(١) وتابعت الأم حديثها قائلة:
- انظري يا ابنتي وتأملي في قول الله تعالى.
سألت حفصة والدتها قائلة:
- كيف يكونون أذلة وأعزة في نفس الوقت يا أماه؟
ردت الأم قائلة:
- إن الله في هذه الآية الكريمة يهدد من يرتد عن دينه، فإنه ليس عند الله بشيء وليس بمعجز ولا ضار بدينه، وإن لدين الله أولياء وناصرين مدخرين في علم الغيب إن ينصرف هؤلاء يجيء بهؤلاء ويصور ملامح هذه الجماعة المختارة المدخرة في علم الله لنصرة دينه وهي ملامح جميلة ومحببة.
- وما هذه الملامح يا أماه؟
- إن أول هذه الملامح المشرقة الجذابة الحبيبة للقلوب هي الحب والرضا المتبادل بينهم وبين ربهم، الحب هذا الروح الساري اللطيف المشرق الرائق البشوش هو الذي يربط القلوب بربهم الودود.
سألت حفصة والدتها قائلة وهي متشوقة لمعرفة المزيد:
стр. 107
- وكيف يكون الحب بين الله وعباده المؤمنين؟
- إن حب الله لعبد من عبيده أمر لا يقدر على إدراك قيمته إلا من عرف من هو صانع هذا الكون الهائل وعرف الله بصفاته كما وصف نفسه، وخالق الإنسان الذي يعرف أنه الله الجليل العظيم الحي الدائم الأول والآخر والظاهر والباطن.
ردت حفصة قائلة وقد استشعرت روحها حلاوة ما ذكرته والدتها من قول:
- الله يا أماه، ما أعظم هذا الحب! ! .
أجابت الأم قائلة:
- نعم يا ابنتي، إن حب العبد لربه نعمة لهذا العبد لا يدركها إلا من ذاقها، وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمرا هائلا عظيما وفضلا غامرا جزيلا (١) فإن إنعام الله على العبد بهدايته لحبه وتعريفه هذا المذاق الجميل الفريد الذي لا نظير (٢) له هو إنعام هائل عظيم، فانظري إلى قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] (٣) وغيرها الكثير من الآيات، ولكن علينا أن ندرك يا ابنتي أنها
стр. 108
علاقة ود وحب كما أنها علاقة تنزيه (١) .
- إذا أفهم من كل ما قلته سابقا وجوب التواضع، وأن الحب بين من ذكرتهم في الآية وبين ربهم هو أول الملامح التي يتصفون بها.
أجابت الأم قائلة وهي تربت على كتف ابنتها:
- أحسنت يا حفصة، أما الملامح الأخرى فهي صفة الذل، وهي صفة مأخوذة من الطواعية واليسر واللين وهذا الذل للمؤمنين، فالمؤمن لأخيه المؤمن غير عصي عليه ولا صعب بل هو هين لي مستجيب سمح ودود، وهذا معنى الذلة للمؤمنين.
أجابت حفصة:
- إذا فهي ذلة مع المؤمنين فقط.
ردت الأم قائلة:
- نعم يا حفصة، إنه التواضع الواجب المحمود الذي يقصد به وجه الله تعالى. . ومن كان كذلك أعلى الله قدره وطيب ذكره، أما التواضع لأهل الظلم فذلك الذل الذي لا عز فيه.
ردت حفصة متسائلة:
- وما معنى أعزة على الكافرين؟
أجابت والدتها قائلة:
стр. 109
- أي أن فيهم إباء واستعلاء على الكافرين ولكنها ليست العزة للذات ولا الاستعلاء للنفس إنما هي العزة للعقيدة والاستعلاء لراية الإسلام التي يقفون تحتها في مواجهة الكافرين. . إنها الثقة بغلبة دين الله على الأهواء، وبغلبة قوة الله على كل القوى، وبغلبة حزب الله على أحزاب الجاهلية فهم الأعلون حتى وهم ينهزمون في بعض المعارك في أثناء الطريق الطويل.
- إذا يا أماه علينا أن نكون متواضعين مع المؤمنين مستعلين على الكافرين؟ .
- أحسنت يا ابنتي، ولعلك فهمت معنى الاستعلاء على الكافرين والتواضع للمؤمنين، وفي سيرة رسولنا العطرة ما يجعله خير قدوة لنا.
- هل لك يا أماه أن تخبريني عن تواضع رسول الله ﷺ ؟
أجابت الأم قائلة:
- اسمعي يا ابنتي، فلقد قال رجل جاء إلى النبي ﷺ : «انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه، فأقبل علَيَّ رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إلي، فأتى بكرسي فقعد عليه وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها» (١) .
стр. 110
والآن بعد أن سمعت الحديث يا ابنتي هل تستطيعين أن تذكري لي شيئا مما يفيده الحديث بعد كل ما دار بيننا آنفا (١) .
أجابت حفصة قائلة بحماس ظاهر:
- نعم يا أماه، فالحديث يفيد كمال تواضع رسول الله ﷺ ورفقه بالمسلمين وكمال شفقته عليهم وخفض جناحه لهم، كما يفيد الحديث حرص الرسول ﷺ على تعليم الناس أمور دينهم.
أجابت الأم بسرور قائلة:
- أحسنت يا ابنتي، كما أن هناك فائدة لا تقل أهمية وقيمة عصا ذكرت ألا وهي المبادرة إلى جواب المستفتي وتقديم أهم الأمور فأهمها، أن كلام رسول الله ﷺ مع هذا الغريب اعتبر من الخطبة فلم يقطعها، وقد اتفق العلماء على أن من جاء يسأل عن الإيمان وكيفية الدخول في الإسلام وجبت إجابته وتعليمه على الفور.
أجابت حفصة قائلة:
- الله يا أماه! لم أعلم أن التواضع صفة مهمة من صفات المؤمنين، ولم أكن أعلم أن الله حث على هذه الصفة وكذلك رسول الله ﷺ .
أجابت الأم قائلة:
- آخر ما أقوله لك يا ابنتي في هذا الموضوع هو حديث
стр. 111
رسول الله ﷺ فيما رواه عنه أبو هريرة ﵁: «ما نقصت (١) صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» (٢) فالتواضع يا ابنتي يزيد الإنسان رفعة عند الله وعند الناس.
- كم أنا شاكرة لك يا أماه أن أنرت بصيرتي بهذا القول، وإن شاء الله ستجدينني من الغد كما تحبين، وسأحاول جاهدة أن أكون كما ذكرت ولن أسيء ثانية لميمونة أو غيرها بالكبر أو التعالي وغيرهما من الصفات المذمومة.
стр. 112
[والجار الجنب]
١٢ - كانت أم أنس امرأة تقية صالحة جعلت من بيتها هي وزوجها جنة وارفة (١) الظلال يفيئون (٢) إليها حين يشتد الهجير (٣) . . وكان عماد هذه الجنة هو: طاعة الله، ومعرفة حدوده والوقوف عندها، واتباع هدي نبيه محمد ﷺ ، والعمل على التمسك بسنته. وقد اتفقا منذ بداية حياتهما على أن يعين كل منهما الآخر في هذا الطريق، وألا يرى أحدهما اعوجاجا من قرينه (٤) إلا وقوَّمه بالموعظة الحسنة والقول اللين ابتغاء وجه الله، كما أخذا عهدا على نفسيهما بتنشئة أبنائهما على حب الله ورسوله، وأن يزرعا فيهم بذرة الخير منذ الصغر، وأن يهيئا لهذه البذرة التربة الخصبة تسقى بالحب والود والرحمة، مقترنة بالتوجيه السليم حتى إذا كبروا كانت هذه البذرة شجرة طيبة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
اجتمع شمل الأسرة في جو بهيج فهذا أنس يروي لهم في
стр. 113
انشراح ما حدث معه اليوم في المدرسة، وتلك أخته سلمى تتابع حديثه بتعليقات بريئة ضاحكة، أما خالد فقد أخذ ينصت إلى حديثهما متتبعا كل ما يقولانه بحس متوقد وقلب ذكي، فقد كان يبدو الاهتمام في عينيه بكل ما يقولانه فهما يكبرانه سنا ولديهما بعض الخبرات البسيطة التي لم تتوفر له، ثم هو لم يزل بعد في السنة الأولى من دراسته في حين أن أنس وسلمى قد تخطياه بمراحل كثيرة، وهو الآن في طور التعلم منهما والتزود من معارفهما. . أما زيد فقد أخذ مقعده دون أن ينم مظهره عن شيء.
دق جرس الباب وأسرع خالد ليرى من الطارق، وعاد وهو يحمل إناء به بعض الطعام وقدمه إلى والدته وهو يقول:
- انظري يا أماه لقد أحضره حذيفة ابن جيراننا.
ردت الأم قائلة وقد أظهرت سرورها بما أهدتها إياه جارتها:
- بارك الله فيهم، اذهب يا بني وضعه في الثلاجة.
نظرت سلمى نظرة عاجلة إلى ما يحمله الإناء وقطبت حاجبيها وهي تقول:
- ما هذا يا أماه، إن كمية هذا الطعام لا تكاد تكفي لشخص واحد، وتابعت بشيء من التأفّف (١) .
стр. 114
- إن هؤلاء الجيران لا يكفون عن مثل هذه الأمور التي تثير السخط، فتارة يبعثون لنا بشيء لا قيمة له وأخرى بطعام قليل و. . . ولم تكمل حديثها إذ قاطعها والدها بهدوء وحزم قائلا:
- اصمتي يا سلمى، وأنت يا خالد اذهب بالإناء إلى المطبخ وضعه في الثلاجة كما أمرتك والدتك وعد هنا على عجل. . هيا. .
عاد خالد وأخذ مكانه وبدأ الأب حديثه وهو ينظر إلى ابنته سلمى قائلا بشيء من التأنيب (١) .
- تعلمون يا أبنائي كيف هي الطريقة التي ربيتكم عليها والنهج الذي ارتضيته نبراسا (٢) لكم. . وتعلمون كيف كنت رفيقًا بكم غير زاجر ولا معنف، وإنما كنت آخذكم بالموعظة (٣) الحسنة، ولم أكن فظا (٤) غليظ القلب معكم، وما قصرت في أمر من أموركم، وزرعت فيكم حب الله وحب رسوله ﷺ وحب الناس والتودد إليهم، والآن أخبروني هل كان لأختكم سلمى الحق فيما قالته؟
أجاب أنس قائلا:
стр. 115
- لم يكن يا والدي في حديث سلمى أي شيء يبعث على الغضب، فهي رأت أن الطعام كان قليلا وقالت ما رأته وهو كذلك، فما الذي أغضبك من قولها يا والدي؟
أجاب الأب بصوت أشد حزما مما بدأ به قائلا:
- وأنت أيضا يا أنس لا ترى بأسا فيما قالته أختك! ! . . وتابع قائلا موجها حديثه لجميع أبنائه:
- إن هذا الطعام هدية من جيراننا لا بد من شكرهم عليها وما كان ينبغي لنا أن نقلل من شأن هذه الهدية أو أن نسخر منها، وإلا لكان في هذا استهانة بحقوق الجار ولذلك فإن استخفاف (١) أختكم سلمى بهدية جيراننا هو نوع من التقصير في حق الجوار.
والتقطت أم أنس دفة الحديث وتابعت حديث زوجها قائلة:
- يا أبنائي، إن للجار علينا حقوقا كثيرة، ومن هذه الحقوق كما ذكر والدكم عدم التقليل من شأنه أو من شأن ما يقدمه لنا، بل نشكر حرصه على تبادل الهدية معنا مهما صغرت هذه الهدية، فقد قال رسول الله ﷺ : «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» (٢) . وهنا تساءلت سلمى قائلة وقد اعتراها الخجل مما
стр. 116
فعلت:
- وما معنى الحديث يا أماه؟
فأجابت الأم قائلة:
- إن ما يفيده هذا الحديث يا ابنتي هو استحباب تبادل الهدايا بين الجيران مهما قلت ولو فرسنا، والفرسن هو عظم فيه قليل من اللحم.
وبعد أن سمعت سلمى من والدتها هذا القول اعتذرت عما تفوهت (١) به معللة ما قالته بأنها كانت تجهل أن مثل هذا القول يمس ويخل بحقوق الجار وتابعت حديثها قائلة:
- لم أقصد الإساءة أو السخرية يا والدي، ولم أعلم أن قولي فيه استخفاف بحقوق الجار، فأنا أعلم حق الجار في نواح أخرى كأن: نحسن إليه، ونتودد له، ونكرمه، وندفع عنه الضر، ونعوده (٢) عند المرض، ونهنئه عند المسرة ونعزيه (٣) عند المصيبة، وإني لأحفظ ما روي عن رسول الله ﷺ حيث روى ابن عمر وعائشة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «مازال جبريل يوصيني بالجار
стр. 117
حتى ظننت أنه سيورثه» (١) " (٢) .
أجاب الأب قائلا وقد فارقه غضبه بعد أن سمع من ابنته ما ذكرته:
- أحسنت يا ابنتي، وإني لأغفر لك جهلك وأذكرك بقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (٣) وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى (٤) وَالْجَارِ الْجُنُبِ (٥) وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ (٦) وَابْنِ السَّبِيلِ (٧) وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ (٨) إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] (٩) .
- والآن من يخبرنا بماذا بدأت الآية؟
стр. 118
أجاب أنس قائلا:
- لقد بدأت بذكر الإحسان إلى الوالدين.
ردت الأم قائلة:
- لقد أوصى الله جل وعلا في الآية الكريمة بالإحسان إلى الوالدين، وكثيرا ما يقرن الله بين عبادته والإحسان إلى الوالدين، ثم عطف على الإحسان إليهما الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء، ثم قال تعالى " اليتامى " وذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم وينفق عليهم، فأمر بالإحسان إليهم والحنو عليهم، ثم قال تعالى " والمساكين " وهم من ذوي الحاجات الذين لا يجدون من يقوم بكفايتهم، فأمر الله سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم وتزول به ضرورتهم، أما قوله تعالى " والجار ذي القربى والجار الجُنُب " فالجار ذي القربى أي: الذي بينك وبينه قرابة، والجار الجُنُب أي: الذي ليس بينك وبينهم قرابة، وقيل: الجار ذي القربى أي المسلم، والجار الجنب يعني اليهودي والنصراني، وقيل: إن الجار الجنب هو الرفيق في السفر، أما الصاحب بالجنب فقيل: هو الضيف أو الرفيق في السفر أو الجليس في الحضر، وهنا سأل خالد: وما معنى ما ملكت أيمانكم؟
أجابت أم أنس قائلة: هم المملوكون من العبيد والإماء، فرغم أنهم ملك اليمين إلا أنهم يتصلون معنا
стр. 119
بآصرة (١) الإسلام الكبرى.
وهنا سأل الأب قائلا:
- والآن يا أبنائي من يذكر لنا بعض حقوق الجار غير الذي ذكرت لنا أختكم سلمى؟
أجاب خالد قائلا:
- علينا يا والدي ألا نؤذي جيراننا بالقول أو الفعل، وأن نكفَّ الشر عنهم، فذلك من كمال الإيمان وكرم الأخلاق.
رد الأب قائلا بإعجاب:
- أحسنت يا خالد، وأذكركم هنا بحديث رسول الله ﷺ الذي رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه» (٢)(٣) .
وتابعت الأم حديث زوجها قائلة:
- ولعلي أضيف إلى ما ذكرتموه بعض الحقوق التي تجب علينا للجار مثل: التسامح بين الجيران، والتنازل عن بعض الحقوق
стр. 120
بما ينفع الجار ولا يضر الشخص الذي تنازل، فليس للجار أن يمنع جاره شيئا ينفعه ولا يضره سواء كان في البناء أو في غيره من مرافق الحياة، فتعاونُ الجيران يا أبنائي مظهر من مظاهر الإخوة الإسلامية وتكافل المجتمع.
وهنا سألت سلمى والديها قائلة:
- ولكن إنْ كَثر الجيران فهل نحسن إليهم جميعا ونتبادل معهم الهدايا؟
أجاب الأب قائلا:
- إن إجابة هذا السؤال يا ابنتي نستمدها من الهدي النبوي الكريم حين سألته عائشة ﵂ قالت: «قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: " إلى أقربهما منك بابا» (١) ففي هذا دليل على استحباب تقديم الجار الأقرب فالأقرب إذا لم يقدر الإنسان على الإحسان إلى جيرانه جميعا، وإن كان كف الأذى واجبا علينا عن جيراننا جميعهم مهما كثروا.
وهنا تابعت الأم حديث زوجها قائلة:
- لعل عظم حق الجار نلخصه ونوضحه فيما أُورِده من قول رسول الله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم
стр. 121
الآخر فليقل خيرا أو ليسكت» (١) ففي هذا الحديث تحريم إيذاء الجار، وأن إيذاء الجار مناف لكمال الإيمان، علاوة على الحث على إكرام الضيف التحذير من الخوض في الكلام الباطل كالغيبة (٢) والنميمة (٣) والترغيب بالسكوت عند عدم فائدة الكلام.
أجاب الأب بعد أن سمع حديث زوجته قائلا:
- بارك الله فيك يا أم أنس، والتفت إلى أبنائه قائلا: لعل فيما قالته والدتكم يا أبنائي خير ما نختم به حديثنا حول حقوق الجار، وآمل أن تكونوا جميعا قد وعيتم حق الجار عليكم، وأن يحاول كل منكم تطبيق ما علمه من هذه الحقوق، والآن انصرفوا راشدين إلى دراستكم بارك الله فيكم ورعاكم.
стр. 122
[ولئن صبرتم]
١٣ - حرص الشيخ إبراهيم على رعاية أبنائه منذ الصغر وتربيتهم التربية الصالحة على الفضائل الإسلامية في دوحة الدين، وجعل من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة هديهم في الحياة، وكان يرجو في قرارة نفسه أن ينشأ أبناؤه الثلاثة دعاة مخلصين لله، يجاهدون في سبيل الحق ورفعة راية الدين، ولقد جاهد وبذل ما استطاع من الوقت ليكونوا كما أراد لهم، فكان يقتطع ساعات من يومه يجمع فيها أفراد أسرته ليفقههم في أمر من أمور دينهم تارة بتلاوة القرآن وتفسيره وأخرى بحفظه وحفظ الأحاديث وشرحها وغيرها من علوم وأمور الدين التي لا بد للداعية أن يلمَّ بها، كما كان يروض (١) أخلاق أبنائه محمد وعلي وعمر على تحمل هذه المسؤولية الجسيمة.
وفي ذات يوم جاء محمد - وهو أكبر إخوته - إلى أبيه وقد ارتسمت علامات الألم والضيق على وجهه، وقد ظهر لوالده أن هناك أمرا ما يزعج ابنه ويقلقه ويود أن يفضي (٢) به إليه فأشار لابنه
стр. 123
حين رآه أن يأخذ مكانه من المقعد المجاور له، وحين استوى محمد في جلسته سأله والده بلطف قائلا:
- ما بالك يا بني، أراك اليوم على غير عادتك فما الذي ألم بك؟
أجاب محمد قائلا - والضجر (١) مما أصابه يبدو من خلال حديثه -:
- لقد مللت يا والدي من رفيقي الذي يجلس بجواري في حجرة الدرس.
سأل الأب ابنه بتعجب قائلا:
- ولماذا يا بني هذا الضجر؟
رد محمد قائلا بصوت يخالطه بعض الألم:
- إنه دائم الإيذاء لي يا أبي مرة بالسخرية مني، ومرة بعدم التعاون معي إذا اعترضتني مشكلة، وأساليب أخرى قد لا يسعني الوقت لذكرها.
هدأ الأب الحكيم من روع (٢) ابنه قائلا:
- لا عليك يا بني، لكل معضلة حل فلا تبتئس ولكن أخبرني
стр. 124
كيف تصرفت معه؟
أجاب محمد قائلا:
- لم أحاول إيذاءه أو أن أرد الإساءة بمثلها، ولكني أحس بالملل من سوء سلوكه وعدم القدرة على الصبر، فلقد ضقت ذرعا لوجوده بجواري.
فكر الأب قليلا بعد أن سمع حديث ابنه ثم بادره قائلا:
- لا عليك يا بني، اذهب الآن إلى شأنك وسنلتقي إن شاء الله في المساء وستكون معضلتك (١) مع رفيقك هي مدار حديثنا، وسنجد الحل الذي يثلج صدرك بإذن الله.
غادر محمد والده وهو مطمئن النفس وقد ملأه شعور بالارتياح.
وحين اختلى الأب بنفسه قرر أن يكون حديث الليلة لأفراد أسرته حول فضيلة الصبر الذي هو من الفضائل الجليلة (٢) والتي ينبغي للمؤمن أن يتحلى بها، فكيف بأبنائه وهو يأمل أن يراهم دعاة لله.
اكتمل شمل الأسرة في عقد جميل يجمع الأب والأم وأبناءهما الثلاثة محمدا وعليا وعمر وقد اكتست وجوههم بحلاوة
стр. 125
الإيمان ورقة الشعور، وأشرقت وجوههم بفيض (١) من نور غامر، فكانوا كأنما تحفهم الملائكة بالسكينة والأمن.
ابتدأ الأب حديثه بالصلاة والسلام على النبي المصطفى ﷺ ، وردد أفراد أسرته الصلاة على النبي، ثم بادر الأب بسؤالهم قائلا:
- لو أن أحدكم ألم به داء (٢) عضال (٣) لازمه طويلا، هل كان يشكو ويتذمر شاكيا لكل من رأى ألمه وبلواه؟
أجاب عمر قائلا وقد كان أصغر الأبناء:
- نعم يا أبي، فالمرض مؤلم فكيف وإن كان لفترة طويلة، فأنا لا أستطيع الصبر عليه لذلك لا بد وأن أشكو وأتألم.
أجاب الأب قائلا:
- حسنا يا أبنائي، لقد سمعتم قول أخيكم فهل أنتم موافقون على هذا القول؟
أجاب علي قائلا وقد كان يكبر أخاه عمر بثلاث سنوات:
- لا يا والدي، لا يحق لنا إظهار الشكوى والتذمر، فالمرض ابتلاء من الله يختبر عباده به؛ لذا علينا أن نصبر ونحتسب ابتغاء وجه الله.
стр. 126
أجاب الأب قائلا وقد سر لإجابة ابنه علي:
- أحسنت يا علي فيما ذكرت، ونحن اليوم سنجعل حصتنا من الوقت للحديث عن فضيلة من أجلِّ الفضائل وأعظمها ألا وهي فضيلة الصبر. . ولقد أخبرني أخوكم محمد بالمعاناة التي يجدها في المدرسة من أحد رفاقه. . وبعد أن شرح لهم مشكلة أخيهم سألهم من منكم يعرف معنى الصبر؟
فلما لم يجد إجابة من أحدهم تابع قائلا:
- الصبر، يا أبنائي، هو حبس النفس على ما يقتضيه العقل أو الشرع، أو البعد عما يقتضيان حبسها عنه. . ثم عقب بسؤال آخر.
- بماذا يمكن أن يقابل أخوكم محمد إساءة رفيقه؟
في هذه اللحظة تدخل محمد ورد بأدب جم قائلا:
- أعرف يا أبي أن علي أن أصبر، ولكني مللت لكثرة ما تكررت منه الإساءة.
أجاب الأب قائلا:
- لا يا بني، يجب أن تروض نفسك على الصبر، وأن تحاول التحلي بهذه الصفة ما استطعت. . ولكن ما هي الأمور التي يجب على الإنسان أن يصبر فيها؟
أجابت أم محمد قائلة:
- على الإنسان أن يصبر على المصائب التي يبتليه بها الله كما
стр. 127
عليه أن يصبر على أداء الطاعات كأداء الصلاة والصوم وغيرها من العبادات، والصبر عن المعاصي كالغيبة والنميمة والكذب وغيرها.
أجاب أبو محمد قائلا:
- أحسنت يا أم محمد، وهناك مجالات أخرى يجب على المؤمن أن يصبر فيها كالصبر على مواجهة الكفار أعداء الدعوة الإسلامية، والصبر على الجهاد في سبيل الله لرفع راية الإسلام. . كل هذه أمور يحمد الصبر فيها، ولقد أمرنا الله تعالى في كتابه العزيز بالصبر وبين لنا أجر الصابرين، فهل منكم من يتذكر آية تحث على الصبر؟
أجاب محمد قائلا:
- إني لأحفظ يا أبي قول الحق ﵎ مما حفظت في المدرسة من الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] (١) .
رد الأب قائلا:
- أحسنت يا محمد، ها أنت تحفظ من كتاب الله ما يحث على الصبر، أفلا تمنحك هذه الآية قوة هائلة للصبر، وتابع حديثه قائلا: وهناك يا بني الكثير من الآيات الدالة على فضيلة الصبر، ولعلي أذكر لك هنا قول الحق ﵎ في محكم تنزيله:
стр. 128
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ - وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٥ - ١٢٦] (١) .
وبعد أن تلا الأب هاتين الآيتين الكريمتين سأل أبناءه قائلا:
- إلى أي نوع من أنواع الصبر تشير هاتان الآيتان الكريمتان؟
رد علي قائلا:
- إنه الصبر في مجال الدعوة لله .
أجاب الأب قائلا وقد استحسن إجابة ولده:
- أحسنت يا علي وبارك الله فيك، ولكن هل يوضح أحدكم أكثر؟ .
فلما لم يجد إجابة من أحدهم تابع قوله:
- إن القرآن يا أبنائي يرسي (٢) دعائم الدعوة ومبادئها ويعين وسائلها ويرسم المنهج الكريم للرسول ﷺ وللدعاة من بعده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وتابع قائلا: ومن الآيتين الكريمتين هل تستطيعين يا أم محمد أن تذكري لنا بعض قواعد الدعوة إلى الله؟
أجابت أم محمد قائلة:
стр. 129
- إنها الحكمة، فالدعوة بالحكمة مطلب ضروري لنجاح الدعوة والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، فلا يثقل عليهم ولا يشق بالتكاليف بل يهيئ النفوس لها أولا بالطريقة التي تليق بأحوالهم.
أجاب أبو محمد قائلا:
- لقد أجدت في الحديث يا أم محمد وسأعيد تلاوة الآيتين حتى يتذكر الأبناء بقية تلك القواعد. . وبعد أن تلا الآيتين الكريمتين ثانية نظر في وجوه أبنائه يستحثهم على الإجابة.
وهنا أجاب محمد قائلا:
- إنه مبدأ أو قاعدة الموعظة الحسنة أي التي تدخل القلوب برفق لا بالزجر والتأنيب.
وهنا تابع الأب حديث ابنه محمد قائلا:
- نعم يا أبنائي، فالرفق يهدي القلوب الشاردة ويؤلفها، ولقد خاطب الله سبحانه رسوله محمدا بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (١) والجدل بالتي هي أحسن أي بلا تحامل (٢) على المخالف ولا تقبيح ولا شتم، وهذا منهج الدعوة مادام الأمر في دائرة الدعوة باللسان والجدل بالحجة.
стр. 130
سأل محمد قائلا:
- وهل هناك منهج آخر يا أبي؟
أجاب الأب قائلا:
- لقد أحسنت السؤال يا محمد، وهنا أقول لك: إنه إذا وقع الاعتداء على أهل الدعوة فإن الموقف يتغير، فالاعتداء لا بد أن يقابل بمثله اعتزازا لكرامة الحق ودفعا لغلبة الباطل على ألا يتجاوز الرد على الاعتداء حدوده، فالإسلام دين العدل والاعتدال ودين السلم والمسالمة، ويدفع عن نفسه وعن أهله البغي ولا يبغي، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]
وهنا سأل علي والده قائلا:
- أي أن المرء يا أبي إما أن يصبر أو أن يعاقب بمثل ما عوقب به؟
أجاب الأب قائلا:
- نعم يا بني، فالقرآن يدعو إلى العفو والصبر مع إقرار قاعدة القصاص ووقف العدوان في الحالات التي يكون فيها الصبر أعمق أثرا وأكثر فائدة للدعوة.
ردت أم محمد:
- ما أجمل ما ذكرت يا أبا محمد! وأضيف هنا أن الصبر يحتاج إلى مقاومة للانفعال وضبط للعواطف وكبت للفطرة،
стр. 131
والقرآن يصل الصبر بالله ويزين عقباه ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] (١) ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] (٢) .
أجاب أبو محمد قائلا:
- نعم يا أبنائي، فالله يعين على الصبر وضبط النفس، والاتجاه إليه هو الذي يحد من الرغبة الفطرية في رد الاعتداء بمثله.
فعقبت أم محمد قائلة:
- نعم، هذا هو الصبر يا أبنائي، والصبر لا يقتصر على الداعية وطرق الدعوة فقط بل الصبر على كل ابتلاء، وقد حث الرسول الكريم ﷺ على الصبر في أحاديث كثيرة أذكر لكم منها حديث أبي يحيى صهيب بن سنان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» (٣) . فيا أبنائي حياة المسلم بما فيها من مسرة ومضرة كلها خير وأجر له عند الله.
أجاب الأب قائلا وقد ظهر الارتياح على وجهه عند سماع
стр. 132
حديث زوجته:
- نعم يا أبنائي، فالمؤمن الكامل الإيمان يشكر الله تعالى في السراء ويصبر في الضراء فينال خير الدارين، أما ناقص الإيمان فإنه يتضجر ويتسخط من المصيبة فيجمع الله عليه نصيبه منها ووزر (١) سخطه، ولا يعرف للنعمة قدرها فلا يقوم بحقها ولا يشكر الله فتنقلب النعمة في حقه نقمة.
رد محمد بعد أن سمع حديث أبويه قائلا بنفس مطمئنة:
- سمعا وطاعة، وسآخذ في ترويض نفسي أنا وإخوتي إن شاء الله على فضيلة الصبر بعد أن سمعنا عنه ما سمعنا منكما وعرفنا عاقبة الصابرين، فشكرا لكما على هذه الكلمات المضيئة.
стр. 133
[والعافين عن الناس]
١٤ - استيقظت الأم من نومها فزعة على صراخ ابنتها فاطمة وهو يتعالى بغضب، فهرعت إليها تستطلع ما الخبر، وإذا بها تجدها قد انهالت سبّا وشتما على الخادم (١) وقد همت بضربها، والخادم تقف مذعورة وهي ترتجف من الخوف، فما كان من والدتها إلا أن وقفت حائلا بين ابنتها والخادم ومنعتها من الإقدام على تلك الفعلة الشنيعة، والتفتت إلى الخادم وحدثتها بكلمات طيبة وهدأت من روعها وطلبت منها أن تتابع عملها، واتجهت الأم بابنتها حيث حجرة الجلوس وحين اتخذتا مكانهما سألت الأم ابنتها بغضب قائلة:
- ما الذي كنت تنوين الإقدام عليه يا فاطمة. . تريدين ضرب الخادم. . هل رأيتني يوما أفعل ذلك؟ !
أجابت فاطمة قائلة بغيظ شديد:
- لا يا أمي، لم أرك يوما تفعلين ذلك، ولكنك لا تعلمين ما الذي فعلته معي ولو علمته لعذرتني.
عاودت الأم السؤال بصوت حاولت أن يكون أكثر هدوءا قائلة:
стр. 134
- وما الذي فعلته حتى تستحق منك كل هذا؟ !
أجابت فاطمة قائلة بصوت لم تفارقه نبرة الغيظ:
- لقد أمرتها بكي ثوبي الأزرق الذي سأحضر به عرس صديقتي خديجة فأحرقته بإهمالها واستخفافها بما تقوم به من عمل.
سألت الأم ابنتها قائلة وهي تعجب من أمرها:
- ألا تملكين ثوبا غيره يا فاطمة؟
أجابت فاطمة قائلة وهي تظهر الحزن على فساد ثوبها الأزرق:
- بلى يا أمي، تعلمين أنه لدي الكثير من الثياب الجميلة ولكني أحب هذا الثوب وأفضله على غيره من الثياب.
أجابت الأم قائلة وهي تظهر لابنتها عدم الرضا بما فعلته:
- حتى ولو لم يكن لديك غير ثوب واحد أحرقته الخادم فهذا لا يعطيك الحق في الإقدام على ما أقدمت عليه من عمل.
أجابت فاطمة وهي تصر على ما فعلت:
- ولكنها تستحق العقاب يا أماه.
ردت الأم قائلة بشيء من الضيق:
- لقد كان فعلك سيئا حين رفعت صوتك على هذه المسكينة، ثم إنك هممت بضربها لولا أن ساقتني عناية الله ومنعتك عنها.
стр. 135
أردفت فاطمة قائلة:
- آه يا أماه ليتك تركتني أفعل! ! .
حزنت الأم في قرارة نفسها لقسوة ابنتها، وأشارت إليها بيدها أن اهدئي وهي تقول:
- لا يا ابنتي، كان الأجدر بك العفو عنها والسماح عن زلتها (١) لتنالي بذلك الثواب من الله ، فالله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] (٢) فتأملي يا ابنتي وفكري في قول الله.
أجابت فاطمة قائلة وقد استعادت شيئا من هدوئها:
- لم أستطع يا أماه أن أمسك بزمام نفسي وأمنعها من الغضب حين رأيت ثوبي وهو على تلك الحالة.
أجابت أمها قائلة:
- يا ابنتي، لقد تملكك الغضب وأفقدك السيطرة على نفسك ومنعك من تحكيم العقل، فأين أنت من قول الله تعالى حيث يقول في محكم تنزيله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤] (٣)
стр. 136
فانظري يا ابنتي بماذا وصف الله عباده العافين عن الناس، لقد وصفهم بالمتقين، وتابعت الأم حديثها قائلة:
- لقد وصفهم بالمتقين في الآية الأولى ثم ذكرتهم الآية الثانية وهم يتحلون بصفات أخرى غير العفو، وسأعيد عليك الآية الثانية حتى تذكري لي تلك الصفات. . وبعد أن قرأت الأم الآية ثانية أجابت فاطمة قائلة بحماس وقد نسيت غضبها:
- الآية تصفهم بأنهم ينفقون في السراء والضراء، وتوقفت قليلا ثم سألت قائلة:
ولكن ما معنى ينفقون في السراء والضراء؟
ردت الأم قائلة:
- إنه سؤال جيد يا فاطمة، وتابعت التوضيح لابنتها قائلة:
أي أنهم ثابتون على البذل لا تبطرهم السراء، أي المسرة ورغد العيش والرخاء، ولا تلهيهم عن الإنفاق، كما أن الضراء، وهي الشدة وضيق العيش، لا تنسيهم البذل والعطاء، إنما هم يملكون الشعور بالواجب في كل حال، ويتحررون من الشح والبخل والحرص على المال، وإن ما يدفع النفس يا ابنتي إلى الإنفاق في كل حال هو دافع أقوى من شهوة المال إنه دافع التقوى.
стр. 137
أردفت فاطمة قائلة:
- إذا الإنفاق في السراء والضراء هو أول صفات هؤلاء المتقين؟
أجابت الأم وهي سعيدة بقول ابنتها:
- نعم يا ابنتي، أما الصفة الثانية التي لها علاقة وطيدة بحادثة اليوم فهي صفة العفو والحلم وكظم الغيظ، والتي كنت أود لو أنك تحليت بهما.
سألت فاطمة والدتها قائلة باهتمام واضح:
- فما معنى الكاظمين الغيظ يا أماه؟
أجابت الأم قائلة:
- الكاظمين مأخوذة من الكظم أي الحبس، أما الغيظ فهو الغضب أو شدة الغضب، وقيل سورته وأوله فيكون بذلك معنى الآية أي الحابسين غضبهم المتحكمين في سورته، فكان الأجدر بك كظم غيظك والعفو عن هذه المسكينة.
سألت فاطمة أمها وقد استبدت بها الحيرة قائلة:
- ولكن يا أماه ألا يكفي أن أكظم غيظي وأحبسه عنها ولا أعفو عنها في قرارة نفسي؟
أجابت الأم قائلة:
- لا يا ابنتي، فالغيظ انفعال بشري تصاحبه فورة الدم، وكظم
стр. 138
الغيظ هو المرحلة الأولى وهذه المرحلة وحدها لا تكفي.
تساءلت فاطمة قائلة:
ما معنى قولك يا أماه إن كظم الغيظ هو المرحلة الأولى وهي وحدها لا تكفي؟
أجابت الأم وقد كانت تود توضيح ذلك لابنتها لولا أن شغف ابنتها بالمعرفة جعلها تسبق بالسؤال:
- قد يكظم الإنسان يا ابنتي غيظه فقط ولا يعفو فيتحول الغضب الظاهر إلى حقد دفين، والغيظ الفائر إلى حقد غائر وإن الغيظ والغضب لأنظف وأطهر من الحقد والضغن.
سألت فاطمة والدتها قائلة:
- ولماذا لا بد من العفو ألا يكفي أن يكظم المرء غضبه؟
ردت الأم بهدوء قائلة:
- يبدو يا فاطمة أنك لم تفهمي بعض ما قلته، إن الغضب يا ابنتي نار على النفس إذا كظمته ولهيب يلفح القلب، أما حين تصفح النفس ويعفو القلب فهو الانطلاق من تلك النار وبرد وسلام في القلب والضمير.
أجابت فاطمة قائلة:
- ولكن أود أن أسألك يا أماه لماذا قال الله تعالى في نهاية الآية الخاصة بذكر صفات المتقين ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ؟
стр. 139
أجابت الأم قائلة:
- إن معنى ذلك يا فاطمة أن من يجودون بالمال في السراء والضراء محسنون، والذين يجودون بالعفو والسماحة بعد الغيظ والكظم محسنون، والله يحب المحسنين، ومن حب الله للإحسان والمحسنين ينطلق حب الإحسان في قلوب أحبائه وتنبثق الرغبة الدانقة في هذه القلوب، والجماعة التي يحبها الله وتحب الله والتي تشيع فيها السماحة واليسر والطلاقة من الإحن والأضغان هي جماعة متضامنة، جماعة متآخية، جماعة قوية.
أجابت فاطمة قائلة وقد أظهرت الندم لسوء فعلها:
- الله يا أماه، ما أجمل حديثك! وما أبشع ما فعلته اليوم! ! .
ردت الأم قائلة:
- لا عليك يا ابنتي وسأزيدك فائدة حين أذكرك أن رسول الله ﷺ وهو قدوتنا في كل أمر من أمور حياتنا، تروي عائشة ﵂ قالت: «ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا بيده ولا امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى فينتقم لله تعالى» (١) .
أجابت فاطمة قائلة:
- لقد أحسست بحجم خطئي يا أماه، وإني ذاهبة إلى الخادم
стр. 140
أحادثها وأهدئ من روعها، ولن تلقى مني بعد اليوم غير المعاملة الحسنة إن شاء الله.
أجابت الأم قائلة:
- بارك الله فيك يا ابنتي، فهذا ما أرجو منك. . والآن اذهبي إليها فلعلها الآن في حالة ذعر وحزن.
стр. 141
[ورتل القرآن ترتيلا]
١٥ - كانت أم صفية دائمة الحث لابنتها على تلاوة القرآن، وقد كانت تلك هي الناحية التي يظهر فيها التقصير من ابنتها، وبالرغم من إلحاح الأم على ابنتها بتعهد القرآن إلا أن صفية لم تكن لتعي (١) أو تستجيب؛ معللة تقصيرها هذا بضيق الوقت وما هي عليه من انشغال في أداء واجباتها المدرسية.
ولم تكن الأم تحث ابنتها بلسانها فقط بل كانت تتمنى أن تتخذ منها ابنتها قدوة لها، فهي تتلو كتاب الله كلما سمح لها وقتها بذلك، وكانت أحرص ما تكون على تلاوة الحزب المخصص لها بعد صلاة الفجر وبعد صلاة المغرب، ولكن صفية لم تتخذ قدوة لها من هذه الأم الصالحة بل كانت تبدد جل (٢) وقتها في اللهو واللعب.
وظل هذا شأن صفية حتى ضاقت الأم ذرعا بها فقررت أن تشرح لابنتها وأن تبين لها فضل التلاوة لكتاب الله وما يؤتيه الله من أجر لصاحب القرآن.
стр. 142
وفي ذات يوم نادت الأم ابنتها وقد عزمت على وضع حد لإهمال ابنتها في هذا الأمر، لعل قلبها يستجيب.
جاءت صفية لوالدتها وقد بدا (١) عليها التعب جراء لعبها في الحديقة، فطلبت منها والدتها أن تذهب وتتوضأ ثم تعود إليها، فتساءلت صفية قائلة:
- ولماذا أتوضأ الآن يا أماه ووقت الصلاة لم يحن بعد؟
ردت والدتها قائلة:
- اذهبي يا ابنتي الآن وسأوضح لك حين تعودين.
عادت صفية إلى والدتها بعد أن توضأت وأخذت مجلسها ثم سألت والدتها بفضول قائلة:
- حسنا يا أماه ها أنا قد توضأت فما الأمر الذي دعاك إلى طلب ذلك مني؟
أجابت الأم بهدوئها الذي اعتادته أمام تصرفات ابنتها:
- انتظري قليلا وأجيبيني أولا هل تلوت اليوم شيئا من كتاب الله؟
ردت صفية قائلة وقد شعرت بالخجل:
- لا يا أماه.
فسألت الأم ثانية قائلة:
стр. 143
- لعلك قد تلوت شيئا منه بالأمس؟ .
ردت صفية وقد ازداد شعورها بالخجل:
- لا يا أماه ولا بالأمس.
سألتها والدتها قائلة وهي في كل ما تسأل تعرف إجابة ابنتها:
- إذا منذ متى أنت لم تفتحي كتاب الله؟
ردت صفية وقد أحست بعظم ذنبها:
- منذ شهر رمضان يا أماه.
ردت الأم قائلة:
- أي منذ سبعة أشهر، ألا ترين أن طول ابتعادك عن كتاب الله فيه الكثير من التقصير؟
أجابت صفية قائلة:
- إنني أعاهد نفسي كل يوم يا أماه على الالتزام بالتلاوة ولكني لا أجد الوقت.
ولم تدع الأم ابنتها تكمل حديثها فقد سئمت (١) هذه الأقاويل والحجج الواهية فخاطبتها قائلة بشيء من العنف:
- الوقت حجة عليك لا حجة لك، فأنا أراك تجدين الوقت الكافي للعب كل يوم وكان الأجدر بك اقتطاع جزء من هذا الوقت للتلاوة والتدبر في كتاب الله.
стр. 144
ردت صفية بشيء من التأكيد قائلة:
- سأحاول سأحاول. إن شاء الله يا أماه. .
ردت الأم قائلة:
- لا أريد منك وعدا باللسان فقط بل أريد التنفيذ منذ اليوم، فلقد امتن الله علينا نحن عباده بنبيه المرسل محمد ﷺ وكتابه المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو الضياء والنور، وبه النجاة من الغرور، وفيه شفاء لما في الصدور، من تمسك به يا ابنتي فقد هدي، ومن عمل به فقد فاز. . فكيف تكونين كذلك وأنت لا تأبهين (١) بتعهد تلاوته؟ .
أجابت صفية قائلة:
- إني أعرف ذلك ولا أجهله يا أماه.
تابعت الأم حديثها عازمة على التوضيح أكثر مما ذكرت لابنتها، فهي لم تقتنع بعد بوعود هذه الابنة:
- وإذا كنت تعرفين فلماذا التسويف في عمل الخير وأداء عبادة من أجل العبادات؟ ! ألم تسمعي ما أمر الله به رسوله محمد ﷺ في محكم تنزيله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] (٢) ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٩٢] (٣) .
стр. 145
ردت صفية قائلة:
- إني أعرف الآية الأولى فقد حفظتها في المدرسة وهي من سورة المزمل.
أجابت والدتها قائلة:
- تعلمين ولا تعملين بذلك العلم؟ ! ! . . وتابعت:
- وهناك أيضا الأحاديث الواردة عن رسول الله ﷺ والتي يحثنا فيها على تلاوة القرآن وأجر من يداوم على قراءة كتاب الله، فعن أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه» (١) .
سألت صفية والدتها وقد استغرقها وعظ والدتها:
- ما معنى شفيعا يا أماه؟
أجابت الأم قائلة:
- أي شافعا طالبا المغفرة لأصحابه، أي القارئين له والعاملين بأحكامه وهديه.
وهنا سألت صفية والدتها على عجل خشية أن تنسى ما تود السؤال عنه: