[ويدرؤون بالحسنة السيئة]
٨ - عاد معاذ من المدرسة على غير عادته مكفهر (١) الوجه، مقطب الجبين، وقد فارقته بشاشته وابتسامته المعهودة التي كانت تلازمه حين كان يدخل المنزل، فهو اليوم منقبض الصدر، بادي الحزن، يمشي نحو حجرته بخطى مثقلة، لا يسأل والدته عما أعدته. من غداء كما هي عادته كل يوم عند عودته من المدرسة، حيث كان يسارع أول ما يسارع باتجاه المطبخ قبل أن يبدل ثيابه يتلذذ برائحة الطعام، ويدفعه الجوع إلى السؤال عن الأطباق التي أعدت للغداء.
رأت والدة معاذ كل هذا منه فأنكرته في نفسها، ولكنها لم تشأ أن تزيد ابنها ضيقا على ضيق بسؤاله عما به وتركته يمضي إلى حال سبيله، وعزمت على ألا تسأله عن سر تغيره حتى ينهي غداءه.
عاد والد معاذ من العمل واجتمع أفراد الأسرة على مائدة الغداء، فلاحظ الأب على ابنه ما لاحظته والدته من قبل ولكنه لم يفعل كما فعلت بترك سؤاله بل سأل ابنه بحنان أبوي وشفقة ظاهرة قائلا:
ما بك يا بني؟ أنت اليوم على غير عادتك من المرح والبشر.
стр. 72
رد معاذ قائلا، وهو يأمل في قرارة نفسه أن يصدقه والده:
- لا شيء يا والدي، كل ما في الأمر أنني جائع فقط.
أجاب الأب بدهشة غير مقتنع بما ذكره ابنه:
- جائع يا بني؟ ! وهل الجائع يأكل لقمة ويفكر مليا ثم يتناول اللقمة الأخرى يعقبها بالتفكير ثانية؟ !
إن الجائع يا بني حين يرى الطعام يهش (١) ويبش لرؤيته إذا كان ما به هو الجوع فقط.
وأصر معاذ على ما ذكره قائلا:
- بل هو الجوع يا والدي، ولعلك تراني في المساء أفضل حالا من الآن.
وهنا تدخلت الأم في الحديث موجهة كلماتها لزوجها قائلة:
- دعه يا أبا معاذ، فلا شك أن ابنك لن يجد صديقا أفضل منك يحدثه ويستشيره إن ألم به أمر أو اعترضت طريقه مشكلة ما، والتفتت إلى ابنها معاذ متسائلة بكل شفقة ومؤكدة قولها:
- أليس كذلك يا بني؟
سر معاذ لتدخل والدته على هذا النحو ورد قائلا:
- نعم نعم، بلا شك يا أماه، فلقد تعودت أن أرمي بثقل همومي بين يدي والدي أبحث عنده عن النصح والمشورة، وكنت
стр. 73
أجد منه خير معين ومعلم وموجه لي في هذه الحياة.
- بارك الله فيك يا بني لقد أرحتني بهذا القول. . هكذا رد والد معاذ وهو يعلم حق العلم أن ابنه يواجه مشكلة ما تعكر عليه صفوه وتشغل خاطره البريء، ولكنه صمت نزولا عند رغبة ابنه في عدم البوح بما ألم به، ذلك أنه لم يراوده القلق على ابنه فهو كما قالت زوجته خير صديق لابنه وخير أخ بلا شك، إن ابنه لن يخفي عنه شيئا من معاناته، ولعله الآن لثقل ما ينوء (١) به قلبه لا يود البوح فليصبر عليه قليلا وسيجيء بنفسه طالبا المشورة والعون والتوجيه، ولن يبخل عليه بشيء كما عوده.
وفي المساء جلس الأب إلى أفراد أسرته وراحوا يتجاذبون أطراف الحديث في أمور شتى، وفجأة وجه معاذ حديثه إلى والده قائلا:
يا أبي، لقد أخطأت اليوم في الإجابة على سؤال وجهه لي معلمي. .
وصمت معاذ بعد أن ألقى كلماته هذه، فاستحثه والده على المضي في الحديث قائلا: حسنا يا بني وماذا بعد؟
رد معاذ وقد اكتسى وجهه بالحزن:
стр. 74
لا شيء يا أبي، فقط أخطأت في الإجابة، وهذا كل ما في الأمر.
- وهل عرفت بعد ذلك ما خطؤك يا بني؟
- نعم يا أبي، لقد قام المعلم بتصحيح الخطأ الذي وقعت فيه وفهمت جيدا ما ذكره لي.
- الحمد لله يا بني فهذا شيء يبعث على الارتياح فليس عيبا أن تخطيء في تلقي العلم، بل العيب كل العيب أن تسكت على هذا الخطأ أو أن تخجل منه وألا تحاول معرفة الحقيقة، فالتماس الحقيقة والبحث عن المعرفة هي مسئولية كل مسلم واع يعرف لماذا وكيف يتعلم. .
فلماذا أراك منزعجا مما حدث طالما أن الأمر مضى على خير حال؟
- ومن قال يا أبي إن الأمر مضى على خير حال، ثم إني غير منزعج من خطئي بل. .
وتوقف معاذ عن الحديث وقد تهدج صوته. .
سأله والده وقد بدا منزعجا:
- ما بك يا بني. .
قل ما الأمر. . لعلي أساعدك وأعالج معك الأمر إن كان هناك مشكلة ما.
أجاب معاذ وقد استعاد شيئا من هدوئه:
- حين خرجنا من المدرسة في نهاية اليوم أخذ أحد أصدقائي
стр. 75
يتندر بخطئي بصوت عال ويهزأ بي ويتفوه بألفاظ تدل على السخرية مني مما أثار ضحك بعض الأصدقاء.
فسأله والده وقد أحس بثقل ما يحمله ابنه:
- وماذا فعلت أنْت يا بني حين رأيت ذلك منه؟
- لم أفعل شيئا يا أبي بل مضيت في طريقي إلى حال سبيلي.
- أحسنت يا معاذ، فهذا ما كنت أتوقعه منك، فأنا أعلم أنك لا تأبه بمثل هذه الحماقات الصغيرة لأنك أكبر منها.
رد معاذ وقد خالط صوته بعض الغضب:
- لا يا أبي، لن أتركه بعد أن وجه لي هذه الإهانة، بل سأتحين الفرصة وأنتظر حتى يقع في الخطأ وأرد عليه بالمثل وأسخر منه كما سخر مني، وبذلك أكون قد انتقمت منه لنفسي.
وهنا بادرت الأم قائلة وقد آلمها أشد الألم ذلك الشعور البغيض الذي راود ابنها:
- لا يا بني، إن الانتقام فعل قبيح وتصرف مشين، وهو شأن الضعفاء المتخاذلين لا شأن الأقوياء القادرين. أجاب الأب قائلا وقد شاطَرَ (١) الأم شعورها بالألم تجاه ابنهما لما تركته الحادثة في نفسه من شعور:
- نعم يا بني، ما تقوله والدتك حق، ما هكذا شأن المؤمنين
стр. 76
الأقوياء في تعاملهم، فعباد الله هم عباد مطمئنون لا تجيش صدورهم بغير المشاعر النبيلة، ولا تخفق قلوبهم بغير الحب والمودة، ولا يشحنون صدورهم بمشاعر الغل (١) والحقد، يبيتون وصدورهم نظيفة نقية طاهرة، يردون على السيئة بالحسنة بكل قوة وشموخ (٢) طمعا في المثوبة، فانظر إلى قول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٢] (٣) .
وحين استمع معاذ إلى قول والده وما جاءت به الآية الكريمة سكن عنه الغضب وأحس بشيء من السكينة يغلف روحه ويسري بين جوانحه (٤) بكل عذوبة على الرغم من أنه لم يفقه معنى قول الله تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: ٢٢] فبادر قائلا:
- إني أحس يا أبي بالأمن لسماع هذه الكلمات وأشعر بالطمأنينة تنساب في فؤادي لما تحمله هذه الآية الكريمة، ولكن هل لك يا أبي أن توضح لي معنى ويدرؤون بالحسنة السيئة؟
стр. 77
رد الأب قائلا:
قبل أن أجيبك يا معاذ على سؤالك دعني أسألك هل تعلم من هم هؤلاء الذين تحدثت عنهم الآية الكريمة؟
رد معاذ: لا يا أبي فمن هم هؤلاء؟
- إنهم يا بني أولو الألباب، فقد ذكر الله تعالى قبل الآية السابقة ثلاث آيات تصفهم وتصف الخلق الذي هم عليه، وسأقرأ عليك الآيات الثلاث: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ - الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ - وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ١٩ - ٢١] (١) أما معنى يدرؤون بالحسنة السيئة أي: يقابلون السيئة بالحسنة في التعاملات اليومية. . فمقابلة السيئة بالحسنة تكسر شر النفوس وتقضي على الضغينة وتوجه هذه النفوس إلى الخير وتطفئ جذوة (٢) الشر وترد نزغ الشيطان، ومن ثم تدرأ السيئة أي: تدفعها في النهاية. فهل فهمت معنى ما سألت عنه؟
- نعم يا أبي.
وهنا تابعت الأم حديث زوجها قائلة:
стр. 78
- نعم يا أبا معاذ، ولكنني أود أن أشير إلى شيء مهم وهو أن مقابلة السيئة بالحسنة عندما يكون في درء السيئة دفعها، فأما حين تحتاج السيئة إلى قمع أو تهذيب وتأديب ويحتاج الشر إلى الدفع فلا مكان لمقابلته بالحسنة لئلا يتجرأ صاحب الشر ويستعلي.
وسأل معاذ والديه قائلا:
وهل في درء سيئة صديقي بالحسنة ما يهذب نفسه ويطفئ الشر في داخله؟
- نعم يا بني، فدرء السيئة بالحسنة غالبا يكون في المعاملة الشخصية بين المتماثلين، فأما في دين الله فلا وألف لا. . إن المستعلي الغاشم (١) لا يجدي معه إلا الدفع الصارم، والمفسدون في الأرض لا يجدي معهم إلا الأخذ الحاسم، وفهم التوجيهات القرآنية متوقّف على تدبر المواقف واستشارة الألباب والتصرف بما يرجح أنه الخير والصواب.
وتابعت الأم قول زوجها:
نعم يا بني، إن الحسنة لا يستوي أثرها كما لا تستوي قيمتها مع السيئة. . وإن الصبر والتسامح والاستعلاء على رغبة النفس في مقابلة الشر بالشر يرد النفوس الجامحة إلى الهدوء والثقة فتنقلب من الخصومة إلى الولاء ومن الجماح إلى اللين مصداقا لقول الله
стр. 79
جل وعلا: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ - وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥] (١) . فهنا يا بني ينقلب الهياج إلى وداعة والغضب إلى سكينة.
رد معاذ:
نعم يا أمي، ولكن قد لا يستطيع المرء أحيانا أن يقابل السيئة بالحسنة لعدم قدرته على كبح (٢) جماح (٣) نفسه وسيطرة الغضب عليه.
أجاب الأب مؤكدا صحة قول ابنه:
أنا لا أنكر ذلك يا معاذ، ولكن هذه الدرجة من السماحة تحتاج إلى قلب كبير يعطف ويسامح، وإلى التوازن الذي يُعرف به متى تكون السماحة ومتى يكون الدفع بالحسنة، كل هذا درجة عظيمة لا يلَقَّاها كل إنسان فهي في حاجة إلى الصبر، وهي كذلك حظ موهوب يتفضل الله به على عباده الذين ينسون حيث يقول تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]
стр. 80
- إذا علي أن أقابل السيئة بالحسنة حتى أكون من هؤلاء الذين أشارت إليهم الآية الكريمة.
- ليس دائما يا بني تقابل السيئة بالحسنة، فالسماحة قاصرة فقط على حالات الإساءة الشخصية لا العدوان على العقيدة كما ذكرت أنفا وفتنة المؤمنين عنها، فالمطلوب هنا الدفع والمقاومة بكل صورة من صورها.
أجاب معاذ:
سأحاول يا أبي أن أكون كما ذكرت.
ردت أم معاذ:
دائما تذكر يا بني أن لنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة فقد قال «أنس ﵁: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذ بردته جبذة شديدة، فنظرت إلى عاتق النبي ﷺ وقد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء» (١) .
أجاب معاذ حين سمع قول والدته:
стр. 81
يا لسمو هذا الخلق! أيسيء الأعرابي إلى رسول الله ﷺ ويحسن إليه الرسول! !
أعقب والد معاذ قائلا:
- نعم يا بني، فمن حسن خلقه أنه عفا عمن أساء إليه وزاد على العفو بالبشر والإحسان الذي بادر به الأعرابي.
أعقب معاذ:
- سيكون لي في رسول الله ﷺ قدوة حسنة.
بارك الله فيك يا بني، ودائما استعذ بالله من الشيطان الرجيم حتى لا يستولي عليك الغضب الذي قد يلقي في روعك قلة الصبر على الإساءة أو ضيق الصدر عن السماحة، فالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم حينئذ وقاية تدفع محاولاته لاستغلال الغضب والنفاذ من ثغرته (١) وتذكر دائما قول الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] (٢) .
- ولكن دعنا يا أبا معاذ نتحدث عن ثواب من يدرأ السيئة بالحسنة.
أجاب أبو معاذ قائلا:
إن هذا الثواب ذكر في ختام الآية الكريمة التي افتتحنا بها
стр. 82
حديثنا ألا وهو قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٢] فبعد أن ذكر الله في الآيات السابقة صفات أولي الألباب (١) أوضح بعدها جزاء هؤلاء ألا وهو عقبى (٢) الدار الذي أوضحته الآية التي جاءت بعدها حين قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ - سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] (٣) .
ردت أم معاذ وقد استحسنت قول زوجها:
نعم يا بني، جنات عدن للإقامة والقرار، وفي هذه الجنات يأتلف شملهم مع الصالحين من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، وهؤلاء يدخلون بصلاحهم واستحقاقهم ولكنهم يكرمون بتجمع شتاتهم وتلاقي أحبابهم، وهي لذة أخرى تضاعف لذة الشعور بالجنان.
وهنا تابع الأب شرح الآية قائلا:
وفي هذا التجمع والتلاقي يشترك الملائكة في التأهيل والتكريم في حركة رائحة غادية حيث يقول : ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] فهل أدركت يا بني
стр. 83
عظم ثواب هؤلاء الذين يدرؤون بالحسنة السيئة؟
- نعم يا أبي، كم هو ثواب عظيم وأجر كبير ذلك الذي يناله من يستطيع الصبر على دفع السيئة بالحسنة.
- أحسنت يا معاذ، فماذا أنت فاعل غدا؟
سأحاول أن أحسن إلى هذا الصديق الذي سخر مني، وسأكون معه أحسن مما كنت سابقا ولن أشعره بأن إساءته قد آلمتني ولن أذكر له عنها شيئا. .
فشكرا لكما يا والدي على هذا الحديث القيم (١) الذي خرجت منه بالكثير من الفوائد، وخرجت منه بسلامة الصدر ونقاء الروح بعد أن كنت مليئا بالغضب. وأستأذنكما الآن لقضاء بعض شؤوني الدراسية.
رد الأب قائلا وقد سعد كما سعدت والدة معاذ بما تحقق لولدهما من سلامة الصدر من الغل والحقد: اذهب يا بني رافقتك عناية الله.
стр. 84
[أيحب أحدكم]
٩ -دخل الأب منزله مساء بعد عناء (١) يوم طويل من العمل الشاق، واتجه صوب حجرته حتى إذا مر بحجرة ولديه طارق وخالد تناهى إلى مسمعه صوت ضحكاتهما من الأعماق، ورغم شدة تعبه وحاجته الماسة إلى الراحة والاسترخاء إلا أن ضحكات ولديه أوقفته عن المسير ليدخل حجرتهما، وبعد أن ألقى عليهما تحية الإسلام رد طارق وخالد التحية لوالدهما بأحسن منها وهما يغالبان بقايا ابتسامة.
بادر الأب ولديه قائلا:
ما أسعدني يا أبنائي لسعادتكما، لقد شدني صوت ضحكاتكما ودفعني الفضول إلى معرفة سر هذه الضحكات الصادرة من الأعماق، رد طارق وقد عاودته ابتسامة:
لقد ذكر لي يا والدي أخي خالد أمرا جعلني أستغرق في الضحك على النحو الذي سمعته.
رد الأب وهو يجذب مقعدا للجلوس عليه:
ألا أستطيع يا أحبائي معرفة هذا الشيء حتى أشارككما
стр. 85
سعادتكما؟
رد خالد بحماس وقد تشوق لإخبار والده:
نعم نعم يا أبي بلا شك، ومضى قائلا:
لقد رأيت اليوم يا أبي منظرا أضحكني كثيرا، فبينما أنا خارج من باب المدرسة بعد انتهاء اليوم المدرسي رأيت رجلا ذا أنف كبير يكاد يأخذ مساحة وجهه كلها وقد نظرت إليه ولم أمنع نفسي من الضحك، وكلما تذكرته عاودني الضحك ثانية وكأنني أراه لأول مرة.
رد طارق:
نعم يا أبي، ورغم أنني لم أر هذا الرجل الذي يتحدث عنه أخي، ولكن لشدة ما صوره لي بأسلوب ساخر ضحكت وكأنني أراه أمامي. . وتوقف طارق قليلا عن الحديث ثم سأل بدهشة:
ما لي أراك يا والدي لا تشاركنا الضحك؟
سأل طارق والده هذا السؤال ولم يلحظ أن والده قد غالب امتعاضا بدا على قسمات (١) وجهه، ولكن لم يلحظه ولداه، لانشغالهما بالحديث عن ذلك الأنف وصاحبه، فكان جواب الأب على سؤال ابنه أن طلب منهما بصوت غاضب التزام الصمت والكف عن الحديث الذي تقززت نفسه منه.
стр. 86
عجب خالد وطارق لردة فعل والدهما التي لم يتوقعاها في هذا الجو البهيج كما كانا يظنان.
واستمر الأب ينظر إليهما بحزم، ثم نظر إلى ابنه خالد وتوجه بحديثه إليه قائلا:
ألا تعرف يا بني أنك أخطأت بحديثك عن الرجل بتلك الطريقة؟ .
عجب خالد من قول والده وسأل والده:
ولماذا يا أبي؟ أنا لم أقل غير ما رأيته فيه من عيب، فهل كنت مخطئا فيما قلته؟
رد الأب قائلا:
نعم يا بني، حتى إن كان فيه ذلك العيب الذي تقول فلا يحق لك أن تتناول هذا العيب بالتعريض والسخرية أو حتى الحديث عنه.
سأل طارق والده وقد بدا عليه الجد والحزم:
ولماذا يا أبي؟ !
أجاب والده:
لأن ما ذكره خالد لك يا طارق يدخل تحت باب الغيبة التي نهانا الله عنها نهيا صريحا في محكم تنزيله، ولا شك أنكما تحفظان الآية الكريمة التي تنص على تحريم الغيبة.
فمن يذكرها لي؟
стр. 87
رد خالد: نعم يا أبي، إني أحفظها، ومضى يتلو بعد أن استعاذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] (١) .
رد الأب وقد فارقه بعض غضبه:
أحسنت يا بني، ولكنك تحفظ قول الله تعالى ولا تعمل به، أنت تقيم حروفه وتنسى حدوده، فكيف ذلك يا خالد؟ ! .
أجاب خالد وقد خجل من نفسه حين سمع تأنيب (٢) والده:
أعلم يا أبي أن الغيبة محرمة ولكني لم أكن أعلم أن ما ذكرته عن ذلك الرجل يدخل ضمن حدود الغيبة.
رد الأب قائلا موجها حديثه لولديه:
لعلكما لاحظتما يا أبنائي أن الآية الكريمة قد بدأت بالنداء الحبيب الذي يستجيش القلوب، وهو نداء من الله للذين آمنوا به بالغيب، واستجاشة لقلوبهم بالصفة التي تربطهم به، وأنهم في هذا الكوكب عبيده وجنوده، وأن يقفوا بين يدي الله موقف المنتظر لقضائه وتوجيهه في نفسه وفي غيره، يفعل ما يؤمر ويرضى بما يقسم له ويسلم ويستسلم، فهل أدركتما هذا النداء في أول الآية يا أبنائي؟
стр. 88
رد طارق وقد جذبه حديث والده:
- نعم يا أبي، وبالإضافة إلى ذلك النداء الحبيب فإن الآية صورت الغيبة بصورة تشمئز منها النفوس وهي صورة الأخ يأكل لحم أخيه ميتا، ثم بينت الآية أنهم كرهوا هذا الفعل المثير للاشمئزاز.
أردف والده قائلا بتعجب:
أحسنت يا بني، ولكنك اشتركت مع أخيك في الإثم الذي وقع فيه حين استمعت إليه وشاطرته (١) الضحك.
رد طارق وقد أحس بالخجل الشديد:
لم أكن أعلم أن حديث أخي إثما وإلا لما كنت أصغيت إليه.
سأل خالد وقد علم مقدار ما اقترفه من ذنب:
ومتى يكون الكلام عن الناس يا أبي غيبة؟
رد الأب وقد أظهر استحسانه لسؤال فتاه:
يا بني، لقد سألت سؤالا جيدا، ولعل إجابته تبدأ بتعريف الغيبة انطلاقا من قول المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم فيما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن
стр. 89
فيه فقد بهته» (١) .
وتابع الأب قائلا:
فإذا يا بني ذكرك لهذا الرجل على تلك الصورة كان غيبة، بدليل حديث رسول الله ﷺ .
أجاب خالد: الله يا والدي ما أروع التصوير القرآني! وما أدق تعبيره في تلك الآية الكريمة! وما أشمل ما جاء به القرآن والسنة من آداب تحفظ كرامة الإنسان! .
وهنا سأل طارق والده:
وهل الحديث عن الناس بما فيهم في كل الأحوال يسمى غيبة؟
رد الأب وكأنه كان ينتظر من أبنائه هذا السؤال:
لا يا بني، فأحيانا تباح الغيبة لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها.
وسأل طارق والده ثانية: وكيف ذلك يا أبي؟
أجاب الأب وقد اعتدل في جلسته:
اعلموا يا أبنائي أن الغيبة تباح في حال التظلم، كأن يرفع مظلوم ظلامته إلى ولي الأمر أو القاضي ليستوفي له حقه؛ إذ لا
стр. 90
يمكنه استيفاء حقه إلا بنسبته إلى الظلم.
أجاب خالد: ما أحلى سماحة الإسلام! وما أروع رفقه بالمظلومين! .
أجاب الأب متابعا ما بدأه: وليس هذا فقط يا أبنائي، بل إن الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب من الأحوال التي تباح فيها الغيبة أيضا.
سأل طارق:
وكيف يكون ذلك يا والدي.
أجاب الأب: كأن يقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا فازجره (١) عنه ونحو ذلك. . فيكون مقصوده في التوصل إلى إزالة المنكر، أي أنه لا يبغي بذلك سوى وجه الله تعالى.
وأردف خالد: وهل هناك أحوال أخرى يا أبي تباح فيها الغيبة؟
أجاب الأب: نعم يا بني، وكنت سأذكرها حتى ولو لم تسأل عنها، فهناك الاستفتاء كأن يقول للمفتي: ظلمني أبي أو أخي فكيف أحصل حقي منه ونحو ذلك. . ويمكنه ألا يصرح بالشخص الذي ظلمه بل يعرض به.
стр. 91
سأل خالد: وما معنى يعرض به؟
أجاب الأب: التعريض كأن يقول ما تقول في رجل أو شخص كان من أمره كذا وكذا وكذا، فإذا لم يفد التعريض يلجأ إلى التصريح، وكلاهما جائز.
سأل طارق متلهفا إلى معرفة المزيد في هذا الموضوع:
وماذا بعد يا أبي؟
أجاب الأب: بقي ثلاثة أحوال أوجزها لكم يا أبنائي فيما يلي:
تحذير المسلم من الشر، كالمشاورة في مصاهرة للمستشير لا على قصد الوقيعة (١) أو التفريق بين الناس، أما الأمر الثاني الذي تباح فيه الغيبة فهو التعريف إذا كان الإنسان معروفا بلقب كالأعمى والأصم والأعرج جاز تعريفهم بذلك، ويحرم إطلاق هذا التعريف على وجه التنقيص من الشخص المعرف، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك كان أولى، وتابع الأب حديثه: أيضا من الأمور التي لا تعتبر غيبة أن يكون الشخص مجاهرا بالفسق متظاهرا به ولا يكره أن يذكر به فلا غيبة له بما يتظاهر به. .
والآن يا أبنائي ما رأيكما فيما عملتما وفيما سمعتما؟
أجاب خالد:
стр. 92
بعد هذا الذي سمعته منك يا والدي لن أذكر إنسانا بسوء، ولن أتحدث عن أحد بعيب كان فيه، وغفر الله لي ما كان مني وإني عازم على التوبة.
أجاب الأب:
أحسنت يا خالد، أما أنت يا طارق فلو سمعت أحدا يغتاب أحدا فعليك بعدم مشاركته في الاستماع إلى حديثه وتنبيهه إلى الإثم الذي وقع فيه ونهيه عن المنكر.
رد طارق:
إن شاء الله يا أبي، وسآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ما استطعت إلى ذلك سبيلا.
رد الأب وهو يتأهب (١) للذهاب وقد بدا عليه التعب:
والآن يا أبنائي استأذنكم في الراحة بعض الوقت، فلولا عظم ما سمعت من حديثكم ما استطعت التحامل (٢) على نفسي والجلوس معكم.
رد خالد وطارق بصوت واحد:
تفضل يا والدي، وجزاك الله عنا خير الجزاء.
السلام عليكم.
стр. 93
هكذا ودع الأب ولديه وهو مطمئن في قرارة نفسه إلى أن ولديه لن يعاودا هذا السلوك المشين ثانية، فقد كان التأثر باديا جليا (١) على وجهيهما البريئين.
стр. 94
[السحاب الثقال]
١٠ - محمد فتى يافع غض (١) الإهاب (٢) نشأ في كنف (٣) أب وعى مسئولية التربية فأحسن غرسه وتعهده بالسهر والعناية وهذب خلقه ونشأه على حب الله ورسوله ﷺ ، فكان محمد كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
استيقظ محمد من نومه في يوم من أيام الشتاء القارس على صوت المطر المنهمر في الخارج، فكان أول ما تفوه به لسانه هو دعاء الاستيقاظ الذي سمعه من والده واعتاد أن يلهج قلبه ولسانه به قبل مغادرة الفراش: " الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور (٤) " (٥) . نظر محمد إلى الساعة بجواره، فإذا بوقت صلاة الفجر قد أزف (٦) فتوضأ وتهيأ للصلاة وأيقظ والديه ليجتمعوا على تلاوة القرآن قبل الذهاب إلى المسجد.
стр. 95
هدأ المطر في الخارج إلا بضع قطرات هنا وهناك ظلت تداعب الأرض وتستثير هدوءها، خرج محمد برفقة والده إلى الصلاة سيرا على الأقدام، واتخذ كل منهما مظلة صغيرة تقيه البلل، ورأى محمد والده وهو يرجع البصر إلى السماء متأملا صفاء مجالها هامسا وقد استغرق في النظر إليها " سبحانك اللهم "، ثم رآه يخفض بصره إلى الأرض خاشعا متمتما " الحمد لله "، فسأل محمد والده عن سر هذه اللحظات التي تأمل وسبح وحمد الله فيها، فسعد الأب بسؤال فتاه ووجدها فرصة سانحة يقوي فيها من صلة ابنه بخالقه حين يستشعر وجوده في كل آية من آياته الدالة عليه فيدرك عظمته المتجلية في كل الظواهر الكونية التي نراها ولا نتفكر فيها، فسأل الأب ابنه على الفور:
- أتراك تعرف أي نعمة تنزل مع هذا الماء المنهمر من السماء؟
- نعم يا أبي، إني لأعرف ذلك ولأجد إجابته فيما حفظته من كتاب الله، حيث ذكر الله تعالى هذا الدور العظيم والنعمة الجليلة في سورة البقرة؛ إذ يقول سبحانه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] (١) .
стр. 96
أجاب الأب وقد انبسطت أساريره من هذا الرد الذي سمعه:
- نعم يا بني، هذا دور من أدوار الماء ووظائفه الذي هو نعمة من نعم الله التي لا تحصى على عباده، غير أن هناك وظائف أخرى ونعما جليلة (١) للماء الذي ينزل من السماء، ذكرها الله في كتابه العزيز، منها أن هذا الماء قد جعله الله عذبا زلالا يسوغ لنا شرابه ولم يجعله ملحا أجاجا (٢) تعافه (٣) النفوس، كما أن هذا الماء ينبت المراعي التي تربى فيها السوائم، وهي الإبل السائمة، ثم إن هذا الماء رغم أنه ماء واحد يخرج لنا من الأرض ثمرات مختلفا ألوانها وأصنافها وطعومها وروائحها، والدليل على ما ذكرت لك هو قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ - يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٠ - ١١] (٤) .
стр. 97
- أرأيت يا بني ما الذي يدعونا الله إليه في آخر الآية، إنه يدعونا للتفكر في خلقه وآلائه وأنها دلالة وحجة قوية على أنه لا إله غيره ولا معبود سواه، وأنه القادر على كل شيء فسبحان الله.
- ما أجمل ما ذكرت يا أبي! وما أروع تدبير الخالق وما أبدع صنعه! .
- وهناك فوائد كثيرة للماء قد لا يسعفني الوقت لذكرها لك، ولكني سأخبرك بدور خفي ونعمة قد لا يدركها الكثيرون، وهي كيف أن هذا الماء جعل الأرض صالحة للإنبات، فدور الماء الظاهر في إنبات كل شيء دور تعلمه أنت كما يعلمه الجميع، وللماء أثر خفي أبعد من ذلك.
وهنا سأل محمد والده:
وما هذا الأثر يا أبي؟
أجاب الأب قائلا:
إن سطح الأرض - كما ذكرت نظريات العلماء المتخصصين - كان في فترة ملتهبا ثم صلبا لا توجد فيه التربة التي تنبت الزرع، ومن ثم لم تكن توجد فيه حياة، وبتعاقب العصور وبفعل الماء والعوامل الجوية - بتقدير الله - تم تحويل هذا السطح الصلب إلى تربة لينة صالحة للزراعة، واستمر دور الماء في الحفاظ على خصوبة التربة، وذلك بتزويد الأرض بالنيتروجين.
стр. 98
- وما مصدر هذا النيتروجين يا أبي؟
- يقوم البرق - وهو شرارة كهربائية - باستخلاصه من الهواء الجوي حيث يذوب في مياه الأمطار ويسقط معها إلى الأرض ليعيد الخصوبة إليها، وهذا النيتروجين هو السماد الذي قلد الإنسان صنعه لما له من أهمية في الحياة النباتية.
سعد محمد بالمعرفة التي استزادها من والده وقال:
- إذا هذا هو دور البرق ووظيفته التي لم أسأل نفسي عنها قبل الآن.
ولكن ما علاقة سقوط المطر بالبرق؟
رد الأب قائلا:
- استمع إلى قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢] (١) .
انظر إلى هذه الآية وإلى هذه الظاهرة الكونية التي تشير إليها، إنه البرق الذي تخافه الناس وتطمع فيه فقد يكون نذيرا بسيل مدمر، ولكن مع هذا الخوف هناك طمع في الخير من وراء هذا البرق، فقد يعقبه المطر المدرار الذي يحيي الأرض بعد موتها ويجري الأنهار، وانظر يا بني إلى بديع قوله: ﴿السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢] أي مثقلة بالماء، فظاهرة البرق ناشئة من النظام الكوني الذي أبدعته يد
стр. 99
الخالق ويعللها العلماء بأنها تنشأ كما ذكرت لك سابقا من انتقال شرارة كهربائية بين سحابتين محملتين بالكهرباء، أو بين سحابة وجسم أرضي كقمة جبل مثلا، وينشأ عن هذا الانتقال دوي هائل هو الرعد.
- ولكننا نرى البرق أولا ثم نسمع الرعد بالرغم من أنهما يحدثان في نفس اللحظة كما أشرت يا والدي فما السبب؟
- هذا لأن الضوء أسرع من الصوت لذلك نرى البرق ثم نسمع الرعد.
وهناك العديد من الآيات القرآنية التي تتحدث عن نعمة المطر والسحاب المسخر بين السماء والأرض، انظر إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣] (١) .
- هل لك أن تفسر لي هذه الآية الكريمة يا أبي؟
- توضح لنا هذه الآية أن الله هو الذي يسير السحب ويزجيها أي: يسوقها من مكان إلى مكان، ثم يؤلف بين هذه السحب ويجمعها فتتراكم فوق بعضها البعض ثم يهطل المطر بعد هذا التراكم، والودق المشار إليه في الآية الكريمة هو المطر.
стр. 100
- ولكن لماذا ذُكِرَت الجبال هنا؟
- ذكر الجبال هنا كناية عن السحب المثقلة بالماء وكأنها جبال ضخمة كثيفة فيها قطع البرد الثلجية الصغيرة.
وهنا وصل محمد ووالده إلى المسجد فشكر محمد والده على هذه الفوائد العظيمة، ودخل محمد المسجد بقدمه اليمنى وهو يردد دعاء دخول المسجد كما علمه والده حيث سلم على النبي ﷺ ودعا " اللهم افتح لي أبواب رحمتك "، واتجه مع والده حيث الصف الأول من المصلين لما يعلمان من فضل الصف الأول، وأديا تحية المسجد، ثم شرعا في أداء صلاة الفجر جماعة خلف الإمام.
стр. 101
[واخفض جناحك]
١١ - قرع جرس الباب فهرعت (١) حفصة لترى من الطارق، وإذا بجارتهم أم حسان قد جاءت لزيارتهم وقد اصطحبت معها ابنتها ميمونة، فرحبت بهما على مضض (٢) وقادتهما إلى حيث حجرة الضيوف، وأسرعت تنادي والدتها، ثم اتجهت إلى حجرتها وأغلقت عليها بابها ولم تكلف نفسها عناء مجالسة ميمونة ابنة جارتهم أو حتى دعوتها للجلوس معها في حجرتها بل بقيت قابعة (٣) هناك حتى خرجت جارتهم وابنتها عائدتين إلى منزلهما.
لم يرق (٤) لأم حفصة ما فعلته ابنتها مع الزائرتين وشق عليها امتعاض (٥) والدة ميمونة من هذا التصرف، ولم تشأ الأم أن تسأل ابنتها أول مرة عن سر عدم رغبتها في مخالطة تلك الفتاة ظنا منها أن هذا أمر طارئ، ولكن حين تكرر سلوك ابنتها وحين رأت استياء (٦) جارتهم طرحت الصمت جانبا وقررت أن تعرف الباعث على هذا
стр. 102
التصرف، فحين انصرفت الزائرتان نادت الأم ابنتها بصوت يشوبه (١) الغضب والضيق، فأتت حفصة على عجل وقد دهشت لغضب والدتها دون سبب وبادرت أمها قائلة:
- خيرا يا أماه ما لي أراك غاضبة؟
أجابت الأم وقد حاولت التخفيف من ثورة غضبها قائلة:
- ألا تدرين يا حفصة ما فعلت حتى أغضبتيني؟
ردت حفصة قائلة وقد عجبت لقول والدتها:
- أنا لم أفعل شيئا يا أماه.
أجابت والدتها:
أخبريني لماذا لا ترغبين في مجالسة ابنة جيراننا ميمونة حين تأتي لزيارتنا مع والدتها، فهي فتاة لطيفة مؤدبة حسنة الحديث، فما الذي يجعلك تنفرين من صحبتها؟
ردت حفصة قائلة:
- إني أعرفها يا أماه وأنت تعرفين أنها معي في المدرسة، بل وفي نفس الفصل، وأنا أرى أنها فتاة مملة وغير ذكية وينقصها الكثير من الصفات حتى تكون مثلي، فكيف أجالس من هي أقل مني حظا في كل شيء فأنا أبزُّها (٢) كثيرا فكيف أرتضي صحبتها؟ !
стр. 103
أجابت الأم وقد أحزنها ما قالته ابنتها:
- لا يا ابنتي، إن تربيتي لك لم تكن على هذا الخلق ولم أرض يوما أن توصفي بالكبر (١) والتعالي.
سألت حفصة مندهشة:
- وهل أكون متكبرة ومتعالية حين أرفض صحبة من هم أقل مني منزلة؟ !
- نعم يا ابنتي، وإن في تصرفك وتبريرك لهذا التصرف ما يدل على كبر في النفس وتفاخر لا يحبه الله ورسوله الكريم. ثم أخبريني كيف عرفت بأنها أقل منك منزلة؟
أجابت حفصة:
- إنني أعرف أنها من عائلة فقيرة، ثم كما قلت لك هي غير ذكية كما أن حظها من الجمال قليل.
- يا ابنتي، تلك أمور دنيوية لا تفاضل فيها، فالتفاضل الحقيقي بالتقوى، فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] (٢) ثم كيف عرفت بأنها أقل منك منزلة! ! ليس لك أن تزكي نفسك ولا أن تصفيها بما تحبين من الصفات الحميدة، فقد نهانا الله أن نزكي أنفسنا حين قال في محكم تنزيله: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] (٣) .
стр. 104
تساءلت حفصة قائلة:
- ما معنى ما تقولين يا أماه؟
أجابت والدتها قائلة:
- أي لا يذكر المرء حسناته ويعدها فالله يعلم من الذي يتقيه.
أجابت حفصة:
- حسنا يا أماه، وإذا كنت أكره مخالطتها فهل هذا كبر مني؟
أجابت الأم:
- نعم يا ابنتي؛ لأنك تبتعدين عنها وأنت ترين نفسك في منزلة أعلى من منزلتها، فهذا ينافي صفة التواضع التي حث الله رسوله عليها ورغب الرسول ﷺ في هذه الصفة، فقد قال تعالى مخاطبا رسوله الكريم: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ (١) لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] (٢) وهو خطاب للرسول ﷺ وللمؤمنين عامة.
سألت حفصة قائلة وقد شد انتباهها ما تقول والدتها:
- ما معنى ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ؟
أجابت الأم قائلة وقد سرت لسؤال ابنتها:
- لقد أمر الله رسوله ﷺ بالتواضع واللين والرفق وصور هذه
стр. 105
الصفات في كتابه العزيز بصورة حسية مجسمة هي صورة خفض الجناح أي: كما يخفض الطائر جناحيه حين يهم بالهبوط، وقد كان رسول الله ﷺ كذلك مع المؤمنين طوال حياته، وكيف لا وقد كان خلقه القرآن، وكان هو الترجمة الحية الصادقة الكاملة للقرآن الكريم.
سألت حفصة قائلة:
- هل يعني هذا أن الأمر في الآية للرسول ﷺ وللمؤمنين؟
- نعم يا ابنتي، إن الرسول ﷺ هو قدوتنا في كل أمور حياتنا وحين يأمره الله بأمر وينهاه عن أمر ففي هذا أمر ونهي للمؤمنين جميعا.
سألت حفصة قائلة وقد اعتدلت في جلستها وبدا الاهتمام عليها أكثر فأكثر.
- وهل هناك آيات أخرى تدل على وجوب التواضع يا أماه؟
أجابت الأم قائلة:
- نعم يا ابنتي، ففي آية أخرى يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ (١) وَيُحِبُّونَهُ (٢) أَذِلَّةٍ (٣) عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ (٤) عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]
стр. 106
(١) وتابعت الأم حديثها قائلة:
- انظري يا ابنتي وتأملي في قول الله تعالى.
سألت حفصة والدتها قائلة:
- كيف يكونون أذلة وأعزة في نفس الوقت يا أماه؟
ردت الأم قائلة:
- إن الله في هذه الآية الكريمة يهدد من يرتد عن دينه، فإنه ليس عند الله بشيء وليس بمعجز ولا ضار بدينه، وإن لدين الله أولياء وناصرين مدخرين في علم الغيب إن ينصرف هؤلاء يجيء بهؤلاء ويصور ملامح هذه الجماعة المختارة المدخرة في علم الله لنصرة دينه وهي ملامح جميلة ومحببة.
- وما هذه الملامح يا أماه؟
- إن أول هذه الملامح المشرقة الجذابة الحبيبة للقلوب هي الحب والرضا المتبادل بينهم وبين ربهم، الحب هذا الروح الساري اللطيف المشرق الرائق البشوش هو الذي يربط القلوب بربهم الودود.
سألت حفصة والدتها قائلة وهي متشوقة لمعرفة المزيد:
стр. 107
- وكيف يكون الحب بين الله وعباده المؤمنين؟
- إن حب الله لعبد من عبيده أمر لا يقدر على إدراك قيمته إلا من عرف من هو صانع هذا الكون الهائل وعرف الله بصفاته كما وصف نفسه، وخالق الإنسان الذي يعرف أنه الله الجليل العظيم الحي الدائم الأول والآخر والظاهر والباطن.
ردت حفصة قائلة وقد استشعرت روحها حلاوة ما ذكرته والدتها من قول:
- الله يا أماه، ما أعظم هذا الحب! ! .
أجابت الأم قائلة:
- نعم يا ابنتي، إن حب العبد لربه نعمة لهذا العبد لا يدركها إلا من ذاقها، وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمرا هائلا عظيما وفضلا غامرا جزيلا (١) فإن إنعام الله على العبد بهدايته لحبه وتعريفه هذا المذاق الجميل الفريد الذي لا نظير (٢) له هو إنعام هائل عظيم، فانظري إلى قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] (٣) وغيرها الكثير من الآيات، ولكن علينا أن ندرك يا ابنتي أنها
стр. 108
علاقة ود وحب كما أنها علاقة تنزيه (١) .
- إذا أفهم من كل ما قلته سابقا وجوب التواضع، وأن الحب بين من ذكرتهم في الآية وبين ربهم هو أول الملامح التي يتصفون بها.
أجابت الأم قائلة وهي تربت على كتف ابنتها:
- أحسنت يا حفصة، أما الملامح الأخرى فهي صفة الذل، وهي صفة مأخوذة من الطواعية واليسر واللين وهذا الذل للمؤمنين، فالمؤمن لأخيه المؤمن غير عصي عليه ولا صعب بل هو هين لي مستجيب سمح ودود، وهذا معنى الذلة للمؤمنين.
أجابت حفصة:
- إذا فهي ذلة مع المؤمنين فقط.
ردت الأم قائلة:
- نعم يا حفصة، إنه التواضع الواجب المحمود الذي يقصد به وجه الله تعالى. . ومن كان كذلك أعلى الله قدره وطيب ذكره، أما التواضع لأهل الظلم فذلك الذل الذي لا عز فيه.
ردت حفصة متسائلة:
- وما معنى أعزة على الكافرين؟
أجابت والدتها قائلة:
стр. 109
- أي أن فيهم إباء واستعلاء على الكافرين ولكنها ليست العزة للذات ولا الاستعلاء للنفس إنما هي العزة للعقيدة والاستعلاء لراية الإسلام التي يقفون تحتها في مواجهة الكافرين. . إنها الثقة بغلبة دين الله على الأهواء، وبغلبة قوة الله على كل القوى، وبغلبة حزب الله على أحزاب الجاهلية فهم الأعلون حتى وهم ينهزمون في بعض المعارك في أثناء الطريق الطويل.
- إذا يا أماه علينا أن نكون متواضعين مع المؤمنين مستعلين على الكافرين؟ .
- أحسنت يا ابنتي، ولعلك فهمت معنى الاستعلاء على الكافرين والتواضع للمؤمنين، وفي سيرة رسولنا العطرة ما يجعله خير قدوة لنا.
- هل لك يا أماه أن تخبريني عن تواضع رسول الله ﷺ ؟
أجابت الأم قائلة:
- اسمعي يا ابنتي، فلقد قال رجل جاء إلى النبي ﷺ : «انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه، فأقبل علَيَّ رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إلي، فأتى بكرسي فقعد عليه وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها» (١) .
стр. 110
والآن بعد أن سمعت الحديث يا ابنتي هل تستطيعين أن تذكري لي شيئا مما يفيده الحديث بعد كل ما دار بيننا آنفا (١) .
أجابت حفصة قائلة بحماس ظاهر:
- نعم يا أماه، فالحديث يفيد كمال تواضع رسول الله ﷺ ورفقه بالمسلمين وكمال شفقته عليهم وخفض جناحه لهم، كما يفيد الحديث حرص الرسول ﷺ على تعليم الناس أمور دينهم.
أجابت الأم بسرور قائلة:
- أحسنت يا ابنتي، كما أن هناك فائدة لا تقل أهمية وقيمة عصا ذكرت ألا وهي المبادرة إلى جواب المستفتي وتقديم أهم الأمور فأهمها، أن كلام رسول الله ﷺ مع هذا الغريب اعتبر من الخطبة فلم يقطعها، وقد اتفق العلماء على أن من جاء يسأل عن الإيمان وكيفية الدخول في الإسلام وجبت إجابته وتعليمه على الفور.
أجابت حفصة قائلة:
- الله يا أماه! لم أعلم أن التواضع صفة مهمة من صفات المؤمنين، ولم أكن أعلم أن الله حث على هذه الصفة وكذلك رسول الله ﷺ .
أجابت الأم قائلة:
- آخر ما أقوله لك يا ابنتي في هذا الموضوع هو حديث