنهاجا ذات سلطة تحمل الناس على الحق.
وهكذا نرى أن الدعوة قد سلكت الأسلوب السلمي في أغلب مراحل انتشارها ولم تلجأ إلى أسلوب القتال إلا بعد فشل أساليب السلم، ولكن أعداء الدعوة على اختلافهم أخذوا يشنعون على الدعوة قتالها للمسلمين، لأن مبادئها تقوم على تكفير المسلمين كما زعموا.
стр. 58
وسنترك لصاحب هذه الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه مهمة الرد على تلك التهمة الباطلة التي أخذ يرددها -مع الأسف - كثير من الباحثين في تاريخ الدعوة كأحد منتقداتهم عليها (١) وذلك لأن هؤلاء الباحثين لم يستقوا مبادئ الدعوة من ينابيعها الأصلية وهي مؤلفات ورسائل الشيخ محمد صاحب الدعوة وأتباعه من علماء الدعوة، وإنما استقوها من مؤلفين لا ينتمون إلى الدعوة بصلة، بل كثيرا ما يكون هؤلاء المؤلفون من أعدائها المريدين تشويهها أمام الناس.
فالشيخ محمد بن عبد الوهاب يقول ما نصه: " وأما التكفير فأنا أكفّر من عرف دين الرسول ﷺ ثم بعدما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله، فهذا الذي أكفّره وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك " (٢) ثم يقول: " وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة، وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا، ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وكذلك من جاهر بسبب دين الرسول ﷺ بعدما عرفه " (٣) .
الحق أن هذا النص - على اختصاره - يرد على أولئك المشنعين على الدعوة، وهو في الحقيقة يلخص رأي الدعوة عامة في مسألة (التكفير والقتال) .
وهناك نصوص في رسائل ومؤلفات للشيخ نفسه وعلماء الدعوة تناقش رأي الدعوة في هذه المسألة، وتورد الأدلة من القرآن والسنة وآثار السلف الصالح محاولة إقناع من وقفوا في طريقها.
فيذكر الشيخ في إحدى هذه الرسائل أن علماء المسلمين أجمعوا على أن من صدق الرسول ﷺ في شيء وكذبه في شيء آخر فهو كافر حلال الدم والمال، وإخلاص
стр. 59
التوحيد لله تعالى أهم ما جاء به الرسول ﷺ ، فكيف نقاتل من ينكر الصلاة والزكاة ولا نقاتل من ينكر إخلاص التوحيد لله، بل ويعادي أهل التوحيد ويحاربهم؟ ثم بعد ذلك يقوم الشيخ بالرد على من قال: إن قول لا إله إلا الله تكفي في عدم تكفير قائلها وقتاله، ويفند كثيرا من شبههم التي أوردوها في ذلك في كتابه: " كشف الشبهات "، وينتهي في الأخير إلى تقرير أن التوحيد وإخلاصه لله تعالى لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإذا اختل شيء من هذا لم يكن الشخص مسلما (١) .
والحقيقة أن من يتأمل في أقوال الشيخ يتبين من خلالها قوة حجته في أن كلمة لا إله إلا الله لا تبرئ قائلها - الذي يجهل معناها ولا يعمل بمقتضاها كالذي كان يوجد عند بادية نجد - من الشرك ولا تحميه من الكفر.
وفي رسالة أخرى يحصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب من يكفرهم في أربعة أنواع:
١ - من عرف التوحيد ووجوب إخلاصه لله وأن الاعتقاد بغيره شرك، ولكنه لم يلتفت إلى التوحيد ولا تعلمه ولا دخل فيه ولا ترك الشرك، فهو كافر نقاتله بكفره.
٢ - من عرف ذلك كله ولكنه سب دين الرسول ﷺ ومدح أهل الشرك فهذا كافر أشد من الأول.
٣ - من عرف التوحيد واتبعه وعرف الشرك وتركه، ولكنه يكره من دخل في التوحيد ويحب من بقي على الشرك، فهذا أيضا كافر لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]
٤ - من سلم من ذلك ولكن أهل بلده معادون لأهل التوحيد ويتقاتلون معهم فيشترك معهم في قتال أهل التوحيد بماله ونفسه، فهذا أيضا كافر لإمكان هجرته عن بلده (٢) .
ولم تسلك الدعوة مع هؤلاء كلهم سبيل الشدة من أول الأمر؛ بل سلكت معهم سبل الإقناع المختلفة من تدريس ووعظ، ومناظرة , ومراسلة، وتأليف - كما تقدم - ولذلك يقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: " ولا نكفّر إلا من بلغته دعوتنا
стр. 60
للحق ووضحت له المحجة، وقامت عليه الحجة، وأصر مستكبرا معاندا كغالب من نقاتلهم اليوم يصرون على ذلك الإشراك، وغير الغالب نقاتله لمناصرته لمن هذه حاله ورضاه عنه " (١) .
ولعل أقرب دليل على أن الدعوة لم تسلك سبيل الشدة مع هؤلاء من أول أمرها الأدوار أو المراحل التي مرت بها الدعوة - كما سبق بيانها - وهي ثلاثة:
١ - الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن في كل من (حريملاء والعيينة والدرعية) .
٢ - مرحلة تطبيق مبادئ الدعوة في العيينة من هدم القباب، وقطع الأشجار، وإقامة الحدود.
٣ - دور الجهاد بالسيف لحمل الناس بالقوة على الرجوع إلى دينهم الإسلامي الصحيح وذلك بعد سنتين من قدوم الشيخ إلى الدرعية، وقد قضى الشيخ السنتين في مراسلة ومناظرة مع مخالفيه في محاولة لإقناعهم بالرجوع إلى الدين الصحيح.
والواقع أن أي باحث في تاريخ الدعوة لا يستطيع أن يحصل على حادثة واحدة سلكت فيها الدعوة سبيل الشدة والقتال من أول الأمر - حتى مذبحة (كربلاء) عام ١٢١٦ هـ (١٨٠١ م) التي أوردها كثير من الباحثين كمثال على سلوك الدعوة سبيل الشدة - على أنه يجب أن نلفت النظر فيها إلى أمرين هامين:
أولهما: أن تلك الحادثة أبرزت في كثير من الكتب بصورة مبالغ فيها، هذا إضافة إلى أن كثيرا من أهل البادية التي اشتركت مع جيش الدعوة عملوا في تلك الواقعة من الأعمال التي لا تتفق مع تعليمات الرئيس الأعلى للدولة، ولا مع الآراء التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وثانيهما: أن التبعة في هذه الواقعة لا تقع على الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود وإنما تقع على والي العراق العثماني في ذلك العهد الذي ساعد أهل الأحساء في تمردهم ضد السعوديين وبعث جيشا بقيادة (ثويني) لمحاربة جيوش الدعوة، كما أنه عاهد
стр. 61
(عبد العزيز بن محمد بن سعود) ولم يف بالعهد، فقد قتل مجموعة موالية له -أناسا يدينون بالولاء للإمام عبد العزيز - تقدرهم بعض المصادر التركية بثلاثمائة شخص - فطلب عبد العزيز من الوالي في العراق التقيد بالاتفاق وتأديب المعتدين وتسليم ديات القتلى , لكن الوالي التركي لم يلتفت إلى ذلك كله، مما جعل عبد العزيز يرسل سرية بقيادة ابنه (سعود بن عبد العزيز) انضم إليها كثير من أهل البادية بعضها معادية لوالي العراق، وغير موالية للإمام عبد العزيز وللدعوة، فأحدثوا ما قلناه في الفقرة السابقة (١) .
أما أولئك الذين يشنعون على الدعوة ويزعمون أن أتباعها يكفّرون من هم على غير مذهبهم من المذاهب الإسلامية كالشافعية والحنفية والمالكية، فإن أقرب رد على هؤلاء أن أتباع الدعوة حينما كان لهم حكم الحرمين الشريفين من سنة ١٢١٧ - ١٢٢٨ هـ (١٨١٣-١٨٠٢ م) لم يمنعوا هؤلاء من الحج ولو كانوا يكفرونهم لمنعوهم من الحج , هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنهم يطالبون هؤلاء بالتمسك بأقوال أئمتهم في إخلاص التوحيد لله، ولو أن الإمام الشافعي مثلا - وجد اليوم ورأى ما يفعله الناس عند قبره لكان أشد من أتباع الدعوة السلفية ردعا لهؤلاء الناس، وغضبا لعقيدة التوحيد التي جاء الإسلام بها (٢) .
ومما تقدم كله ندرك أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته لم تَقُل بتكفير المسلمين وقتالهم، بل وضعت للتكفير شروطا وضوابط متعددة.
[سابعا الاجتهاد والتقليد]
سابعا: الاجتهاد والتقليد: لقد كان من أهم المبادئ التي سعت إليها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الدعوة إلى الاتباع للكتاب والسنة , ومحاربة التقليد الذي خيم على عقول المسلمين في ذلك الوقت، فانصرفوا عن النظر في القرآن الكريم والسنة النبوية وآثار السلف الصالح إلى تقليد أئمتهم المتأخرين تقليدا أعمى، وصاروا أمامهم كالميت بين يدي المغسّل (٣) .
стр. 62
ومع أن علماء الدعوة يصرحون في أن مذهبهم في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة وفي الفروع على مذهب أحمد بن حنبل، فإنهم يصرحون أيضا أن أصول الدين لا اجتهاد فيها (١) أما الفروع فإن الشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه صرح بأنه سيتقبل فيها كلمة الحق من أي إمام كان ويترك ما عداه حاشا رسول الله ﷺ فإنه لا يفارقه الحق (٢) .
والمذهب الحنبلي - الذي يتبعه الشيخ وأتباعه - يدعو تلاميذه إلى الاجتهاد، بل هو أسبق المذاهب الإسلامية إلى العودة نحو الاجتهاد , لذلك خرج منه علماء مجتهدون بارعون وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) .
لذلك كان من الطبيعي محاربة الشيخ محمد بن عبد الوهاب للتقليد، ودعوته إلى النظر في القرآن وآثار السلف الصالح الذي لا يمكن أن يكون اجتهاد إلا بالنظر في هذا كله.
وقد أدرك الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن سبب انحراف المسلمين عن إسلامهم الصحيح هو انشغالهم بكتب المتأخرين عن النظر في القرآن والسنة، وكان ذلك راجعا إلى اعتقاد الناس استحالة وصولهم إلى مرتبة الاجتهاد (٤) .
ولقد آمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأنه لا سبيل إلى الإصلاح إلا بتحطيم قيود التقليد والعودة إلى النظر في القرآن والسنة النبوية الصحيحة وليس القرآن بعصي المعنى , وليست السنة بمستعصية على طالبي فهمها (٥) .
وفي كثير من المناسبات يذم الشيخ محمد بن عبد الوهاب التقليد حتى جعله من الأمور التي خالف فيها الرسول ﷺ المشركين، ولذلك يقول في هذا الصدد: " دين المشركين مبني على أصول أعظمها التقليد، فهو القاعدة الكبرى لجميع الكفار أولهم وآخرهم " (٦) .
стр. 63
وليس معنى محاربة الشيخ محمد بن عبد الوهاب للتقليد أنه يحاربه بكل أنواعه وظروفه، ولكن التقليد عند الشيخ قد يكون ممنوعا، وقد يكون مباحا مأذونا فيه: فالتقليد ممنوع على الشخص الذي يستطيع معرفة الأدلة التفصيلية واستنباطاتها إلا لضرورة ملحة، أما الذي لا يستطيع معرفة ذلك في جميع أموره فالتقليد له مباح مأذون فيه، ولذلك كذّب الشيخ محمد بن عبد الوهاب من اتهمه بإبطال التقليد كلية (١) .
والشيخ وأتباعه وإن كانوا يلتزمون مذهبا معينا في الفروع وهو مذهب أحمد بن حنبل إلا أنهم لا يتعصبون له، ولا يقدمونه على نص قاطع، ولذلك نجد أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من علماء الدعوة ينقلون في كثير من المناسبات أقوال الأئمة الأربعة في بعض المسائل , ليقرروا بعد ذلك الرأي المرجح عندهم، كما أنهم يعتمدون على كثير من كتب المذاهب الإسلامية المختلفة في كثير من مباحثهم، ولذلك يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: " ثم إننا نستعين على فهم كتاب الله بالتفاسير المتداولة ومن أجلّها لدينا تفسير ابن جرير الطبري، ومختصره لابن كثير الشافعي وكذلك البغوي والبيضاوي والخازن والحداد والجلالين وغيرهم، وعلى فهم الحديث بشرح الأئمة المبرزين كالعسقلاني والقسطلاني على البخاري والنووي على مسلم والمناوي على الجامع الصغير، ونحرص على كتب الحديث خصوصا الأمهات الست وشروحها " إلى أن يقول: " ونعتني بسائر الكتب في سائر الفنون أصولا وفروعا وقواعد وسيرا ونحوا وصرفا وجميع علوم الأئمة " (٢) .
إن هذا النص السابق يعطينا كثيرا من الدلائل والمعطيات وأهمها أن أتباع الدعوة لا يتعصبون لكتب الحنابلة وعلمائهم وإنما هم علماء متفتحون يهتمون بكل ما يوصلهم إلى الحق أيا كان مصدره، ولذلك فإنهم يقرون - في بعض رسائلهم - الاجتهاد وإن خالف المجتهد أقوال الأئمة الأربعة إذا تبين له الحق في غير أقوالهم (٣) وكان من الاجتهاد.
стр. 64
ولهذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته إلى السويدي: " ولست أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله التي أوصى أول أمته وآخرهم " (١) .
ومما يجب ذكره هنا إعجاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من علماء الدعوة بآراء شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم واتباعهما في كثير من الآراء، ولم يكن ذلك تقليدا من الشيخ وأتباعه لابن تيمية وابن القيم - كما يزعم بعض الباحثين - وإنما هو من موافقة الحق للحق.
إن معنى التقليد أن تؤخذ قضايا الأولين مسلمة من غير نظر في الأدلة المتبعة لها، وأما الإيمان بها عن دليل وإقناع فلا يسمى ذلك تقليدا (٢) .
ولذلك يصرح علماء الدعوة أنهم غير مقلدين لابن تيمية وابن القيم إلا بالحق وإذا وجدوا الحق في غير أقوالهما اتبعوا الحق أيا كان مصدره، ولذلك يقول الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: " وعندنا أن الإمام ابن القيم وشيخه (ابن تيمية) إماما حق من أهل السنة، وكتبهم عندنا من أعز الكتب إلا أننا غير مقلدين لهم في كل مسألة، فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا نبينا محمد ﷺ ، ومعلوم مخالفتنا لهم في عدة مسائل منها: طلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس، فإننا نقول به تبعا للأئمة الأربعة (٣) .
وإذا كان الشيخ وأتباعه على مذهب أحمد في الفروع -كما مر - فإنهم لا ينكرون من قلد أحد الأئمة الأربعة دون غيرهم لعدم ضبط المذاهب الأخرى كما يذكر ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته السابقة - ويذكر أيضا أنهم لا يستحقون مرتبة (الاجتهاد المطلق) ولا أحد منهم يدعيها، أما الاجتهاد في بعض المسائل دون البعض الآخر فلا مانع عندهم ولا مناقضة مع عدم الاجتهاد المطلق، ولذلك كان لبعض علماء الدعوة اجتهادات في بعض المسائل خالفوا فيها المذهب الحنبلي كإرث الجد
стр. 65
والإخوة فإنهم يقدمون الجد بالإرث وإن خالف ذلك مذهب الحنابلة (١) بل كان للشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه اجتهادات أخرى تجديدية، وهي وإن كانت قليلة جدا إلا أنها تدل على نظرة الدعوة السلفية للاجتهاد من بابه الواسع.
ولذلك يقرر كثير من الباحثين أن من أبرز معطيات دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب العودة بعلماء المسلمين إلى الاجتهاد في الفروع بعد أن كان ذلك معدوما أو شبه معدوم (٢) .
لكن، إذا كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب يعد (عالما مجتهدا) فمن أي أنواع العلماء والمجتهدين يمكن أن نسميه؟ الواقع أن علماء أصول الفقه يقررون أن للاجتهاد عدة أنواع هي: المجتهد المطلق، ثم المجتهد المنتسب لمذهب معين، ثم المجتهد في مذهب من المذاهب، ثم المجتهد المرجح، ثم المجتهد العالم بأصول المذهب ومروياته ليميز بينهما ويختار أصحها وأقواها وأولاها بالفتوى (٣) .
وإذا نظرنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب فإننا لا يمكن أبدا أن نعده من أصحاب الاجتهاد المطلق، وإنما نعده من طبقة المجتهد المنتسب لمذهب معين، فهو منتسب للمذهب الحنبلي ومع ذلك فله اجتهادات تخرج به أحيانا عن أقوال هذا المذهب إلى غيره، كما يمكن أن نعده من طبقة المجتهدين في مذهب من المذاهب لأن له اجتهادات في داخل المذهب الحنبلي.
ويأخذ عبد المتعال الصعيدي على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته في هذا الصدد أمرين هما:
(١) جمودها على تقليد مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
(٢) لا يذكر للشيخ محمد بن عبد الوهاب إلا اجتهادات قليلة كجعله دية المسلم
стр. 66
ثمانمائة ريال بدل مائة ناقة (١) .
ويمكننا أن نرد على اعتراض عبد المتعال الصعيدي بما يلي:
١ - أما ما ذكره في الفقرة الأولى فهو غير صحيح، ولو اطلع على مؤلفات ورسائل علماء الدعوة لتبين له عدم جمودها على مذهب الإمام أحمد، وإنما يأخذون منه ما وافق الحق، فإذا تبين لهم الحق في غيره أسرعوا إلى الأخذ به - كما سبق.
٢ - وأما ما ذكره في الفقرة الثانية: فإن قلة اجتهادات الشيخ راجع إلى أنه ﵀ صرف - هو وأتباعه من علماء الدعوة - جُلّ وقتهم في إقرار مسألة الدعوة الكبرى إقرار التوحيد الكامل لله تعالى وعدم صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، والقضاء على كل ما ينافي ذلك في المجتمع الإسلامي، فقضية (التوحيد) أخذت الجانب الأكبر من جهد أصحاب الدعوة ووقتهم، ولم يتفرغوا للمسائل الاجتهادية في فروع الدين، وناحية أخرى وهي أن المجتمع الذي ظهرت فيه الدعوة - المجتمع النجدي - لم يكن بحاجة ماسة إلى الخوض في المسائل الاجتهادية، وحينما وجدت تلك الحاجة في بعض الأمور ظهر للشيخ اجتهادات كما حصل في دية المسلم وتقديرها بثمانمائة ريال بدل مائة ناقة , كما ظهر للشيخ اجتهادات فقهية خالف فيها مذهب الحنابلة وذلك مثل مسألة جواز صلاة المنفرد خلف الصف، ومسألة إبطال وقف الجنف (أي الظلم) (٢) وللشيخ أيضا رسالة خاصة في موضوع (الاجتهاد والخلاف) (٣) .
مما تقدم ندرك إلى أي درجة نادت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى الاجتهاد، وجاهدت في محاربة التقليد الأعمى بكل الوسائل الممكنة.
стр. 67
وبعد. . فتلك هي نظرة عامة على المبادئ الأساسية التي حرص الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه على إقرارها، وهي - كما رأينا - مبادئ الإسلام الصحيح بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
ونترك للمؤرخ (عبد الرحمن الجبرتي) تقرير هذه الناحية بحياده ونزاهته المعهودتين حينما نقل بعض رسائل علماء الدعوة المتضمنة بيان عقيدتهم، فقال ما نصه: " أقول إن كان كذلك فهذا ما ندين لله به أيضا، وهو خلاصته لباب التوحيد وما علينا من المارقين المتعصبين " (١) .
وقبل أن ننهي حديثنا عن مبادئ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب يحسن بنا أن نقول: إن دعوة الشيخ تتلخص في مبدأين رئيسيين هما (٢) .
أولا: الدعوة إلى توحيد الله تعالى في عبادته والإخلاص لله تعالى قولا وعملا والبعد عن كل ما ينافي ذلك، ويندرج تحت الدعوة إلى هذا المبدأ جميع المبادئ الستة السابقة.
ثانيا: فتح باب الاجتهاد ومحاربة التقليد الأعمى باتباع الكتاب والسنة كما فصلناه سابقا.
стр. 68
[الفصل الثالث أثر الدعوة في العالم الإسلامي]
[انتشار الدعوة]
الفصل الثالث
أثر الدعوة في العالم الإسلامي انتشار الدعوة اقتضت الرغبة في نشر مبادئ الدعوة والدفاع عنها أمام خصومها امتشاق الحسام - كما مر - فابتدأت سلسلة المعارك التي بدأت من عام ١١٥٩ هـ (١٧٤٦ م) إلى أن توفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب عام ١٢٠٦ هـ (١٧٩١ م) وبقيت مستمرة بعده معارك متصلة لا تنتهي معركة حتى تبدأ أخرى، بذل فيها أصحاب الدعوة دماءهم وأموالهم.
وعلى الرغم من أن هذه المعارك عمت معظم أجزاء شبه الجزيرة العربية إلا أنها نقلتها من حال إلى حال، حولتها من الانقسام إلى الوحدة، ومن الانحراف والجهالة والعصيان إلى التوحيد والعلم والعبادة، وأصلحتها في أخلاقها ومعاملاتها، وكانت عاقبتها خيرا للإسلام والمسلمين في الدين والدنيا (١) فهي صراع بين الحق والباطل انتهت بانتصار دعوة الحق وأصحابها، وقامت دولة إسلامية عزيزة الجانب مرهوبة الأركان وحدت الإمارات المتناحرة تحت لوائها، وامتدت من البحر الأحمر غربا إلى الخليج العربي شرقا ومن الشام شمالا إلى اليمن جنوبا (٢) توفرت لها كل مقومات الدولة في مفهوم ذلك العصر وعرفت باسم (الدولة السعودية الأولى) - تاريخيا - فقضت على نفوذ العثمانيين في الجزيرة العربية، وهددت أملاكهم في الشام والعراق مما دفع الأتراك إلى الاستماتة في القضاء عليها، فلجأوا أخيرا إلى واليهم على مصر (محمد علي باشا) ليقوم بهذه المهمة فأرسل الأخير عدة حملات بقيادة ابنه (طوسون) ثم بقيادته، وأخيرا بقيادة ابنه (إبراهيم باشا) عام ١٢٣١ هـ (١٨١٦ م) الذي تمكن من الوصول إلى الدرعية (قاعدة الدولة السعودية الأولى - في مطلع جمادى الأولى عام ١٢٣٣ هـ - بعد مقاومة
стр. 69
عنيفة لقيها في الطريق إليها من أنصار الدعوة فبدأ بحصارها، وانتهى الأمر بتسليم (عبد الله بن سعود) نفسه إلى (إبراهيم باشا) في ذي القعدة سنة ١٢٣٣هـ (١٨١٨ م) (١) وبهذا تم للأتراك القضاء على الدولة السعودية الأولى.
إلا أنه بالرغم من سقوط الدولة السعودية الأولى من المفهوم السياسي إلا أنها تركت في البلاد النجدية مقومات الدولة السعودية الثانية، فقد ظلت أفكار الدعوة السلفية الإصلاحية ماثلة أمام الناس , وظل المجتمع النجدي يكِنّ ولاءه للأسرة السعودية التي تبنت الدفاع ضد حكم الترك ومحمد علي (٢) وكان ظهور (تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود) عام ١٢٣٨ هـ (١٨٢٣ م) بداية لقيام الدولة السعودية الثانية التي استمرت حتى تمكن آل رشيد من الاستئثار بحكم نجد عام ١٣٠٩ هـ (١٨٩١ م) وخرج حكام آل سعود من نجد إلى الكويت، ولكن لم تستمر الحالة طويلا حتى ابتدأ الدور الثالث من حكم آل سعود حينما بدأ الملك (عبد العزيز آل سعود) في استعادة ملك آبائه وأجداده عام ١٣١٩ هـ (١٩٠٢ م) بالاستيلاء على الرياض، فابتدأت بذلك الدولة السعودية الثالثة حتى وقتنا الحاضر.
وقد سرى روح الدفاع عن الدعوة السلفية التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الدولتين السعوديتين الثانية والثالثة، كما سرى ذلك في الأولى , في حين زالت دولة (محمد علي) في مصر - التي حاولت القضاء على هذه الدعوة - وبادت من الوجود (٣) .
لكن إذا كانت الدعوة السلفية قد وطدت أقدامها في مساحات واسعة من شبه الجزيرة العربية - دينيا وسياسيا في ظل الدولة السعودية بجميع أدوارها - فإنها تعدت في انتشارها إلى بلاد داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها حتى أنارت عقول الأمة الإسلامية من سومطرة شرقا إلى نيجيريا غربا.
стр. 70
[عوائق الانتشار]
عوائق الانتشار وينبغي أن نشير هنا إلى أن الدعوة قد واجهت في باكورة حياتها بعض معوقات الانتشار، وكان ذلك راجعا إلى عاملين هامين:
أولهما: دور خصومها - على اختلافهم - في تشويه مبادئها أمام العالم الإسلامي حتى سموها " المذهب الوهابي " ليوهموا الناس على أنها مذهب جديد على الإسلام وأهله، وقد اشترك في هذا التشويه عدة جهات سياسية منها: (الأتراك العثمانيون - وحكم محمد علي في مصر - والأشراف في مكة- (١) وأخيرا الإنجليز) (٢) وكل هؤلاء رأوا في الدعوة خطرا على أغراضهم السياسية، وهناك أشخاص لهم أغراض شخصية كالذين يرتزقون من تحت القباب التي هدمها أتباع الدعوة، وكذلك أصحاب الطرق الصوفية، وكل هؤلاء سوف تفقدهم الدعوة مراكزهم الدينية والاجتماعية بالإضافة إلى موارد أموالهم (٣) .
وثانيهما: أسلوب بعض رجال الدعوة الذين كثيرا ما أساءوا إلى مبادئ الدعوة نفسها بتصرفاتهم التي لا تتفق البتة مع أهداف الدعوة ومبادئها، ومع أن هؤلاء قلة إلا أن أعداء الدعوة استغلوا تطرفهم على حساب الدعوة وأفكارها (٤) .
стр. 71
[عوامل انتشار الدعوة]
عوامل انتشار الدعوة عوامل الانتشار: ورغم هذه المعوقات فقد آتت الدعوة ثمارها بعد أن نظر إليها المسلمون بعقول واعية مستنيرة، فانتشرت مبادئها وأتباعها في أرجاء مختلفة من العالم الإسلامي الكبير , فكانت دعوة إصلاحية فريدة من نوعها عن الحركات الإصلاحية، هذه الميزة تدفعنا إلى البحث عن عوامل نجاحها، وأسباب انتشارها وخاصة في آسيا وإفريقية.
ويمكن تلخيص هذه العوامل بما يأتي:
١ - طبيعة مبادئ الدعوة: فهي مبادئ واضحة المعالم، تناسب الفطرة السليمة، سهلة الفهم، بعيدة عن التعقيدات والأمور الفلسفية، ولا غرو فهي الدعوة إلى الإسلام النقي الخالص من شوائب البدع والشركيات.
٢ - صاحب الدعوة وقوة إيمانه: فقد بذل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لدعوته جهوده وقواه، وخاطر بحياته ليدفع بدعوته إلى الحياة حتى جمع حولها الأتباع والأعوان، وبقوة إيمانه بدعوته , وبالغاية التي يسعى إليها استطاع أن يدفع بها إلى النجاح.
كان يؤمن بأن العالم الإسلامي في طريقه إلى الهاوية والانحراف الكامل عن أساس الدين إن لم يتداركه المصلحون عن طريق النصح والإرشاد أولا، فإن لم يجد ففي القوة الطريق الآخر، فشمر الشيخ عن ساعد الجد ودفع بقلمه وسيوف أنصاره في هذا الميدان , واستطاع أن يواجه العالم الإسلامي سافرا متحديا في غير لين أو مواربة (١) حتى تحققت له أمنيته وتم له ما أراد.
٣ - القوة السياسية للدعوة: وهي التي تمثل أنصار الدعوة من آل سعود، وقد ظهرت هذه القوة منذ الاتفاق الديني بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود في الدرعية (١١٥٧ هـ ١٧٤٤ م) ، فقد كان لهذه القوة أثرها الكبير في التمكين
стр. 72
للدعوة وإبلاغ صوتها إلى مشارق الأرض ومغاربها، ولولا توفيق الله تعالى ثم هذه القوة لما استطاع الشيخ أن يثبت بدعوته طويلا، ولو ثبت لما بقي لدعوته صدى بعد وفاته (١) ومن هنا كانت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوة جامعة للأمور السياسية والدينية معا، ولم تكن دعوة دينية خالصة - كما يزعم بعض المستشرقين (٢) - لأن الإسلام وحده دين ودنيا معا (٣) .
ولقد بذل أنصار الدعوة من (آل سعود) من التضحية بأنفسهم وأموالهم ما سجلها لهم التاريخ بأحرف من نور، فقد حملوا مشعل الدعوة في حياة الشيخ وبعد وفاته، فشدوا من أزره حيا وقاموا مقامه ميتا، فما ضنوا وما ضعفوا حتى ذهبت في سبيل ذلك دولتهم السعودية الأولى ١٢٣٣ هـ (١٨١٨ م) على يد جيوش محمد علي، وقد انتقل روح الدفاع عن الدعوة وتبنيها إلى الدولة السعودية الثانية والثالثة كما كان ذلك في الأولى.
٤ - بيئة الدعوة: فالبيئة التي ظهرت بها الدعوة (نجد) بيئة صحراوية هي أصلح تربة لهذا العمل، فأهلها بسطاء متقشفون، تنتشر فيهم صفات المروءة والشجاعة والنجدة، ويوجد فيهم الرجال الذين يصلحون لحمل الأعباء، ومن ناحية أخرى فقد كانت تلك المنطقة بعيدة عن عصا الدولة العثمانية وعن نفوذ رجال الدين والمتصوفين وفقهاء المذاهب المختلفة الذين يحتلون المناصب الرسمية في الدولة , وكان من الطبيعي على مثل هؤلاء الرجال أن يعارضوا الدعوة خوفا على مراكزهم ومناصبهم (٤) .
لذا فإن هذه الأمور هي إحدى الأسباب التي جعلت الدعوة الإصلاحية بزعامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد تبلغ من النجاح والانتشار أكثر مما بلغت دعوة
стр. 73
شيخ الإسلام ابن تيمية في الشام (٦٦١ هـ - ٧٢٨ هـ) رغم أن منبع مبادئ وأهداف الدعوتين واحدة (١) هذا أيضا إذا أضفنا عاملا آخر مهما وهو انعدام السند السياسي والقوة المادية في دعوة ابن تيمية وتوفرها في دعوة محمد بن عبد الوهاب (٢) كما سبق.
٥ - دور علماء الدعوة: وهو من العوامل التي ارتكزت عليها أسس نشر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية في العالم الإسلامي، فعن طريق هؤلاء العلماء وصلت أخبار الدعوة ومبادئها إلى كثير من المناطق والبلدان الإسلامية، إما عن طريق مؤلفات هؤلاء العلماء ورسائلهم أو عن طريق انتقالهم بأنفسهم من بلاد إلى أخرى بهدف نشر الدعوة.
وكان بعض هؤلاء العلماء مرسلين - على شكل دعاة - من قبل حكومة الدعوة في نجد سواء لداخل الجزيرة العربية أو لخارجها، بل كان إرسال هؤلاء الدعاة إلى مناطق شبه الجزيرة العربية سببا في خضوع بعض تلك البلدان والمناطق لحكومة الدعوة السلفية في نجد من الناحيتين الدينية والسياسية (٣) .
٦ - عصر الدعوة: فقد ظهرت الدعوة في وقت من أنسب الأوقات لحركات الإصلاح , وعصر من أخصب العصور لها، حيث بلغ الأمر فيه غايته من الانحراف الديني بانتشار البدع والخرافات بين المسلمين، إضافة إلى ما صاحب ذلك من ضعف سياسي، وتقهقر اجتماعي، وتخلف اقتصادي، كل ذلك جعل من الدعوة - بعد توفيق الله - المنقذ الوحيد للناس، خصوصا وأنها تدعو إلى الفطرة السليمة الواضحة، والتطبيق الكامل لكل مبادئ الإسلام في عصوره الأولى، وظهر للناس أن العودة إلى أصول الدين هي التي تساعد على إعادة العزة والمجد للعالم الإسلامي من جديد (٤) فإذا ما قام مصلح يدعو بهذه الدعوة وجد نفوسا مهيأة لتقبلها، وآذانا مفتحة , كما
стр. 74
وجد في الناس من يسانده ويقف بجانبه.
٧ - موسم ومكان الحج: يمكن القول بأن هذا العامل من أهم العوامل التي ساعدت على انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أرجاء العالم الإسلامي.
ذلك أن دخول منطقة الحجاز تحت لواء الدولة السعودية الأولى في العقدين الثاني والثالث من القرن الثالث عشر الهجري (١٢١٧-١٢٢٦ هـ) (١) أعطى الفرصة لسائر الحجاج من جميع الأقطار الإسلامية للتعرف على حقيقة الدعوة السلفية، والالتقاء بدعاتها ومناقشتهم فيما يدعون إليه حتى توفرت لهم القناعة بالدعوة، وبخاصة حينما رأوا حال الحجاز في عهد نفوذ الدعوة، وما امتاز به من أمن واستقرار وتطبيق لكل مبادئ الإسلام - فآمنوا بالدعوة ثم حملوها إلى بلادهم، ودعوا الناس إليها، وكان هدف دعاتها في كل مكان يحلون به هو محاربة الفساد والبدع وتصحيح العقيدة الإسلامية في تلك البلاد، ومحاولة إقامة حكومة إسلامية تحكم بالإسلام عقيدة ومنهج حياة (٢) .
٨ - العلاقة التجارية: وهو ما يطلق عليه (حركة التجارة الإسلامية) بين الدول الإسلامية , فقد كان لهذه العلاقات دورها أيضا في نشر الدعوة السلفية سواء كانت هذه العلاقات التجارية علاقات فردية يقوم بها الأفراد بعضهم مع بعض، أو علاقات دولية تقوم بها الدولة السعودية مع غيرها من الدول الإسلامية المجاورة لها أو غير المجاورة.
ومع أن المصادر التي بين أيدينا تغفل أثر هذا العامل في نشر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، إلا أنه في الحقيقة عامل لا يمكن إنكاره أو تناسيه، فكما كان لحركة التجارة الإسلامية دورها الكبير في نشر الإسلام سلميا في بلاد لم تدخلها الجيوش الإسلامية مثل (أندونيسيا، ووسط أفريقيا , وجزر الهند الشرقية) (٣) فإننا لا نستبعد أبدا أن يكون لحركة التجارة هذه دور في نشر الدعوة السلفية أيضا سواء في آسيا أو أفريقيا.
стр. 75
٩ - خصوم الدعوة: وأخيرا يجب ألا ننسى دور خصوم الدعوة وبخاصة المفكرين منهم، فإنهم روّجوا للدعوة ولفتوا الأنظار إليها من حيث لا يريدون , ويقرر ابن غنام هذا العامل ويستشهد على ذلك بقول أبي تمام (١) .
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت ... أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف فضل طيب العود
[حقيقة تأثير الدعوة على العالم الإسلامي]
حقيقة تأثير الدعوة على العالم الإسلامي قبل أن ندخل في حديث تأثير دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الحركات الإصلاحية الأخرى في العالم الإسلامي نحب أن نقف قليلا عند حقيقة تلك الآثار، ومدى هذا التأثير , لقد ذهب بعض الباحثين إلى " أن ظهور الدعوات الإصلاحية الأخرى من مقتضيات هذه الحياة، فكما ظهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية ظهر مصلحون آخرون في بلاد إسلامية متعددة في مصر وليبيا والهند. . إلخ، ولا ضرورة للقول بتأثر هؤلاء بالدعوة السلفية " (٢) .
والواقع أن تأثر هؤلاء المصلحين بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية يصبح أمرا مسلما به، إذا وضعنا أمامنا عدة أمور أهمها:
١ - أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية إن لم تكن قد أثرت تأثيرا مباشرا على الحركات الإصلاحية التي ظهرت بعدها فلا أقل من أن تكون قد مهدت لها وقوّت عزائم القائمين بها، ذلك أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كانت - بحق - أجرأ دعوة قامت في ظلام كثيف، فهي من هذا الجانب كانت رائدا جريئا، وجد فيها المترددون والمتوجسون من المصلحين وأصحاب الدعوة قدوة يقتدون بها وأثرا صالحا يسيرون على هداه في جميع أدوار حركاتهم الإصلاحية.