وبما أن النصين الأول والثاني من كتاب واحد يلزم الاختلاف والتناقض في كلام مصنف واحد هو عزرا، ثم الاختلاف والتناقض بين ما كتب عزرا في سفر الأخبار وبين سفر التكوين، وقد تحير علماء أهل الكتاب في هذا الاختلال والتناقض واضطروا فنسبوا الخطأ إلى عزرا فقالوا: إن أوراق النسب التي نقل عنها عزرا ناقصة، فلم يميز بين الأبناء وبين أبناء الأبناء.
[الاختلاف في عدد المقاتلين في إسرائيل ويهوذا]
٢ - الاختلاف في عدد المقاتلين في إسرائيل ويهوذا: ففي سفر صموئيل الثاني ٢٤ / ٩: (فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى الملك فكان إسرائيل ثمانمائة ألف رجل ذي بأس مستل السيف ورجال يهوذا خمس مئة ألف رجل) .
وفي سفر أخبار الأيام الأول ٢١ / ٥: (فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى داود فكان كل إسرائيل ألف ألف ومائة ألف رجل مستلي السيف ويهوذا أربع مائة وسبعين ألف رجل مستلي السيف) .
فعدد المقاتلين حسب النص الأول في إسرائيل (٠٠٠ر٨٠٠) ، وفي يهوذا (٠٠٠ر٥٠٠) ، وعلى حسب النص الثاني عددهم في إسرائيل (٠٠٠ر١٠٠ر١) ، وفي يهوذا (٠٠٠ر٤٧٠) .
فبين النصين اختلاف كبير في عدد المقاتلين من إسرائيل بمقدار ثلاثمائة ألف (٠٠٠ر٣٠٠) ، وفي عدد المقاتلين من يهوذا بمقدار ثلاثين ألفا (٠٠٠ر٣٠) ، وقد اعترف آدم كلارك في تفسيره بأن تعيين النص الصحيح منهما عسير؛ لأن كتب التواريخ وقع فيها تحريفات كثيرة، وأن الاجتهاد في التطبيق عبث، والأحسن التسليم بالتحريف، لأن هذا الأمر لا قدرة على إنكاره، ولأن
стр. 37
الناقلين لم يكونوا ذوي إلهام.
[الاختلاف في خبر جاد الرائي]
٣ - الاختلاف في خبر جاد الرائي: ففي سفر صموئيل الثاني ٢٤ / ١٣: (فأتى جاد إلى داود وأخبره وقال له: أتأتي عليك سبع سني جوع في أرضك أم تهرب ثلاثة أشهر أمام أعدائك وهم يتبعونك؟) .
وفي سفر أخبار الأيام الأول ٢١ / ١١ - ١٢: (١١) فجاء جاد إلى داود وقال له هكذا قال الرب: اقبل لنفسك (١٢) إما ثلاث سنين جوع أو ثلاثة أشهر هلاك أمام مضايقيك وسيف أعدائك يدركك) .
فبين النصين اختلاف في مدة الجوع، ففي الأول سبع سنين، وفي الثاني ثلاث سنين، وقد أقر مفسروهم أن النص الأول غلط. وقال آدم كلارك: إن نص سفر الأخبار صادق بلا ريب، وهو موافق لما في اليونانية.
[الاختلاف في عمر الملك أخزيا عندما ملك]
٤ - الاختلاف في عمر الملك أخزيا عندما ملك: ففي سفر الملوك الثاني (٨ / ٢٦: (كان أخزيا ابن اثنتين وعشرين سنة حين ملك وملك سنة واحدة في أورشليم) .
وفي سفر أخبار الأيام الثاني ٢٢ / ٢: (كان أخزيا ابن اثنتين وأربعين سنة حين ملك وملك سنة واحدة في أورشليم) .
فبين النصين اختلاف بمقدار عشرين سنة، ولا شك أن النص الثاني غلط؛ لأن أباه يهورام (على حسب ما في سفر أخبار الأيام الثاني ٢١ و ٢٢ / ١ -٢) مات وهو ابن أربعين سنة، وتولى أخزيا الملك بعد موت أبيه مباشرة، فلو لم يكن النص الثاني غلطا يلزم أن يكون أخزيا أكبر من أبيه
стр. 38
بسنتين، وهو ممتنع جدا، وقد أقر آدم كلارك وهورن وهنري وإسكات في تفاسيرهم بأن هذا الاختلاف وقع من غلط الكاتب.
[الاختلاف في عمر الملك يهوياكين عندما ملك]
٥ - الاختلاف في عمر الملك يهوياكين عندما ملك: ففي سفر الملوك الثاني ٢٤ / ٨ -٩: (٨) كان يهوياكين ابن ثماني عشرة سنة حين ملك وملك ثلاثة أشهر في أورشليم. . . (٩) وعمل الشر في عيني الرب) .
وفي سفر أخبار الأيام الثاني ٣٦ / ٩: (كان يهوياكين ابن ثماني سنين حين ملك وملك ثلاثة أشهر وعشرة أيام في أورشليم وعمل في الشر في عيني الرب) .
فبين النصين اختلاف بمقدار عشر سنين، وقد أقر مفسروهم أن الثاني، غلط يقينا؛ لأن مدة حكمه كانت ثلاثة أشهر فقط، ثم ذهب إلى بابل أسيرا، وبقي في السجن وأزواجه معه. وهذا خلاف العادة أن يكون لابن ثماني أزواج، وخلاف الشرع أن يقال لمثل هذا الصغير: إنه عمل الشر في عيني الرب. ولذلك قال المحقق آدم كلارك: هذا الموضع من السفر محرف.
[الاختلاف في عدد الذين قتلهم أحد أبطال داود بالرمح دفعة واحدة]
٦ - الاختلاف في عدد الذين قتلهم أحد أبطال داود بالرمح دفعة واحدة: ففي سفر صموئيل الثاني ٢٣: (هو هز رمحه على ثمانمائة قتلهم دفعة واحدة) .
وفي سفر أخبار الأيام الأول ١١ / ١١: (هو هز رمحه على ثلاثمائة فقتلهم دفعة واحدة) .
стр. 39
فبين النصين اختلاف بمقدار خمسمائة قتيل. قال آدم كلارك والدكتور كني كات: إن في هذه الفقرة ثلاثة تحريفات جسيمة.
[الاختلاف في عدد ما يؤخذ من الطير والبهائم في سفينة نوح ﵇]
٧ - الاختلاف في عدد ما يؤخذ من الطير والبهائم في سفينة نوح ﵇: ففي سفر التكوين ٦ / ١٩ -٢٠: (١٩) ومن كل حي من كل ذي جسد اثنين من كل تدخل إلى الفلك لاستبقائها معك. تكون ذكرا وأنثى (٢٠) من الطيور كأجناسها ومن البهائم كأجناسها ومن كل دبابات الأرض كأجناسها. اثنين من كل تدخل إليك لاستبقائها) .
وفي سفر التكوين ٧ / ٨ -٩: (٨) ومن البهائم الطاهرة والبهائم التي ليست بطاهرة ومن الطيور وكل ما يدب على الأرض (٩) دخل اثنان اثنان إلى نوح إلى الفلك ذكرا وأنثى. كما أمر الله نوحا) .
وفي سفر التكوين ٧ / ٢ -٣: (٢) من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة ذكرا وأنثى. ومن البهائم التي ليست بطاهرة اثنين ذكرا وأنثى (٣) ومن طيور السماء أيضا سبعة ذكرا وأنثى. لاستبقاء نسل على وجه كل الأرض) .
فهذه ثلاثة نصوص في سفر واحد، يفهم من الأول والثاني منها أن الله تعالى أمر نوحا ﵇ أن يأخذ معه في السفينة من جميع البهائم والطيور وحشرات الأرض اثنين اثنين ذكرا وأنثى، وأن ونوحا ﵇ قد نفذ هذا الأمر.
بينما يفهم من النص الثالث منها أن الله تعالى أمر نوحا عليه السلام
стр. 40
أن يأخذ معه في السفينة من جميع البهائم الطاهرة فقط ومن جميع الطيور سبعة أزواج سبعة أزواج، أما البهائم التي ليست بطاهرة فيأخذ منها اثنين اثنين فقط.
فليس في النصين الأول والثاني ذكر للسبعة، واتفقا بذكر الاثنين اثنين في الجميع، وفي النص الثالث قيد الاثنين بالبهائم غير الطاهرة، ونص على السبعة وفي الطيور وباقي البهائم، وهو مناقض للنصين الأول والثاني، وهذا اختلاف عظيم.
[الاختلاف في عدد الأسرى الذين أسرهم داود ﵇]
٨ - الاختلاف في عدد الأسرى الذين أسرهم داود ﵇: ففي سفر صموئيل الثاني ٨ / ٤: (فأخذ داود منه ألفا وسبعمائة فارس وعشرين ألف راجل) .
وفي سفر أخبار الأيام الأول ١٨ / ٤: (وأخذ داود منه ألف مركبة وسبعة آلاف فارس وعشرين ألف راجل) .
فاختلف النصان بزيادة (١٠٠٠) مركبة، و (٥٣٠٠) فارس في النص الثاني.
[الاختلاف في عدد الذين قتلهم داود ﵇ من أرام]
٩ - الاختلاف في عدد الذين قتلهم داود ﵇ من أرام: ففي سفر صموئيل الثاني ١٠ / ١٨: (وقتل داود من أرام سبعمائة مركبة وأربعين ألف فارس) .
وفي سفر أخبار الأيام الأول ١٩ / ١٨: (وقتل داود من أرام سبعة آلاف مركبة وأربعين ألف راجل) .
فاختلف النصان بزيادة (٦٣٠٠) مركبة في النص الثاني.
стр. 41
[الاختلاف في عدد مذاود خيل سليمان ﵇]
١٠ - الاختلاف في عدد مذاود خيل سليمان ﵇: ففي سفر الملوك الأول ٤ / ٢٦: (وكان لسليمان أربعون ألف مذود لخيل مركباته واثنا عشر ألف فارس) .
وفي سفر أخبار الأيام الثاني ٩ / ٢٥: (وكان لسليمان أربعة آلاف مذود خيل ومركبات واثنا عشر ألف فارس) .
فاختلف النصان بزيادة (٣٦٠٠٠) مذود في النص الأول، وقد قال المفسر آدم كلارك: الأحسن أن نعترف بوقوع التحريف في العدد.
[الاختلاف في بيان نسب المسيح ﵇]
١١ - الاختلاف في بيان نسب المسيح ﵇: نسب المسيح ﵇ مذكور في إنجيل متى ١ / ١ -١٧، وفي إنجيل لوقا ٣ / ٢٣ -٣٨، ومن قابل بين سياق النسبين فيهما وجد ستة اختلافات عظيمة، هي:
ا - في إنجيل متى ١ / ١٦: أن رجل مريم والدة المسيح هو يوسف بن يعقوب، وفي إنجيل لوقا ٣: أنه يوسف بن هالي.
ب- في إنجيل متى ١ / ٦: أن المسيح من نسل سليمان بن داود ﵈، وفي إنجيل لوقا ٣ / ٣١: أنه من نسل ناثان بن داود ﵇.
ج- يعلم من إنجيل متى ١ / ٦ -١١: أن جميع آباء المسيح من داود إلى سبي بابل ملوك مشهورين، ويعلم من إنجيل لوقا ٣ / ٢٧ -٣١: أنهم ليسوا ملوكا ولا مشهورين، غير داود ﵇ وابنه ناثان.
د- في إنجيل متى ١ / ١٢: أن شألتئيل ابن يكنيا، وفي إنجيل لوقا ٣ / ٢٧: أن شألتئيل ابن نيري.
стр. 42
هـ - في إنجيل متى ١ / ١٣: أن ابن زربابل اسمه: أبيهود، وفي إنجيل لوقا ٣ / ٢٧: أن ابن زربابل اسمه: ريسا.
والعجب أن أسماء أبناء زربابل مكتوبة في سفر أخبار الأيام الأول ٣ / ١٩، وليس فيهم أبيهود ولا ريسا.
ويعلم من سياق النسب في إنجيل متى ١ / ٦ -١٧: أن عدد الأجيال بين داود والمسيح ﵉ ستة وعشرون جيلا، ويعلم من سياق نفس النسب في إنجيل لوقا ٣ / ٢٣-٣١: أن عدد الأجيال بينهما واحد وأربعون جيلا.
وقد تحير علماء النصارى والمحققون القدماء في هذا الاختلاف منذ اشتهار هذين الإنجيلين في القرن الميلادي الثالث، ولم يستطيعوا إزالته، وطمعوا في أن يزول هذا الاختلاف بمرور الزمان، ولكن خاب أملهم، وما زال الاختلاف في هذا النسب إلى الآن موجودا ومحيرا للمتأخرين أيضا.
[الاختلاف في عدد الذين شفاهم المسيح ﵇]
١٢ - الاختلاف في عدد الذين شفاهم المسيح ﵇: وردت قصة الأعميين في إنجيل متى ٢٠ / ٢٩ -٣٤، وأكتفي بنقل بعض فقراتها: (٢٩) وفيما هم خارجون من أريحا تبعه جمع كثير (٣٠) وإذا أعميان جالسان على الطريق. . . (٣٤) فتحنن يسوع ولمس أعينهما فللوقت أبصرت أعينهما فتبعاه) .
ووردت قصة المجنونين في إنجيل متى ٨ / ٢٨ -٣٤، وأكتفي بنقل أول فقراتها: (٢٨) ولما جاء إلى العبر إلى كورة الجرجسيين استقبله مجنونان خارجان من القبور هائجان جدا. . .) .
стр. 43
ففي هذين النصين من إنجيل متى أنهما أعميان ومجنونان.
والقصة الأولى عينها وردت في إنجيل مرقس ١٠ / ٤٦ -٥٢، ويعلم منها أن الجالس على الطريق أعمى واحد اسمه بارتيماوس.
والقصة الثانية عينها وردت في إنجيل مرقس ٥ / ١ -٢٠، وفي إنجيل لوقا ٨ / ٢٦-٣٩، ويعلم من هذين الموضعين أن الذي استقبله مجنون واحد.
[الاختلاف في العصا الواردة في وصية المسيح لتلاميذه الاثني عشر]
١٣ - الاختلاف في العصا الواردة في وصية المسيح لتلاميذه الاثني عشر: ففي إنجيل متى ١٠ / ٩ -١٠: (٩) لا تقتنوا ذهبا ولا فضة ولا نحاسا في مناطقكم (١)(١٠) ولا مزودا للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا) .
ومثلها في إنجيل لوقا ٩ / ٣: (وقال لهم: لا تحملوا شيئا للطريق لا عصا ولا مزودا ولا خبزا ولا فضة ولا يكون للواحد ثوبان) .
وفي إنجيل مرقس ٦ / ٨ -٩: (٨) وأوصاهم أن لا يحملوا شيئا للطريق غير عصا فقط. لا مزودا ولا خبزا ولا نحاسا في المنطقة (٩) بل يكونوا مشدودين بنعال ولا يلبسوا ثوبين) .
فهذه ثلاثة نصوص يفيد الأول والثاني منها أن عيسى ﵇ لما أرسل الحواريين الاثني عشر منعهم من أن يحملوا أي شيء معهم، حتى ولا عصا للطريق.
بينما يفيد النص الثالث أنه ﵇ سمح لهم فقط أن يأخذوا عصا للطريق.
[الاختلاف في شهادة المسيح لنفسه]
стр. 44
ففي إنجيل يوحنا ٥ / ٣١ قول المسيح: (إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقا) .
وفي إنجيل يوحنا ٨ / ١٤ قول المسيح: (وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق) .
فالنص الأول يفيد عدم الأخذ بشهادة المسيح لنفسه، والنص الثاني يفيد وجوب الأخذ بشهادة المسيح لنفسه.
[الاختلاف في حامل الصليب إلى مكان الصلب]
١٥ - الاختلاف في حامل الصليب إلى مكان الصلب: ففي إنجيل متى ٢٧: (وفيما هم خارجون وجدوا إنسانا قيروانيا اسمه سمعان فسخروه ليحمل صليبه) .
وفي إنجيل لوقا ٢٣ / ٢٦: (ولما مضوا به أمسكوا سمعان رجلا قيروانيا كان آتيا من الحقل ووضعوا عليه الصليب ليحمله خلف يسوع) .
وفي إنجيل يوحنا ١٩ / ١٧: (فأخذوا يسوع ومضوا به فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال به موضع الجمجمة ويقال له بالعبرانية جلجثة) .
فهذه نصوص ثلاثة، يفيد الأول والثاني منها عند متى ولوقا أن الذي حمل الصليب هو سمعان القيرواني، ويفيد الثالث منها عند يوحنا أن الذي حمل الصليب هو المسيح نفسه.
[هل المسيح صانع سلام أم ضده]
١٦ - هل المسيح صانع سلام أم ضده؟ ففي إنجيل متى ٥ / ٩: (طوبى لصانعي السلام. لأنهم أبناء الله يدعون) .
وفي إنجيل لوقا ٩ / ٥٦: (لأن ابن الإنسان لم يأت ليهلك أنفس الناس بل ليخلص) .
стр. 45
وفي إنجيل متى ١٠ / ٣٤: (لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما على الأرض. ما جئت لألقي سلاما بل سيفا) .
وفي إنجيل لوقا ١٢ / ٤٩ و ٥١: (٤٩) جئت لألقي نار على الأرض. فماذا أريد لو اضطرمت (٥١) أتظنون أني جئت لأعطي سلاما على الأرض. كلا أقول لكم بل انقساما) .
والاختلاف واضح، ففي النصين الأول والثاني مدح صانعي السلام بقوله: (طوبى) ، وبين أنه ما جاء ليهلك أنفس الناس بل ليخلصهم، وفي النصين الثالث والرابع نفى عن نفسه السلام، وأثبت ضده، وبين أنه جاء بالسيف ليلقي النار والانقسام.
فيلزم من هذا أن عيسى ﵇ ما جاء ليخلص، بل ليهلك، وأنه لا يكون من الذين قيل في حقهم: طوبى لصانعي السلام.
стр. 46
[القسم الثاني بيان بعض الأغلاط]
[الغلط في مدة إقامة بني إسرائيل في مصر]
القسم الثاني
بيان بعض الأغلاط وهي غير الاختلافات السابقة، وذلك لأن الاختلافات تستخرج بالمقابلة بين النسخ وتراجمها وأصحاحاتها، أما الأغلاط فتعرف بعدم مطابقتها للواقع، أو للعقل، أو للعرف، أو للتاريخ، أو لعلم الرياضيات، أو لأي علم آخر حسب أقوال المحققين، كما سترى.
١ - الغلط في مدة إقامة بني إسرائيل في مصر: ورد في سفر الخروج ١٢ / ٤٠ -٤١: (٤٠) وأما إقامة بني إسرائيل التي أقاموها في مصر فكانت أربع مائة وثلاثين سنة (٤١) وكان عند نهاية أربع مائة وثلاثين سنة في ذلك اليوم عينه أن جميع أجناد الرب خرجت من أرض مصر) .
كنعان وأرض مصر فكانت أربع مئة وثلاثين (٤٣٠) سنة؛ لأن الزمان من دخول إبراهيم ﵇ أرض كنعان (فلسطين) إلى ولادة ابنه إسحاق ﵇ (٢٥) سنة، ومن ولادة إسحاق إلى ولادة يعقوب ﵉ (٦٠) سنة، وكان عمر يعقوب ﵇ عندما دخل أرض مصر (١٣٠) سنة، فيكون مجموع السنوات من دخول إبراهيم ﵇ أرض كنعان إلى دخول حفيده يعقوب ﵇ أرض مصر مائتين وخمس عشرة سنة.
٢٥ - + ٦٠+ ١٣٠ = ٢١٥ سنة.
وكانت مدة إقامة بني إسرائيل في أرض مصر منذ دخلها يعقوب عليه
стр. 47
السلام إلى خروجهم مع موسى ﵇ مائتين وخمس عشرة (٢١٥) سنة أيضا، فيكون مجموع الإقامتين في أرض كنعان وأرض مصر أربع مئة وثلاثين (٤٣٠) سنة، وقد أقر علماء أهل الكتاب من المفسرين والمؤرخين والمحققين بهذا الغلط، وقالوا: إن عبارة نسخة التوراة السامرية التي تجمع بين الإقامتين صحيحة، وتزيل الغلط الواقع في غيرها.
ونص فقرة سفر الخروج ١٢ / ٤٠ في التوراة السامرية كما يلي: (وسكنى بني إسرائيل وآبائهم ما سكنوا في أرض كنعان وفي أرض مصر ثلاثين سنة وأربع مائة سنة) . ونصها في التوراة اليونانية كما يلي: (فكان جميع ما سكن بنو إسرائيل وآباؤهم وأجدادهم في أرض كنعان وأرض مصر أربعمائة وثلاثين سنة) .
وهذا ما ذهب إليه صاحب الكتاب المعتمد عند محققي النصارى والمسمى: (مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين) ، فقد ذكر أن الزمان من إقامة يعقوب في مصر إلى ولادة المسيح (١٧٠٦) سنوات، ومن عبور بني إسرائيل البحر وغرق فرعون إلى ولادة المسيح (١٤٩١) سنة، فإذا طرحنا ١٧٠٦- ١٤٩١= ٢١٥ سنة، هي مدة إقامة بني إسرائيل في مصر من دخول يعقوب إليها إلى خروج موسى منها وغرق فرعون، فإذا عرفنا أن يعقوب ﵇ هو الأب الرابع لموسى ﵇ (لأنه موسى بن عمران بن قهات بن لاوي بن يعقوب) حصل اليقين والجزم بأن مدة إقامة بني إسرائيل في مصر يستحيل أن تكون أكثر من (٢١٥) سنة، وهذه هي المدة التي أجمع عليها المؤرخون والمفسرون والمحققون من علماء أهل الكتاب، وغلطوا ما وقع في النسخة العبرانية من أن مدة إقامة بني إسرائيل في مصر وحدها (٤٣٠) سنة،
стр. 48
ولذلك قال آدم كلارك في تفسيره: إن الكل متفقون على أن مضمون ما جاء في النسخة العبرانية في غاية الإشكال، وعلى أن السامرية في حق أسفار موسى الخمسة أصح من غيرها، وعلى أن التواريخ تؤيد ما جاء في السامرية.
وقال جامعو تفسير هنري وإسكات: إن عبارة السامرية صادقة وتزيل كل مشكل وقع في المتن.
فظهر أن علماء أهل الكتاب لا توجيه عندهم لعبارة سفر الخروج ١٢ / ٤٠ التي في النسخة العبرانية سوى الاعتراف بأنها غلط.
[الغلط في عدد بني إسرائيل حينما خرجوا مع موسى من أرض مصر]
٢ - الغلط في عدد بني إسرائيل حينما خرجوا مع موسى من أرض مصر: ففي سفر العدد ١ / ٤٤ -٤٧: (٤٤) هؤلاء هم المعدودون الذين عدهم موسى وهارون. . . (٤٥) فكان جميع المعدودين من بني إسرائيل حسب بيوت آبائهم من ابن عشرين سنة فصاعدا كل خارج للحرب في إسرائيل (٤٦) كان جميع المعدودين ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين (٤٧) وأما اللاويون حسب سبط آبائهم فلم يعدوا بينهم) .
يفهم من النص السابق أن عدد القادرين على القتال ممن هم في سن العشرين سنة فما فوق من بني إسرائيل الخارجين من مصر مع موسى وهارون ﵉ كان (٦٠٣٥٥٠) ، وأن جميع أفراد سبط اللاويين ذكورا وإناثا غير داخلين في هذا العدد، وكذلك جميع إناث بني إسرائيل، وجميع الذكور الذين هم دون سن العشرين غير داخلين في هذا العدد أيضا، فلو ضممنا إلى هذا العدد جميع المتروكين والمتروكات لا يكون الكل أقل من مليونين ونصف مليون نفس، وهذا غير صحيح لعدة أمور:
стр. 49
ا - لأنه ورد في سفر التكوين ٤٦ / ٢٧ وفي سفر الخروج ١ / ٥ وفي سفر التثنية ١٠ أن جميع نفوس بيت يعقوب التي جاءت إلى مصر سبعون (٧٠) نفسا.
ب - لأن مدة إقامة بني إسرائيل في مصر كانت مائتين وخمس عشرة (٢١٥) سنة فقط.
ج- لأنه ورد في سفر الخروج ١ / ١٥ -٢٢ أن بني إسرائيل قبل خروجهم من مصر بمقدار ثمانين (٨٠) سنة كان مواليدهم الذكور يقتلون وتستحيا الإناث.
فإذا عرفت هذه الأمور الثلاثة يجزم العقل بالغلط في العدد المذكور (٦٠٣٥٥٠) ـ بل لو قطعنا النظر عن قتل مواليدهم الذكور وفرضنا أن عددهم كان يتضاعف في كل خمس وعشرين سنة، فإن عدد (٧٠) سيتضاعف في مدة (٢١٥) سنة تسع مرات، فلا يبلغ عددهم أكثر من ستة وثلاثين ألفا (٣٦٠٠٠) ، فكيف يكون عدد المقاتلين منهم (٦٠٣٥٥٠) ؟! وإذا كان مقاتلوهم أكثر من نصف مليون فوجب أن لا يقل عدد جميع بني إسرائيل عن مليونين ونصف، وهذا ممتنع جدا لا يقبله العقل السليم، ولو لوحظ القتل فامتناعه في العقل أظهر. وإلى إنكار هذا العدد (٦٠٣٥٥٠) مال العلامة المحقق ابن خلدون في مقدمة تاريخه؛ لأن الذي بين يعقوب وموسى إنما هو ثلاثة آباء أي أربعة أجيال، فهو على حسب ما في سفر الخروج ٦ / ١٦ -٢٠ وسفر العدد ٣ / ١٧ -١٩: (موسى بن عمران بن قهات بن لاوي بن يعقوب) ، ويبعد أن يتشعب النسل من سبعين نفسا في أربعة أجيال إلى مثل هذا العدد.
стр. 50
وهناك أمران أيضا يؤيدان وقوع الغلط في هذا العدد:
ا - ورد في سفر الخروج ١٢ / ٣٨ -٤٢ أنه خرج معهم من مصر غنم وبقر ومواش وافرة جدا، وأنهم عبروا البحر ليلة واحدة، وأنهم كانوا يرتحلون كل يوم، وكان يكفي لارتحالهم الأمر اللساني الذي يصدر عن موسى مباشرة بدون واسطة. وقد نزل بنو إسرائيل بعد عبورهم البحر حول طور سيناء عند الاثنتي عشرة عينا، ولو كانوا بنو إسرائيل بالعدد المذكور فيستحيل أن يعبروا البحر مع مواشيهم في ليلة واحدة، ويستحيل أن يرتحلوا كل يوم ولا يكفي لارتحالهم الأمر اللساني الصادر من موسى، كما أن المكان حول طور سيناء لا يتسع لكثرتهم وكثرة مواشيهم.
ب - ورد في سفر الخروج ١ / ١٥ -٢٢ أنه كان لبني إسرائيل في مصر قابلتان فقط لتوليد نسائهم، وإليهما صدر الأمر الفرعوني بقتل كل مولود ذكر من أبنائهم، فلو كان عدد بني إسرائيل بالقدر المذكور يستحيل أن تكفي قابلتان لتوليد نسائهم، ولوجب أن يكون بينهم مئات القوابل.
فالحق أن عدد بني إسرائيل كان بالقدر الذي يمكن تناسله من سبعين (٧٠) نفسا في مدة مائتين وخمس عشرة (٢١٥) سنة، وتكفيه قابلتان للتوليد، وتكفي ليلة واحدة لخروجهم مع مواشيهم من أرض مصر إلى أرض سيناء، وأن هذا العدد كان يكفيه الأمر اللساني من موسى ﵇ لارتحالهم كل يوم، وأن المكان المحيط بطور سيناء يكفي لنزولهم مع مواشيهم، ونجزم بلا أدنى سك أن العدد المذكور في سفر العدد ١ / ٤٤-٤٧ (أي أن مقاتلي بني إسرائيل فقط كانوا ٦٠٣٥٥٠) غلط يقينا.
стр. 51
[الغلط الذي يلزم منه نفي نبوة داود ﵇]
٣ - الغلط الذي يلزم منه نفي نبوة داود ﵇: ففي سفر التثنية ٢٣ / ٢: (لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب. حتى الجيل العاشر لا يدخل منه أحد في جماعة الرب) .
فهذا النص غلط؛ لأنه يلزم منه أن لا يدخل داود ﵇ في جماعة الرب، ولا يكون نبيا؛ لأن فارص هو ولد زنا، فقد زنى أبوه يهوذا بكنته ثامار، فولدت له فارص من هذا الزنا، كما هو مذكور في سفر التكوين ٣٨ / ١٢ -٣٠ وداود هو البطن التاسع بعد فارص، وإذا ابتدأنا بفارص فهو البطن العاشر؛ لأن نسب داود كما ورد في إنجيل متى ١ / ١ -٦، وفي إنجيل لوقا ٣ / ٣١ -٣٣ كما يلي:
داود بن يسى بن عوبيد بن بوعز بن سلمون بن نحشون بن عميناداب بن أرام بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈. ويعد داود رئيس جماعة الرب وأعلى من كل ملوك الأرض على حسب ما ورد في سفر المزامير ٨٩ / ٢٦ -٢٧، والصواب أن فقرة سفر التثنية ٢٣ / ٢ غلط، وفي طبعة رجارد واطس في لندن سنة ١٨٢٥م، وطبعة كلكتا سنة ١٨٢٦م، زيد في نسب داود الوارد في إنجيل لوقا اسم يورام بين أرام وحصرون، كما يلي: (أرام بن يورام بن حصرون بن فارص) ؛ ليكون داود هو البطن الحادي عشر، ولكن المحرفين بزيادة هذا الاسم نسوا أن يضيفوا اسم يورام في النسب الوارد في إنجيل متى من نفس الطبعتين، فافتضح أمرهم، ووقع الاختلاف في نسب داود بين الإنجيلين في الطبعتين المذكورتين، وبقي الاعتراض قائما، وأيضا لم يرد اسم يورام في طبعة سنة ١٨٤٤ م ولا في طبعة سنة
стр. 52
١٨٦٥ - م، ولا في ما بعدها، لا في إنجيل متى ولا في إنجيل لوقا، وبقي فيها كلها: (أرام بن حصرون) ، والصواب أن فقرة سفر التثنية ٢٣ / ٢ غلط من أساسها، وأن قصة زنا يهوذا بن يعقوب بكنته ثامار مفتراة من أساسها أيضا، وهذا الحكم لا يمكن أن يكون من جانب الله تعالى، ولا من كتابة موسى ﵇، وقد حكم المفسر هارسلي بأن عبارة: (حتى الجيل العاشر لا يدخل منه أحد في جماعة الرب) إلحاقية، أي من التحريف بالزيادة.
[الغلط في عدد المضروبين من أهل بيتشمس]
٣ - الغلط في عدد المضروبين من أهل بيتشمس: أكتفي بالفقرتين التاليتين من قصة التابوت المذكورة في سفر صموئيل الأول ٦ / ١٣ و١٩: (١٣) وكان أهل بيتشمس يحصدون حصاد الحنطة في الوادي. فرفعوا أعينهم ورأوا التابوت وفرحوا برؤيته (١٩) وضرب أهل بيتشمس لأنهم نظروا إلى تابوت الرب. وضرب من الشعب خمسين ألف رجل وسبعين رجلا. فناح الشعب لأن الرب ضرب الشعب ضربة عظيمة) .
ولا شك أن هذا الخبر غلط، فقد قال آدم كلارك بعد الطعن فيه: الغالب أن المتن العبري محرف، إما سقط منه بعض الألفاظ، وإما زيد فيه لفظ: (خمسون ألف) جهلا أو قصدا؛ لأنه لا يمكن أن يكون أهل تلك القرية الصغيرة بهذا العدد، ولا يمكن أن يكون هذا العدد مشتغلا بحصاد الزرع وقت واحد، وأبعد منه أن يري دفعة واحدة خمسون ألفا التابوت موضوعا على حجر في وسط حقل.
وهذه العبارة وردت في النسخة اللاتينية: (سبعون رئيسا وخمسون ألفا من العوام) ، وفي النسخة اليونانية كالعبرية: (خمسون ألفا وسبعون إنسانا) ، وفي
стр. 53
الترجمة السريانية والعربية: (خمسة آلاف وسبعون إنسانا) ، وعند المؤرخ بوسيفس: (سبعون إنسانا) فقط، وكتب بعض الأحبار أعدادا أخرى، فهذه الاختلافات وعدم الإمكان المذكور تعطينا اليقين التام أن التحريف وقع هاهنا يقينا، إما بزيادة شيء، وإما بإسقاط شيء.
واستبعد هنري وإسكات في تفسيرهما أن يذنب الناس بهذا المقدار، ويقتلون في القرية الصغيرة، وشككا في صدق هذه الحادثة.
فانظر إلى هؤلاء المفسرين كيف استبعدوا هذه الحادثة، وكذبوا هذا الخبر، وأقروا بالغلط، واعترفوا بالتحريف القصدي بالزيادة أو بالنقصان.
[الغلط في ارتفاع الرواق الذي بناه سليمان ﵇]
٤ - الغلط في ارتفاع الرواق الذي بناه سليمان ﵇: ففي سفر أخبار الأيام الثاني ٣ / ٤: (والرواق الذي قدام الطول حسب عرض البيت عشرون ذراعا وارتفاعه مئة وعشرون) .
وقد ورد في سفر الملوك الأول ٦ / ٢ أن ارتفاع البيت الذي بناه سليمان ﵇ ثلاثون ذراعا، فإذا كان ارتفاعه ثلاثين ذراعا فكيف يكون ارتفاع الرواق مائة وعشرين ذراعا؟!
وقد اعترف آدم كلارك في تفسيره بأن الغلط وقع في فقرة سفر أخبار الأيام الثاني ٣ / ٤، ولذلك حرف مترجمو الترجمة السريانية والعربية فأسقطوا لفظ المائة، وقالوا: ارتفاعه عشرون ذراعا، وصحح هذا الغلط في الطبعة العربية المطبوعة سنة ١٨٤٤م؛ فوردت فيها الفقرة المذكورة كما يلي:
(والرواق الذي أمام البيت طوله كقدر عرض البيت عشرين ذراعا وإرتفاعه عشرين ذراعا) .
стр. 54
[الغلط في عدد جيش أبيا ويربعام]
٥ - الغلط في عدد جيش أبيا ويربعام: ففي سفر أخبار الأيام الثاني ١٣ / ٣ و١٧: (٣) وابتدأ أبيا في الحرب بجيش من جبابرة القتال أربع مائة ألف رجل مختار ويربعام اصطف لمحاربته بثمانمائة ألف رجل مختار جبابرة بأس (١٧) وضربهم أبيا وقومه ضربة عظيمة فسقط قتلى من إسرائيل خمسمائة ألف رجل مختار) .
وقد أقر مفسروهم بالغلط في هذه الأعداد الواقعة في هاتين الفقرتين؛ لأنها مخالفة للقياس بالنسبة لهؤلاء الملوك، فهم لم يبلغوا هذا العدد لقلتهم في تلك الأيام، ولذلك غيرت في أكثر نسخ الترجمة اللاتينية إلى: (أربعين ألفا) في الموضع الأول، و (ثمانين ألفا) في الموضع الثاني، و (خمسين ألفا) في الموضع الثالث، ورضي المفسرون بهذا التغيير، وأيده هورن وآدم كلارك، وكان آدم كلارك يعلن كثيرا في تفسيره ويصرح بوقوع التحريف في كتب التواريخ.
[الغلط بخصوص الأكل من الشجرة وبخصوص عمر الإنسان]
٦ - الغلط بخصوص الأكل من الشجرة، وبخصوص عمر الإنسان: ففي سفر التكوين ٢ / ١٧: (وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتا تموت) .
وهذا غلط؛ لأن آدم ﵇ أكل من الشجرة، ولم يمت في يوم الأكل، بل عاش بعد ذلك أكثر من تسعمائة سنة.
وفي سفر التكوين ٦ / ٣: (فقال الرب لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد لزيغانه هو بشر وتكون أيامه مائة وعشرين سنة) .
وهذا أيضا غلط؛ لأن أعمار الذين كانوا في سالف الزمان طويلة جدا، فعلى حسب ما ورد في سفر التكوين ٥ / ١ -٣١: فقد عاش آدم (٩٣٠) سنة،
стр. 55
وعاش شيث (٩١٢) سنة، وعاش أنوش (٩٠٥) سنين، وعاش قينان (٩١٠) سنين، وعاش مهللئيل (٨٩٥) سنة، وعاش يارد (٩٦٢) سنة، وعاش أخنوخ (إدريس ﵇ (٣٦٥) سنة، وعاش متوشالح (٩٦٩) سنة، وعاش لامك (٧٧٧) سنة، وعلى حسب ما ورد في سفر التكوين ٩ / ٢٩ فإن نوحا عاش (٩٥٠) سنة.
وبهذا يظهر أن تحديد عمر أولاد آدم بمائة وعشرين سنة غلط.
[الغلط في عدد الأجيال الواردة في نسب المسيح ﵇]
ورد سياق نسب المسيح إلى إبراهيم ﵇ في إنجيل متى ١ / ١ -١٧، والفقرة السابعة عشرة فيه كما يلي: (فجميع الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلا. ومن داود إلى سبي بابل أربعة عشر جيلا. ومن سبي بابل إلى المسيح أربعة عشر جيلا) .
ويعلم من هذه الفقرة أن سلسلة نسب المسيح إلى إبراهيم مشتملة على ثلاثة أقسام، كل قسم منها مشتمل على أربعة عشر جيلا، فيكون مجموع الأجيال من المسيح إلى إبراهيم اثنين وأربعين جيلا، وهو غلط صريح؛ لأن عدد الأجيال واحد وأربعون جيلا فقط، فالقسم الأول من إبراهيم إلى داود فيه أربعة عشر جيلا، والقسم الثاني من سليمان إلى يكنيا فيه أربعة عشر جيلا، والقسم الثالث من شألتئيل إلى المسيح فيه ثلاثة عشر جيلا، وكان بورفري يعترض على هذا الغلط في القرن الميلادي الثالث، ولم يجد له جوابا.
[الغلط في جعل رفقاء لداود عند رئيس الكهنة]
٨ - الغلط في جعل رفقاء لداود عند رئيس الكهنة: ففي إنجيل متى ١٢ / ٣ -٤: (فقال لهم: أما قرأتم ما فعله داود حين
стр. 56
جاع هو والذين معه (٤) كيف دخل بيت الله وأكل خبز التقدمة الذي لم يحل أكله له ولا للذين معه بل للكهنة فقط) . ومثلها في إنجيل لوقا ٦ / ٣ -٤.
وفي إنجيل مرقس ٢ / ٢٥ -٢٦: (٢٥) فقال لهم: أما قرأتم قط ما فعله داود حين احتاج وجاع هو والذين معه (٢٦) كيف دخل بيت الله في أيام أبيأثار رئيس الكهنة وأكل خبز التقدمة الذي لا يحل أكله إلا للكهنة وأعطى الذين كانوا معه أيضا) .
فقوله: (والذين معه) ، (ولا للذين معه) ، و (أعطى الذين كانوا معه) غلط؛ لأن داود ﵇ كان منفردا، ولم يكن معه أحد في هذا الوقت.
وقوله: (في أيام أبيأثار رئيس الكهنة) غلط كذلك؛ لأن رئيس الكهنة الذي فر إليه داود هو أخيمالك، وتعرف هذه الأغلاط بالرجوع إلى أصل القصة في سفر صموئيل الأول ٢١ / ١ -٩، و٢٢ / ٩ -٢٣، ولذلك كتب مستر جوويل في كتابه أنه غلط، ووافقه عليه العلماء الآخرون، والمختار عندهم أن هذه الألفاظ إلحاقية، أي من التحريف بالزيادة.
[الغلط في كتابة أحداث لم تقع عند حادثة الصلب]
٩ - الغلط في كتابة أحداث لم تقع عند حادثة الصلب: ففي إنجيل متى ٢٧ / ٥٠ -٥٣: (٥٠) فصرخ يسوع أيضا بصوت عظيم وأسلم الروح (٥١) وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل. والأرض تزلزلت والصخور تشققت (٥٢) والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين (٥٣) وخرجوا من القبور بعد قيامه ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين) .
وقد ذكر انشقاق حجاب الهيكل في إنجيل مرقس ١٥ / ٣٨ وفي إنجيل
стр. 57
لوقا ٢٣ / ٤٥، ولم تذكر فيهما الأمور الأخرى المذكورة في إنجيل متى من تزلزل الأرض وتشقق الصخور وتفتح القبور وقيام القديسين الميتين ودخولهم المدينة المقدسة وظهورهم لكثيرين، وهذه الأمور العظيمة لم يكتبها أحد من مؤرخي ذلك الزمان غير متى، ولا يحتج هنا بالنسيان؛ لأن الإنسان مهما نسي فلن ينسى مثل هذه العجائب العظيمة جدا، وبخاصة لوقا الذي كان أحرص الناس في كتابة الأمور العجيبة، وكيف يتصور أن تكتب الحالات التي ليست بعجائب، ولا تكتب مثل هذه الأمور العجيبة جدا؟!
فهذه الحكاية كاذبة، ومع أن المحقق نورتن متعصب للإنجيل ومحام عنه، لكنه أورد عدة دلائل على بطلانها وقال: إن مثل هذه الحكايات كانت رائجة في اليهود بعد خراب أورشليم، فلعل أحدا كتبها في حاشية إنجيل متى، ثم أدخلها الكاتب أو المترجم في المتن.
ويستفاد من كلام نورتن أن مترجم إنجيل متى كان حاطب ليل، لا يميز بين الرطب واليابس، فما رأى في المتن من الصحيح والغلط ترجمهما بلا تدقيق في الروايات، فهل يجوز الاعتماد على ترجمة كهذه؟!
[الغلط في اسم والد شالح]
١٠ - الغلط في اسم والد شالح: ففي إنجيل لوقا ٣ / ٣٦: (شالح بن قينان بن أرفكشاد) .
فورد اسم قينان بين شالح وأرفكشاد غلط يقينا، ففي سفر التكوين ١٠: (وأرفكشاد ولد شالح) ، وفيه ١١ / ١٢ -١٣: (١٢) وعاش أرفكشاد خمسا وثلاثين سنة وولد شالح (١٣) وعاش أرفكشاد بعدما ولد شالح أربع مائة وثلاث سنين) .
стр. 58
واتفقت في هذا النص النسختان العبرانية والسامرية، ومثلهما عبارة سفر أخبار الأيام الأول ١ / ١٨، ففيها كلها أن شالح ابن أرفكشاد لا ابن ابنه، وبهذا ثبت أن ما كتبه لوقا غلط، ولم يرد اسم قينان إلا في الترجمة اليونانية (السبعينية) ، فالاحتمال الراجح أن يكون بعض النصارى المحرفين حرف الترجمة اليونانية في هذا الموضع لكي تطابق الإنجيل، ولئلا ينسب الغلط إلى إنجيلهم.
стр. 59
[القسم الثالث إثبات التحريف اللفظي بالتبديل وبالزيادة وبالنقصان]
[التحريف في مدة أعمار الأكابر قبل الطوفان]
القسم الثالث
إثبات التحريف اللفظي بالتبديل وبالزيادة وبالنقصان ١ - التحريف في مدة أعمار الأكابر قبل الطوفان: وردت مدة الزمان من خلق آدم إلى طوفان نوح في سفر التكوين ٥ / ١ -٣٢، وهي الفقرات التي وردت فيها مدة أعمار الأكابر الذين بين آدم ونوح ﵉، ومدة هذا الزمان على حسب نسخة التوراة السامرية (١٣٠٧) سنين، وعلى حسب نسخة التوراة العبرانية (١٦٥٦) سنة، وعلى حسب نسخة التوراة اليونانية (٢٢٦٢) سنة، ويلاحظ فرق كبير في هذه المدة بين النسخ الثلاث بحيث لا تمكن المطابقة بينها، وقد اتفقت النسخ الثلاث على أن عمر آدم عندما مات كان (٩٣٠) سنة (سفر التكوين ٥ / ٥) ، واتفقت كذلك على أن عمر نوح عندما حصل الطوفان كان (٦٠٠) سنة (سفر التكوين ٧ / ٦) ، فإذا طرحنا من زمان الطوفان ١٣٠٧- ٩٣٠ عمر آدم عندما مات = ٣٧٧ سنة، فيكون آدم قد مات قبل حصول الطوفان بـ ٣٧٧ سنة.
فإذا طرحنا من عمر نوح عندما حصل الطوفان ٦٠٠- ٣٧٧= ٢٢٣ سنة، فيكون نوح قد عاش ٢٢٣ سنة في حياة آدم على حسب التوراة السامرية، وهذا باطل باتفاق المؤرخين، وتكذبه النسختان العبرانية واليونانية؛ لأن مجموع عمر آدم عندما مات وعمر نوح عند الطوفان ٩٣٠+ ٦٠٠= ١٥٣٠ سنة.
فعلى حسب التوراة العبرانية ١٦٥٦-١٥٣٠= ١٢٦، أي ولد نوح بعد موت آدم بـ ١٢٦ سنة.
стр. 60
وعلى حسب التوراة اليونانية ٢٢٦٢-١٥٣٠= ٧٣٢، أي ولد نوح بعد موت آدم بـ ٧٣٢ سنة.
ولأجل هذا الاختلاف الفاحش بين النسخ الثلاث فإن يوسيفوس - المؤرخ اليهودي المشهور والمقدم عند كافة النصارى - لم يعتمد على نسخة من النسخ المذكورة، ورجح أن مدة الزمان من خلق آدم إلى الطوفان كانت (٢٢٥٦) سنة.
[التحريف في مدة أعمار الأكابر بعد الطوفان]
٢ - التحريف في مدة أعمار الأكابر بعد الطوفان: وردت مدة الزمان من طوفان نوح إلى ولادة إبراهيم في سفر التكوين ١١ / ١٠ -٢٦، وهي الفقرات التي وردت فيها مدة أعمار الأكابر الذين بين نوح وإبراهيم ﵉، ومدة هذا الزمان على حسب نسخة التوراة العبرانية (٢٩٢) سنة، وعلى حسب نسخة التوراة السامرية (٩٤٢) سنة، وعلى حسب نسخة التوراة اليونانية (١٠٧٢) سنة، ويلاحظ فرق كبير في هذه المدة بين النسخ الثلاث بحيث لا تمكن المطابقة بينها. وقد اتفقت النسخ الثلاث على أن نوحا عاش بعد الطوفان (٣٥٠) سنة (سفر التكوين ٩ / ٢٨) .
فإذا طرحنا من حياة نوح بعد الطوفان ٣٥٠-٢٩٢ مدة الزمان من الطوفان إلى ولادة إبراهيم =٥٨ سنة، فيكون إبراهيم قد عاش ٥٨ سنة في حياة نوح على حسب التوراة العبرانية، وهذا باطل باتفاق المؤرخين، وتكذبه النسختان السامرية واليونانية، فعلى حسب التوراة السامرية ٩٤٢-٣٥٠= ٥٩٢، أي ولد إبراهيم بعد موت نوح بـ ٥٩٢ سنة.
وعلى حسب التوراة اليونانية ١٠٧٢-٣٥٠= ٧٢٢، أي ولد إبراهيم بعد
стр. 61
موت نوح بـ ٧٢٢ سنة.
ولأجل هذا الاختلاف الفاحش بين النسخ الثلاث فإن المؤرخ يوسيفس اليهودي لم يعتمد على نسخة من النسخ المذكورة، ورجح أن مدة الزمان من طوفان نوح إلى ولادة إبراهيم (٩٩٣) سنة.
وقد نقل المفسران هنري وإسكات في تفسيرهما قول أكستاين: إن اليهود في سنة ١٣٠ م قد حرفوا النسخة العبرانية في بيان زمان الأكابر الذين هم من قبل زمن الطوفان وبعده؛ لتصير الترجمة اليونانية غير معتبرة، ولعناد النصارى الذين كانوا آنذاك يقدمون النسخة اليونانية على النسخة العبرانية.
وذكر هورن في تفسيره أن المحقق هيلز أثبت بالأدلة القوية تحريف النسخة العبرانية، وأن كنى كات أثبت أن اليهود حرفوا نسختهم قصدا.
فانظر أن الملجأ الوحيد الذي لجأ إليه المفسرون والمحققون هو الاعتراف بالتحريف القصدي في التواريخ بالزيادة فيها أحيانا وبالنقص منها أحيانا أخرى بدافع التعصب والهوى.
[التحريف في اسم الجبل المخصص لنصب الحجارة]
٣ - التحريف في اسم الجبل المخصص لنصب الحجارة: ففي سفر التثنية ٢٧ / ٤ في النسخة العبرانية: (حين تعبرون الأردن تقيمون هذه الحجارة التي أنا أوصيكم بها اليوم في جبل عيبال وتكلسها بالكلس) .
وهذه الفقرة وردت في التوراة السامرية كما يلي: (ويكون عند عبوركم الأردن تقيمون الحجارة هذه التي أنا موصيكم اليوم في جبل جرزيم وتشيدها بشيد) .
стр. 62
ويفهم من سفر التثنية ٢٧ / ١٢ -١٣ و١١ / ٢٩ أن جرزيم وعيبال جبلان متقابلان في مدينة نابلس بفلسطين، ونص فقرة سفر التثنية ١١ / ٢٩: (وإذا جاء بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها فاجعل البركة على جبل جرزيم واللعنة على جبل عيبال) .
ويوجد بين اليهود العبرانيين والسامريين سلفا وخلفا نزاع مشهور في اسم الجبل الذي أمر موسى ببناء الحجارة عليه وخصصه للبركة، وكل فرقة منهما تدعى أن الفرقة الأخرى حرفت التوراة في هذا الموضع بتبديل اسم الجبل، وما زال النزاع قائما بين المحققين والمفسرين من البروتسانت ـ فبعضهم يدعى صحة السامرية في هذا الموضع، وبعضهم يدعى صحة العبرانية، والراجح عند آدم كلارك وعند المحقق كني كات صحة السامرية؛ لأن اليهود العبرانيين حرفوا هذا الموضع قصدا لأجل عداوة السامريين الذين يقدسون جبل جرزيم، وهو جبل ذو عيون وحدائق ونباتات، فيكون مناسبا لإسماع البركة، وأما جبل عيبال فهو أجرد يابس لا شيء عليه من هذه الأشياء، فيكون مناسبا لإسماع اللعنة، وهذا اعتراف صريح من كبار محققيهم بوقوع التحريف في هذا الموضع من النسخة العبرانية للتوراة.
[التحريف في اسم المملكة]
٤ - التحريف في اسم المملكة: ففي سفر أخبار الأيام الثاني ٢٨ / ١٩ من النسخة العبرانية: (لأن الرب ذلل يهوذا بسبب آحاز ملك إسرائيل) ، فلفظ إسرائيل في هذا النص غلط يقينا، وهو من التحريف بالتبديل؛ لآن آحاز ملك يهوذا (المملكة الجنوبية وعاصمتها أورشليم) ، وليس ملك إسرائيل (المملكة الشمالية وعاصمتها
стр. 63
نابلس) ، والصواب أن توضع كلمة يهوذا مكان كلمة إسرائيل، كما وقع في النسختين اليونانية واللاتينية: أن الرب أذل يهوذا بسبب آحاز ملك يهوذا، فالنسخة العبرانية محرفة في هذا الموضع.
[التحير بين النفي والإثبات]
٥ - التحير بين النفي والإثبات: ففي المزمور ١٠٥ / ٢٨ من النسخة العبرانية: (ولم يعصوا كلامه) .
ووردت هذه الفقرة في النسخة اليونانية: (وهم عصوا قوله) .
ففي العبرانية نفي العصيان، وفي اليونانية إثباته، فإحدى الفقرتين غلط يقينا، وقد اعترف العلماء في هذا الموضع بالتحريف وتحيروا فيه، ولم يقدروا على الجزم بتعيينه، وذكر هنري وإسكات في تفسيرهما أن المباحثة في هذا الفرق قد طالت جدا، وظاهر أنه نشأ إما لزيادة حرف أو لتركه.
[الدليل على أن التوراة الحالية مكتوبة بعد موسى ﵇]
٦ - دليل على أن التوراة الحالية مكتوبة بعد موسى ﵇: ففي سفر التكوين ٣٦ / ٣١: (وهؤلاء هم الملوك الذين ملكوا أرض أدوم قبلما ملك ملك لبني إسرائيل) . ثم شرعت الفقرات في ذكر أسماء ملوك أدوم الذين حكموا قبل أن يحكم طالوت (شاول) أول ملوك بني إسرائيل، وقد خلفه في الحكم داود ﵇، فقبل حكمهما كان بنو إسرائيل في عهد القضاة، وهذه الفقرات من سفر التكوين ٣٦ / ٣١ -٣٩ هي عينها فقرات سفر أخبار الأيام الأول ١ / ٤٣ -٥٠، ومناسبتها لسفر الأخبار ظاهرة ولا اعتراض؛ لأنها تدل على أن المتكلم بها موجود بعد زمن قيام سلطنة بني إسرائيل في فلسطين، وكان أول ملوكهم طالوت (شاول) ، وكان هذا بعد موسى ﵇ بـ (٣٥٦) سنة، لكن لا مناسبة بتاتا لوجود هذه الفقرات
стр. 64
في سفر التكوين الذي هو أسفار التوراة، فكيف دخلت في المتن؟!
والصواب ما رجحه المفسر آدم كلارك أن هذه الفقرات ليست من كلام موسى قطعا، وأنها كانت مكتوبة على حاشية سفر التكوين في بعض النسخ، فظن الناقل فيما بعد أنها جزء من المتن فأدخلها فيه.
فانظر كيف اعترف هذا المفسر بأن هذه الفقرات التسع الخارجة عن التوراة قد ألحقت في المتن بإحدى نسخها، ثم شاعت بعد ذلك ودخلت في جميع النسخ، وعلى اعترافه يلزم أن كتبهم كانت صالحة للتحريف بالزيادة.
[التحريف بزيادة عبارة إلى هذا اليوم]
٧ - التحريف بزيادة عبارة (إلى هذا اليوم) : ففي سفر التثنية ٣ / ١٤: (يائير ابن منسى أخذ كل كورة أرجوب إلى تخم الجشوريين والمعكيين ودعاها على اسمه باشان حووث يائير إلى هذا اليوم) .
وهذه الفقرة كلها لا يمكن أن تكون من كلام موسى ﵇؛ لأن المتكلم بها لا بد أن يكون متأخرا كثيرا عن زمان يائير بن منسى كما يشعر به قوله: (إلى هذا اليوم) ، فإن مثل هذا اللفظ لا يستعمل إلا في الزمان الأبعد.
وقد نفي هورن في تفسيره أن تكون هاتان الفقرتان من كلام موسى ﵇، (أي التحريف الذي مر في رقم ٦ ورقم ٧) ؛ لأن الفقرة الأولى الواردة في سفر التكوين ٣٦ / ٣١ دالة على أن الكاتب كان في زمان بعد زمان قيام مملكة لليهود في فلسطين، والفقرة الثانية دالة على أن الكاتب كان في زمان بعد زمان إقامة اليهود في فلسطين، وكلاهما بعد موسى، وهاتان الفقرتان في نظر هورن ليستا بلا فائدة فحسب، بل هما ثقلان على متن الكتاب، فلو كان مصنف سفر التثنية هو موسى ﵇ لا يقول: (إلى هذا اليوم) ، ورجح
стр. 65
هورن أن هذا اللفظ زاده أحد الكتاب في الحاشية بعد عدة قرون من موسى؛ ليعلم أن الاسم الذي سماها به يائير بن منسى هو مازال اسمها إلى الآن، ثم انتقل هذا اللفظ من الحاشية إلى المتن في النسخ المتأخرة، ومن يشك في هذا الذي رجحه هورن، فليقابل النسخ اليونانية، فسيجد أن الإلحاقات (الزيادات) التي توجد في متن بعض النسخ هي نفسها توجد في النسخ الأخرى مكتوبة على الحاشية، فاعترف هورن أن مثل هذه الزيادات في الحواشي بعد عدة قرون من موسى ﵇، دخلت في المتون، وصارت جزءا من الكتاب، ثم شاعت في جميع النسخ المتأخرة، وهذا يدل على صلاحية كتبهم لتحريف المحرفين، ولذلك قال جامعو تفسير هنري وإسكات: إن مثل هذه الجمل الإلحاقية التي ألحقها أحد الكتاب بعد موسى ﵇ لو تركت لا يقع الفساد في المضمون.
والعبارة السابقة كلها لا تصلح أن تكون من كلام موسى ﵇، ومثلها تماما فقرة سفر العدد ٣٢ / ٤١: (وذهب يائير ابن منسى وأخذ مزارعها ودعاهن حووث يائير) .
وهنا تحريف آخر: وهو أن والد يائير ليس منسى ولكنه سجوب، ففي سفر أخبار الأيام الأول ٢: (وسجوب ولد يائير وكان له ثلاث وعشرون مدينة في أرض جلعاد) .
فيلزم الغلط والتحريف في اسم والده: إما في عبارة سفري العدد والتثنية، وقد ثبت أنها إلحاقية بعد موسى، وإما في عبارة سفر الأخبار.
ولذلك قال مؤلفو قاموس الكتاب المقدس المطبوع في أمريكا وإنكلترا
стр. 66
والهند: إن بعض الجمل التي توجد في الأسفار الخمسة تدل صراحة على أنها ليست من كلام موسى ﵇، وفيها بعض العبارات ليست على طريقته في الكلام، ولا على أسلوب محاورته، وإنهم لا يستطيعون أن يجزموا باسم الشخص الذي ألحق هذه الجمل والعبارات.
وقال جامعو تفسير هنري وإسكات بأن عبارة: (إلى هذا اليوم) وقعت في أكثر كتب العهد القديم، وحكموا بأن كل عبارة تكون مثلها فهي إلحاقية ومزيدة بأيدي الكتاب، وضربوا أمثلة لزيادة هذه العبارة في ثمانية مواضع من كتاب يوشع، ويطول الحصر والاستقصاء في سائر كتب العهد القديم.
[التحريف بإضافة مقدمات لبعض الأبواب]
٨ - التحريف بإضافة مقدمات لبعض الأبواب: إن الذي يقرأ بداية سفر التثنية ١ / ١ -٥ يجزم بأن هذه الفقرات الخمس ليست من كلام موسى ﵇؛ لأن الكاتب تكلم به موسى بصيغة الغائب كقوله: (١) هذا هو الكلام الذي كلم به موسى جميع إسرائيل. . . (٣) كلم موسى بني إسرائيل حسب كل ما أوصاه الرب إليهم (٥) في عبر الأردن في أرض موآب ابتدأ موسى يشرح هذه الشريعة قائلا) .
وقد اعترف آدم كلارك بزيادة هذه الفقرات الخمس لتكون مقدمة لباقي سفر التثنية، وقال: إن الإصحاح (الباب) الرابع والثلاثين من سفر التثنية ليس من كلام موسى أيضا؛ لأن كلامه تم على الإصحاح الثالث والثلاثين، ولا يجوز أن يقال: إن موسى كتب هذا الباب؛ لأن هذا الاحتمال بعيد من الصدق، وجزم آدم كلارك بأن هذا الباب الرابع والثلاثين كان أول أبواب كتاب يوشع، وقال كثير من المفسرين: إن هذا الباب كتبه المشايخ السبعون بعد مدة
стр. 67
من موت موسى، وكان هو أول أبواب كتاب يوشع ثم انتقل إلى سفر التثنية.
ولكن هذا الجزم بلا دليل، فقد قال جامعو تفسير هنري وإسكات وتفسير دوالي ورجردمينت: إن هذا الملحق لهذا الباب إما يوشع أو صموئيل أو عزرا أو أحد آخر لا يعلم اسمه بالجزم، وربما ألحق بعد رجوع بني إسرائيل من سبي بابل.
فانظر إلى ما في أقوالهم من الشك وعدم الجزم بشيء.
وفيما يلي بعض الفقرات من الباب الرابع والثلاثين من سفر التثنية:
(١) وصعد موسى من عربات موآب إلى جبل نبو. . . فأراه الرب جميع الأرض من جلعاد إلى دان (٤) وقال له الرب. . . (٥) فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب (٦) ودفنه في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم (٧) وكان موسى ابن مائة وعشرين سنة حين مات. . . (٨) فبكي بنو إسرائيل موسى. . . (١٠) ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى. .) .
فهل الكتاب السماوي المنزل على موسى ﵇ يكون فيه موته ودفنه والبكاء عليه واندثار قبره إلى هذا اليوم وعدم قيام نبي مثله؟!
ونحن المسلمين نجزم أن الباب الرابع والثلاثين من سفر التثنية الذي به ختمت الأسفار الخمسة ليس من كلام موسى قطعا، ولا نقف عند هذا الجزم فحسب، بل نجزم أن جميع الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى ﵇ ليست من كتابته قطعا، ونسبتها إليه لا تجوز، فهذه الأغلاط والاختلافات والتحريفات دلائل بينه لنا على ذلك؛ لأن الكتاب الموحي به إلى النبي لا يجوز
стр. 68
أن تقع مثل هذه الأمور، ويعد ذلك طعنا في النبي ونبوته، وبعض أهل الكتاب استدلوا بمثل هذه الأمور على مثل ما قلنا، وجزموا بمثل ما جزمنا به.
[التحريف للانتصار لعقيدة التثليث]
٩ - التحريف للانتصار لعقيدة التثليث: ففي رسالة يوحنا الأولى ٥ / ٧ -٨: (٧) فإن الذين يشهدون (في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد (٨) والذين يشهدون في الأرض) هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم في الواحد) .
وقد كان أصل العبارة على ما قال محققوهم هكذا: (فإن الذين يشهدون هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم في الواحد) ، وهذا نص طبعة سنة ١٨٦٥م. أي بدون الزيادة التي بين القوسين المعقوقتين.
أما نص طبعة سنة ١٨٢٥م و١٨٢٦م فهكذا: (لأن الشهود الذين يشهدون ثلاثة وهم الروح والماء والدم وهؤلاء الثلاثة تتحد في واحد) .
والنصان متقاربان، فزاد معتقدو التثليث في المتن فيما بين أصل العبارة العبارة التالية: (في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد والذين يشهدون في الأرض) فهذه العبارة التي هي مستند أهل التثليث إلحاقية يقينا، أي من التحريف بالزيادة، وقد قال كثير من المحققين المتعصبين بأنها إلحاقية واجبة الإخراج، مثل كريسباخ وشولز وهورن وآدم كلارك وجامعو تفسير هنري وإسكات.
وأما العالم أكستاين الذي هو أعلم علماء النصارى في القرن الرابع الميلادي، والذي هو إلى الآن عمدة أهل التثليث، وكان يناظر فرقة إيرين التي تنكر التثليث، فقد كتب عشر رسائل في شرح رسالة يوحنا الأولى، ولم ينقل
стр. 69
هذه العبارة في رسالة من رسائله العشر، ولم يستدل بها على منكري التثليث، وراح يرتكب التكلف البعيد، فكتب في الحاشية أن المراد بالماء: الآب، وبالدم: الابن، وبالروح: الروح القدس، ولو كانت هذه العبارة الإلحاقية موجودة في عهده، لتمسك بها ولنقلها في رسائله للاستدلال بها ضد المنكرين للتثليث، ولكن يظهر أن معتقدي التثليث بعد أكستاين استفادوا من هذا التكلف البعيد والتفسير الغريب، فاخترعوا هذه العبارة التي هي مفيدة لعقيدتهم الباطلة، وأدخلوها في رسالة يوحنا الأولى، وجعلوها جزءا من المتن.
وفي المناظرة الكبرى التي تمت في الهند سنة ١٢٧٠هـ ١٨٥٤ م بين الشيخ رحمت الله الكيرانوي وبين القسيسين الدكتور فندر وشريكه فرنج أقر القسيسان بأن هذه العبارة محرفة، وسلما بالتحريف في سبعة مواضع أخرى.
وقد كتب هورن اثنتي عشرة ورقة في تحقيق هذه العبارة، فقام بتلخيصها جامعو تفسير هنري وإسكات، وفي تلخيصهم ذكروا أدلة الذين يثبتون أن هذه العبارة كاذبة كما يلي:
١ - أن هذه العبارة لا توجد في نسخة من النسخ اليونانية المكتوبة قبل القرن السادس عشر الميلادي.
٢ - أن هذه العبارة لا توجد في النسخ المطبوعة التي طبعت بالجد والتحقيق التام في الزمان الأول.
٣ - أن هذه العبارة لا توجد في أكثر النسخ القديمة اللاتينية، ولا توجد أيضا في ترجمة من التراجم القديمة غير الترجمة اللاتينية.
٤ - أن هذه العبارة لم يتمسك بها أحد من القدماء ولا مؤرخو الكنيسة.
стр. 70
- أن هذه العبارة أسقطها من المتن أئمة فرقة البروتستانت ومصلحو دينهم، وبعضهم وضع عليها علامة الشك.
وبهذا يظهر لك جليا أن النصارى كانوا يحرفون كتبهم قصدا إذا رأوا في التحريف مصلحة لهم أو انتصارا لعقيدتهم، والعجب أن باب التحريف الذي كان واسعا قبل اختراع المطابع، مازال مفتوحا وما انسد بعد اختراعها، فهذا لوثر الإمام الأول لفرقة البروتستانت والرئيس الأقدم ترجم الكتب المقدسة باللسان الجرمني ليستفيد منها أتباعه، وطبعت هذه الترجمة مرارا في حياته، ولم يكتب هذه العبارة في ترجمته ولا ظهرت في الطبعات المتكررة أثناء حياته، وفي آخر حياته أعاد طباعتها سنة ١٤٥٦م، فأوصى في مقدمة هذه الطبعة: (أن لا يحرف أحد ترجمتي) ، لكن هذه الوصية لما كانت مخالفة لعادة أهل الكتاب عموما ولعادة النصارى خصوصا، لم يلتزموا بها وعملوا بعكسها، فلم يمضي على موته ثلاثون سنة حتى قام أهل مدينة فرانكفورت بألمانيا سنة ١٥٧٤م بطباعة ترجمة لوثر، فأدخلوا فيها هذه العبارة الجعلية الكاذبة، ثم أعيدت طباعتها بعد ذلك عدة مرات، فأسقطوها من الطبعات اللاحقة خوفا من طعن الخلق عليهم، ثم قام أهل مدينة وتنبرغ بألمانيا بإعادة طباعة ترجمة لوثر سنة ١٥٩٦م و١٥٩٩م فأدخلوا فيها هذه العبارة، ومثلهم كذلك أهل مدينة هامبورغ، حيث طبعوا ترجمة لوثر سنة ١٥٩٦ م فأدخلوا فيها هذه العبارة، ثم خاف أهل مدينة وتنبرغ من اختلاف الطبعات للترجمة الواحدة أن يجر ذلك طعن الخلق عليهم، فأعادوا طباعتها مرة أخرى فأسقطوا منها هذه العبارة، ثم ما رضي النصارى البروتستانت بهذا التردد بين الإدخال والإسقاط، فأجمعوا على
стр. 71
إدخالها في ترجمة لوثر في جميع الطبعات اللاحقة على خلاف وصية إمامهم، فمن كانت هذه عادتهم بعد انتشار المطابع، فكيف يرجى منهم عدم التحريف في النسخ القليلة المحصورة بأيدي أناس معدودين قبل ظهور المطابع؟!
وقد كتب الفيلسوف المشهور إسحاق نيوتن رسالة حجمها بقدر خمسين صفحة أثبت فيها أن هذه العبارة وعبارات أخرى جعلية محرفة.
وهذه العبارة الجعلية المحرفة وردت في طبعتي سنة ١٨٦٥ م و١٩٨٣م بين قوسين هلاليين كبيرين كما يلي: فإن الذين يشهدون (في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد والذين يشهدون في الأرض) هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم في الواحد.
وقد قال الطابعون والمصححون لهاتين الطبعتين في الصفحة الأولى منهما: إن الكلمات والعبارات التي ليس لها وجود في أقدم النسخ وأصحها جعلوها بين قوسين هلاليين.
وهذه العبارة لم ترد في طبعة العهد الجديد للآتين التي نشرتها دار المشرق في بيروت في المطبعة الكاثوليكية سنة ١٩٨٢م، وكذلك لم ترد في طبعة مطابع الحرية في بيروت سنة ١٩٨٣م بإشراف جان عون.
[التحريف لإظهار أن عيسى ابن الله]
١٠ - التحريف لإظهار أن عيسى ابن الله: ففي سفر أعمال الرسل ٨ / ٣٧: (فقال فيلبس إن كنت تؤمن من كل قلبك يجوز. فأجاب وقال أنا أومن أن يسوع المسيح هو ابن الله) .
فهذه الفقرة: (أن يسوع المسيح هو ابن الله) إلحاقية زادها أحد من أهل
стр. 72
التثليث، واتفق كريسباخ وشولز على أنها إلحاقية جعلية كاذبة.
[التحريف في حادثة زنا رأوبين بسرية أبيه]
١١ - التحريف في حادثة زنا رأوبين بسرية أبيه: ففي سفر التكوين ٣٥ من النسخة العبرانية هكذا: (وحدث إذ كان إسرائيل ساكنا في تلك الأرض أن رأوبين ذهب واضطجع مع بلهة سرية أبيه. وسمع إسرائيل) .
ولا شك أن في هذه الفقرة تحريفا بالنقصان، واليهود معترفون بسقوط عبارة هاهنا، قال جامعو تفسير هنري وإسكات: إن اليهود يسلمون أن شيئا سقط من هذه الفقرة، وتتمته من الترجمة اليونانية هكذا: (وكان قبيحا في نظره) .
فلماذا أسقط اليهود العبرانيون هذه العبارة من نسختهم؟!
[التحريف في حادثة سرقة الصواع]
١١ - التحريف في حادثة سرقة الصواع: ففي سفر التكوين ٤٤ / ٥ من النسخة العبرانية هكذا: (أليس هذا هو الذي يشرب سيدي فيه) .
ولا شك أن في هذه الفقرة تحريفا بالنقصان، وقد أقر المفسر هارسلي بالنقصان هاهنا، وأمر بزيادته على حسب ما في الترجمة اليونانية لتصبح الفقرة كما يلي: (لم سرقتم صواعي. أليس هذا هو الذي يشرب سيدي فيه) .
[التحريف بإسقاط اسم مريم ابنة عمران أخت موسى]
١٣ - التحريف بإسقاط اسم مريم ابنة عمران أخت موسى: ففي سفر الخروج ٦ من النسخة العبرانية هكذا: (وأخذ عمرام يوكابد عمته زوجة له فولدت له هارون وموسى) .
ولا شك أن في هذه الفقرة تحريفا بالنقصان يظهر من النسخة السامرية
стр. 73
والترجمة اليونانية هكذا: فولدت له هارون وموسى ومريم أختهما) .
قال آدم كلارك: إن كبار المحققين يعتقدوم أن هذا اللفظ: (ومريم أختهما) كان موجودا في المتن العبري.
ومعنى كلامه أن هذا اللفظ أسقطه اليهود العبرانيون، إما عنادا للسامريين المعتمدين على التوراة السامرية، وإما عنادا للنصارى المعتمدين على التوراة اليونانية.
وشيء آخر يفهم هنا، وهو أن عمران بن قهات بن لاوي قد تزوج يوكابد بنت لاوي، فهي عمته أخت أبيه قهات، وقد ورد لفظ العمة في التوراة السامرية والعبرانية، وفي التراجم العربية المطبوعة سنة ١٨١١م و١٨٦٥ م و١٩٧٠ -١٩٨٣م، وفي التراجم الفارسية المطبوعة سنة ١٨٣٩م و١٨٤٥م و١٨٥٦م، وفي التراجم الهندية المطبوعة سنة ١٨٢٢م و١٨٢٩م و١٨٤٢م.
وبما أن نكاح العمة حرام في التوراة كما في سفر الأحبار (اللاوين) ١٨ / ١٢ و٢٠ / ١٩، فلما طبعت الترجمة العربية في عهد البابا أربانوس الثامن (المتوفى سنة ١٦٤٤م) حرف لفظ العمة بابنة العم كما يلي: (فتزوج عمران يوكابد ابنة عمه) ، فهذه الفقرة وردت بلفظ ابنة العم في الطبعات العربية المطبوعة سنة ١٦٢٥م و١٦٧١م و١٨٤٤م و١٨٤٨م، فلزمهم التحريف بالتبديل في بعض الطبعات.
[التحريف في الزبور إما بالزيادة وإما بالنقصان]
١٤ - التحريف في الزبور إما بالزيادة وإما بالنقصان: وقعت فقرات بين الفقرتين الثالثة والرابعة من المزمور الرابع عشر، وهذه الفقرات توجد في الترجمة اللاتينية والترجمة العربية ونسخة واتيكانوس إحدى
стр. 74
نسخ الترجمة اليونانية، ونصها كما يلي: (فحلقومهم قبر مفتوح وهم يغدرون بألسنتهم وسم الثعابين تحت شفاهم وأفواهمم مملؤة من اللعن والمرورة وأقدامهم مسرعة لسفك الدم والتهلكة والشقاء في طرقهم ولم يعرفوا طريق السلامة وخوف الله ليس بموجود أمام أعينهم) .
وهذه الفقرات لا توجد في النسخة العبرانية، ولكنها توجد في رسالة بولس إلى أهل رومية ٣ / ١٣ -١٨، فإما أن اليهود أسقطوها من نسختها العبرانية عنادا للنصارى الذين كانوا يعتمدون على نسخة التوراة اليونانية، وهذا هو التحريف بالنقصان، وإما أن النصارى زادوها في التراجم المذكورة انتصارا لبولس، وهذا هو التحريف بالزيادة، فالتحريف لازم قطعا لأحد الفريقين.
[التحريف في إنجيل لوقا بالنقصان]
١٥ - التحريف في إنجيل لوقا بالنقصان: ففي إنجيل لوقا ٢١ / ٣٢ -٣٤: (٣٢) الحق أقول لكم إنه لا يمضي هذا الجيل حتى يكون الكل (٣٣) السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول (٣٤) فاحترز لأنفسكم لئلا تثقل قلوبكم، قال هورن: إن فقرة تامة ما بين الفقرتين (٣٣) و (٣٤) قد أسقطت من إنجيل لوقا، وإن المحققين والمفسرين كلهم قد أغمضوا عيونهم عن هذا النقصان العظيم الواقع في متن إنجيل لوقا، حتى قام المحقق هيلز بالتنبيه عليه، وتجاسر هورن فأمر بزيادة هذه الفقرة في إنجيل لوقا بالرجوع إلى إنجيل متى وإنجيل مرقس؛ ليكون موافقا لهما.
وفيما يلي نقل هذه الفقرة مع الفقرات السابقة لها؛ ليظهر التحريف القصدي في إنجيل لوقا بإسقاط هذه الفقرة منه:
ففي إنجيل متى ٢٤ / ٣٤ -٣٦: (٣٤) الحق أقول لكم لا يمضي هذا
стр. 75
الجيل حتى يكون هذا كله (٣٥) السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول (٣٦) وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السماوات إلا أبي وحده) .
وفي إنجيل مرقس ١٣ / ٣٠ -٣٢: (٣٠) الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله (٣١) السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول (٣٢) وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب) .
فعلى اعتراف هورن وهيلز أن الفقرة الواردة في إنجيل متى ٢٤ / ٣٦ وفي إنجيل مرقس ١٣ ساقطة من إنجيل لوقا ويجب زيادتها فيه.
[التحريف لعناد اليهود والنصارى بعضهم بعضا]
١٦ - التحريف لعناد اليهود والنصارى بعضهم بعضا: ففي إنجيل متى ٢: (وأتى وسكن في مدينة يقال لها ناصرة. لكي يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيدعى ناصريا) .
فقوله: (لكي يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيدعى ناصريا) من الأغلاط المشهورة في هذا الإنجيل؛ لأنه لا يوجد هذا القول في كتاب من الكتب المعروفة المنسوبة للأنبياء، فإما أن يكون النصارى أدخلوا هذا القول في كتبهم عنادا لليهود، وهو من التحريف بالزيادة، وإما أن يكون اليهود أسقطوا هذا القول من كتبهم عنادا للنصارى، وهو من التحريف بالنقصان.
والمحقق كريزاستم وعلماء الكاثوليك يعتقدون أن هذا القول كان في كتب الأنبياء، لكن هذه الكتب انمحت وضيعها اليهود لغفلتهم وعدم ديانتهم، فمزقوا بعضها، وأحرقوا بعضها؛ لأنهم لما رأوا أن الحواريين يتمسكون بهذه