← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30935

سلسلة أهل الذكر

شريفة سلامة أبو مريفة

Полный текст (149 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[مقدمة] سلسلة أهل الذكر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وبعد: إن القصة هي المفتاح إلى عقل الطفل وإدراكه، فباحتوائها على عناصر التشويق والقدوة الحسنة تغرس في نفس الطفل القيم والفضائل المراد غرسها، خاصة وأن الطفل عجينة طرية قابلة للتشكيل، ولا يخفى علينا ما تزخر به المكتبات من القصص الغربية الوافدة التي تحمل عادات وقيما وتقاليد تشكل معالم مهتزة لشخصية مهترئة بعيدة كل البعد عن معالم الشخصية المسلمة؛ لتكون بذلك معولا يهدم شخصية طفلنا، هذه الشخصية التي لا بد وأن يكون لها استقلالها وتفردها وحدودها الواضحة الآمنة البعيدة عن الزعزعة، فلا تقع نهبا للازدواجية عقائديا وفكريا واجتماعيا وثقافيا. لذا وجب علينا نحن الذين أنعم الله عليهم بنعمة العلم أن نسهم في حمل الأمانة المتمثلة في تربية النشء تربية إسلامية صحيحة خالية من التشويش والتغريب والتحريف. ويمكن القول: إن القصة قد تسهم إلى حد كبير في رعاية هذه النبتة الغضة لتقف غدا بعقلها وقلبها ووجدانها وإسلاميتها

стр. 2

المتميزة في وجه الريح والتيارات الفكرية العاتية التي تحاول أن تعصف بنا في كل اتجاه، وانطلاقا من كل ما سبق جاءت الرغبة في تقديم عمل أدبي للطفل المسلم بحيث ينبع هذا العمل من عقيدته وقيمه وحضارته الإسلامية الأصيلة، فكانت هذه السلسلة القصصية التي تحمل عنوان أهل الذكر للأطفال الذين هم بين التاسعة والثانية عشرة من العمر، وقد استقت موضوعاتها من كتاب الله الكريم وأخذت عناوينها نصا من الآيات الكريمة للدلالة على موضوع القصة، وقد جاءت في خمسة عشر كتابا يحمل كل كتاب قصة قصيرة.

стр. 3

[المنهج] أولا: الموضوع: هو المحور الأساسي للقصة، وستكون الموضوعات قرآنية مستمدة من كتاب الله ، هذا الكتاب الذي تربى عليه أجيال وأجيال ليكونوا خير أمة أخرجت للناس. ونحن نهدف بهذا الاختيار إلى ربط الطفل المسلم بمصدر التشريع ومنبع الهدى مما يؤدي إلى رسوخ الإيمان في قلبه وتهذيب روحه ووجدانه وإيقاظ إحساسه بقدرة الله وبأنه هو خالق الكون ومدبر الأمر، وذلك بلفت نظر الطفل إلى بعض الظواهر الكونية التي يشاهدها في محيطه كالمطر. . الرعد. . البرق. . تعاقب الليل والنهار. . الشمس. . القمر. . الأرض. . الجبال الرواسي، وغير ذلك من الظواهر التي قد نمر بها غافلين. كما تهدف هذه السلسلة المقدمة إلى الطفل المسلم إلى تعميق إيمانه بعقيدته ودعائمها الأساسية ليظل في منأى عن الانحرافات الفكرية والزيغ والضلال، ولتحميه من القلق والتوتر في لجة الحيرة التي يضيع فيها أولئك الذين يبتعدون عن الله وعن منهج الفطرة. أيضا نهدف في هذا العمل إلى تقويم لسان الطفل، فاللغة

стр. 4

العربية الفصحى في أرقى مدارجها وأروع كنوزها بين دفتي كتاب اللِّه ، ومن الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها هذه السلسلة أيضا في بعض الموضوعات المنتقاة غرس الفضائل التي دعا إليها الدين الإسلامي: كبر الوالدين والتعاون والتراحم والإحساس إلى الناس وصلة الرحم والصبر والتواضع، أيضا توجيه سلوكيات الطفل في الحياة وفي تعامله مع الآخرين، والبعد عن بعض آفات اللسان كالغيبة والنميمة والكذب وربط ذلك كله بالثواب أو العقاب من الله . هذا وقد حملت القصص في السلسلة عناوين مستقاة نصا من الآيات القرآنية وهي كالتالي: ١ - " أقم الصلاة ": من قوله تعالى: بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١) . ٢ - " وهنا على وهن ": وهذا عنوان القصة الثانية مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] (٢) .

стр. 5

٣ - " وإيتاء ذي القربى ": مأخوذ من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] (١) . ٤ - " وكونوا مع الصادقين ": من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] (٢) . في الحث على فضيلة الصدق. ٥ - " قرضا حسنا ": من قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] (٣) . ٦ - " وكان بين ذلك قواما ": من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] (٤) . في الحث على الاقتصاد في المعيشة والإنفاق. ٧ - " حتى تستأنسوا وتسلموا ":

стр. 6

من قوله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ٢٧] (١) . في الحث على بعض الآداب الشرعية التي أدب الله بها عباده كالاستئذان والسلام. ٨ - " ويدرؤون بالحسنة ": من قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٢] (٢) . في الحث على دفع القبيح بالحسن صبرا واحتمالا. ٩ - " أيحب أحدكم ": من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] (٣) . في النهي عن آفة من آفات اللسان وهي الغيبة. ١٠ - " السحاب الثقال ": من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢] (٤) .

стр. 7

في الحث على التفكر في خلق الله وأنه مبدع الكون من خلال لفت النظر إلى بعض الظواهر الكونية وأهميتها في حياتنا. ١١ - " واخفض جناحك ": من قول الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] (١) . في الحث على فضيلة التواضع وخفض الجناح للمؤمنين. ١٢ - " والجار الجنب ": من قول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] (٢) . في الحث على أداء حق الجار والوصية به. ١٣ - " ولئن صبرتم ": من قوله تعالى:

стр. 8

﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] (١) . في الحث على فضيلة الصبر. ١٤ - " والعافين عن الناس ": من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] (٢) . في الحث على العفو واحتمال الأذى من الناس. ١٥ - " ورتل القرآن ": من قوله تعالى: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] (٣) . في الحث على مداومة قراءة القرآن الكريم. ثانيا: بناء القصة: تعتمد القصة في بنائها على السرد غير الممل والحوار الشيق الذي يجذب انتباه الطفل حيث ستصاغ الأحداث والشخصيات بما يحقق الهدف المرجو من القصة، ويخدم الموضوع المراد إيضاحه بحيث تترابط هذه الأحداث والشخصيات ترابطا منطقيا أقرب إلى الواقع والتلقائية، الأمر الذي يقنع الطفل ويضفي على القصة صفة الوحدة والتكامل وتماسك الأجزاء.

стр. 9

ثالثا: اللغة والأسلوب: ستتم الصياغة باللغة العربية الفصحى المبسطة بحيث تتلاءم مع حصيلة الطفل اللغوية، ولكن مع مراعاة الإثراء اللغوي والإضافة إلى تلك الحصيلة مع إيراد شرح لمعاني الكلمات الصعبة، وبذلك يمكن للطفل أن يكتسب خبرات ومعارف ومفاهيم ومفردات لغوية جديدة تضاف إلى حصيلته السابقة. هذا وسيتم الاستدلال بالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة حسبما يقتضيه موضوع القصة علما بأن القصص ستخلو من الرسومات التوضيحية.

стр. 10

[أقم الصلاة] ١ - نشأ أحمد في جو أسري عبق بأريج الإسلام، يحرص جميع أفراده على التقيد بتعاليم الدين في كل شأن من شؤون حياتهم، متخذين من القرآن الكريم والسنة المطهرة نبراسهم (١) وحاديهم إلى طريق الحق بعيدا عن ظلمات الزيغ (٢) والضلال. . لقد كان لأحمد في والديه خير قدوة وخير معين للمضي على الطريق القويم، متلمسا خطاهم، حاذيا حذوهم في شتى أموره. . وكان والد أحمد يعلم كم هي قوية ذاكرة الطفل الصغير، ويعلم أن الطفل صفحة بيضاء ناصعة لا تشوبها شائبة، وما يخطه على هذه الصفحة النقية يقرؤه غدا بكل وضوح، لذا حرص الأب والأم على أن يكونا خير قدوة لولدهم، وألا تقع عيناه على ما يعكر صفو أمنه، وألا يرى منهما إلا كل جميل، وقد كانا حقا أبوين صالحين فكانا لولدهما خير قدوة وخير معين، فشب الولد غضا طريا في دوحة العلم والدين ينهل من منهله (٣) العذب النقي.

стр. 11

استيقظ أحمد من نومه على صوت والده وهو يدعو قائلا: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور (١) ٠٠ اللهم اجعل أول هذا النهار صلاحا وأوسطه فلاحا وآخره نجاحا. ردد أحمد هذا الدعاء كما علمه إياه والده وخرج للصلاة في المسجد مع والده، وحين عادا من أداء الصلاة جلس أحمد إلى والده يحادثه بعضا من الوقت فبادر قائلا: يا والدي، لقد تعرفت إلى صديق جديد انتقل إلى مدرستنا منذ يومين، وقد راقت لي صحبته غير أن هناك ما أزعجني منه؟ ! - وكيف يا بني، ألم تقل إن صحبته راقت لك؟ ! - نعم يا والدي، فهو شخص دمث (٢) الأخلاق بشوش متعاون ولكننا حين ذهبنا لأداء الصلاة لم يرافقنا. - هذا أمر جلل يا بني، ولماذا لم تدعه للذهاب معكم؟ - لم أدعه في المرة الأولى ظنا مني بأنه سيلحق بنا ولكنه لم يفعل، وحين تكرر منه هذا الفعل في اليوم الثاني دعوته فبادرني قائلا: أنا مازلت صغيرا وسأقوم بأداء فريضة الصلاة حين أكبر. - لعلك يا بني أغلظت له في القول فلم تدعه باللين والقول الحسن؟

стр. 12

أجاب أحمد: - على العكس يا والدي لقد كنت رفيقا به ولم أحدثه أمام أصدقائنا الآخرين، بل أسررت له بعيدا عن أسماعهم. . - أحسنت يا بني، فهذه بعض صفات الداعية الذي لا يبغي بدعوته غير وجه الله. . وعلى أية حال لا شك أن صديقك هذا جاهل أمر دينه، وإن كنت أعلم أنكم قد درستم في المدرسة كل ما يتعلق بأمور الصلاة. - نعم يا أبي، ولكنني أرغب أن تزودني ببعض النصائح لعلي أنقلها إليه، فربما وعى واستجاب لنصحي. . أجاب الأب فرحا بابنه الذي أرقه أمر صديقه. - بارك الله فيك يا بني، وأحمد الله على أن أراني فيك ما أقر عيني وأثلج صدري، ومضى يحدث ابنه قائلا: اعلم يا بني أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر حين يكون العبد فيها معظما ربه خائفا منه راجيا رحمته، فحظ كل واحد من صلاته إنما هو بقدر خوفه من الله؛ لأن الله إنما ينظر إلى قلوب عباده لا إلى صورهم الظاهرة، ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (١) . كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ليس للمرء

стр. 13

من صلاته إلا ما عقل منها» (١) . رد أحمد: أجل يا أبي وإني لأحفظ وصية لقمان لابنه وهو يعظه في قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] (٢) . أجاب الأب مسرورا من ابنه: أحسنت يا بني فالصلاة لها أحسن الأثر في تهذيب النفوس وتقويم الأخلاق، ففي كل جزء من أجزائها تمرين على فضيلة من الفضائل الخلقية وتعويد على صفة من الصفات الحميدة. وتابع الأب قائلا: أما قول صديقك وتعلله بأنه صغير السن فيمكنك القول له: إن التكاليف الشرعية لا يؤمر بها الإنسان إلا عندما يبلغ الحلم حين يصبح مسؤولا عن أداء الفرائض ومحاسبًا عن التقصير فيما كلف به، إلا أن الإسلام قد تجلت رعايته للأطفال الذين لم يبلغوا سن الحلم حين جاء في الحديث الشريف: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر» (٣) .

стр. 14

ثم أليس يا بني صديقك هذا الذي حدثتني عنه في مثل سنك؟ - نعم يا والدي. - إذًا لقد تخطى العاشرة، وقد أمر الله والده أن يأمره بالصلاة، وعليك يا بني أن تنبهه لذلك، وأن تحاول تعليمه الصلاة وكيفية التهيؤ (١) لها، وما يقوله في صلاته، وذَكِّرْهُ يا بني بقول رسول الله ﷺ حين سئل أي الأعمال أفضل فقال: «الصلاة لمواقيتها» (٢) . فالصلاة هي أفضل أعمال الإسلام وأجلها قدرا وأعظمها شأنا. وعن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» (٣) . سأل أحمد والده بأدب: فإذا سألني: وما الغرض من الصلاة؟ فبماذا أجيب؟ رد الأب قائلا: تعلم يا بني أن الصلاة ركن من أركان

стр. 15

الإسلام، فمن تركها فقد هدم ركنا من أقوى أركانه، وهي تطهر النفوس من الذنوب والآثام، والغرض الحقيقي من الصلاة هو إشعار القلب بعظمة الإله الخالق حتى يكون على وجلٍ فيأتمر بأمره وينتهي عما نهاه عنه، ومن يقف بين يدي خالقه، وقلبه ذليل خاشع خائف وجل من جلال الخالق ذي السطوة التي لا تحد، والمشيئة التي لا ترد فإنه يكون بذلك تائبا من ذنبه منيبا إلى ربه. وتصلح أعماله الظاهرة والباطنة وتقوى علاقته بربه. فهل وعيت ما قلته لك يا بني؟ أجاب أحمد: نعم يا والدي، كم أنا سعيد بما زودتني به هذا اليوم، وإني لأجد فيه فائدة لي ولصديقي إن شاء الله. . - ليكن عملك يا بني خالصا لوجه الله، وخذ صديقك بالصبر والحلم والأناة والرفق، «فما وضع الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه» (١) . أردف أحمد قائلا: اطمئن يا والدي ستسمع من الأخبار ما يريح قلبك ويسعدك. رد الأب وقد علت وجهه ابتسامة خفيفة. هيا يا بني تناول إفطارك ثم اتجه إلى مدرستك واستعن بالله

стр. 16

في كل أمورك. غادر أحمد المنزل وهو يدعو الله أن يوفقه في ذلك اليوم لهداية زميله إلى الصلاة، فكم سيكون سعيدا لو استجاب صديقه وخشع قلبه وصلى معهم ظهر هذا اليوم. انقضى اليوم الدراسي وعاد أحمد من المدرسة وقد امتلأ سعادة وبهجة، وحين سأله والده عن صديقه عبد الله أجاب بتواضع جم: الحمد لله يا أبي لقد نصحت صديقي بما زودتني به وبما كنت أعرفه من قبل فاستمع لقولي خير استماع، وذكر لي أن تركه للصلاة لم يكن إنكارا أو إهمالا لشأنها بل ذاك لأنه لم يكن يعرف كل ما سمعه مني. وإني أستأذنك يا والدي في دعوته لزيارتنا كل أسبوع لكي يشاركنا اجتماعنا، فقد أخبرته أنك قد حددت لنا يوم الخميس من كل أسبوع لمناقشة أمر من أمور ديننا فرغب في أن يشاركنا اجتماعنا هذا آملا أن يستفيد مما نطرحه من أمور. رد الأب وقد سعد بما حققه ابنه اليوم فها هو يرى هذا الداعية الصغير يحاول أن ينهض ببعض مهامّه التي يعده لها منذ اليوم. - بارك الله فيك يا بني وأجزل لك المثوبة (١) لا بأس يا بني أهلا ومرحبا بصديقك معنا فنحن لا نكتم علما ولا نبخل به.

стр. 17

- شكرا يا والدي فذاك ما توقعته وسأخبر عبد الله غدا بموافقتك. وتابع الأب حديثه مع ابنه قائلا: اعلم يا بني أن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، وأنت اليوم كنت في عون أخيك ومساعدته على أداء عبادة من أجلِّ (١) العبادات، فكان الله في عونك، وما تم معك اليوم من هداية صديقك إنما هو بعون وفضل من الله، والآن اذهب يا بني راشدا وانظر ماذا وراءك. غادر أحمد والده وهو يتمتم شكرا لله على نعمائه وعونه فيما سعى إليه من خير.

стр. 18

[وهنا على وهن] ٢ - أخذت أسماء تتقلب في فراشها يمينا وشمالا متمتمة بكلمات تعكس مقدار تذمرها من عدم استطاعتها النوم في دعة وهدوء. . مظهرة التأفف من والدتها المريضة التي قطعت عليها لذيذ نومها بالسعال الذي لازمها طويلا، لم تنهض أسماء من نومها لمساعدة والدتها وسؤالها عما ألمَّ بها أو حتى إحضار كوب من الماء لها يريحها من هذا السعال. . بل ظلت تتقلب في الفراش وكأن أمر هذه المرأة الراقدة لا يعنيها في شيء. كانت الأم تعاني من داء في صدرها أوهن جسدها وتركها طريحة الفراش تلازمه أياما وتغادره أياما أخرى، بعد أن كانت مضرب المثل بين جاراتها في الحيوية والنشاط والإقبال على العمل، فقد توفي زوجها منذ عشر سنوات ومنذ ذلك الوقت وهي تعمل بلا كلل (١) أو ملل، لم تركن إلى الكسل ولم تقبع في دارها منتظرة هبات (٢) المحسنين وأعطياتهم. . ورضيت بقضاء الله وقدره، فلم تسخط ولم تتذمر، وهذا هو شأن المؤمنين في كل

стр. 19

أحوالهم، الرضا بما قسم الله لهم من خير ومن شر، مؤمنين حق الإيمان بقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] (١) . فشمرت هذه المرأة الصابرة عن ساعديها وعملت مستخدمة في مدرسة بالقرب من منزلها. . فلم تدّخر جهدا ولم تتوان عن تلبية احتياجات صغيرتها وتوفير سبيل العيش الكريم لها. وظل هم هذه الوالدة الطيبة هو أن تعيش ابنتها في جو من الأمن والأمان بعيدا عن الخوف من النائبات وما قد تأتي به الأيام من معضلات. انقطع صوت السعال ولم ينقطع تفكير أم أسماء في حالها وحال صغيرتها بعد أن أقعدها المرض وازدادت حاجات ابنتها حتى أرهقتها مطالبها. . وأخذت تضيق عليها غير آبهة بظروف والدتها. لم تنم الأم في تلك الليلة بل لعلها لم تغف لحظة واحدة، وكيف لقلبها المؤرق أن يغفو ولعينها الباكية أن تنام، ومر الليل عليها ثقيلا حتى ارتفع صوت المؤذن في جلال وخشوع ينبه الغافلين ويوقظ النائمين لأداء صلاة الفجر، فنهضت الأم متحاملة على نفسها متكئة بإحدى يديها على الجدار وباليد الأخرى تحاول بعث القوة في ظهرها الذي أضعفه المرض.

стр. 20

أدت أم أسماء الصلاة وأخذت تناجي ربها بذلة وخضوع ودمع يبلل خديها، سائلة إياه أن يعينها على تربية ابنتها وأن يهبها الصحة وأن يهدي قلب هذه الفتاة الصغيرة العاقة إلى طريق الحق؛ لتعرف عظم مسؤوليتها تجاه والدتها التي تعبت من أجلها كثيرا وأن يزيل الغشاوة (١) عن عينيها لترى ما خفي عليها من واجبات تجاه أمها. اتجهت أم أسماء لإيقاظ ابنتها التي كانت تغط في نوم عميق، ناسية أن لها والدة مريضة يتعين عليها النهوض باكرا لمساعدتها وإعداد طعام الإفطار بدلا عنها، وترك الاعتماد على والدتها في كل شأن من شؤون حياتها. أحضرت الأم الطعام وقدمته أمام ابنتها ولكنها عجبت حين رأتها لا تمد يدها إليه فسألتها بحنان الأم ولهفتها. - ما بالك يا ابنتي؟ لم لا تأكلين؟ أظهرت أسماء عدم الرضا وردت بغلظة: ما هذا يا أماه ألا يوجد لدينا غير هذا الطعام الذي تقدمينه لنا كل يوم؟ . ردت الأم وقد آلمها ما تفوهت به ابنتها من حديث يسخط الله: احمدي الله يا ابنتي على هذا النعيم الذي أمامك فغيرك قد لا يجد ما تجدين الآن.

стр. 21

أجابت أسماء وكأنها لم تسمع ما قالته والدتها. . وما شأني بغيري. . ألا تكسبين مالا. . ألا تملكين نقودا. . فلماذا التقتير (١) والتضييق علينا؟ فما كان من الأم إلا أن تجاهلت حديث ابنتها الذي لا طائل (٢) منه وحثتها على الإسراع حتى لا تتأخر عن المدرسة. . وحين رأت أسماء أن والدتها سترافقها إلى المدرسة شأنها قبل أن تأخذ إجازة بسبب المرض. . سألتها وقد قطبت حاجبيها: ما هذا يا أماه هل ستذهبين معي اليوم أيضا. . ألم تقولي بأنك ستغيرين مكان عملك وتبحثين عن عمل في مكان آخر بعيدا عن المدرسة التي أنا فيها؟ . لم تجب الأم على سؤال ابنتها بل تمتمت وهي تدفعها برفق إلى الباب: - هيا يا ابنتي هداك الله وأنار بصيرتك. ظلت الأم تفكر طوال الطريق في طلب ابنتها الذي لا يخلو من القسوة، وتمنت لو أنه كان باستطاعتها العمل بعيدا عن ابنتها، ولكن لا يوجد في الحي الذي تقطنه غير هذه المدرسة وليس لديها القدرة على تأمين أجرة حافلة تقلها إن هي انتقلت للعمل بعيدا عن

стр. 22

المنزل. . كانت الأم في قرارة نفسها تشعر بأسى (١) بالغ لهذه القسوة التي تتجلى (٢) في طلب ابنتها. . ولكنها كانت تتمنى لو استطاعت البعد عن المدرسة وإسعاد فتاتها وتجنيبها الخجل الذي تحسه حين ترى والدتها وهي تعمل كخادمة في المدرسة. وفي هذا اليوم قامت المعلمة بإعطاء الطالبات بطاقات الدعوة لأمهاتهن لحضور الحفل الذي سيقام تكريما للأمهات بعد أسبوع. . ووجدت المعلمة أنها فرصة سانحة لحث الطالبات على بر أمهاتهن والعمل على توفير الراحة لهن، والتنبيه على عظم فضل الأم وحقها عليهن، وذكرتهن بقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] (٣) . وأوضحت لهن أن معنى وهنا على وهن أي ضعفا على ضعف، ولفتت أنظارهن إلى أن توصية الولد بالوالدين قد تكررت كثيرا في القرآن الكريم وفي وصايا الرسول ﷺ ، ولكن توصية الوالد بولده لم تتكرر كثيرا؛ لأن الفطرة تقتضي أن يكون الأب مشفقا على ولده فهو لا يحتاج إلى تلك التوصية في حين أن الولد لا يكون في مشاعره وعواطفه

стр. 23

وسلوكه نحو والديه كما هما معه لذلك فهو في حاجة إلى الوصية المكررة. . كما بينت لهن المعلمة عظم المسؤولية الملقاة على عاتق الأم من حمل وإرضاع وتربية، وما تقدمه من بذل وما تحتمله من نصيب أوفر في العطاء والتضحية، وكيف أن الله قد قرن رضاه برضا الوالدين في الآية السابقة. كانت أم أسماء امرأة يحبها الجميع لدماثة خلقها وطيب معشرها وإخلاصها في عملها، وكانت مديرة المدرسة تعلم مقدار التفاني (١) الذي تظهره هذه المرأة لخدمة الجميع بنفس راضية، وما تقدمه في سبيل تربية ابنتها تربية صالحة قويمة. . وما أشد دهشة أم أسماء حين استدعتها المديرة في ذلك اليوم وسلمتها بطاقة دعوة خاصة تقديرا من إدارة المدرسة لجهودها ونشاطها وشددت عليها في الحضور وأعفتها من العمل في ذلك اليوم، فما كان من أم أسماء إلا أن شكرت المديرة على هذه البادرة الطيبة ووعدت بالمجيء. توالت فقرات الحفل من أناشيد وخطب وأحاديث تحث على بر الأم وتبرز دورها العظيم وحقها الكبير من البر والصلة (٢) . . ندمت أسماء على فعلتها المشينة حين أقدمت على

стр. 24

تمزيق بطاقة الدعوة الخاصة بوالدتها، وانهمرت الدموع من عينيها حين رأت الطالبات وهن يتقاطرن للسلام على أمهاتهن، وازداد نحيبها وهي تتذكر سوء سلوكها مع والدتها مع ما هي عليه من ضعف ومرض، وأخذت العزم على أن تعوض والدتها ما فرطت معها في أمرها وأن تكون الابنة البارة التي لم تكنها يوما. بقيت أسماء غارقة في لجة أفكارها ولم ينتزعها منها إلا صوت مقدمة الحفل وهي تعلن اسم الأم المثالية التي اختارتها المدرسة لتكريمها هذا العام، ولَشَدِّ ما كانت عليه دهشتها وفرحتها حين سمعت اسم والدتها يجلجل في أنحاء القاعة وما أكبر اعتزازها حين رأتها وهي تقطع خطواتها بكل ثقة وهدوء وآثار المرض بادية عليها، وقد ارتدت ثوبا بدا عليها جميلا في تلك اللحظة رغم أنها قد ارتدته كثيرا قبل اليوم لكنها لم تره عليها بمثل هذه الروعة وهذا البهاء (١) . هرعت أسماء حيث والدتها وأخذت تقبلها والدموع تفر من عينيها وقد فارقها إحساسها بالخجل والضعة وحل محلهما شعور الفخر والاعتزاز بهذه الأم الرءوم، ولم تكن سعادة الأم بأقل من سعادة ابنتها بهذا التغير الذي من الله عليها به مستجيبا لدعائها راحما لحالها. . ومنذ ذلك اليوم وصديقتنا أسماء تحاول جاهدة

стр. 25

إرضاء والدتها والسهر على راحتها والعمل بقول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا - وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤] (١) .

стр. 26

[وإيتاء ذي القربى] ٣ - أخذت الشمس تلوذ بأحضان الأفق شيئا فشيئا مودعة أول يوم من أيام شهر رمضان المبارك ونسيمات رقيقة تداعب الأشجار هنا وهناك فتضفي الكثير من الجمال على هذا الأصيل الأخّاذ الذي ألقى بظلال السكينة على مدينة الرياض الهادئة، شأنها شأن كل البقاع الإسلامية في ذلك الوقت من أيام رمضان، حيث خلت الشوارع من المارة إلا القليل منهم، وأخذ العاملون في الأسواق والدكاكين يستعدون لإغلاق أبوابها تأهبا لمغادرتها لتناول الإفطار وأداء صلاة المغرب. وفي منزل الشيخ عبد الله كان الأبناء في حركة دائبة يساعدون والدتهم في إعداد الطعام وتجهيز المائدة، في حين اتخذ الأب ركنا قصيا من أركان حجرته مختليا بنفسه مع كتاب الله يتلو بكل خشوع متدبرا فيها بقلب حاضر وذهن صاف حتى إذا وصل في تلاوته قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] (١) . صمت هنيهة (٢) ثم أعاد قراءة الآية ثانية وثالثة

стр. 27

فطفرت الدموع من عينيه وبللت لحيته، فقد هزت تلك الآية وجدانه بما تحمله من أمر ونهي عظيمين، وحركت معانيها كوامن الشجن فيه، وزلزلت أعماقه الراكدة الآسنة (١) كل هذه السنين فكأنه يقرأ هذه الآية لأول مرة في حياته، آه لقد تذكر في تلك اللحظة أخاه الأصغر عبد الرحمن الذي لم يره منذ خمسة أعوام حين وقع بينهما ذلك الخلاف الذي أدى إلى هذه القطيعة التي طال أمدها، وخيم الحزن على عبد الله وسربله الأسى وهو يتذكر ذلك، وندم على ما فرط في حق أخيه، فكيف لم يزره كل هذه السنين الطوال وقد علم بمرضه مرضا شديدا، وكيف لم يسأل عنه ويتفقد أحواله وهو يعلم رقة حال أخيه وكثرة عياله. . مضى عبد الله يعاتب نفسه ويسأل بمرارة كيف يصل القريب والغريب، والقاصي (٢) والداني (٣) وينسى أخاه أحق الناس ببره وصلته وإحسانه، هذه الصلة التي هي من المبادئ الأساسية التي أقرها الإسلام للتكافل بين أفراد المجتمع عامة وأفراد الأسرة خاصة. . كيف له أن ينسى أخاه من بره وقد حفظ قول رسول الله ﷺ فيما رواه أنس ﵁ أنه قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل

стр. 28

رحمه» (١) . يا إلهي لعل كساد تجارتي كل هذه الأعوام هو عقاب من الله تعالى على ما فرطت في أمر أخي. هكذا مضى عبد الله يحادث نفسه وتابع حديثه متأملا فيما وصل إليه حاله مع أخيه: لعلها تذكرة لي لأفيق من غفلتي التي طال ليلها. . لقد حفظت كتاب الله تعالى ووعيت أحاديث رسوله ﷺ وعملت جاهدا أن امتثل بهما. . فكيف أقطع أخي وقد وعيت قول رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك. قالت: بلى. قال: فذلك لك» (٢) . سرت رعدة في جسد الشيخ عبد الله حين تذكر هذا الحديث خوفا من عقاب الله على هذا الذنب، وأي عقاب أشد من أن يقطعه الله، لقد ظل سادرا في غفلته كل هذه السنين لم يوقظه منها إلا رحمة الله تعالى حين كان يتدبر قرآنه. . فانتهى به التأمل ومحاسبة النفس إلى العزم على زيارة أخيه بعد صلاة العشاء، فشهر رمضان هو شهر الخير والبر والصلة، وسيبدأ إن شاء الله هذه الليلة وصل ما كان مقطوعا بينه وبين أخيه. . وظل هذا الشيخ غارقا في تأملاته وأفاق

стр. 29

من حديثه مع النفس على صوت زوجته تدعوه للانضمام إليهم على المائدة. رفع المؤذن صوته مؤذنا بدخول وقت صلاة المغرب، ودوّى مدفع الإفطار، وشرع أفراد الأسرة في تناول حبات الرطب بأناة غير أن محمد بادر في تناول الطعام على عجل، فهذا اليوم هو أول عهده بالصيام وقد أمضّه الجوع، فتبسم والده شفقة عليه حين رأى منه ذلك وخاطبه برفق قائلا: سم الله أولا يا بني ثم ابدأ إفطارك بتناول حبات من الرطب اقتداء برسول الله ﷺ وعملا بسنته، فقد أخبر أنس ﵁: «أن رسول الله كان يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم يكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا (١) حسوات (٢) من ماء» (٣) . وتابع الأب حديثه قائلا: ولا تنس يا بني أن تدعو بعد إفطارك بعض الدعاء المأثور عن رسول الله ﷺ كأن تقول: " اللهم إني لك صمت وعلى رزقك

стр. 30

أفطرت وعليك توكلت وبك آمنت، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله " (١) . استمع محمد إلى حديث والده بأدب جم ووعده بأن يحفظ هذا الدعاء وأن يدعو به كل ليلة بعد الإفطار وأن يكون إفطاره تأسيا برسول الله، واعتذر لوالده عن هذه العجلة التي التهم بها طعامه قائلا: لقد أهلكني الجوع يا والدي لذا لم أستطع صبرا. وهنا عاتبته والدته بتفضيله النوم حين أيقظته لتناول طعام السحور ونبهته إلى أهمية هذه الوجبة وبركتها كما قال رسول الله ﷺ : «تسحروا فإن في السحور بركة» (٢) . أعلم يا أمي ذلك وسأحاول التغلب على النعاس ومشاركتكم طعام السحور إن شاء الله. اتجه الأب وأبناؤه إلى المسجد لأداء فريضة المغرب، وحين عادوا كانت الأم قد أعدت لهم الحلوى والشاي وجلسوا يتسامرون

стр. 31

في جو عائلي مفعم بأريج الحب والتفاهم والود الصادق. . وحين انقضى بعض الوقت طلب الأب من زوجته وأبنائه التهيؤ لأنه سيصحبهم في زيارة، وحين سمع الصغار ما ذكره والدهم قفزوا فرحا والتفوا حوله متسائلين بلهفة وسعادة. إلى أين يا أبي؟ رد الأب وقد كسا الحزن وجهه: لزيارة عمكم يا أبنائي. . تساءل أصغر أبنائه: أي عم يا أبي؟ أجاب الأب بصوت كساه الانكسار وبعض الخجل: عمك عبد الرحمن يا بني فأنت لا تعرفه. ولماذا يا أبي لم نره أبدا؟ . حاول الأب أن يشرح لابنه بكلمات بسيطة سهلة كيف أنه أخطأ في حق أخيه حين بادر بالقطيعة والهجر كل هذه المدة. . وواصل حديثه مبينا لأبنائه الأجر الذي أعده الله لمن يصل رحمه، حيث يزيد في عمره ويبارك له في رزقه، وأن من قطع هذه الرحم وهجر أهله وقرابته وذوي رحمه فجزاؤه قطيعة من الله. فرحت الأم فرحا شديدا وحمدت الله على أن هدى قلب زوجها إلى الحق وأنار بصيرته ليعرف حق ربه عليه، وأخذت تتهيأ هي وصغارها للذهاب مع زوجها لزيارة أخيه.

стр. 32

وفيما كانت الأسرة في شغل شاغل من أمر الإعداد لهذه الزيارة التي أضفت جوا عامرا بالسعادة على جميع أفرادها قرع جرس المنزل، ولم يصدق الشيخ عبد الله نفسه حين رأى أخاه عبد الرحمن أمامه وقد جاء لزيارته وتعانقا طويلا وتصافحا بحرارة، ولم يتعاتبا على ما بدر منهما من تفريط في حق الإخوة وقطع الرحم التي بينهما، فقد كان هذا اللقاء كفيلا بأن يمسح كل ما كان من أثر لتلك القطيعة والبغضاء. هرع الصغار للسلام على عمهم والتفوا حوله بكل حب وذكروا له كيف أنهم كانوا يستعدون لزيارته بناءً على طلب والدهم لولا أنه سبقهم، نظر عبد الله إلى أخيه بإشفاق وقال: دائما أنت سباق للخير يا أخي رغم أنك تصغرني سنا بارك الله فيك. رد عبد الرحمن وقد استكثر على نفسه هذا السبق: لقد كنت أنت أيضا يا أخي عازما على زيارتي فكلانا كان سباقا للخير وما يعنينا الآن هو أن نبدأ عهدا جديدا بعيدا عن القطيعة والشحناء (١) والتدابر (٢) فذاك أمر يحبه الله ورسوله الكريم.

стр. 33

أمضى الشيخ عبد الله وأبناؤه مع أخيه هزيعا من الليل في سمر حتى دخل وقت صلاة العشاء فاتجهوا إلى المسجد لأداء صلاة العشاء والتراويح.

стр. 34

[وكونوا مع الصادقين] ٤ - الله أكبر الله أكبر، حي على الصلاة، حي على الفلاح، هاهو النداء الخالد ينساب عبر المآذن يعلن دخول وقت صلاة الفجر فيلقي في النفوس الأمن والطمأنينة ويغسل القلوب من أدران (١) الهموم ويزرع السكينة في الأرواح المتعبة، وهاهي خيوط الفجر الندية تعانق المدينة الهادئة وتدعوها بحنان لنفض غبار الكسل عن جفونها واستقبال بشائر يوم جديد، وهاهم المؤمنون يسارعون إلى المساجد ملبين ذلك النداء وهم يعلمون روعة هذه التلبية ليؤدوا صلاة الفجر جماعة. . حتى الطيور هجرت أعشاشها لتشارك بقية الكائنات في موكب التسبيح (٢) والتهليل (٣) لعظمة الخالق فأخذت تغرد بصوت شجي (٤) يأسر (٥) الألباب (٦) .

стр. 35

ولم تبخل الأزهار التي بللها الندى فعطرت الأرجاء بشذاها الندي. . ورغم روعة هذا الاحتفال إلا أن أحمد لم يعتد أن يحضر هذا المشهد الرائع لميلاد يوم جديد؛ إذ لم يكن تلميذا نشيطا، فاستيقظ من نومه كعادته متثاقلا حين غمرته أشعة الشمس المتسللة عبر النافذة تدعوه للنهوض، فاتجه إلى الحمام وغسل وجهه ويديه وعاد إلى غرفته وارتدى ثيابه على عجل، وأخذ في رحلة البحث عن حذائه الذي لم يجده في مكانه، فخرج من غرفته مسرعا حيث والدته تعد طعام الإفطار وبادرها قائلا: أمي لم أجد حذائي في غرفتي. نظرت الأم إلى ابنها نظرة ملؤها العتاب وأجابت برفق: يا بني إن أول شيء كان يجب عليك بدء حديثك به هو إفشاء (١) السلام، ألم تتعلم في المدرسة حديث رسول الله ﷺ والذي يروى فيه عنه أنه قال: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» (٢) . آسف يا أماه. . السلام عليكم. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

стр. 36

وتابعت الأم حديثها قائلة. . ألم أعلمك أن ترتيب الأشياء والمحافظة عليها في مكانها يوفر عليك الكثير من العناء (١) والوقت الذي سيسألك الله عنه يوم القيامة، فإلى متى تظل هكذا لا تدرك قيمة الوقت، ومتى تبتعد عن الفوضى والإهمال؟ . سأفعل إن شاء الله في المرة القادمة، ولكن أين حذائي الآن لقد تأخرت عن المدرسة؟ . ابحث عنه في الحديقة فلعلك نسيته ليلة البارحة حين كنت تلعب مع أخيك. خرج أحمد إلى الحديقة يبحث عن حذائه فوجده وقد اتسخ فعاد مسرعا إلى غرفته يحاول تنظيفه، ثم قام بترتيب كتبه في حقيبته التي لم يعدها بالأمس، فقد اعتاد أن يؤجل عمل اليوم إلى الغد. . وأخذ يفكر في عذر يقدمه لمعلمه هذا اليوم حين يسأله عن الواجب المدرسي الذي أهمله ولم يكتبه بالأمس، فهو يكره مادة التعبير فما عساه يقول للمعلم. . ما عساه يقول؟ ! . ظل أحمد يردد هذا السؤال بينه وبين نفسه وأسرع لتناول طعام الإفطار مع أسرته، وشرع في تناول الأكل دون أن يسمي الله فوبخه (٢) والده بلهجة قاسية على هذا التصرف وذكره بقول رسول

стр. 37

الله ﷺ حين نصح غلاما: «يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك» (١) . ودع أحمد والديه وانطلق مسرعا حين سمع صوت حافلة المدرسة وهي تقف أمام الباب. قرع جرس المدرسة معلنا بدء اليوم الدراسي، ومضت الحصة الأولى فالثانية فالثالثة. . تدافع التلاميذ بعدها إلى الساحة الخارجية لتناول إفطارهم، ولكن أحمد لم يخرج مع أصدقائه إلى الخارج بل بقي قابعا في مقعده يفكر فعاد إليه صديقه علي ودنا (٢) منه وسأله باهتمام وود صادق: - ما بك يا أحمد ألا تخرج معنا لتناول إفطارك؟ - لا، إني متعب وأريد البقاء في حجرة الدراسة. - أترغب في مساعدة أقدمها لك؟ أجاب أحمد وقد بدا عليه الضجر (٣) . - لا أريد شيئا، يمكنك الانصراف فأنا أستطيع تدبر أمري. . - لا بأس عليك أستودعك الله.

стр. 38

وانطلق علي إلى الخارج وبقي أحمد وحيدا في قاعة الدرس. دخل المعلم الفصل وألقى السلام على التلاميذ وسألهم عن الواجب المنزلي، وذهل علي حين فتح كراسته ولم يجد ما كتبه بالأمس فسأله المعلم: - أين واجبك يا علي؟ - لقد كتبته ليلة البارحة ولكني لا أجده الآن. - فأين هو إذا. . رد علي بأدب وقد استبدت به الحيرة والانزعاج: - إني في حيرة من أمري يا معلمي ولكني متأكد أنني كتبته. - أتكذب يا علي وأنت من التلاميذ المجدين؟ ! . . سأسامحك هذه المرة لأنها المرة الأولى التي تهمل فيها أداء واجبك وأرجو ألا يتكرر منك ذلك. وبدأ المعلم في سماع التلاميذ وهم يقرؤون موضوعاتهم واحدا واحدا حتى جاء دور أحمد وحين انتهى من قراءة موضوعه استأذن علي معلمه في الحديث، وذكر أن ما قرأه أحمد عليهم هو موضوعه الذي لم يجده في كراسته وأن أحمد سرقه بلا شك. . فالتفت المعلم إلى أحمد يسأله إن كان ما ذكره صديقه علي حقا. فأجاب أحمد وقد خشي أن يفتضح أمره:

стр. 39

- لا، ليس حقا ما يقوله علي، فقد سهرت ليلة البارحة من أجل إعداده فكيف له أن يدعي أنه صاحب الحق في هذا الموضوع. وأمام إصرار أحمد وتمسكه بقوله توجه المعلم بحديثه لعلي يعنفه على كذبه ثانية وإهماله ومحاولته سرقة تعب غيره، ثم أثنى على براعة أحمد في طرح الموضوع وطلب منه الاستمرار على هذا المستوى فهو يرى أنه قد تحسن كثيرا. عاد علي إلى المنزل حزينا متألما، وحين سأله والده عن سبب حزنه ذكر له ما حدث معه في المدرسة. . وكان والد علي رجلا عاقلا رزينا لا يترك الغضب يستولي عليه ويفقده القدرة على التفكير السليم والتروي (١) في حل المعضلات (٢) وقد أدرك صدق ما رواه ابنه؛ فقد رباه فأحسن تربيته، وبكلمات ملؤها الرضا والثقة بالله طمأن الأب ابنه بقوله: - لقد ظلمت يا بني وإن الله على نصرك لقادر، فاجعل توكلك عليه وكن على ثقة به، فقد قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] (٣) .

стр. 40

- هل تعني يا والدي أن أحمد سيقر (١) غدا بما فعل؟ - قد يكون هذا يا بني وقد يحدث أمر آخر يظهر به صدقك، فأنت صدقت المعلم القول وصديقك أحمد كان كاذبا، والصدق طمأنينة والكذب ريبة كما ذكر رسولنا الكريم ﷺ في الحديث الشريف: «دع ما يريبك (٢) إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة (٣) والكذب ريبة» (٤) . فكن مطمئنا؛ لأن كذبه سينقلب عليه ويظهر الله الحق الذي لك فلا تعجل. - آه يا والدي لقد أثلجت صدري بهذه الكلمات المضيئة، وإني لعلى يقين بأن الله معي. . وفيما هما يتحادثان لمع في ذهن الأب خاطر (٥) ذكي فسأل ابنه على الفور: - هل قمت بكتابة الموضوع في الكراس من المرة الأولى أم أنك كتبته في ورقة خارجية أولا؟ رد علي بحماس ظاهر وقد قفز إلى ذهنه ما يفكر فيه والده:
следующие страницы →