← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30935

سلسلة أهل الذكر

شريفة سلامة أبو مريفة

Полный текст (149 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وتابعت الأم حديثها قائلة. . ألم أعلمك أن ترتيب الأشياء والمحافظة عليها في مكانها يوفر عليك الكثير من العناء (١) والوقت الذي سيسألك الله عنه يوم القيامة، فإلى متى تظل هكذا لا تدرك قيمة الوقت، ومتى تبتعد عن الفوضى والإهمال؟ . سأفعل إن شاء الله في المرة القادمة، ولكن أين حذائي الآن لقد تأخرت عن المدرسة؟ . ابحث عنه في الحديقة فلعلك نسيته ليلة البارحة حين كنت تلعب مع أخيك. خرج أحمد إلى الحديقة يبحث عن حذائه فوجده وقد اتسخ فعاد مسرعا إلى غرفته يحاول تنظيفه، ثم قام بترتيب كتبه في حقيبته التي لم يعدها بالأمس، فقد اعتاد أن يؤجل عمل اليوم إلى الغد. . وأخذ يفكر في عذر يقدمه لمعلمه هذا اليوم حين يسأله عن الواجب المدرسي الذي أهمله ولم يكتبه بالأمس، فهو يكره مادة التعبير فما عساه يقول للمعلم. . ما عساه يقول؟ ! . ظل أحمد يردد هذا السؤال بينه وبين نفسه وأسرع لتناول طعام الإفطار مع أسرته، وشرع في تناول الأكل دون أن يسمي الله فوبخه (٢) والده بلهجة قاسية على هذا التصرف وذكره بقول رسول

стр. 37

الله ﷺ حين نصح غلاما: «يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك» (١) . ودع أحمد والديه وانطلق مسرعا حين سمع صوت حافلة المدرسة وهي تقف أمام الباب. قرع جرس المدرسة معلنا بدء اليوم الدراسي، ومضت الحصة الأولى فالثانية فالثالثة. . تدافع التلاميذ بعدها إلى الساحة الخارجية لتناول إفطارهم، ولكن أحمد لم يخرج مع أصدقائه إلى الخارج بل بقي قابعا في مقعده يفكر فعاد إليه صديقه علي ودنا (٢) منه وسأله باهتمام وود صادق: - ما بك يا أحمد ألا تخرج معنا لتناول إفطارك؟ - لا، إني متعب وأريد البقاء في حجرة الدراسة. - أترغب في مساعدة أقدمها لك؟ أجاب أحمد وقد بدا عليه الضجر (٣) . - لا أريد شيئا، يمكنك الانصراف فأنا أستطيع تدبر أمري. . - لا بأس عليك أستودعك الله.

стр. 38

وانطلق علي إلى الخارج وبقي أحمد وحيدا في قاعة الدرس. دخل المعلم الفصل وألقى السلام على التلاميذ وسألهم عن الواجب المنزلي، وذهل علي حين فتح كراسته ولم يجد ما كتبه بالأمس فسأله المعلم: - أين واجبك يا علي؟ - لقد كتبته ليلة البارحة ولكني لا أجده الآن. - فأين هو إذا. . رد علي بأدب وقد استبدت به الحيرة والانزعاج: - إني في حيرة من أمري يا معلمي ولكني متأكد أنني كتبته. - أتكذب يا علي وأنت من التلاميذ المجدين؟ ! . . سأسامحك هذه المرة لأنها المرة الأولى التي تهمل فيها أداء واجبك وأرجو ألا يتكرر منك ذلك. وبدأ المعلم في سماع التلاميذ وهم يقرؤون موضوعاتهم واحدا واحدا حتى جاء دور أحمد وحين انتهى من قراءة موضوعه استأذن علي معلمه في الحديث، وذكر أن ما قرأه أحمد عليهم هو موضوعه الذي لم يجده في كراسته وأن أحمد سرقه بلا شك. . فالتفت المعلم إلى أحمد يسأله إن كان ما ذكره صديقه علي حقا. فأجاب أحمد وقد خشي أن يفتضح أمره:

стр. 39

- لا، ليس حقا ما يقوله علي، فقد سهرت ليلة البارحة من أجل إعداده فكيف له أن يدعي أنه صاحب الحق في هذا الموضوع. وأمام إصرار أحمد وتمسكه بقوله توجه المعلم بحديثه لعلي يعنفه على كذبه ثانية وإهماله ومحاولته سرقة تعب غيره، ثم أثنى على براعة أحمد في طرح الموضوع وطلب منه الاستمرار على هذا المستوى فهو يرى أنه قد تحسن كثيرا. عاد علي إلى المنزل حزينا متألما، وحين سأله والده عن سبب حزنه ذكر له ما حدث معه في المدرسة. . وكان والد علي رجلا عاقلا رزينا لا يترك الغضب يستولي عليه ويفقده القدرة على التفكير السليم والتروي (١) في حل المعضلات (٢) وقد أدرك صدق ما رواه ابنه؛ فقد رباه فأحسن تربيته، وبكلمات ملؤها الرضا والثقة بالله طمأن الأب ابنه بقوله: - لقد ظلمت يا بني وإن الله على نصرك لقادر، فاجعل توكلك عليه وكن على ثقة به، فقد قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] (٣) .

стр. 40

- هل تعني يا والدي أن أحمد سيقر (١) غدا بما فعل؟ - قد يكون هذا يا بني وقد يحدث أمر آخر يظهر به صدقك، فأنت صدقت المعلم القول وصديقك أحمد كان كاذبا، والصدق طمأنينة والكذب ريبة كما ذكر رسولنا الكريم ﷺ في الحديث الشريف: «دع ما يريبك (٢) إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة (٣) والكذب ريبة» (٤) . فكن مطمئنا؛ لأن كذبه سينقلب عليه ويظهر الله الحق الذي لك فلا تعجل. - آه يا والدي لقد أثلجت صدري بهذه الكلمات المضيئة، وإني لعلى يقين بأن الله معي. . وفيما هما يتحادثان لمع في ذهن الأب خاطر (٥) ذكي فسأل ابنه على الفور: - هل قمت بكتابة الموضوع في الكراس من المرة الأولى أم أنك كتبته في ورقة خارجية أولا؟ رد علي بحماس ظاهر وقد قفز إلى ذهنه ما يفكر فيه والده:

стр. 41

- تذكرت يا أبي لقد استعنت بورقة خارجية قبل كتابته في الكراس. - أطلع معلمك غدا على هذه الورقة ودعه يقارن بين ما كتبته فيها أنت وما قرأه زميلك. وسترى يا بني كيف أن الله مع عباده الصادقين لا يخذلهم (١) . فرد علي ولكن الفرح لم ينسه شكر الله وحمده على هذه النعمة بإظهار الحق واستشعر عظمته وقدرته فهو يعلم خائنة (٢) الأعين وما تخفي الصدور (٣) . وفي اليوم التالي قدم علي لمعلمه الورقة، وحين قرأها وجد أن الموضوع مطابق لما ادعى أحمد أنه كتبه، وحين أعاد المعلم الكراسات للتلاميذ خاطبهم قائلا: لقد كان صديقنا علي صادقا فيما رواه بالأمس عن موضوعه الذي كتبه واختفى من الكراس. . وطلب منه أن يقرأه أمام التلاميذ، وحين بدأ بالقراءة أحس أحمد بالخوف والخجل وأدرك أن أمره قد افتضح وأنه سيعاقب على فعلته الشنيعة. وحين أنهى علي القراءة

стр. 42

سأل المعلم أحمد بشيء من القسوة: - أنت تزعم أن هذا الموضوع بفضل جهدك وسهرك، فهل تفسر لنا كيف حصل صديقك على هذا الموضوع الذي قرأه الآن والذي يتطابق تماما مع موضوعك؟ ! . أدرك أحمد أنه لا فائدة من الإنكار بعد أن وصلت الأمور إلى هذا الحد، فاعترف لمعلمه بما اقترفته يداه وكيف قام بسرقة ما خطه صديقه علي في غفلة منه. فسأله المعلم بتعجب: - أتبحث عن النجاة من عقاب المعلم ولا تخاف عقاب الله الذي لا مفر منه؟ ألم تقرأ قول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] سورة الحديد، الآية: ٤. أي أنه يعرف كل صغيرة وكبيرة تقوم بها، أنت كذبت وخالفت أمر الله حين قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] (١) . . ألم تعلم أن الكذب خصلة من النفاق؟ فقد روي عن الرسول ﷺ أنه قال: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر» (٢) .

стр. 43

اعلم يا بني أن الصدق فضيلة امتدحها القرآن الكريم وذم أهل الكذب، ولقد كان رسولنا الأمين ﷺ لا ينطق إلا صدقا ولا يقول إلا حقا، فما أحرانا ونحن خير أمة أخرجت للناس أن نتلمس دربه وأن يكون هو مثلنا الأعلى وقدوتنا في كل أمورنا وألا نستمع لوساوس الشيطان، فهل تعدني يا بني أن تترك الكذب وتتخذ من الصدق شعارك؟ . . أجاب أحمد وهو منكس رأسه خجلا مما اقترف: - أعدك يا معلمي، فقد كان هذا درسا قاسيا. - والآن بقي عليك أمر آخر وهو الاعتذار لصديقك عما بدر منك في حقه. - آسف يا علي لقد كنت مخطئا فيما فعلت فسامحني. فرد علي بلطف وقد نسي إساءة أحمد له: - لا بأس عليك يا صديقي إني أسامحك فنحن أخوة بيننا كل الود الذي يسمح لنا بالتسامح. سعد المعلم بهذه الخاتمة وشكر عليا على نبله وتحدث للتلاميذ قائلا: - هاهو صديقنا علي يذكرنا بفضيلة أخرى وهي التسامح بين الإخوة ونسيان الإساءة. . آمل أن نكون جميعا مثله. وأصبح أحمد بعد ذلك يتحرى الصدق في كل ما يقول ويعمل.

стр. 44

[قرضا حسنا] ٥ - اعتاد الأب أن يصحب ابنه عبد الله في نزهة إلى إحدى الحدائق عصر يوم الجمعة بعد أن يكون قد أنهى واجباته المدرسية وأدى ما عليه من مهام تتعلق بالأسبوع الدراسي المقبل. . ولم يكن الأب يقوم بهذه النزهة مع ابنه إن قصر في بعض واجباته أو أهمل شأنا من شؤونه أو ارتكب ذنبا كأن يغضب أحد والديه أو يعصي أوامرهما، فكانت هذه النزهة بمثابة مكافأة لعبد الله على حسن سلوكه في شتى أموره. . فإن قصر في شيء أو أظهر سلوكا لا يرضي والديه كان الحرمان من تلك المكافأة هو خير عقاب له. خرج عبد الله عصر ذلك اليوم كالمعتاد مع والده وقد سمعه يتمتم بكلمات بصوت خافت حين غادرا المنزل، وكان كثيرا ما يسمع والده يتمتم بها ولكنه لم يسأله عنها قبل اليوم، فالتفت تجاه والده يسأله بفضول ظاهر: ما الذي تقوله يا والدي كلما خرجنا من المنزل؟ انفرجت أسارير (١) والد عبد الله عندما سمع سؤال ابنه الذي بدأ يتشوق إلى المعرفة، وقد كان الأب حريصا كل الحرص على أن

стр. 45

ينشأ ابنه على حب الله ورسوله واتباع سنة نبيه والاقتداء بهداه في كل شأن من شؤون حياته. . ولكن عبد الله مازال صغيرا ولم يكن الأب يرغب أن يثقل عليه بكثرة الأوامر والنواهي حتى لا يمل قلبه الغض الصغير، وإنما كان يلقنه ما يراه مناسبا لسنه ومداركه شيئا فشيئا كنبتة صغيرة تروى بالماء قطرة قطرة. . ولكن الفتى الصغير هو الذي يسأل الآن، يحدوه الشوق إلى المعرفة، ولعل ما سيقوله الوالد الآن سيكون أجمل وقعا وأقوى أثرا في نفس هذه الطفولة الصافية التي تتشوق لمعرفة كل ما تقع عليه عيناها وما تسمعه أذناها وما يعيه عقلها. رد الأب بفرح ظاهر. إنه دعاء الخروج يا بني، وهو دعاء كان يدعو به رسول الله ﷺ . . رد عبد الله. . هل لي أن أسمعه منك يا والدي؟ سأل الأب ابنه برفق: وهل تحب أن تحفظه يا بني؟ رد الفتى: نعم يا والدي، وإن كان دعاءً مطولا فسأقسمه إلى أجزاء حتى يتسنى لي حفظه كاملا. . - بارك الله فيك يا بني. . إن من يهم بالخروج من منزله عليه أن يقول: «بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو

стр. 46

أجهل أو يجهل علي» (١) . هذا هو الدعاء الذي أمرنا الرسول ﷺ بالدعاء به عند الخروج من المنزل. رد عبد الله مبتهجا: سأبدأ بحفظه - إن شاء الله - يا والدي، ولكن لماذا نقول هذا الدعاء قبل أن نخرج من المنزل؟ يا بني حين يخرج المرء من منزله يقابل الكثير من الناس ومن هؤلاء من يتغلب الشر في داخله على الخير، فقد يتعرض للظلم والإساءة منهم، وقد يكون هو بنفسه ظالما لغيره إن تغلب الشر في داخله، فالإنسان في هذا الدعاء يطلب من الله أن يعصمه من الزلل (٢) والوقوع في الخطأ. . كما يطلب من الله الحماية من ظلم الآخرين له أو جهلهم عليه. . وهكذا قطعا الطريق إلى الحديقة وهما يتحادثان. . حتى إذا وصلا انطلق عبد الله يلهو هنا وهناك، تارة يلعب الكرة وتارة أخرى يعتلي الأرجوحة وقد امتلأ سعادة وحبورا، وبينما كان الأب يرقب ابنه بحنان الأب ولهفته مر به رجل مسن رث الثياب غائر العينين يمشي بخطى متثاقلة وشيئا فشيئا اقترب من والد عبد الله ومد يده على خجل وأخذ يشكو له ضعف

стр. 47

حاله وقلة حيلته في الحصول على مال يعول به نفسه وقد أسلمه المرض للضعف وعدم القدرة على السعي في مناكب الأرض يأكل من رزقها. . فما كان من والد عبد الله حين سمع شكوى الرجل إلا أن أدخل يده إلى جيبه بدافع الشفقة والرحمة وأخرج بعض المال وقدمه للرجل معتذرا عن عدم استطاعته تقديم المزيد طالبا من الدعاء له بالخير والبركة. . سر الشيخ بهذا العطاء ورفع يديه إلى السماء يدعو لهذا المحسن الذي لم يبخل عليه بل أعطاه الكثير ويرى أنه شيء قليل، ومضى هذا الشيخ يغذ السير بخطى بدت لوالد عبد الله وكأنها أشد ثباتا من خطواته الأولى، وكأن هذه الصدقة البسيطة ألقت عليه رداء الأمن والأمان. . حمد الأب وشكر الله على هذه النعمة حيث جعله قادرا على الإحسان للفقراء والمساكين. كان عبد الله يرقب ذلك المشهد بصمت وقد توقف عن اللعب حين رأى والده يتحدث مع ذلك الشيخ ويمد يده إليه بشيء ما لم تبيُّنه من بعيد، وحين مضى الشيخ أسرع إلى والده وسأله بدهشة. من هذا الذي كنت تتحدث معه يا والدي؟ إنه رجل مسكين يا بني. لقد رأيتك تعطيه شيئا فما هو يا أبي؟

стр. 48

يا بني لعلك لاحظت كيف كانت هيئة الرجل وما كانت عليه حاله من ضعف ومرض وفقر. . لقد كان محتاجا لما يسد به رمقه، فلقد داهمه المرض نتيجة الجوع، وأحمد الله على أن ساعدني على أن أعطيه بعض المال يحسن به شيئا من أحواله. أردف عبد الله متسائلا بقلق: وهل أعطيته كل ما معنا يا أبي؟ ولماذا تسأل يا بني؟ لأنني أخشى أن تكون قد أعطيته كل ما معنا من النقود فلا نجد ما نشتري به الحلوى والسكاكر والعصير. - يا بني إن ما قدمته للشيخ هو صدقة والصدقة لا تنقص مال المرء، بل تعمل على زيادته من حيث لا يحتسب وقد قال رسولنا الكريم ﷺ : «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله » (١) . أي أن الصدقة لا تنقص المال، فلا يخاف أحدنا حين ينفق ابتغاء وجه الله، فالله يخلف للمرء ما أنفقه، فالمال لا يذهب بالإنفاق إنما هو قرض حسن لله، مضمون عنده يضاعفه أضعافا كثيرة، يضاعفه في الدنيا مالا وبركة وسعادة وراحة، ويضاعفه في الآخرة نعيما ومتاعا ورضا وقربى من الله، استمع يا بني إلى قول الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] (٢) .

стр. 49

إن الله يا بني يضاعف للمرء أضعاف ما ينفقه ولم يقل ضعفا أو ضعفين، بل هي أضعاف كثيرة. فالمال مال الله استخلف فيه الإنسان فلا أقل على هذا الإنسان أن يضحي بجزء يسير من هذا المال دون أن يكون له منّ ولا فضل ولا مفخرة يتيه (١) بها، فالله يقول: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] (٢) ويقول تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] (٣) ومع هذا فقد كرم الله الإنسان حتى سمى ما ينفقه المسلم في سبيل الله ويساعد به عباد الله قرضا حسنا. سأل عبد الله وقد اطمأن بعض الشيء عند سماع حديث والده: - أيعني هذا يا والدي أن ما لدينا من المال لن ينفد إن نحن تصدقنا منه؟ - يا بني إن الصدقة لا تنقص المال كما ذكرت لك في بداية

стр. 50

حديثي معك وقد روي عن الرسول ﷺ أنه قال: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا» (١) . - وما معنى ذلك يا والدي؟ رد الأب: أي أن الله يخلف للمرء ما أنفقه، فحين ينفق المرء من ماله يوسع الله عليه في رزقه ويخلفه عوض ما أنفقه. رد عبد الله وقد عاوده القلق: ما يهمني ألا ينفد مالنا. أجاب الأب: ما لي أراك يا بني قلقا تخاف أن ينفد ما معنا من مال؟ وتابع قائلا: اعلم يا بني أن أرفع درجات الإنفاق والسخاء (٢) هو الإيثار. - وما الإيثار يا أبي؟ أجاب والد عبد الله: إن الإيثار يا بني هو أن تجود بالمال مع الحاجة إليه، وليس بعد الإيثار درجة في السخاء، وقد أثنى الله على الصحابة ﵃ فقال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] (٣)

стр. 51

فقد روي: «أنه نزل برسول الله ﷺ ضيف فلم يجد عند أهله شيئا، فدخل عليه رجل من الأنصار فذهب بالضيف إلى أهله، ثم وضع بين يديه الطعام وأمر امرأته بإطفاء السراج، وجعل يمد يده إلى الطعام كأنه يأكل، ولا يأكل حتى أكل الضيف الطعام، فلما أصبح قال له رسول الله ﷺ : لقد عجب الله من صنيعكم الليلة مع ضيفكم» (١) . ونزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] أردف عبد الله بشيء من الزهو: لولا النفقة التي قدمتها يا والدي لهذا الرجل ما استطاع أن يتدبر أمره. أجاب الأب وقد استاء من الصورة التي جاء عليها حديث ولده: - لا يا بني، لا يحق لنا أن نمن بما أعطينا للرجل، فالمن عنصر كريه لئيم، وهو نوع من الاستعلاء الكاذب، ونحن توجهنا بعطائنا لله لا للناس. . فالمن مشاعر بغيضة لا يجيش بها قلب المؤمن. أجاب عبد الله وقد اعتراه بعض الخجل:

стр. 52

- لم أقصد يا أبي المنّ بقولي. - تذكر يا بني أن الصدقة والإنفاق تهذيب وتطهير لنفسر المعطي وتذكير له بنعمة الله عليه وعهده معه في هذه النعمة أن يأكل منها في غير سرف ولا خيلاء وأن ينفق منها في سبيله في غير منع ولا منِّ، وهي توثيق لصلة الإنسان بأخيه في الله لتقوم الجماعة المسلمة كلها على أساس من التكافل والتعاون الذي يذكرها بوحدة اتجاهها، وأذكرك أن الله نهانا عن أن نبطل صدقاتنا بالمن والأذى. . فهل وعيت الآن يا بني؟ - نعم يا أبي وإني إن شاء الله لمقتد بك وجاعل من السخاء شيمتي (١) ولن أمن أبدا بما أعطي. - بوركت يا بني. وقضى عبد الله ووالده وقتا ممتعا في الحديقة ثم عادا أدراجهما.

стр. 53

[وكان بين ذلك قواما] ٦ -عاد الأب من عمله والأبناء من مدارسهم، اكتمل شمل الأسرة حول المائدة التي كانت عامرة بما لذ وطاب من أصناف الطعام، حيث تعددت الأطباق واختلفت الأنواع حتى ليخيل للرائي أن هذه المائدة قد أعدت لعشرين شخصا لا لأربعة أشخاص، فما كان من عبد الرحمن حين رأى ذلك إلا أن هتف ببراءة الأطفال: سلمت يداك يا أماه على كل هذا الطعام. . آه كم أنا جائع. ردت الأم بحنو ظاهر: لقد قضيت اليوم كله وأنا أعد هذه المائدة التي ترونها الآن وآمل أن تحوز على رضاكم وألا يضيع جهدي هباء (١) . أجاب الأب وقد بدا الوجوم على وجهه: سلمت يداك يا أم عبد الرحمن، حقا إنها مائدة شهية عامرة بأصناف الطعام اللذيذ، ولكنني لا أتذكر أنني أخبرتك بأنني دعوت أحدا للغداء. أجابت الأم وقد اعتراها الزهو لهذا الإطراء:

стр. 54

أعلم ذلك يا أبا عبد الرحمن ولكنني أحببت أن أسعدكم اليوم بهذه المفاجأة بعد عناء (١) يوم طويل من العمل والدراسة. لم يجب الأب ولكنه وجه حديثه إلى أفراد أسرته قائلا: سموا الله واشرعوا في تناول طعامكم. قضت الأسرة وقتا ممتعا على الغداء تتخلله الأحاديث الشيقة، ثم اتجه كل إلى حجرته لأخذ قسط من الراحة بعد الغداء. . وحين جن (٢) المساء اجتمعت الأسرة في حجرة الجلوس، دأبها (٣) كل ليلة بعد أن يفرغ الأبناء من أداء واجباتهم؛ ليتناقشوا في أمور دينهم ودنياهم، وليتزودوا بما ينفعهم، حيث يقرأ عليهم والدهم أحيانا شيئا من أحد الكتب القيمة. . قامت الأم بإعداد الشاي لهم واتجهت به حيث يجلس أفراد أسرتها وبادرت الأب قائلة: ماذا أعددت لنا من حديث في هذا المساء يا أبا عبد الرحمن؟ أجاب الأب: سيكون حديثنا حول حدث دار في هذا المنزل لمسناه بأيدينا ولاحظناه بأعيننا سنستخلص منه العظة والعبرة. تساءلت فاطمة بفضول ظاهر:

стр. 55

لقد شوقتني يا أبي لهذا الحديث فما الموضوع يا ترى؟ مضى والد عبد الرحمن مخاطبا أفراد أسرته: فعلَّكم لاحظتم اليوم على مائدة الغداء التي أعدتها والدتكم أن بعض الأطعمة التي تعبت في إعدادها لم تمسها أيدينا، كما تبقى الكثير من الطعام الذي تناولنا منه، ونحن نشكر لوالدتكم اجتهادها ومحاولتها إسعادنا ولكن هذا لا يمنع أن نقول لها بأنها أخطأت من حيث لا تدري؛ فأنتم تعلمون أن مثل هذا الأمر يعد إسرافا (١) فمن منكم يا أبنائي يذكر لنا موقف الدين الإسلامي من الإسراف. أجاب عبد الله: إن ديننا القويم ينهانا عن الإسراف، وقد تعلمنا ذلك فيما تعلمناه في المدرسة، وإني لأذكر قول الحق جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] (٢) . أردفت عائشة متسائلة بحماس ظاهر. . لم أفهم ما تعنيه الآية الكريمة التي ذكرها أخي، فهل لك يا والدي أن توضح لنا ما تعنيه؟ أجاب الأب وقد سعد لحماس ابنته وذكائها: يقول الله تعالى في هذه الآية الكريمة إن من صفات عباده

стр. 56

حين ينفقون في شتى مناحي حياتهم أنهم لم يسرفوا أي لم يبالغوا في هذا الإنفاق ولم يبذروا، حيث إنهم لا ينفقون أكثر من حاجتهم ولكنهم في ذات الوقت عباد لا يقترون، أي: لا يبخلون على أنفسهم أو على غيرهم، فهم يلتمسون طريقا وسطا بين هذا وذاك، أي: لا تبذير ولا بخل، لا إسراف ولا تقتير، وهذا ما يحبه الله في عباده الذين أسماهم عباد الرحمن في محكم تنزيله. فالمسلم يا أبنائي مأمور بالتوسط؛ لأن الإسراف مفسدة للمال والنفس والمجتمع، والتقتير مثله حبس للمال عن انتفاع صاحبه به وانتفاع الجماعة من حوله. . فالمال كما تعلمون أداة اجتماعية لتحقيق خدمات اجتماعية. . والإسراف والتقتير يحدثان اختلالا في المحيط الاجتماعي والمجال الاقتصادي، والإسلام يريد أن يقيم بناءه على التوازن والاعتدال، ويبدأ بهذا البناء من نفس الفرد الذي هو أساس المجتمع، فيجعل الاعتدال سمة (١) من سمات الإيمان بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] وتابع الأب حديثه وهو ينظر إلى أفراد أسرته فردا فردا ما أحرانا (٢) أن نتلمّس طريق الحق وننتهجه منهاجا مستمدين النور من القرآن والسنة. تابعت فاطمة حديث والدها ثم أردفت قائلة: إني لأحفظ

стр. 57

من القرآن يا والدي آية عن التبذير، وذلك من سورة الإسراء التي حفظتها كاملة هذا العام، وهي قول الله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا - إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧] (١) . - أحسنت يا فاطمة، بارك الله فيك، فهل لك أن تفسري لنا هاتين الآيتين الكريمتين. . هزت فاطمة رأسها بالإيجاب ومضت تقول: لقد وردت هاتان الآيتان في سورة الإسراء حيث أمر بالإنفاق على ذي القربى والمساكين وابن السبيل، وهذا حق فرضه الله تعالى وليس تفضلا من أحد على أحد، كما ينهى في هذه الآية عن التبذير وهو الإنفاق في غير حق، ووصف المبذرين بأنهم إخوان الشياطين؛ وذلك لأنهم ينفقون في الباطل وينفقون في الشر وينفقون في المعصية، لا ينالون خيرا بهذا الإنفاق، فهم رفقاء الشياطين وصحبهم. . ثم يوضح الله حال الشيطان فيصفه بأنه كان لربه كفورا أي: كافرا بالنعمة، فهم مثله لا يؤدون حق النعمة التي أنعمها الله بها عليهم، وحقها أن ينفقوها فيما شرعه الله من الطاعات والحقوق غير متجاوزين ولا مبذرين. كان الأب يسمع لفتاته في إعجاب ظاهر بما سمعه منها

стр. 58

فأثنى عليها حين انتهت من حديثها وسألها بانشراح كيف استطعت تفسير هذه الآيات يا فاطمة؟ ردت فاطمة وهي سعيدة لسعادة والدها قائلة: لقد درسنا هذا في المدرسة حين حفظنا سورة الإسراء وكذلك تفسير آياتها، وقد وعيتها (١) جيدا، وقد اشتملت على العديد من صفات عباد الرحمن، وحرصت أن أظل محافظة على ما وعيته منها وبقيت أتعهدها دائما بالقراءة. أحسنت يا ابنتي، فعلينا أن نتعهد ما حفظناه من القرآن بالمداومة عليه حتى لا يتفلت منا تفلت الإبل من عقالها، كما ذكر رسولنا الكريم ﷺ ، ولعلي أوضح لكم شيئا قبل أن نختم حديثنا حول الإسراف. سأل عبد الرحمن: وما هو يا أبي؟ أجاب الأب قائلا: إن النهي عن الإسراف لا يعني الشح والتقّتير، فالإمساك حيث يجب البذل بخل، والبذل حيث يجب الإمساك تبذير، وبينهما وسط وهو المحمود، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] (٢) فللمنفق حالتان:

стр. 59

تبذير واقتصاد، والمحمود هو الاقتصاد. كانت الأم تستمع بكل اهتمام للحديث الدائر بين زوجها وأبنائها وقد امتلأت نفسها حبورا وزهوا لما من الله به عليها من أسرة تسعى جاهدة لتلمس دروب الحق والانضمام تحت لواء (١) عباد الرحمن، فسألت زوجها وقد بدا التأثر ظاهرا في قسمات (٢) وجهها: يا أبا عبد الرحمن، هل يعد ما فعلته اليوم من التبذير الذي نهانا منه الله ؟ - نعم يا أم عبد الرحمن، وإني لأرجو أن تكوني قد خرجت من حديثنا هذه الليلة بعظة وعبرة وفائدة تعود عليك بالخير في الدين والدنيا. - أجل يا أبا عبد الرحمن، لقد وعيت ذلك جيدا، فبارك الله فيك وغفر لي ولن تجدني بعد اليوم - إن شاء الله - مقصرة أو مبذرة.

стр. 60

[حتى تستأنسوا وتسلموا] ٧ - اعتاد جابر أن يسأل والده عن كل صغيرة وكبيرة تعرض له في شؤون حياته الدينية والدنيوية، فكان لا يترك شيئا إلا يحاول فهمه في أمور دينه ودنياه، فهو يسأل ويسأل حتى يصل إلى نور المعرفة ويحتضن ضياء الحقيقة فينير قلبه الغض الصغير بكل المعاني السامية النبيلة، شب (١) جابر على هذا النهج الذي أعانه عليه والده كثيرا؛ إذ لم يكن الأب ليضيق ذرعا بالأسئلة التي يلقيها ابنه عليه مهما كثرت وتنوعت هذه الأسئلة، ومهما تشعبت دروب معرفته لئلا يتركه نهبا للقلق والحيرة ولئلا يزيغ عن الطريق ويضل في متاهات الأسئلة فتزل قدم بعد ثبوتها؛ لذا فقد كان يعطي من وقته الكثير لفلذة كبده الذي رعاه منذ الصغر خير رعاية، وحاول تنشئته تنشئة سليمة قوية تشرب فيها حب الله وحب رسوله، فكان هذا الحب محور حياته ومنبع سلوكه وتعامله مع نفسه ومع الآخرين. جاء جابر يوما إلى والده محاولا فهم آية قرأها في كتاب الله، فهم معناها ولكنه لم يصل إلى مغزاها ولم يدرك الحكمة من وراء النهي الذي اشتملت عليه الآية الكريمة، وبعد أن ألقى تحية

стр. 61

الإسلام على والده ورد والده التحية بأحسن منها بادر جابر أباه قائلا: - لقد كنت أتلو الحزب الذي قررته لنفسي كل يوم من كتاب الله فاستوقفتني آية في سورة النور أود أن أسألك عنها يا أبي. - فما هي هذه الآية يا بني؟ - إنها الآية التي نهى الله فيها عباده المؤمنين عن دخول بيوت الغير حتى يسلّموا. - ألا تحفظ الآية يا بني؟ - لا يا والدي، لم أحفظها بعد. فرد الأب قائلا: تقول الآية الكريمة يا بني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ٢٧] (١) . - نعم يا والدي، هذه هي الآية التي ذكرت. - اعلم يا بني أن سورة النور قد اشتملت على الكثير من الآداب والأخلاق النفسية والعائلية والجماعية، إنها آداب تنير القلب وتنير الحياة ويربطها بذلك النور الكوني الشامل، إنها نور في الأرواح وإشراق في القلوب وشفافية في الضمائر. - ولماذا سميت سورة النور بهذا الاسم؟

стр. 62

- لقد ذكر في هذه السورة النور بلفظه متصلا بذات الله في قوله : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] (١) . كما ذكر في السورة النور بآثاره ومظاهره في القلوب والأرواح ممثلة هذه الآثار في الآداب والأخلاق التي يقوم عليها بناء هذه السورة. - نعم يا والدي، إني لأذكر بعض الآداب التي وردت في السورة وإن كنت لا أحفظ هذه الآيات ولكنني خرجت منها بفائدة عظيمة وهي أن القرآن الكريم يهتم بأخلاق الناس وآدابهم وسلوكياتهم. - أحسنت يا بني، ولعلك لو تذكرت كيف بدأت السورة بقول الله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ١] (٢) . - ما العلاقة إذًا يا والدي بين صيغة البدء الذي افتتحت به السورة وما اشتملت عليه من آداب؟ - أجاب الأب قائلا وقد سر لفهم ولده وسعة مداركه. - إن السورة يا بني تبدأ بإعلان قوي حاسم (٣) بفرض هذه السورة بكل ما فيها من آداب وحدود وتكاليف وأخلاق، فيدل هذا

стр. 63

البدء الفريد على مدى اهتمام القرآن بالعنصر الأخلاقي في الحياة، ومدى عمق هذا العنصر وأصالته في العقيدة الإسلامية وفي فكرة الإسلام عن الحياة الإنسانية. - ما أجمل هذا القول! ! ولكن أيعني هذا أن سورة النور فرضت علينا بأكملها؟ - يا بني، إن المطلع الذي افتتحت به السورة مطلع فريد في القرآن كله، الجديد فيه كلمة فرضناها والمقصود بها توكيد الأخذ بكل ما في السورة على درجة سواء. . ففرضية الآداب والأخلاق فيها كفرضية الحدود والعقوبات. . هذه الآداب والأخلاق المركوزة في الفطرة الإنسانية. . والتي ينساها الإنسان تحت تأثير المغريات (١) والانحرافات فتذكرهم بها تلك الآيات البينات وتردهم إلى منطق الفطرة الواضح المبين. - لَكَم أودُّ يا والدي لو تشرح لي السورة بأكملها لأفوز بما زخرت به من آداب وأخلاق وأعلم ما نصت عليه من حدود وتشريعات. - حبا وكرامة يا بني، ولكن الوقت قّد لا يسعفنا الآن فيما نبغي فدعنا نكتفي هذه الليلة بالآية التي شغلت خاطرك وأثارت استفهامك ثم نعرج في ليلة أخرى على بقية السورة، والآن افتح

стр. 64

كتاب الله واقرأ الآية. قرأ جابر الآية، بعد أن استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، فأحسن قراءتها وترتيلها، ثم وضع القرآن في مكان يليق بقدسية كتاب الله. وشرع الأب في تفسير الآية لابنه وشرح الحكمة من تنزيلها بادئا بالقول: - يا بني، إن الإسلام لا يعتمد أول ما يعتمد على العقوبة في إنشاء مجتمعه النظيف بل يسبقها بوسيلة أنجع منها. - وما تلك الوسيلة يا أبي؟ - إن هذه الوسيلة الناجعة هي الوقاية، فالإسلام لا يحارب الدوافع الفطرية ولا يكبتها، ولكن ينظمها ويضمن لها الجو النظيف الخالي من المثيرات المصطنعة. - وكيف يكون ذلك؟ - إنه يا بنى يجعل للبيوت حرمة لا يجوز المساس بها، فلا يفاجأ الناس في بيوتهم بدخول الغرباء عليهم إلا بعد استئذانهم وسماحهم بالدخول؛ وذلك خشية أن تطَّلع الأعين على خفايا البيوت وعلى عورات أهلها وهم غافلون، فهذه بعض الضمانات الواقية التي يأخذ بها الإسلام. - ولماذا خص البيوت بالذكر في الآية الكريمة؟ - لقد جعل الله البيوت سكنا يفيء إليها الناس فتسكن

стр. 65

أرواحهم وتطمئن نفوسهم، فيأمنون فيها على عوراتهم وحرماتهم، ويلقون أعباء الحذر والحرص، ولا تكون البيوت كذلك إلا حين تكون حرما آمنا لا يستبيحه أحد إلا بعلم أهله وإذنهم، وفي الوقت الذي يريدون وعلى الحالة التي يحبون أن يلقوا عليها الناس. - وهل كان الاستئذان يا أبي من آداب العرب في الجاهلية؟ - لا يا بني، لم يكن الاستئذان من آداب العرب في الجاهلية، لقد كان الزائر منهم يدخل البيت ثم يقول: لقد دخلت، وكان يحدث ألا يرضى أهل الدار عن حالهم التي رآهم عليها هذا الزائر؛ من أجل هذا أدب الله المسلمين بهذا الأدب العالي، أدبُ الاستئذان على البيوت والسلام على أهلها؛ لإيناسهم وإزالة الوحشة من نفوسهم قبل الدخول. سأل جابر والده وهو متلهف لسماع المزيد من الشرح حول هذه الآية: - ألهذا ذكر الله كلمة تستأنسوا قبل كلمة وتسلّموا؟ - نعم يا بني، إن الإيناس في هذه الآية يوحي بلطف الاستئذان ولطف الطريقة التي يجيء بها الطارق، فتحدث في نفوس أهل البيت أنسا به واستعدادا لاستقباله، وهي لفتة دقيقة لطيفة لرعاية أحوال النفوس ولتقدير ظروف الناس في بيوتهم وما يلابسها من ضرورات، لا يجوز أن يشقى بها أهلها ويحرجوا أمام الطارقين في ليل أو نهار.

стр. 66

- إذا يدخل المرء يا أبي إن أذن له أهل المنزل؟ سر الأب لسؤال ابنه لأنه سأل عن شيء كان لا بد من توضيحه فأجابه قائلا: قد يستأذن المرء ولا يكون في البيوت أحد من أهلها، وهنا لا يجوز اقتحام هذه البيوت بعد الاستئذان، وهذا مأخوذ يا بني من قول الله تعالى بعد الآية السابقة: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٨] (١) فإن كان فيها أحد من أهلها فإن مجرد الاستئذان لا يبيح الدخول إنما هو طلب للإذن، فإن لم يأذن أهل البيت فلا دخول كذلك. . ويجب الانصراف دون تلكؤ أو انتظار؛ ائتمارا بأمر الله إذ يقول جل وعلا: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨] سأل جابر بشيء من الدهشة قائلا: - ألا يحس المرء بالحرج يا والدي إن لم يؤذن له بالدخول؟ رد الأب وقد استحسن سؤال ابنه قائلا: - ولماذا الحرج يا بني! فالامتثال لأمر الله فوق كل أمر، ثم إن الله تعالى يقول: ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨] إذا فارجعوا دون أن تجدوا في أنفسكم غضاضة ودون أن تستشعروا من أهل البيت الإساءة إليكم

стр. 67

أو النفرة منكم، فللناس أسرارهم وأعذارهم، ويجب أن يترك لهم وحدهم تقدير ظروفهم وملابساتهم في كل حين، ثم أجبني يا بني أليس لنا في رسول الله قدوة حسنة؟ ! - بلى يا أبي، وليتك تحدثني في هذا الأمر ما روي عن رسول الله ﷺ . أجاب الأب: عن قيس بن سعد بن عبادة قال: «زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد سعد ردا خفيا، قال قيس: فقلت ألا تأذن لرسول الله ﷺ ؟ فقال: دعه حتى يكثر علينا من السلام، فقال رسول الله ﷺ : السلام عليكم ورحمة الله، فرد سعد ردا خفيا، ثم قال رسول الله ﷺ : السلام عليكم ورحمة الله، ثم رجع رسول الله ﷺ وتبعه سعد فقال: يا رسول الله إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك ردا خفيا لتكثر علينا من السلام، فقال: فانصرف معه رسول الله وأمر له سعد بغسل فاغتسل، ثم ناوله خميصة مصبوغة بزعفران أو ورس فاشتمل بها ثم رفع رسول الله ﷺ يديه وهو يقول: اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة» (١) . - الله يا للروعة. . هكذا رد جابر وهو يستشعر عظمة خلق

стр. 68

النبي الكريم ﷺ ، ثم تابع قائلا: وكيف يكون الاستئذان يا والدي؟ - سأرد على سؤالك هذا بقول الرسول ﷺ ، فهو معلمنا وهادينا: «فقد أتى رجل من بني عامر فاستأذن على الرسول وهو في بيته فقال: أألج (١) ؟ فقال الرسول ﷺ لخادمه: اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له: السلام عليكم. . أأدخل؟ فسمعها الرجل فقال: السلام عليكم. . أأدخل؟ فأذن له النبي ﷺ فدخل» (٢) . فانظر يا بني إلى هذا الحد من اللطف والدقة، بلغ حس رسول الله ﷺ وصحابته بما علمهم الله من ذلك الأدب الرفيع الوضيء المشرق بنور الله. - ولكننا لا نرى اليوم يا أبي من يستأذن فلا يؤذن له منعا للحرج أو خجلا من هذا الطارق. - نعم يا بني، فنحن اليوم مسلمون، ولكن حساسيتنا بمثل هذه الدقائق قد تبلدت وغلظت، وإن الرجل ليهجم على أخيه في بيته في أي لحظة من لحظات الليل والنهار يطرقه ويطرقه ولا ينصرف

стр. 69

أبدا حتى يزعج أهل البيت فيفتحوا له، وقد يجيء هذا الطارق في موعد الطعام فإن لم يقدم له الطعام وجد في نفسه من ذلك شيئا. . وربما يطرقهم في الليل المتأخر، فإن لم يدعوه إلى المبيت عندهم وجد أيضا في نفسه من ذلك شيئا دون أن يقدر أعذارهم من هذا وذاك. - ولكن يوجد اليوم يا أبي ما يسمى بالهاتف فلم لا يكون وسيلة استئذان بين الناس؟ - نعم يا بني، قد يكون في البيت هاتف يمكن أن يستأذن الزائر عن طريقه قبل أن يجيء ليؤذن له أو يعلم أن الموعد لا يناسب أهل البيت، ولكنه يهمل هذا الطريق ليباغتهم في غير أوان وعلى غير موعد، ثم لا يقبل العرف والعادات أن يرد عن البيت وقد جاء مهما كره أهل البيت تلك المفاجأة بلا إخطار. - ولماذا يا أبي لا نحاول أن نتمسك بما أمرنا به الله تعالى في كل أمر من أمور حياتنا؟ - أحسنت يا بني. . إننا لا نتأدب بأدب الإسلام في كل شيء ولا نجعل هوانا تبعا لما جاء به رسول الله ﷺ دائما، إنما نحن نتبع في بعض الأحوال عرفا خاطئا أو عادة ذميمة ما أنزل الله بها من سلطان، ومما يؤسف له يا بني أن غيرنا ممن لم يعتنقوا الإسلام يحافظون على تقاليد في بعض سلوكهم تشبه ما جاء به ديننا ليكون

стр. 70

أدبا لنا في النفس وتقليدا من تقاليدنا في السلوك، فيعجبنا ما نراهم عليه أحيانا ولا نحاول أن نعرف ديننا الأصيل فنفيء إليه مطمئنين. . فهل فهمت الآن يا بني الحكمة في النهي الذي اشتملت عليه الآية التي جئت تسألني عنها؟ . أجاب جابر في امتنان (١) وقد سر للفوائد التي جناها قائلا: - شكرا يا أبي لقد أثريتني هذه الليلة بالعظيم من الفوائد وإني إن شاء الله عاقد العزم على أن أبثها بين أصدقائي ما استطعت إلى ذلك سبيلا. - بارك الله فيك يا بني وأعانك على الخير دائما. - أستأذنك الآن يا والدي فقد حان موعد النوم. - اذهب يا بني على بركة الله، واحرص على الأذكار (٢) التي تقولها قبل النوم. ومضى جابر إلى حجرته بعد أن ألقى السلام على والده.

стр. 71

[ويدرؤون بالحسنة السيئة] ٨ - عاد معاذ من المدرسة على غير عادته مكفهر (١) الوجه، مقطب الجبين، وقد فارقته بشاشته وابتسامته المعهودة التي كانت تلازمه حين كان يدخل المنزل، فهو اليوم منقبض الصدر، بادي الحزن، يمشي نحو حجرته بخطى مثقلة، لا يسأل والدته عما أعدته. من غداء كما هي عادته كل يوم عند عودته من المدرسة، حيث كان يسارع أول ما يسارع باتجاه المطبخ قبل أن يبدل ثيابه يتلذذ برائحة الطعام، ويدفعه الجوع إلى السؤال عن الأطباق التي أعدت للغداء. رأت والدة معاذ كل هذا منه فأنكرته في نفسها، ولكنها لم تشأ أن تزيد ابنها ضيقا على ضيق بسؤاله عما به وتركته يمضي إلى حال سبيله، وعزمت على ألا تسأله عن سر تغيره حتى ينهي غداءه. عاد والد معاذ من العمل واجتمع أفراد الأسرة على مائدة الغداء، فلاحظ الأب على ابنه ما لاحظته والدته من قبل ولكنه لم يفعل كما فعلت بترك سؤاله بل سأل ابنه بحنان أبوي وشفقة ظاهرة قائلا: ما بك يا بني؟ أنت اليوم على غير عادتك من المرح والبشر.

стр. 72

رد معاذ قائلا، وهو يأمل في قرارة نفسه أن يصدقه والده: - لا شيء يا والدي، كل ما في الأمر أنني جائع فقط. أجاب الأب بدهشة غير مقتنع بما ذكره ابنه: - جائع يا بني؟ ! وهل الجائع يأكل لقمة ويفكر مليا ثم يتناول اللقمة الأخرى يعقبها بالتفكير ثانية؟ ! إن الجائع يا بني حين يرى الطعام يهش (١) ويبش لرؤيته إذا كان ما به هو الجوع فقط. وأصر معاذ على ما ذكره قائلا: - بل هو الجوع يا والدي، ولعلك تراني في المساء أفضل حالا من الآن. وهنا تدخلت الأم في الحديث موجهة كلماتها لزوجها قائلة: - دعه يا أبا معاذ، فلا شك أن ابنك لن يجد صديقا أفضل منك يحدثه ويستشيره إن ألم به أمر أو اعترضت طريقه مشكلة ما، والتفتت إلى ابنها معاذ متسائلة بكل شفقة ومؤكدة قولها: - أليس كذلك يا بني؟ سر معاذ لتدخل والدته على هذا النحو ورد قائلا: - نعم نعم، بلا شك يا أماه، فلقد تعودت أن أرمي بثقل همومي بين يدي والدي أبحث عنده عن النصح والمشورة، وكنت

стр. 73

أجد منه خير معين ومعلم وموجه لي في هذه الحياة. - بارك الله فيك يا بني لقد أرحتني بهذا القول. . هكذا رد والد معاذ وهو يعلم حق العلم أن ابنه يواجه مشكلة ما تعكر عليه صفوه وتشغل خاطره البريء، ولكنه صمت نزولا عند رغبة ابنه في عدم البوح بما ألم به، ذلك أنه لم يراوده القلق على ابنه فهو كما قالت زوجته خير صديق لابنه وخير أخ بلا شك، إن ابنه لن يخفي عنه شيئا من معاناته، ولعله الآن لثقل ما ينوء (١) به قلبه لا يود البوح فليصبر عليه قليلا وسيجيء بنفسه طالبا المشورة والعون والتوجيه، ولن يبخل عليه بشيء كما عوده. وفي المساء جلس الأب إلى أفراد أسرته وراحوا يتجاذبون أطراف الحديث في أمور شتى، وفجأة وجه معاذ حديثه إلى والده قائلا: يا أبي، لقد أخطأت اليوم في الإجابة على سؤال وجهه لي معلمي. . وصمت معاذ بعد أن ألقى كلماته هذه، فاستحثه والده على المضي في الحديث قائلا: حسنا يا بني وماذا بعد؟ رد معاذ وقد اكتسى وجهه بالحزن:

стр. 74

لا شيء يا أبي، فقط أخطأت في الإجابة، وهذا كل ما في الأمر. - وهل عرفت بعد ذلك ما خطؤك يا بني؟ - نعم يا أبي، لقد قام المعلم بتصحيح الخطأ الذي وقعت فيه وفهمت جيدا ما ذكره لي. - الحمد لله يا بني فهذا شيء يبعث على الارتياح فليس عيبا أن تخطيء في تلقي العلم، بل العيب كل العيب أن تسكت على هذا الخطأ أو أن تخجل منه وألا تحاول معرفة الحقيقة، فالتماس الحقيقة والبحث عن المعرفة هي مسئولية كل مسلم واع يعرف لماذا وكيف يتعلم. . فلماذا أراك منزعجا مما حدث طالما أن الأمر مضى على خير حال؟ - ومن قال يا أبي إن الأمر مضى على خير حال، ثم إني غير منزعج من خطئي بل. . وتوقف معاذ عن الحديث وقد تهدج صوته. . سأله والده وقد بدا منزعجا: - ما بك يا بني. . قل ما الأمر. . لعلي أساعدك وأعالج معك الأمر إن كان هناك مشكلة ما. أجاب معاذ وقد استعاد شيئا من هدوئه: - حين خرجنا من المدرسة في نهاية اليوم أخذ أحد أصدقائي

стр. 75

يتندر بخطئي بصوت عال ويهزأ بي ويتفوه بألفاظ تدل على السخرية مني مما أثار ضحك بعض الأصدقاء. فسأله والده وقد أحس بثقل ما يحمله ابنه: - وماذا فعلت أنْت يا بني حين رأيت ذلك منه؟ - لم أفعل شيئا يا أبي بل مضيت في طريقي إلى حال سبيلي. - أحسنت يا معاذ، فهذا ما كنت أتوقعه منك، فأنا أعلم أنك لا تأبه بمثل هذه الحماقات الصغيرة لأنك أكبر منها. رد معاذ وقد خالط صوته بعض الغضب: - لا يا أبي، لن أتركه بعد أن وجه لي هذه الإهانة، بل سأتحين الفرصة وأنتظر حتى يقع في الخطأ وأرد عليه بالمثل وأسخر منه كما سخر مني، وبذلك أكون قد انتقمت منه لنفسي. وهنا بادرت الأم قائلة وقد آلمها أشد الألم ذلك الشعور البغيض الذي راود ابنها: - لا يا بني، إن الانتقام فعل قبيح وتصرف مشين، وهو شأن الضعفاء المتخاذلين لا شأن الأقوياء القادرين. أجاب الأب قائلا وقد شاطَرَ (١) الأم شعورها بالألم تجاه ابنهما لما تركته الحادثة في نفسه من شعور: - نعم يا بني، ما تقوله والدتك حق، ما هكذا شأن المؤمنين
следующие страницы →