Полный текст (217 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
[تمهيد]
مختصر إظهار الحق
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تمهيد الحمد لله والصلاة والسلام على النبي الأمي محمد وعلى آله وصحبه وبعد:
فقد يسر الله لي تحقيق (إظهار الحق) ، لمؤلفه العلامة الشيخ: رحمت الله بن خليل الرحمن الكيرانوي العثماني الهندي، وكان هذا التحقيق على نسختي المؤلف الذهبيتين) المخطوطة والمقروءة) ، وصدرت الطبعة الأولى بتحقيقي عام ١٤١٠هـ ١٩٨٩م في أربعة مجلدات، نشر الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالرياض، ورغب إلى كثير من الزملاء أن أختصر كتاب: (إظهار الحق) في مجلد واحد، سهل العبارة، واضح الإشارة، تسهل ترجمته إلى اللغات الأخرى، ليكون سدا منيعا في وجه المنصرين، الذين يجتهدون في نشر الشبه ضد دين الإسلام، ولكن انشغالي بطباعة بعض كتبي حال دون تنفيذ رغبتهم، ثم توجت تلك الرغبات بتوجيه من الأخ الكريم الدكتور عبد الله بن أحمد الزيد، الوكيل المساعد لشئون المطبوعات والنشر بوزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، حيث نبهني إلى ضرورة اغتنام الوقت في هذا العمل، وبخاصة بعد أن حدثت تطورات خطيرة في العالم، جاهر فيها الصليبيون بعدواتهم للإسلام، وبرغبتهم في تنصير العالم الإسلامي خلال فترة وجيزة، عندئذ جد بي الجد لإخراج هذا المختصر، وأرجو ممن يريد ترجمته إلى أية لغة ينقل نصوص كتب العهدين من الطبعات المتداولة بتلك اللغة، لا أن يترجمها باجتهاده.
стр. 3
وقد أدخلت في هذا المختصر بعض المعلومات الإضافية للتوضيح، مثل تاريخ بعض الحوادث، وسنة وفاة بعض الأعلام، وإذا كان العلم يكتب بصيغتين، أو كانت البلدة لها اسم قديم واسم حديث، كتبت الاسمين معا، وإذا كان نفس الاسم يطلق على بلدتين، حددت المقصودة منهما، ووضحت بعض المصطلحات، وزدت معلومات عن بعض الحوادث التاريخية النصرانية والإسلامية؛ لزيادة البيان، ووضعت الحركات اللازمة على بعض الأحرف؛ لإزالة الالتباس في وجه النطق الصحيح بها، وقد وردت أسماء بعض الكتب دون ذكر أسماء مؤلفيها، فذكرت اسم المؤلف وزمان وفاته، وعززت بعض النصوص في كتب العهدين بذكرها من عدة طبعات، وتصرفت في ترتيب بعض المعلومات تقديما وتأخيرا، بما يكون نافعا للقارئ، ولا يشتت فكره، ودمجت الأبواب الثلاثة الأولى من كتاب (إظهار الحق) في باب واحد؛ ليكون بابا مستقلا في كتب أهل الكتاب وبيان أسمائها وتحريفها ونسخها، وما فعلت ذلك إلا للمصلحة المرجوة في أن يكون هذا المختصر نافعا للقارئ غاية النفع، وغير مخل بالمقصود.
فأقول وبالله التوفيق: رتب العلامة الشيخ رحمت الله بن خليل الرحمن الكيرانوي كتابه القيم - إظهار الحق - على مقدمة وستة أبواب، وفيما يلي زبدة هذا الكتاب:
د. محمد أحمد عبد القادر ملكاوي
الأستاذ المساعد بجامعة الملك سعود
الرياض
١ - / ١ / ١٤١٥هـ
الموافق ١٠ / ٦ / ١٩٩٤م
стр. 4
[مقدمة في بيان الأمور التي يجب التنبيه عليها]
المقدمة
بيان الأمور التي يجب التنبيه عليها
١ - أن النقول المنقولة عن كتب علماء البروتستانت في كثير من المواضع وردت بطريق الإلزام، لا على سبيل الاعتقاد.
٢ - أن البروتستانت يغيرون كتبهم دائما، بتبديل بعض المضامين أو بالزيادة فيها أو بالنقص منها، ولذلك يقع الاختلاف الكبير بين الطبعات اللاحقة والسابقة، فعلى القارئ أن ينتبه لذلك.
٣ - لا حرج في إطلاق لفظ الغلط أو الخطأ أو الكذب على كثير من المضامين والقصص المفتراة على الأنبياء؛ لأنها من التحريف الواقع في الكتب السماوية، وليست من كلام الله تعالى، ولا يعد ذلك من قبيل إساءة الأدب إلى الكتب السماوية؛ لأن إظهار ما فيها من الكذب والتحريف، وإنكار المضامين القبيحة واجب على كل مسلم.
٤ - أن عادة علماء النصارى أنهم يأخذون الأقوال الضعيفة القليلة في كتب علماء المسلمين ويشهرونها، ثم يردون عليها، ويوهمون القارئ أن كتب علماء المسلمين مليئة بالأقوال الضعيفة، والحال أنهم يتركون الأقوال القوية ولا يشيرون إليها، وإذا نقلوا قولا فتصدر عنهم الخيانة في النقل بتحريفه أو
стр. 5
بالنقص منه، وهذه العادة من أقبح العادات، ومناقضة للأمانة العلمية في نقل أقوال المخالفين لهم، وكذلك فعل الدكتور القسيس فندر في المناظرة الكبرى التي جرت بينه وبين الشيخ رحمت الله في الهند عام ١٢٧٠هـ ١٨٥٤م، فقد طبعها باللغة الإنجليزية بعد التحريف التام لأقوال الفريقين، وفي بعض كتبه كان الدكتور القسيس فندر يترجم الآيات القرآنية ويفسرها برأيه، ثم يعترض عليها، ويدَّعِي أن التفسير الصحيح تفسيره هو لا تفسير علماء المسلمين، والحال أنه جاهل باللغة العربية وبالعلوم القرآنية جهلا تاما، ثم يطمع أن يؤخذ بتفسيره الركيك الرديء ويترك التفسير القوي المجمع عليه من علماء التفسير المسلمين.
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.
стр. 6
[الباب الأول بيان أسماء كتب العهد العتيق والجديد وإثبات تحريفها ونسخها]
[الفصل الأول بيان أسمائها وتعدادها]
الباب الأول
بيان أسماء كتب العهد العتيق والجديد
وإثبات تحريفها ونسخها وهو مشتمل على أربعة فصول: الفصل الأول: بيان أسمائها وتعدادها.
الفصل الثاني: بيان أن أهل الكتاب لا يوجد عندهم سند متصل لكتاب من كتب العهد العتيق والجديد، ولا مجال لهم أن يدعوا أن هذه الكتب المشتهرة الآن مكتوبة بالإلهام.
الفصل الثالث: بيان أن هذه الكتب مملوءة من الاختلافات والأغلاط والتحريف.
الفصل الرابع: إثبات وقوع النسخ في كتب العهدين.
стр. 7
الفصل الأول
بيان أسمائها وتعدادها اعلم أن النصارى يقسمون كتبهم إلى قسمين:
القسم الأول: يدعون أنه كتب بواسطة الذين كانوا قبل عيسى ﵇، ويسمونه العهد العتيق أو العهد القديم.
والقسم الثاني: يدعون أنه كتب بالإلهام بعد عيسى ﵇، ويسمونه العهد الجديد.
ويطلقون على مجموع العهدين القديم والجديد اسم (بيبل) ، وهو لفظ يوناني معناه: (الكتاب) ، ويكتبون على الغلاف الذي يضم كتب العهدين اسم: (الكتاب المقدس) .
فأما العهد القديم الذي هو القسم الأول من (بيبل) كتابهم المقدس فيحتوي الآن على تسعة وثلاثين سفرا فيما يلي أسماؤها:
١ - سفر التكوين (سفر الخليقة) .
٢ - سفر الخروج.
٣ - سفر الأحبار (سفر اللاويين) .
٤ - سفر العدد.
٥ - سفر التثنية.
ومجموع هذه الأسفار (الكتب) الخمسة هو ما يطلقون عليه اسم أسفار
стр. 8
موسى الخمسة، وتسمى بـ (التوراة) ، وهي كلمة عبرية بمعنى القانون والتعليم والشريعة، لكنهم الآن يطلقون التوراة إطلاقا مجازيا على مجموع كتب العهد القديم، أي على أسفار موسى الخمسة (التوراة) وملحقاتها الآتي ذكرها:
٦ - سفر يشوع (يوشع بن نون) .
٧ - سفر القضاة.
٨ - سفر راعوث.
٩ - سفر صموئيل الأول.
١٠ - سفر صموئيل الثاني.
١١ - سفر الملوك الأول.
١٢ - سفر الملوك الثاني.
١٣ - سفر أخبار الأيام الأول.
١٤ - سفر أخبار الأيام الثاني.
١٥ - سفر عزرا الأول.
١٦ - سفر عزرا الثاني (سفر نحميا) .
١٧ - سفر أستير.
١٨ - سفر أيوب.
١٩ - سفر الزبور (المزامير) .
٢٠ - سفر الأمثال (أمثال سليمان) .
٢١ - سفر الجامعة.
٢٢ - سفر نشيد الأنشاد.
стр. 9
٢٣ - سفر إشعياء.
٢٤ - سفر إرميا.
٢٥ - سفر مراثي إرميا.
٢٦ - سفر حزقيال.
٢٧ - سفر دانيال.
٢٨ - سفر هوشع.
٢٩ - سفر يوئيل.
٣٠ - سفر عاموس.
٣١ - سفر عوبديا.
٣٢ - سفر يونان (يونس) .
٣٣ - سفر ميخا.
٣٤ - سفر ناحوم.
٣٥ - سفر حبقوق.
٣٦ - سفر صفنيا.
٣٧ - سفر حجي.
٣٨ - سفر زكريا.
٣٩ - سفر ملاخي. وكان النبي ملاخي قبل ميلاد المسيح ﵉ بنحو أربعمائة وعشرين (٤٢٠) سنة.
والسامريون لا يعترفون إلا بسبعة منها: الأسفار الخمسة المنسوبة لموسى ﵇، وبسفري يشوع والقضاة، وتخالف نسخة التوراة السامرية نسخة
стр. 10
التوراة العبرانية التي لليهود، وهما تخالفان نسخة التوراة اليونانية، وتوجد في نسخة التوراة اليونانية سبعة أسفار زائدة عما في التوراة العبرانية يطلق عليها: أسفار الأبوكريفا، وأسماؤها كما يلي:
١ - سفر باروخ.
٢ - سفر طوبيا.
٣ - سفر يهوديت.
٤ - سفر وزدم (حكمة سليمان) .
٥ - سفر إيكليزيا ستيكس (يشوع بن سيراخ) .
٦ - سفر المكابيين الأول.
٧ - سفر المكابيين الثاني.
وبذا تكون التوراة اليونانية محتوية على ستة وأربعين سفرا.
وأما العهد الجديد الذي هو القسم الثاني من (بيبل) كتابهم المقدس فيحتوي الآن على سبعة وعشرين سفرا فيما يلي أسماؤها:
١ - إنجيل متى.
٢ - إنجيل مرقس.
٣ - إنجيل لوقا.
٤ - إنجيل يوحنا.
ولفظ الإنجيل مختص بهذه الأسفار الأربعة، فيقال لها: الأناجيل الأربعة، وهو لفظ معرب، أصله في اليوناني (إنكليوس) ، وفي القبطي (إنكليون) ، ومعناه البشارة والتعليم والخبر السار. لكنهم الآن يطلقون لفظ الإنجيل
стр. 11
إطلاقا مجازيا على مجموع كتب العهد الجديد. أي على الأناجيل الأربعة وملحقاتها الآتي ذكرها:
٥ - سفر أعمال الرسل (الإبركسيس) .
٦ - رسالة بولس إلى أهل رومية.
٧ - رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس.
٨ - رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس.
٩ - رسالة بولس إلى أهل غلاطية.
١٠ - رسالة بولس إلى أهل أفسس.
١١ - رسالة بولس إلى أهل فيلبي.
١٢ - رسالة بولس إلى أهل كولوسي.
١٣ - رسالة بولس الأول إلى أهل تسالونيكي.
١٤ - رسالة بولس الثاني إلى أهل تسالونيكي.
١٥ - رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس.
١٦ - رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس.
١٧ - رسالة بولس إلى تيطس.
١٨ - رسالة بولس إلى فليمون.
١٩ - الرسالة إلى العبرانيين (وتنسب إلى بولس) .
٢٠ - رسالة يعقوب.
٢١ - رسالة بطرس الأولى.
٢٢ - رسالة بطرس الثانية.
стр. 12
٢٣ - رسالة يوحنا الأولى.
٢٤ - رسالة يوحنا الثانية.
٢٥ - رسالة يوحنا الثالثة.
٢٦ - رسالة يهوذا.
٢٧ - رؤيا يوحنا اللاهوتي (المشاهدات) .
وبهذا يكون مجموع أسفار (بيبل) الكتاب المقدس عند النصارى كما يأتي:
على حسب التوراة العبرانية:
العهد القديم (٣٩) + العهد الجديد (٢٧) = ٦٦ سفرا.
وعلى حسب التوراة اليونانية:
العهد القديم (٤٦) + العهد الجديد (٢٧) = ٧٣ سفرا.
اعلم أنه قد انعقد مجمع لعلماء النصارى بأمر السلطان قسطنطين الأول سنة (٣٢٥م) في بلدة نائس (نيقية) لإصدار حكم في الأسفار المشكوكة، فحكم هذا المجمع يعد المشاورة والتحقيق بوجوب تسليم سفر يهوديت فقط، وبرفض أربعة عشر (١٤) سفرا واعتبارها مشكوكة ومكذوبة لا يجوز التسليم بصحتها، وهي:
١ - سفر أستير.
٢ - رسالة يعقوب.
٣ - رسالة بطرس الثانية.
٤ - رسالة يوحنا الثانية.
٥ - رسالة يوحنا الثالثة.
стр. 13
٦ - رسالة يهوذا.
٧ - الرسالة إلى العبرانيين (وتنسب إلى بولس) .
٨ - سفر وزدم (حكمة سليمان) .
٩ - سفر طوبيا.
١٠ - سفر باروخ.
١١ - سفر إيكليزيا ستيكس (يشوع بن سيراخ) .
١٢ - سفر المكابيين الأول.
١٣ - سفر المكابيين الثاني.
١٤ - سفر مشاهدات يوحنا (رؤيا يوحنا اللاهوتي) .
ويظهر ذلك جليا من المقدمة التي كتبها جيروم (المتوفى سنة ٤٢٠م) على سفر يهوديت.
وبعد تسع وثلاثين سنة فقط انعقد مجمع لعلماء النصارى سنة (٣٦٤م) في بلدة لوديسيا (لاودكية) ، وحكم هذا المجمع بوجوب التسليم بالأسفار السبعة الأولى (انظرها من رقم ١-٧) من الأسفار التي رفضها مجمع نيقية، واعتبار هذه السبعة صحيحة غير مكذوبة، وإبقاء السبعة الأخرى (انظرها من رقم ٨- ١٤) مشكوكة مكذوبة لا يجوز التسليم بصحتها، وأكد المجمع هذا الحكم بالرسالة العامة.
وبعد ثلاث وثلاثين سنة فقط انعقد مجمع لعلماء النصارى سنة (٣٩٧م) في بلدة كارتهيج (قرطاجة، قرطاجنة الواقعة على خليخ تونس) ، وحكم هذا
стр. 14
المجمع بوجوب التسليم بالأسفار السبعة الأخرى (انظرها من رقم ٨ - ١٤) التي رفضها المجمعان السابقان واعتبراها مكذوبة ومشكوكة لا يجوز التسليم بصحتها، فهذا المجمع القرطاجي نقض حكم سابقيه، وحكم بأن جميع الأسفار المشكوكة المكذوبة هي صحيحة واجبة التسليم ومقبولة عند جمهور النصارى، وبقي الأمر على هذا التسليم والقبول مدة اثني عشر قرنا إلى أن ظهرت فرقة البروتستانت في أواسط القرن السادس عشر الميلادي، فرفضت هذه الفرقة سفر يهوديت وسفر وزدم وسفر طوبيا وسفر باروخ وسفر إيكليزيا ستيكس وسفري المكابيين الأول والثاني، وكان سفر أستير ستة عشر (١٦) بابا (أصحاحا) ، فقبلت منه هذه الفرقة البروتستانتية الإصحاحات التسعة الأولى إلى نهاية الفقرة الثالثة من الإصحاح العاشر، ورفضت منه من الفقرة الرابعة إلى نهاية الإصحاح السادس عشر، واحتجت هذه الفرقة في رفضها الأسفار السابقة بما يلي:
١ - أن الأصل العبراني لهذه الأسفار مفقود، والموجود هو ترجمة لها.
٢ - أن اليهود العبرانيين لا يعترفون بهذه الأسفار (أسفار أبو كريفا العهد القديم) .
٣ - أن هذه الأسفار مرفوضة من قبل كثير من النصارى ولم يحصل الإجماع على قبولها.
٤ - أن جيروم (المتوفى ٤٢٠م) قال بأن هذه الأسفار ليست كافية لتقرير المسائل الدينية وإثباتها.
٥ - أن كلوس صرح بأن هذه الأسفار لا تقرأ في كل موضع منها.
стр. 15
٦ - أن المؤرخ يوسي بيس صرح بأن هذه الأسفار محرفة ولا سيما سفر المكابيين الثاني.
فانظر إن الكتب التي أجمع على رفضها ألوف الأسلاف؛ لفقدان أصولها وتحريفها، وكانت مردودة عند اليهود وفاقدة لصفة الوحي والإلهام، صارت عند الخلف إلهامية مقبولة وواجبة التسليم، وفرقة الكاثوليك إلى الآن تسلم بجميع كتب الأبوكريفا المشكوكة المكذوبة، سواء منها أبوكريفا العهد القديم أو أبوكريفا العهد الجديد، تقليدا لمجمع كارتهيج (قرطاجة) .
فأي قيمة لحكم الخلف بقبول ما رفضه السلف؟!
بل إن حكم تلك المجامع يعد حجة قوية لخصوم النصارى الطاعنين في صحة كتبهم وإلهاميتها.
стр. 16
[الفصل الثاني أهل الكتاب لا يوجد عندهم سند متصل لكتاب من كتب العهد العتيق والجديد]
[الادعاء بنسبة الكتب إلى اسم نبي أو حواري لا يعني إلهامية هذه الكتب ولا وجوب تسليمها]
الفصل الثاني
بيان أن أهل الكتاب لا يوجد عندهم سند متصل لكتاب من كتب العهد العتيق والجديد، ولا مجال لهم أن يدعوا أن هذه الكتب المشتهرة الآن مكتوبة بالإلهام الكتاب السماوي الواجب التسليم هو الكتاب الذي يكتب بواسطة نبي من الأنبياء، ويصل إلينا بعد ذلك بالسند المتصل بلا تغيير ولا تبديل، أما أن ينسب الكتاب إلى شخص ذي إلهام بمجرد الظن والوهم فلا يكفي ذلك لإثبات أنه من تصنيف الشخص المنسوب إليه، حتى لو ادعت تلك النسبة فرقة أو عدة فرق، ألا ترى أن كتبا من العهد القديم منسوبة إلى موسى وعزرا وإشعياء وإرميا وحبقوق وسليمان ﵈، ولم يثبت بدليل ما صحة نسبتها إليهم بسبب فقدان السند المتصل لتلك الكتب؟!
وأيضا ألا ترى أن كتبا من العهد الجديد جاوزت السبعين منسوبة إلى عيسى ومريم والحواريين وتابعيهم، وتجمع فرق النصارى الآن على عدم صحة نسبتها إليهم، وعلى أنها من الأكاذيب المختلقة؟!
ثم ألا ترى أن أسفار الأبوكريفا واجبة التسليم عند الكاثوليك، وأنها واجبة الرد عند اليهود والبروتستانت؟!
إذن الادعاء بنسبة كتاب ما إلى اسم نبي أو حواري لا يعني إلهامية هذا الكتاب ولا وجوب تسليمه، وقد طلب الشيخ رحمت الله مرارا من علماء
стр. 17
النصارى في مناظراته لهم بيان السند المتصل لأي كتاب من كتب العهدين فاعتذروا بأن سبب فقدان السند المتصل هو وقوع المصائب والفتن على النصارى إلى مدة ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة.
فثبت أنهم يقولون في أسانيد كتبهم بالظن والتخمين الذي لا يغني شيئا، ودل امتناعهم عن الإتيان بسند متصل لأي كتاب من كتب العهدين على عدم قدرتهم على ذلك، فلو قدروا ما قصروا، وثبت بالوجه القطعي أن كتبهم فاقدة للسند المتصل، وفيما يلي حال بعض كتبهم:
[حال التوراة]
حال التوراة: إن هذه التوراة الحالية المنسوبة لموسى ﵇ ليست من تصنيفه، ويدل على ذلك عدة أمور:
١ - أن هذه التوراة انقطع تواترها قبل زمان الملك يوشيا بن آمون الذي تولى الملك سنة ٦٣٨ق. م، وأما النسخة التي وجدت بعد ثماني عشرة سنة من توليه الحكم فلا اعتماد عليها؛ لأن الكاهن حلقيا هو الذي اخترعها، ومع كونها غير معتمدة فالغالب أنها ضاعت قبل أن يكتسح بختنصر بلاد فلسطين عام ٥٨٧ ق. م، ولو فرضنا عدم ضياعها ففي اكتساحه بلاد فلسطين انعدمت التوراة وسائر كتب العهد العتيق ولم يبق لها أثر، ويزعمون أن عزرا كتب بعض الأسفار في بابل، لكن ما كتبه عزرا أيضا ضاع في اكتساح أنتيوكس (أنطيوخس الرابع) بلاد فلسطين، فقد حكم سوريا ما بين سنتي ١٧٥ - ١٦٣ ق. م، وأراد أن يمحق ديانة اليهود ويصبغ فلسطين بالصبغة الهيلينية، فباع مناصب أحبار اليهود بالثمن، وقتل منهم ما بين
стр. 18
- ٨٠ ألفا، ونهب أمتعة الهيكل كلها، وقرب خنزيرة وقودا على مذبح اليهود، وأمر عشرين ألف جندي بمحاصرة القدس، فانقضوا عليها يوم السبت أثناء اجتماع اليهود للصلاة، فنهبوها ودمروا البيوت والأسوار، وأشعلوا فيها النيران، وقتلوا كل إنسان فيها حتى النساء والصبيان، ولم ينج في ذلك اليوم إلا من فر إلى الجبال أو اختفى في المغائر والكهوف. (انظر رقم (٢) ص ٩٩) .
٢ - أن اختلافات وتناقضات كبيرة جدا وقعت بين أسفار التوراة الحالية وبين سفري أخبار الأيام الأول والثاني اللذين صنفهما عزرا بمعاونة حجي وزكريا ﵈، وأجمع علماء أهل الكتاب على أن عزرا غلط لاعتماده على أوراق ناقصة، فلم يميز بين الأبناء وأبناء الأبناء، وهؤلاء الأنبياء الثلاثة كانوا متبعين للتوراة، فلو كانت توراة موسى هي هذه التوراة الموجودة الآن ما خالفوها، وما وقعوا في الغلط الفاحش باعتمادهم على أوراق ناقصة، وأيضا لو كانت التوراة التي كتبها عزرا مكتوبة بالإلهام كما يزعمون ما وقع الاختلاف الفاحش بينها وبين سفري أخبار الأيام الأول والثاني، وبهذا ظهر جليا أن التوراة الحالية ليست هي التوراة المكتوبة في زمان موسى ﵇، ولا هي التوراة التي كتبها عزرا، والحق الذي لا شك فيه أن هذه التوراة الحالية مجموعة من الروايات والقصص التي اشتهرت بين اليهود، ثم جمعها أحبارهم بلا تمحيص للروايات، ووضعوها في هذا المجموع المسمى بكتب العهد القديم، الذي يضم الأسفار الخمسة المنسوبة لموسى ﵇ والأسفار الملحقة بها، وهذا الرأي منتشر انتشارا بليغا الآن في
стр. 19
أوربا، وبخاصة بين علماء الألمان.
٣ - أن اختلافات وتناقضات صريحة في الأحكام وقعت بين أسفار التوراة الحالية وبين سفر حزقيال، فلو كانت التوراة الصحيحة هي هذه التوراة المشتهرة الآن ما خالفها حزقيال في الأحكام.
٤ - لا يظهر من أي موضع في التوراة الحالية أن كاتبها كان يكتب حالات نفسه أو المعاملات التي رآها بعينه، بل جميع عبارات التوراة الحالية تشهد بأن كاتبها غير موسى ﵇، وأن هذا الكاتب جمع الروايات والقصص المشتهرة بين اليهود وميز بين الأقوال، فما كان في زعمه من كلام الله أدرجه تحت قوله: (قال الله) ، وما كان في زعمه من كلام موسى أدرجت تحت قوله: (قال موسى) ، وعبر الكاتب عن موسى في جميع المواضع بصيغة الغائب، مثل قوله: (وصعد موسى) ، (وقال له الرب) ، (فمات هناك موسى) ، فلو كانت التوراة الحالية من تصنيف موسى ﵇، لعبر عن نفسه بصيغة المتكلم ولو في موضع واحد من المواضع؛ لأن التعبير بصيغة المتكلم يقتضي زيادة الاعتبار، وهذا وحده دليل كامل على أن التوراة الحالية ليست من تصنيف موسى ﵇.
٥ - قال الدكتور سكندر كيدس الذي هو من علماء النصارى المعتمدين في مقدمة البيبل الجديد بأنه ثبت له بالأدلة ثلاثة أمور جزما:
ا- أن التوراة الحالية ليست من تصنيف موسى ﵇.
ب- أن التوراة الحالية مكتوبة في فلسطين، وليست مكتوبة في عهد موسى عندما كان بنو إسرائيل في التيه في صحراء سيناء.
стр. 20
ج- أن التوراة الحالية إما أن تكون ألفت في زمان سليمان ﵇، أي في القرن العاشر قبل الميلاد، أو بعده إلى القرن الثامن قبل الميلاد، فالحاصل أن بين تأليف هذه التوراة الحالية وبين وفاة موسى ﵇ أكثر من خمسمائة عام.
٦ - أنه علم بالتجربة أن الفرق يقع في اللسان الواحد بحسب اختلاف الزمان، فمثلا لو لاحظت لسان الإنجليز قبل أربعمائة سنة لوجدت تفاوتا فاحشا بينه وبين اللسان الإنجليزي المعروف الآن، وقد قال نورتن الذي هو من كبار علماء النصارى بأنه لا يوجد فرق معتد به في محاورة التوراة ومحاورات سائر الكتب من العهد العتيق التي كتبت بعدما أطلق بنو إسرائيل من أسر بابل، علما أن المدة الواقعة بين وفاة موسى ﵇ وبين إطلاقهم من الأسر حوالي تسعمائة عام، ولأجل انعدام الفرق المعتد بين أسلوب التوراة وبين أسلوب سائر كتب العهد العتيق فإن العالم ليوسدن الذي هو ماهر جدا باللسان العبراني اعتقد أن هذه الكتب جميعها صنفت في زمان واحد.
٧ - ورد في سفر التثنية ٢٧ / ٥ و٨: (٥) وتبني هناك مذبحا للرب إلهك مذبحا من حجارة لا ترفع عليها حديدا (٨) وتكتب على الحجارة جميع كلمات هذا الناموس نقشا جيدا) .
وورد في سفر يشوع (يوشع بن نون) ٨ / ٣٠ و٣٢: (٣٠) حينئذ بنى يوشع مذبحا للرب إله إسرائيل في جبل عيبال (٣٢) وكتب هناك على الحجارة نسخة توراة موسى التي كتبها أمام بني إسرائيل) .
فعلم من هذه الفقرات أن حجارة المذبح كانت كافية لأن تكتب عليها توراة
стр. 21
موسى، فلو كانت توراة موسى هي هذه التوراة الحالية التي تضم الأسفار الخمسة بحجمها الحالي، ما أمكن كتابتها على حجارة المذبح.
٨ - أن الأغلاط الكثيرة الواقعة في التوراة، والاختلافات الكثيرة بين أسفارها تنفي أن تكون هذه التوراة الحالية هي التوراة التي جاء بها موسى ﵇؛ لأن الكلام الذي أوحي إلى موسى أو الذي كتبه موسى، أرفع من أن تقع فيه الأغلاط والاختلافات.
[حال كتاب يوشع بن نون]
حال كتاب يشوع (يوشع بن نون) : بعد أن عرفنا حال التوراة التي هي أساس ملة بني إسرائيل فلنعرف حال كتاب يوشع الذي هو في المنزلة الثانية بعد التوراة، فإن علماء أهل الكتاب لم يظهر لهم إلى الآن بطريق اليقين اسم مصنفه ولا زمان تصنيفه، وافترقوا فيه على خمسة أقوال:
١ - بعضهم قال: إنه تصنيف يوشع بن نون فتى موسى ﵇.
٢ - وبعضهم قال: إنه تصنيف ألعازار بن هارون ﵇.
٣ - وبعضهم قال: إنه تصنيف فينحاص بن ألعازار بن هارون ﵇.
٤ - وبعضهم قال: إنه تصنيف صموئيل النبي ﵇.
٥ - وبعضهم قال: إنه تصنيف إرميا النبي ﵇.
وبين يوشع وإرميا ﵉ أكثر من ثمانية قرون. فهذا الاختلاف الفاحش دليل كامل على انعدام إسناد هذا الكتاب عندهم، وأنهم يقولون بالظن، وهذا الظن هو السند عندهم.
стр. 22
وتوجد في كتاب يوشع فقرات كثيرة لا يمكن أن تكون من كلام يوشع قطعا، كما توجد فيه فقرات أخرى تدل على أن كاتبه قد يكون معاصرا لداود أو بعده، فمثل هذه الفقرات دليل كامل على أن هذا الكتاب ليس من تصنيف يوشع ﵇.
ويوجد بين التوراة الحالية وبين كتاب يوشع مخالفة صريحة وتناقض في بعض الأحكام، فلو كانت هذه التوراة الحالية من تصنيف موسى ﵇ كما يزعمون أو كان كتاب يوشع من تصنيفه، فلا يتصور أن يخالفها يوشع ويناقضها في بعض الأحكام والمعاملات؛ إذ كيف يغلط يوشع - فتى موسى وخليفته - في معاملات كانت تجري في حضوره؟!
إذا عرفت حال التوراة وحال كتاب يوشع خليفة موسى ﵉ فإن حال بقية كتب العهد القديم ليست بأحسن من حالهما، فالخلاف فيها أشد، بل إن بعض المحققين أنكروا كتبا برمتها من كتب العهد القديم وعدوها حكايات باطلة وقصصا كاذبة؛ لأن القدماء أدخلوا كتبا جعلية كثيرة في الكتب القانونية، وهي في الأصل كانت مردودة ومرفوضة.
وهذا دليل كاف على أن أهل الكتاب لا يجود عندهم سند متصل لكتاب من كتبهم، وأنهم يقولون بالظن والتخمين ما يقولون، وأن الكتاب لا يكون إلهاميا بمجرد نسبته إلى شخص ذي إلهام.
стр. 23
[حال الأناجيل]
حال الأناجيل: قدماء النصارى كافة وغير المحصورين من المتأخرين متفقون على أن الإنجيل المنسوب إلى متى كان باللغة العبرانية، وأنه فقد بسبب تحريف الفرق النصرانية، وبسبب الفتن العظيمة التي مرت على النصارى في القرون الثلاثة الأولى، وأما نسخة إنجيل متى الموجودة الآن باللغة العبرانية فهي مترجمة عن الترجمة اليونانية ولا يوجد عندهم سند هذه الترجمة، ولا يعرفون اسم المترجم ولا أحواله كما اعترف به جيروم، ولكنهم يقولون بالظن: لعل فلانا أو فلانا ترجمه، وبمثل هذا الظن لا يثبت استناد الكتاب إلى مصنفه.
وتوجد نصوص لأكثر من خمسين عالما تجمع على أن هذا الإنجيل المنسوب إلى متى والذي هو أول الأناجيل وأقدمها عندهم ليس من تصنيفه يقينا؛ لأن جميع كتب العهد الجديد ألفت باللغة اليونانية ماعدا إنجيل متى والرسالة العبرانية، فإن تأليفها باللغة العبرانية أمر يقيني بالأدلة القاطعة، ومتى هو الوحيد الذي انفرد من بين كتاب الأناجيل باستعمال اللغة العبرانية، فكتب إنجيله بها في فلسطين لليهود العبرانيين الذين كانوا ينتظرون شخصا موعودا من نسل إبراهيم وداود، ثم ترجمه المترجمون كل واحد على قدر فهمه واستطاعته، وأما متى فهو لم يترجم إنجيله لليونانية، والمترجم غير معروف من هو؟ أما باقي كتاب الأناجيل، فكتبوا باللغة اليونانية، ومن قال: إن متى كتب إنجيله باللغة اليونانية فقد غلط.
والمحقق نورتن كتب كتابا ضخما أثبت فيه أن التوراة جعلية وليست من تصنيف موسى ﵇، وأثبت فيه تحريفات كثيرة وقعت في الأناجيل،
стр. 24
وذكر في هذا الكتاب أنه يعتقد أن متى كتب إنجيله باللغة العبرانية؛ لأن القدماء الذين أشاروا إلى هذا الأمر قولهم واحد بالاتفاق، ولم يقل أحد من القدماء بخلافهم، فهذه الشهادة مقبولة، ولا يوجد عليها اعتراض يحتاج إلى تحقيق، بل شهد القدماء على أن النسخة العبرانية لهذا الإنجيل كانت موجودة عند النصارى الذين كانوا من قوم اليهود، وهذه النسخة العبرانية كانت موجودة ومستعملة إلى عهد جيروم، فهذا الموجود الآن من إنجيل متى هو ترجمة لم يعرف اسم مترجمها ولا بقية أحواله على وجه التحقيق، ويقوي قول القدماء أن متى كان من الحواريين، ورأى أكثر أحوال المسيح ﵇ بعينيه، وسمع أكثرها بأذنيه، فلو كان هو مؤلف هذا الإنجيل، لظهر من كلامه ولو في موضع واحد من المواضع أنه يكتب الأحوال التي رآها، ولعبر عن نفسه بصيغة المتكلم كما جرت به العادة سلفا وخلفا، فهذا الإنجيل المنسوب إلى متى ليس من تصنيفه قطعا.
وقال فاستس كبير علماء فرقة ماني كيز وبروفسر الجرمني: هذا الإنجيل كله كاذب، والبابان الأولان منه إلحاقيان مردودان عند الفرقة المارسيونية والفرقة الأبيونية وفرقة تيرين وعند القسيس وليمس.
والمحقق نورتن أنكر هذين البابين ومواضع كثيرة في هذا الإنجيل.
وقد صرح جيروم أن بعض العلماء المتقدمين كانوا يشكون في الإصحاح السادس عشر الذي هو آخر إصحاحات إنجيل مرقس، ويشكون في الإصحاح الأول والثاني وبعض الفقرات من الإصحاح الثاني والعشرين من إنجيل لوقا، والإصحاحان الأول والثاني لم يكونا في نسخة فرقة مارسيوني.
стр. 25
وقال المحقق نورتن إن الفقرة التاسعة إلى الفقرة العشرين من الإصحاح السادس عشر من إنجيل مرقس فقرات إلحاقية، وأن العادة الجبلية للكاتبين أنهم كانوا أشد رغبة في إدخال العبارات من إخراجها.
وأما بالنسبة للإنجيل المنسوب إلى يوحنا فهناك عدة أمور تدل على أنه ليس من تصنيف يوحنا الحواري صاحب عيسى ﵇، وهي:
١ - لا يظهر من أي موضع في هذا الإنجيل أن كاتبه كتب الحالات التي رآها بعينه أو الحوادث التي وقعت بحضوره، بل تشهد عبارات هذا الإنجيل على أن كاتبه غير يوحنا الحواري؛ فهو يقول في ختام هذا الإنجيل ٢١ / ٢٤: (هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا ونعلم أن شهادته حق) .
فاستعمل الكاتب في حق يوحنا ضمائر الغائب، لكنه قال في حق نفسه (نعلم) على صيغة المتكلم، فثبت أن كاتبه غير يوحنا الحواري قطعا.
٢ - أن أرينيوس الذي عاش في القرن الميلادي الثاني تتلمذ على بوليكارب، وهذا تتلمذ على يوحنا الحواري، وفي حياة أرينيوس أنكر جماعة نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا الحواري، وسكت أرينيوس ولم يرد على المنكرين، فلو كان هذا الإنجيل من تصنيف يوحنا الحواري لعلم به تلميذه بوليكارب، وهذا أخبر تلميذه أرينيوس، علما أن أرينيوس كان مجتهدا في حفظ الروايات اللسانية، ونقل عن بوليكارب أمورا كثيرة أقل شأنا من هذا الأمر الخطير، وهو - أي أرينيوس - أول من ذكر الإناجيل الثلاثة (متى، ومرقس، ولوقا) حوالي سنة ٢٠٠م، ولم يذكر إنجيل يوحنا، ثم تبعه في ذكرها كليمنس إسكندر يانوس سنة ٢١٦م، فهذا ثاني من ذكر الأناجيل
стр. 26
الثلاثة، وأول من ذكر الأناجيل الأربعة، فالمعتقدون أن هذا الإنجيل من تصنيف يوحنا الحواري لم يستطيعوا أن يأتوا بدليل واحد ضد المنكرين، ولا شهد لهم أرينيوس بصحته.
٣ - أن إنكار نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا الحواري ليس بمختص بأهل الإسلام لما يلي:
ا - أن العالم الوثني سلسوس كان يصيح في القرن الميلادي الثاني أن النصارى بدلوا أناجيلهم ثلاث مرات أو أربع مرات تبديلا غير مضامينها.
ب - أن رئيس فرقة ماني كيز - العالم فاستس - كان يصيح في القرن الميلادي الرابع بأنه متأكد أن هذا العهد الجديد ما صنفه المسيح ولا الحواريون، بل صنفه رجل مجهول الاسم، ونسبه إلى الحواريين ورفقائهم ليأخذ به الناس، وبذلك يكون قد آذى أتباع عيسى إيذاء بليغا؛ لأنه ألف الكتب التي فيها الأغلاط والتناقضات.
ج - أن استادلن كتب أن مؤلف إنجيل يوحنا هو طالب من طلاب مدرسة الإسكندرية بلا ريب.
د- أن المحقق برطشنيدر قال: إن هذا الإنجيل وكذا رسائل يوحنا الثلاث ليست من تصنيف يوحنا الحواري، وأنها مع الإنجيل ألفت في ابتداء القرن الميلادي الثاني.
هـ - أن المحقق المشهور كروتيس قال: إن كنيسة أفسس ألحقت الباب الحادي والعشرين.
стр. 27
وأن فرقة ألوجين في القرن الميلادي الثاني رفضت هذا الإنجيل وجميع تصانيف يوحنا، وأنكرت أن يكون من تصنيف يوحنا الحواري.
وأختم بما قاله المحقق هورن؛ فقد ذكر في تفسيره أن الحالات التي وصلت إليهم بخصوص زمان تأليف الأناجيل من قدماء مؤرخي الكنيسة ناقصة ولا توصل إلى أمر معين؛ لأن المشايخ القدماء الأولين صدقوا الروايات الواهية والقصص الكاذبة وكتبوها في كتبهم، والذين جاءوا من بعدهم قبلوها تعظيما لهم، ثم وصلت هذه الروايات الصادقة والكاذبة من كاتب إلى آخر حتى تعذر تنقيحها لطول الزمان.
وذكر هورن أن الاختلاف حاصل في زمان تأليف الأناجيل حسب السنوات التالية:
- إنجيل متى: سنة ٣٧م أو ٣٨م أو ٤١م، أو ٤٣م أو ٤٨م أو ٦١م أو ٦٢م أو ٦٣م أو ٦٤م.
- إنجيل مرقس: سنة ٥٦ م أو ما بعدها إلى سنة ٦٥م.
- إنجيل لوقا: سنة ٥٣م أو ٦٣م أو ٦٤م.
- إنجيل يوحنا: سنة ٦٨م أو ٦٩م أو ٧٠م أو ٩٧م أو ٩٨م.
إذا عرفت حال الأناجيل الأربعة المقدمة عند كافة النصارى، فإن بقية رسائل العهد الجديد ليست بأحسن حالا من حال الأناجيل.
وبهذا ثبت لكل عاقل لبيب أن أهل الكتاب لا يوجد عندهم سند متصل لكتاب من كتب العهد القديم ولا من كتب العهد الجديد.
وعليه فلا مجال لأهل الكتاب أن يدعوا أن كتبهم مكتوبة بالوحي
стр. 28
والإلهام؛ لأن هذا الادعاء باطل قطعا، ويدل على بطلانه ما يلي:
ا - أن هذه الكتب مليئة بالأغلاط والتحريفات المقصودة المتعمدة وغير المتعمدة، وبالاختلافات المعنوية في مواضع غير محصورة، بحيث لا مجال لعلماء أهل الكتاب أن ينكروها، حتى اضطر محققوهم ومفسروهم للتسليم بالأغلاط والتحريفات الكثيرة، وسلموا أيضا في الاختلافات بأن إحدى العبارات تكون صادقة، وغيرها كاذبة جعلية، وحاولوا توجيه بعض الاختلافات والاعتذار عنها بتوجيهات ركيكة واعتذارات ضعيفة، لا يقبلها العقل السليم؛ لأن الكلام الإلهامي يستحيل أن تقع فيه الأغلاط والاختلافات، وإذا حرف خرج عن كونه إلهاميا، وقد قال المحقق هورن: إن الكاتبين كان يجوز لهم أن يكتبوا على حسب طبائعهم وعاداتهم وفهومهم، ولا يتخيل أنهم كانوا يلهمون في كل أمر يكتبونه أو في كل حكم يحكمون به.
وقال جامعو تفسير هنري وإسكات: ليس بضروري أن يكون كل ما كتب النبي إلهاميا أو قانونيا.
وجاء في دائرة المعارف البريطانية أن كثيرين من العلماء قالوا: إنه ليس كل قول مندرج في الكتب المقدسة ولا كل حال من الحالات الواردة فيها إلهاميا، والذين يقولون بأن كل قول مندرج فيها إلهامي، لا يقدرون أن يثبتوا دعواهم بسهولة.
وجاء في دائرة معارف ريس التي كتبها العلماء المحققون قولهم: إنه يوجد في أفعال مؤلفي هذه الكتب وأقوالهم أغلاط واختلافات، وإن الحواريين ما
стр. 29
كان يرى بعضهم بعضا صاحب وحي وإلهام، وأن قدماء النصارى ما كانوا يعتقدون أن الحواريين مصونون عن الخطأ؛ لأنه كان يحصل الاعتراض على أفعالهم أحيانا، وكذلك الكتب التي كتبها تلاميذ الحواريين مثل إنجيل مرقس وإنجيل لوقا توقف العلماء في كونها إلهامية، وقد أقر كبار العلماء من فرقة البروتستانت على عدم كون كل كلام في العهد الجديد إلهاميا وعلى غلط الحواريين.
ب - أن المحقق نورتن نقل عن أكهارن قوله: إنه كان في ابتداء الملة المسيحية رسالة مختصرة في بيان أحوال المسيح يجوز أن يقال: إنها هي الإنجيل الأصلي الذي كتب للمريدين الذين لم يسمعوا أقوال المسيح بآذانهم ولم يروا أحواله بأعينهم، وكان هذا الإنجيل مرجعا لجميع الأناجيل التي كثرت في القرنين الأول والثاني، ومنها أناجيل متى ومرقس ولوقا، ولكن هذه الأناجيل وقعت في أيدي الذين جبروا نقصانها فضموا إليها أحوالا أخر، ووقعت فيها الزيادة تدريجيا، وصارت النتيجة أن اختلطت الأحوال الصادقة والحكايات الكاذبة، واجتمعت في رواية طويلة، فصارت قبيحة الشكل، وكلما انتقلت هذه الروايات والحكايات من فم إلى فم صارت كريهة غير محققة، حتى اضطرت الكنيسة في آخر القرن الثاني أو ابتداء القرن الثالث إلى اختيار الأناجيل الأربعة من بين الأناجيل الكثيرة الرائجة والتي زادت على السبعين، فأرادت الكنيسة أن يتمسك الناس بهذه الأناجيل الأربعة ويتركوا غيرها، ولو أن الكنيسة حافظت على الإنجيل الأصلي من الإلحاقات لكانت مشكورة، لكن هذا الأمر كان صعبا بسبب
стр. 30
الإلحاقات في النسخ الكثيرة، فلم تكن هناك نسخة تخلو من الإلحاق، حتى تعذر التمييز بين الأصل والملحق، ولذلك كان أكثر القدماء شاكين في الأجزاء الكثيرة من الأناجيل، وما قدروا على أن يفصلوا الأمر، ولم تكن المطابع في ذلك الزمان، فكان ملاك النسخ كل واحد يدخل في نسخته ما يشاء من الحكايات والروايات، فإذا نقلت عن هذه النسخة نسخ متعددة وانتشرت، تعذر التحقيق في أن هذه النسخة هل هي مشتملة على كلام المصنف فقط أم لا؟ وصار المرشدون والواعظون يشكون شكاية عظيمة من أن الكاتبين وملاك النسخ حرفوا مصنفاتهم بعد مدة قليلة من تصنيفها، وأن تلامذة الشيطان أدخلوا فيها نجاسة بإخراج بعض الأشياء، وزيادة بعضها من جانبهم، وأن الكتب المقدسة ما بقيت محفوظة، وزالت عنها صفة الإلهام، ومما يدل على أن التحريف في الكتب المقدسة صار عادة معتادة لأهل ذلك الزمان أن المصنفين صاروا يكتبون في آخر كتبهم اللعن والأيمان الغليظة لئلا يحرف أحد كلامهم، ولكن هذا التحريف وقع في سيرة عيسى أيضا، واشتهر لدرجة أن العالم الوثني سلسوس اعترض على النصارى بأن أناجيلهم بدلت ثلاث أو أربع مرات، بل أزيد من ذلك، ولا عجب في ذلك؛ لأن الناس الذين لم يكن لهم استعداد للتحقيق اشتغلوا من وقت ظهور الأناجيل بالزيادة فيها والنقصان منها، وتبديل لفظ بمرادف له، فقد كانوا يبدلون عبارات الوعظ والحالات العيسوية حسب ما يشتهون، وعادة التحريف هذه التي أجراها أهل الطبقة الأولى استمرت في أهل الطبقة الثانية والثالثة، وانتشرت بحيث كان المخالفون للدين
стр. 31
النصراني مطلعين على هذه العادة، وذكر كليمنس إسكندر يانوس في آخر القرن الميلادي الثاني أن أناسا كانت مهمتهم تحريف الأناجيل.
وعلق نورتن على كلام أكهارن السابق بأن هذا ليس رأي أكهارن فقط، بل هو رأي كثير من علماء الجرمن، ورغم أن نورتن محام عن الإنجيل، لكنه ذكر سبعة مواضع بالتفصيل في هذه الأناجيل الأربعة، واعترف بأنها إلحاقية محرفة، وذكر أن الكذب اختلط ببيان المعجزات، وأن تمييز الصدق عن الكذب عسير في هذا الزمان.
فهل الكتاب الذي اختلط فيه الصدق بالكذب يكون إلهاميا؟! وهل بقي مجال لأحد من أهل الكتاب أن يدعي إلهامية كل كتاب من كتب العهدين أو كل حالة من الحالات المندرجة فيها؟!
إننا نحن المسلمين نعتقد أن التوراة الأصلية (المنزلة على موسى ﵇ ، وكذا الإنجيل الأصلي (المنزل على عيسى ﵇ فقد فقدا قبل بعثة محمد ﷺ ، وأن الموجود الآن منهما (أي التوراة والإنجيل) بمنزلة كتابين من كتب السير مجموعين من الروايات الصحيحة والكاذبة، ولا نقول: إنهما كانا موجودين على أصالتهما بدون تحريف إلى عهد نبينا محمد ﷺ ثم وقع التحريف فيهما بعد ظهوره ﷺ ، فلا أحد من المسلمين يقول بذلك.
وأما بالنسبة لشاول بولس فرسائله مردودة ومرفوضة؛ أنه عندنا نحن المسلمين من الكذابين الذين ظهروا في القرن الأول لإفساد دين المسيح ﵇، وأما الحواريون الذين هم أصحاب عيسى وخلصاؤه، فنعتقد في حقهم الصلاح ولا نعتقد في حقهم النبوة، وأقوالهم عندنا كأقوال المجتهدين
стр. 32
الصالحين محتملة للخطأ، وإن فقدان السند المتصل خلال القرنين الأول والثاني وفقدان الإنجيل الأصلي يرفع الأمان عن أقوال الحواريين، وبخاصة أنهم في كثير من الأوقات ما كانوا يفهمون مراد المسيح من أقواله كما يظهر من الأناجيل الحالية؛ لأن الإجمال يوجد كثيرا في كلامه.
أما مرقس ولوقا فليسا من الحواريين، ولم يثبت بدليل ما أنهما من ذوي الإلهام، بل ولم يحظيا برؤية المسيح لحظة واحدة.
فالتوراة عندنا نحن المسلمين هي الكتاب السماوي المنزل على موسى ﵇، والإنجيل هو الكتاب السماوي المنزل على عيسى ﵇، وكل ما فيهما وحي من الله تعالى لا يجوز تحريفه بالزيادة فيه أو بالنقصان منه، أو بتبديل كلمة بأخرى، ففي السور التالية: (البقرة ٨٧، هود ١١٠، المؤمنون ٤٩، الفرقان ٣٥، القصص ٤٣، السجدة ٢٣، فصلت ٤٥) قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٨٧] وفي سورة المائدة آية ٤٦، وسورة الحديد آية ٢٧ قول الله تعالى في حق عيسى بن ﵇: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٤٦] وفي سورة مريم آية ٣٠ قول الله تعالى عن عيسى ﵇: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ٣٠] وفي سورة البقرة آية ١٣٦، وسورة آل عمران آية ٨٤ قول الله تعالى ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ [آل عمران: ٨٤] أي: كتاب التوراة وكتاب الإنجيل.
إذن هذه التواريخ والرسائل المدونة ضمن كتب العهدين القديم والجديد والمعروفة الآن باسم الكتاب المقدس، ليست هي التوراة والإنجيل المذكورين في القرآن الكريم، ولا يجب التسليم بصحتها وإلهاميتها، بل حكم كتب العهدين جميعها: أن كل رواية فيها أن صدقها القرآن الكريم فهي مقبولة يقينا عندنا،
стр. 33
نصدقها ولا حرج، وإن كذبها القرآن الكريم فهي مردودة عندنا يقينا، نكذبها ولا حرج، وإن سكت القرآن عن التصديق أو التكذيب فنسكت عنها، أي لا نصدقها ولا نكذبها، قال الله تعالى في سورة المائدة آية ٤٨: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] فالقرآن الكريم أمين على ما قبله من الكتب، أي يظهر ما فيها من الحق ويؤيده، ويظهر ما فيها من الباطل ويرد عليه.
وإن علماء الإسلام الذين ردوا على التوراة والإنجيل وأظهروا ما فيهما من الكذب والتحريف، لم يقصدوا الرد على التوراة والإنجيل المنزلين من الله تعالى إلى موسى وعيسى ﵉، ولكنهم قصدوا الرد على هذه الكتب والتواريخ والسير التي جمعت في كتب العهدين خلال بضعة قرون، ثم زعموا أنها كتبت بالوحي والألهام، وهي التي قال الله تعالى فيها في سورة البقرة آية ٧٩: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]
وقد أجمع أهل الإسلام قاطبة على أن التوراة الحقيقية هي ما نطق بها موسى ﵇ بوحي الله تعالى إليه، وعلى أن الإنجيل الحقيقي هو ما نطق به المسيح عيسى ﵇ بوحي الله تعالى إليه، وعلى أن هذا المجموع المشتهر الآن باسم العهدين القديم والجديد ليس هو الذي جاء ذكره في القرآن الكريم؛ لأن للتوراة الآن ثلاث نسخ مختلفة، والأناجيل أربعة مختلفة أيضا، والله تعالى أنزل توراة واحدة على موسى، وإنجيلا واحدا على عيسى، فمن أنكر التوراة والإنجيل الوارد ذكرهما في القرآن الكريم فهو كافر وخارج عن ملة
стр. 34
الإسلام، ومن أنكر القصص الكاذبة والروايات المفتراة على الله تعالى وعلى أنبيائه الكرام، والموجودة فيما يسمى بكتب العهدين أو (الكتاب المقدس) ، فلا يكفر ولا يخرج من ملة الإسلام، بل يعد ذلك الإنكار وإظهار ما فيها من التحريف والكذب واجبا على علماء الإسلام، لتبرئة ساحة الألوهية وساحة النبوة مما لا يليق بجلال الله تعالى ولا يليق بعصمة الأنبياء.
فهذه النسخ الثلاث للتوراة مختلفة فيما بينها، ووقعت فيها الأغلاط والاختلافات والتناقضات، وذكرت فيها قصة موسى ودفنه في أرض موآب، فنجزم أنها ليست هي التوراة الصحيحة المنزلة على موسى ﵇.
وهذه الأناجيل الأربعة أيضا مختلفة فيما بينها، ووقعت فيها الأغلاط والاختلافات والتناقضات، وذكرت فيها قصة صلب المسيح (بزعمهم) ، وأنه صلب ومات يوم كذا ودفن في القبر، فنجزم أنها ليست هي الإنجيل الصحيح المنزل علي عيسى ﵇.
стр. 35
[الفصل الثالث بيان أن هذه الكتب مملوءة من الاختلافات والأغلاط والتحريف]
[القسم الأول بيان بعض الاختلافات]
[الاختلاف في أسماء أولاد بنيامين وعددهم]
الفصل الثالث
بيان أن هذه الكتب مملوءة من الاختلافات والأغلاط والتحريف
القسم الأول
بيان بعض الاختلافات ١ - الاختلاف في أسماء أولاد بنيامين وفي عددهم: ففي سفر أخبار الأيام الأول ٧ / ٦: (لبنيامين بالع وباكر ويديعئيل. ثلاثة) .
وفي سفر أخبار الأيام الأول ٨ / ١ -٢: (١) وبنيامين ولد بالع بكره وأشبيل الثاني وأخرخ الثالث (٢) ونوحة الرابع ورافا الخامس) .
وفي سفر التكوين ٤٦: (وبنو بنيامين بالع وباكر وأشبيل وجيرا ونعمان وإيحي وروش ومفيم وحفيم وأرد) .
فأبناء بنيامين حسب النص الأول: ثلاثة، وعلى حسب النص الثاني: خمسة، فاختلف النصان في أسمائهم وعددهم، واتفقا في اسم بالع فقط، وهؤلاء الأبناء على حسب النص الثالث: عشرة، فاختلف مع النصين السابقين في الأسماء والعدد أيضا، واتفق مع النص الأول في اسم اثنين منهم، واتفق مع النص الثاني في اسم اثنين منهم، ولم تتفق النصوص الثلاثة إلا في اسم بالع فقط.
стр. 36
وبما أن النصين الأول والثاني من كتاب واحد يلزم الاختلاف والتناقض في كلام مصنف واحد هو عزرا، ثم الاختلاف والتناقض بين ما كتب عزرا في سفر الأخبار وبين سفر التكوين، وقد تحير علماء أهل الكتاب في هذا الاختلال والتناقض واضطروا فنسبوا الخطأ إلى عزرا فقالوا: إن أوراق النسب التي نقل عنها عزرا ناقصة، فلم يميز بين الأبناء وبين أبناء الأبناء.
[الاختلاف في عدد المقاتلين في إسرائيل ويهوذا]
٢ - الاختلاف في عدد المقاتلين في إسرائيل ويهوذا: ففي سفر صموئيل الثاني ٢٤ / ٩: (فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى الملك فكان إسرائيل ثمانمائة ألف رجل ذي بأس مستل السيف ورجال يهوذا خمس مئة ألف رجل) .
وفي سفر أخبار الأيام الأول ٢١ / ٥: (فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى داود فكان كل إسرائيل ألف ألف ومائة ألف رجل مستلي السيف ويهوذا أربع مائة وسبعين ألف رجل مستلي السيف) .
فعدد المقاتلين حسب النص الأول في إسرائيل (٠٠٠ر٨٠٠) ، وفي يهوذا (٠٠٠ر٥٠٠) ، وعلى حسب النص الثاني عددهم في إسرائيل (٠٠٠ر١٠٠ر١) ، وفي يهوذا (٠٠٠ر٤٧٠) .
فبين النصين اختلاف كبير في عدد المقاتلين من إسرائيل بمقدار ثلاثمائة ألف (٠٠٠ر٣٠٠) ، وفي عدد المقاتلين من يهوذا بمقدار ثلاثين ألفا (٠٠٠ر٣٠) ، وقد اعترف آدم كلارك في تفسيره بأن تعيين النص الصحيح منهما عسير؛ لأن كتب التواريخ وقع فيها تحريفات كثيرة، وأن الاجتهاد في التطبيق عبث، والأحسن التسليم بالتحريف، لأن هذا الأمر لا قدرة على إنكاره، ولأن
стр. 37
الناقلين لم يكونوا ذوي إلهام.
[الاختلاف في خبر جاد الرائي]
٣ - الاختلاف في خبر جاد الرائي: ففي سفر صموئيل الثاني ٢٤ / ١٣: (فأتى جاد إلى داود وأخبره وقال له: أتأتي عليك سبع سني جوع في أرضك أم تهرب ثلاثة أشهر أمام أعدائك وهم يتبعونك؟) .
وفي سفر أخبار الأيام الأول ٢١ / ١١ - ١٢: (١١) فجاء جاد إلى داود وقال له هكذا قال الرب: اقبل لنفسك (١٢) إما ثلاث سنين جوع أو ثلاثة أشهر هلاك أمام مضايقيك وسيف أعدائك يدركك) .
فبين النصين اختلاف في مدة الجوع، ففي الأول سبع سنين، وفي الثاني ثلاث سنين، وقد أقر مفسروهم أن النص الأول غلط. وقال آدم كلارك: إن نص سفر الأخبار صادق بلا ريب، وهو موافق لما في اليونانية.
[الاختلاف في عمر الملك أخزيا عندما ملك]
٤ - الاختلاف في عمر الملك أخزيا عندما ملك: ففي سفر الملوك الثاني (٨ / ٢٦: (كان أخزيا ابن اثنتين وعشرين سنة حين ملك وملك سنة واحدة في أورشليم) .
وفي سفر أخبار الأيام الثاني ٢٢ / ٢: (كان أخزيا ابن اثنتين وأربعين سنة حين ملك وملك سنة واحدة في أورشليم) .
فبين النصين اختلاف بمقدار عشرين سنة، ولا شك أن النص الثاني غلط؛ لأن أباه يهورام (على حسب ما في سفر أخبار الأيام الثاني ٢١ و ٢٢ / ١ -٢) مات وهو ابن أربعين سنة، وتولى أخزيا الملك بعد موت أبيه مباشرة، فلو لم يكن النص الثاني غلطا يلزم أن يكون أخزيا أكبر من أبيه
стр. 38
بسنتين، وهو ممتنع جدا، وقد أقر آدم كلارك وهورن وهنري وإسكات في تفاسيرهم بأن هذا الاختلاف وقع من غلط الكاتب.
[الاختلاف في عمر الملك يهوياكين عندما ملك]
٥ - الاختلاف في عمر الملك يهوياكين عندما ملك: ففي سفر الملوك الثاني ٢٤ / ٨ -٩: (٨) كان يهوياكين ابن ثماني عشرة سنة حين ملك وملك ثلاثة أشهر في أورشليم. . . (٩) وعمل الشر في عيني الرب) .
وفي سفر أخبار الأيام الثاني ٣٦ / ٩: (كان يهوياكين ابن ثماني سنين حين ملك وملك ثلاثة أشهر وعشرة أيام في أورشليم وعمل في الشر في عيني الرب) .
فبين النصين اختلاف بمقدار عشر سنين، وقد أقر مفسروهم أن الثاني، غلط يقينا؛ لأن مدة حكمه كانت ثلاثة أشهر فقط، ثم ذهب إلى بابل أسيرا، وبقي في السجن وأزواجه معه. وهذا خلاف العادة أن يكون لابن ثماني أزواج، وخلاف الشرع أن يقال لمثل هذا الصغير: إنه عمل الشر في عيني الرب. ولذلك قال المحقق آدم كلارك: هذا الموضع من السفر محرف.
[الاختلاف في عدد الذين قتلهم أحد أبطال داود بالرمح دفعة واحدة]
٦ - الاختلاف في عدد الذين قتلهم أحد أبطال داود بالرمح دفعة واحدة: ففي سفر صموئيل الثاني ٢٣: (هو هز رمحه على ثمانمائة قتلهم دفعة واحدة) .
وفي سفر أخبار الأيام الأول ١١ / ١١: (هو هز رمحه على ثلاثمائة فقتلهم دفعة واحدة) .
стр. 39
فبين النصين اختلاف بمقدار خمسمائة قتيل. قال آدم كلارك والدكتور كني كات: إن في هذه الفقرة ثلاثة تحريفات جسيمة.
[الاختلاف في عدد ما يؤخذ من الطير والبهائم في سفينة نوح ﵇]
٧ - الاختلاف في عدد ما يؤخذ من الطير والبهائم في سفينة نوح ﵇: ففي سفر التكوين ٦ / ١٩ -٢٠: (١٩) ومن كل حي من كل ذي جسد اثنين من كل تدخل إلى الفلك لاستبقائها معك. تكون ذكرا وأنثى (٢٠) من الطيور كأجناسها ومن البهائم كأجناسها ومن كل دبابات الأرض كأجناسها. اثنين من كل تدخل إليك لاستبقائها) .
وفي سفر التكوين ٧ / ٨ -٩: (٨) ومن البهائم الطاهرة والبهائم التي ليست بطاهرة ومن الطيور وكل ما يدب على الأرض (٩) دخل اثنان اثنان إلى نوح إلى الفلك ذكرا وأنثى. كما أمر الله نوحا) .
وفي سفر التكوين ٧ / ٢ -٣: (٢) من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة ذكرا وأنثى. ومن البهائم التي ليست بطاهرة اثنين ذكرا وأنثى (٣) ومن طيور السماء أيضا سبعة ذكرا وأنثى. لاستبقاء نسل على وجه كل الأرض) .
فهذه ثلاثة نصوص في سفر واحد، يفهم من الأول والثاني منها أن الله تعالى أمر نوحا ﵇ أن يأخذ معه في السفينة من جميع البهائم والطيور وحشرات الأرض اثنين اثنين ذكرا وأنثى، وأن ونوحا ﵇ قد نفذ هذا الأمر.
بينما يفهم من النص الثالث منها أن الله تعالى أمر نوحا عليه السلام
стр. 40
أن يأخذ معه في السفينة من جميع البهائم الطاهرة فقط ومن جميع الطيور سبعة أزواج سبعة أزواج، أما البهائم التي ليست بطاهرة فيأخذ منها اثنين اثنين فقط.
فليس في النصين الأول والثاني ذكر للسبعة، واتفقا بذكر الاثنين اثنين في الجميع، وفي النص الثالث قيد الاثنين بالبهائم غير الطاهرة، ونص على السبعة وفي الطيور وباقي البهائم، وهو مناقض للنصين الأول والثاني، وهذا اختلاف عظيم.
[الاختلاف في عدد الأسرى الذين أسرهم داود ﵇]
٨ - الاختلاف في عدد الأسرى الذين أسرهم داود ﵇: ففي سفر صموئيل الثاني ٨ / ٤: (فأخذ داود منه ألفا وسبعمائة فارس وعشرين ألف راجل) .
وفي سفر أخبار الأيام الأول ١٨ / ٤: (وأخذ داود منه ألف مركبة وسبعة آلاف فارس وعشرين ألف راجل) .
فاختلف النصان بزيادة (١٠٠٠) مركبة، و (٥٣٠٠) فارس في النص الثاني.
[الاختلاف في عدد الذين قتلهم داود ﵇ من أرام]
٩ - الاختلاف في عدد الذين قتلهم داود ﵇ من أرام: ففي سفر صموئيل الثاني ١٠ / ١٨: (وقتل داود من أرام سبعمائة مركبة وأربعين ألف فارس) .
وفي سفر أخبار الأيام الأول ١٩ / ١٨: (وقتل داود من أرام سبعة آلاف مركبة وأربعين ألف راجل) .
فاختلف النصان بزيادة (٦٣٠٠) مركبة في النص الثاني.
следующие страницы →