← Общие книги

Общие книги · id 30948

مسؤولية إمام المسجد

علي عسيري

Полный текст (66 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[المقدمة] مسؤولية إمام المسجد

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كلمة بين يدي البحث الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على النبي الأمين، سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه الطيبين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد: فقد سرت في هذا البحث الموجز على النحو التالي: عرفت بالإمامة، ثم بينت فضلها، ومنزلة الإمام وصفاته، ثم أشرت إلى بعض الأحكام المتعلقة بمن لم يتصف بالصفات المعتبرة على سبيل الاختصار. وبعد ذلك تحدثت عن مسئولية إمام المسجد مبينا أن هناك قدرا مشتركا من المسئولية يتحمله كل من يقوم بالإمامة، وقدرا خاصا يناط ببعض الأئمة الذين يتحملون ما لا يتحمله غيرهم، ويجب عليهم بحسب قدراتهم، وعلمهم، وفضلهم، ما لا يجب على من ليس مثلهم، ثم عقدت فصلا خاصا بمسئولية الخطيب تجاه خطبة الجمعة، بينت فيه أن على الخطيب أن يلتزم هدي النبي ﷺ في الخطبة، ويلتزم الحكمة والموعظة الحسنة مبتعدا عن القول الخشن، وأن يراعي أحوال المخاطبين، واختلاف مداركهم وبيئاتهم، وأن يعتمد على مصادر المعرفة الإسلامية الموثقة، ويلتزم اللغة الفصحى، ويعد الخطبة إعدادا جيدا، ويقدم الأولى

стр. 3

والأهم من الموضوعات التي تكون حاجة الناس إليها أكثر من غيرها، ثم بينت أنه لا بد أن يراعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المصلحة الراجحة ويوازن بين المصلحة والمفسدة، لأن من شأن الخطيب الناجح الذي يكسب ثقة الناس ومحبتهم له، وتأثرهم به أن يراعي جميع ما أشرت إليه. وبعد، فهذا جهد المقل، وما حصل فيه من خطأ وتقصير فمني، وأستغفر الله الغفور الرحيم، وأعتذر من الصفوة الأخيار من مسئولين ومشاركين في هذا الملتقى الطيب، راجيا منهم أن يغضوا الطرف ويقبلوا العذر، ويتفضلوا على أخيهم بملحوظاتهم التي سأفيد منها فيما بعد، وأسأل الله لي ولهم ولجميع العاملين في مجال الدعوة مزيدا من التوفيق والسداد، وتثبيتا على طريق الهدى والرشاد، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. كتبه العبد الفقير إلى عفو ربه علي بن حسن بن ناصر عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة وأصول الدين جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية / أبها

стр. 4

[معنى الإمامة لغة واصطلاحا] معنى الإمامة لغة واصطلاحا الإمامة في اللغة: هي مصدر الفعل " أم " والإمام هو ما يؤتم به، ومنه قيل للطريق إمام، وللبناء إمام لأنه يؤتم بذلك، أي يهتدي به السالك، والنبي ﷺ إمام الأئمة، والخليفة إمام الرعية، والقرآن إمام المسلمين، وإمام كل شيء قيمه والمصلح له. واصطلاحا هي من يصح الاقتداء به في الصلاة. أو هي ربط صلاة المؤتم بالإمام. وتطلق على الإمامة الكبرى، وهي الخلافة أو الملك أو رئاسة الدولة. وتطلق على العالم المقتدي به، فيقال إمام المحدثين، وإمام الفقهاء. والإمام لما كان هو القدوة للناس لكونهم يأتمون به، ويهتدون بهديه أطلق عليه هذا اللفظ (١) . [فضل الإمامة ومنزلة الإمام] فضل الإمامة ومنزلة الإمام الإمامة تعليم، وتذكير، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، ولا يخفى ما لهذه الأمور من منزلة عظيمة، فبالعلم يزول الجهل، وبالتذكير

стр. 5

تذهب الغفلة، ويحل الإقبال على الدين محل الإعراض عنه، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تسود طاعة الله في المجتمع وتضمحل المعصية، وتنتشر الفضيلة وتنحسر الرذيلة، ويكثر الخير ويقل الشر. من أجل هذا وغيره تعد الإمامة رسالة عظيمة، ومهمة جسيمة يوفق الله للقيام بها على الوجه المطلوب دعاة الحق، وصفوة الخلق حماة الدين، وحراس العقيدة الصحيحة، فيتعلم على أيديهم الجاهل، ويستيقظ من أجل مواعظهم الغافل، ويهتدي بهم السالك، وتسمو بتوجيهاتهم النفوس، وتزكو الضمائر، وتتهذب الأخلاق، ويقوم سوق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتحيا السنن، وتندرس البدع ويسعد الناس بالأئمة الأكفاء كما سعدت الدنيا بإمام الأئمة ﷺ ، على حد قول القائل: إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا ... كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا وإن نحن أضللن الطريق ولم نجد ... دليلا كفانا نور وجهك هاديا ولما كان أمر الإمامة عظيما، دعا النبي ﷺ للأمة بالرشد فقال: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤمنين» (١) .

стр. 6

ومن المعلوم أن الإمامة رمز الاجتماع والائتلاف، لذا فقد حث النبي ﷺ على اتخاذ إمام ولو كانوا ثلاثة نفر فقط، حيث قال ﵊: «إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم» (١) . فإذا كانوا مأمورين شرعا باتخاذ إمام ولو كانوا ثلاثة فقط، فكيف إذا كانوا جمعا كبيرا، لا شك أن الأمر أعظم، وهذا فيه من المصالح العظيمة، والمحامد الجليلة ما لا يخفى على أحد، فالناس يجتمعون على من يعلمهم الخير، ويفقههم في الدين، ويرغبهم تارة ويرهبهم أخرى، وينقلهم من المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى التذكر والعبرة. والناس محتاجون إلى من يقوم بهذه الرسالة خير قيام؛ لأن أمراض المجتمع الحقيقية تكمن في: الجهل والغفلة، والميل إلى الشهوات، يقول تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] (٢) .

стр. 7

ولا يخفى أن هذه العلل إذا كثرت كثر الخبث، ونزل البلاء إذ هو نتيجة لمقدمة، والله يقول: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٠] (١) . لهذا، فإن منزلة الإمام تعظم لكونه يتولى معالجة هذه العلل، فداء الجهل لا دواء له إلا بالعلم، وحاجة الناس إلى العلم الذي يرفع عنهم حجاب الجهل ويزيل غشاوته أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وأعظم من حاجة الأرض المجدبة إلى الغيث العميم. يقول الإمام أحمد ﵀: الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين، وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه. ويقول الإمام ابن القيم ﵀ عن العلم وفضله: به يعرف الله ويعبد، ويذكر ويوحد، ويحمد ويمجد، وبه اهتدى إليه السالكون، ومن طريقه وصل إليه الواصلون، ومن بابه دخل عليه القاصدون، به تعرف الشرائع والأحكام، ويتميز الحلال من الحرام، وبه توصل الأرحام، وبه تعرف مراضى + الحبيب، وبمعرفتها ومتابعتها يوصل إليه

стр. 8

من قريب، وهو إمام والعمل مأموم. . إلى قوله: مذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وطلبه قربة، وبذله صدقة، ومدارسته تعدل بالصيام والقيام، والحاجة إليه أعظم منها إلى الشراب والطعام (١) . والنبي ﷺ يقول: «إن الله، وملائكته، وأهل السماوات، وأهل الأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير» (٢) . فلو لم يكن من فضل الإمامة، ومنزلة الإمام إلا هذا لكفى. والأئمة مبلغون لدين الله، داعون إلى كل خير وفضيلة، والدعاة إلى الله هم خير الناس، فهم الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر، القائمون على حدود الله، الذابون عن دين الله، الصالحون المصلحون الذين أثنى الله عليهم وامتدحهم في مواضع عديدة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] (٣) . وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] الآية يقول ابن القيم ﵀: أمر الله نبيه بأن يخبر

стр. 9

أن سبيله الدعوة إلى الله فمن دعا إلى الله تعالى فهو على سبيل رسول الله ﷺ ، وهو على بصيرة وهو من اتباعه، ومن دعا إلى غير ذلك فليس على سبيله، ولا هو على بصيرة وهو من اتباعه، ومن دعاء إلى غير ذلك فليس على سبيل، ولا هو على بصيرة، ولا هو من أتباعه، فالدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة المرسلين واتباعهم. . وتبليغ سننه (إلى الأمة أفضل من تبليغ) السهام إلى نحور العدو؛ لأن تبليغ السهام يفعله كثير من الناس، وأما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء، وخلفاؤهم في أممهم جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه (١) . والمجتمعات تتعرض غالبا لعواصف من الفتن والمغريات تجر بعض الناس جرا إلى الفساد والإفساد، وتصرفهم عن طاعة رب العباد، وهنا يأتي دور الإمام المذكر المحذر المشفق على إخوانه فتحيا به القلوب، ويفتح الله على يديه مغاليقها، فيكون له بذلك من الأجر العظيم، والثواب الجزيل ما بينه النبي ﷺ بقوله: «من دعاء إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا،

стр. 10

ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» (١) . قال العلماء إن المتسبب إلى الهدى بدعوته له من الأجر مثل أجر من اهتدى به، وكذلك المتسبب إلى الضلالة عليه من الوزر مثل وزر من ضل به، لأن الأول بذل وسعه وقدرته في هداية الناس، والثاني بذل قدرته في ضلالتهم منزل كل واحد منهما منزلة الفاعل التام (٢) . وجاء في وصية النبي ﷺ لعلي ﵁: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» (٣) . وحمر النعم هي الإبل الحمر وهي أنفس أموال العرب. يضرب بها المثل في نفاسة الشيء. إنه فضل عظيم، وحظ كبير أن يهتدي رجل واحد فقط فما الظن بمن يهتدي كل يوم به طوائف من الناس، لا شك أن الأمر أعظم - نسأل الله العظيم بفضله وكرمه أن يجعلنا من الهداة المهتدين.

стр. 11

[صفات القائم بالإمامة] [اختيار الإمامة مبني على الأفضلية] صفات القائم بالإمامة مما سبق يتبين لنا أن الإمام معلم وواعظ ومصلح، يربي عقولا، ويبنى نفوسا ويغرس قيما وأخلاقا حميدة، ولذا فإن عمله ليس محصورا بإمامة الناس في الصلاة فقط، وإن كان هذا من أهم الأعمال وأعظمها، وهذه الشمولية في العمل هي التي تضفي على الإمامة طابعا مميزا، وتعطي صاحب هذه المهمة قدرا عظيما، ومركزا مرموقا، ومنزلة عالية، ولكن هل نطالب جميع الأئمة بهذا القدر العظيم من الصفات؟ وهل يستطيع كل إمام يؤمن الناس أو نرشحه لهذا العمل أن يكون بهذا المستوى؟ لا شك أن كل غيور على دين الله، ومشفق على إخوانه، يتمنى أن يكون كل إمام على هذا المستوى الرفيع من العلم، والفقه في الدين، والقدرات المتعددة، والمواهب المتنوعة التي تمكن الإمام من القيام بهذا العمل على أحسن وجه، وتتيح له فرص التأثير في الناس، وكسب قلوبهم فيعم الخير، ويضمحل الجهل والفساد. غير أنه ليس من الممكن أن يتحقق هذا، ولو حرصنا عليه، ولا أعتقد أن كل إمام يستطيع القيام بالإمامة على النحو الذي أسلفنا، ومن المقرر أن اختيار الإمامة مبني على الأفضلية، حيث قال عليه

стр. 12

الصلاة والسلام: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنا» (١) . وهذا التوجيه النبوي الكريم فيه يسر ظاهر؛ لأنه يختلف تماما عن قول القائل يجب أن يكون الإمام حافظا، قارئا، عالما. . . الخ، لأن أقرأ القوم قد لا يكون كذلك، وهذا هو الغالب، وعندما ساق أبو يعلى الفراء الصفات المعتبرة في تقليد الإمام وهي أن يكون رجلا عدلا، قارئا، فقيها، سليم اللفظ من نقص أو لثغ بين ﵀: أن أقل ما على هذا الإمام من القراءة والفقه أن يكون حافظا لأم القرآن، عالما بأحكام الصلاة؛ لأنه القدر المستحق فيه، ثم قال ولأن يكون حافظا لجميع القرآن، عالما بجميع الأحكام أولى (٢) . [صفات وشروط تعتير الحد الأدنى لمن يقوم بالإمامة] مما سبق يتبين أن هناك قسما من الصفات يعد حدا أدنى لمن يقوم بالإمامة، وقسما آخر هو الأولى لأن يتصف به القائم بهذا العمل الجليل، وكلما ازداد منه عظم قدره، وارتفع شأنه، وقام بهذا العمل

стр. 13

العظيم على الوجه الذي يحقق له بفضل الله وكرمه، الفوز برضا الله، والنجاة من عذابه. وكما قال القائل: على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير الصغائر ... وتصغر في عين العظيم العظائم فأما القسم الأول فهو كما سبق ذكره أن يكون: رجلا، عدلا، حافظا لأم القرآن، عالما بأحكام الصلاة، سليم اللفظ من نقص أو لثغ. فالذكورية شرط لصحة الإمامة. قال في المغني: وأما المرأة فلا يصح أن يأتم بها الرجل بحال، في فرض ولا نافلة في قول عامة الفقهاء، ثم استدل بقوله ﷺ : «لا تؤمن امرأة رجلا، ولا فاجر مؤمنا إلا أن يقهره بسلطان، أو يخاف سوطه أو سيفه» (١) . وذكر أيضا أن الخنثى لا يجوز أن يؤم رجلا، لأنه يحتمل أن يكون امرأة، ولا خنثى مثله، لأنه لا يجوز أن يكون الإمام امرأة والمأموم رجلا (٢) . أما إمامة المرأة للنساء مثله فلا بأس بذلك.

стр. 14

والعدالة تعني أن يكون مؤمنا تقيا، ذا عقيدة سليمة، وسلوك مستقيم، وسوف يأتي الحديث عن إمامة الفاسق في عقيدته، أو في سلوكه. وأما القارئ الفقيه، فأقل ما فيه - كما مر - حفظ أم القرآن، والعلم بأحكام الصلاة، وأما السليم في لفظه من النقص واللثغ فهو بين واضح: يقول الإمام ابن تيمية ﵀: وأما من لا يقيم قراءة الفاتحة فلا يصلي خلفه إلا من هو مثله، فلا يصلى خلف الألثغ الذي يبدل حرفا بحرف إلا حرف الضاد إذا أخرجه من طرف الفم كما هو عادة كثير من الناس، فهذا فيه وجهان، منهم من قال لا يصلى خلفه، ولا تصح صلاته في نفسه. . والوجه الثاني: تصح، وهذا أقرب؛ لأن الحرفين في السمع شيء واحد، وحس أحدهما من جنس الآخر لتشابه المخرجين، والقارئ إنما يقصد الضلالة المخالفة للهدى، وهو الذي يفهمه المستمع، فأما المعنى المأخوذ من ظل فلا يخطر ببال أحد، وهذا بخلاف الحرفين المختلفين صوتا ومخرجا وسمعا، كإبدال الراء بالغين، فإن هذا لا يحصل به مقصود القراءة (١) . وجاء في المغني ما نصه: من ترك حرفا من حروف الفاتحة لعجزه عنه، أو أبداله بغيره كالألثغ الذي يجعل الراء غينا، والأرت الذي

стр. 15

يدغم حرفا في حرف، أو يلحن لحنا يحيل المعنى كالذي يكسر الكاف من إياك، أو يضم التاء من أنعمت، ولا يقدر على إصلاحه فهو كالأمي، لا يصح أن يأتم به قارئ، ويجوز لكل واحد منهم أن يؤم مثله؛ لأنهما أميان فجاز لأحدهما الائتمام بالآخر كاللذين لا يحسنان شيئا، وإن كان يقدر على إصلاح شيء من ذلك فلم يفعل لم تصح صلاته، ولا صلاة من يأتم به (١) . ومن المقرر أن إمامة المجنون لا تصح؛ لأن صلاته لنفسه باطلة، وقد ذكر ابن قدامة أنه إن كان يجن تارة، ويفيق أخرى فصلى وراءه حال إفاقته صحت صلاته، ويكره الائتمام به لئلا يكون قد احتلم حال جنونه، ولم يعلم ولئلا يعرض الصلاة للإبطال في أثنائها لوجود الجنون فيها، والصلاة صحيحة لأن الأصل السلامة فلا تفسد بالاحتمال. وكذلك لا تصح إمامة الكافر المعلن لكفره كاليهودي والنصراني ونحوهما لنقصه بالكفر. قال في المغني: وإن صلى خلف مشرك أو امرأة أو خنثى مشكل أعاد الصلاة (٢) .

стр. 16

ولا تصح إمامة الصبي الذي لا يميز لأن صلاته لنفسه غير صحيحة لعدم صحة نيته، أما الصبي المميز فإن إمامته صحيحة لحديث عمرو بن سلمة ﵁ أن النبي ﷺ قال لأبيه: «وليؤمكم أكثركم قرآنا فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني لما كنت أتلقى من الركبان فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين» (١) . والحد بسن معين غير منضبط، فيعتبر تمييز كل صبي بنفسه؛ لأن من الصبيان من يميز في السبع، ومنهم من يميز بأقل منها ومنهم من لا يميز إلا بأكثر، والله أعلم. [صفات هي أولى ما يكون عليه الإمام] أما القسم الثاني من الصفات، وهو أولى ما يكون عليه الإمام فيمكن إجماله فيما يلي: أولا: عن صفات علمية، وتتلخص في حفظ القرآن الكريم كله أوجله، وحفظ قدر طيب من السنة، والإلمام بعلوم القرآن، والسنة، والتفسير، والسيرة وفقه الإيمان، وفقه الأحكام، والإطلاع على التاريخ ومعرفة اللغة العربية وعلومها. ومعرفة ما يدور في واقع الأمة، وأبرز قضاياها، وكشف شبهات الباطل ودحض مفترياته، ومعرفة خطط الأعداء، والتحديات المعاصرة الفكرية، والسياسية

стр. 17

والسلوكية التي تواجه شباب المسلمين، ذلك أن من شأن خطيب الجمعة توجيه الناس، وتبصيرهم بأمور دينهم ودنياهم، وغرس الالتزام بالإسلام في حياة الناس، عقيدة، وعبادة، وخلقا وسلوكا، وهذا يحتاج إلى ما أشرنا إليه من الصفات، وإلا ضعف أداؤه لهذا العمل. ثانيا: صفات عملية. وتتلخص في إخلاصه لله ، وبعده عن الشهرة، والجاه، وحب الظهور، ولا بد من متابعته للنبي ﷺ في أقواله وأعماله، وقوة صلته بالله تعالى، وشدة تألهه، وإصلاح سريرته، وصدقه، وغيرته، وورعه وكرمه وحيائه وحسن تعامله، وتواضعه، وصبره، وعفته، وألا يسرف في المباحات؛ لأنه قدوة، وألا يخالف قوله عمله، وأن يكون مشفقا على إخوانه المسلمين، باذلا لهم النصح والدعاء وذا عطف على المحتاجين الفقراء، مستذكرا دائما قوله الله تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] (١) . ثالثا: صفات قيادية. وذلك بأن يكون قوي الشخصية، ثابت القلب، ذا حزم ورأي، وثقه بالله تعالى، وشجاعة في غير تهور، وله نظرة بعيدة، وتفكير عميق وعزيمة قوية، ونشاط دائب، وترتيب لأقواله وأفكاره، وأعماله، مستشعرا قول الله تعالى. ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] (٢) . نسأل الله العظيم بفضله وكرمه أن يمن علينا بذلك.

стр. 18

[إمامة الفاسق ومستور الحال] إمامة الفاسق ومستور الحال والعاجز الفسق إما في الاعتقاد، وإما في الأعمال، والأول فساد في العقيدة وهذا هو المبتدع، والثاني فساد في السلوك بارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب أو الإصرار على صغيرة من الصغائر كشرب الدخان، وحلق اللحية ونحو ذلك. وقد اتفق العلماء على كراهة الصلاة خلف الفاسق من أي نوع من الأنواع السابقة، ولكن اختلفوا في صحة الصلاة خلفه والذي رجحه الإمام ابن تيمية ﵀، وأن الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع والفجور صحيحة، حيث قال: الفاسق والمبتدع صلاته في نفسه صحيحة، فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته، لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، ومن ذلك أن من أظهر بدعة أو فجورا لا يرتب إماما للمسلمين؛ فإنه يستحق التعزير حتى يتوب، فإذا أمكن هجره حتى يتوب كان حسنا، وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلفه غيره أثر ذلك حتى يتوب أو يعزل أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان فيه مصلحة، ولم يفت المأموم جمعة ولا جماعة، وإما إذا كان ترك الصلاة يفوت المأموم الجمعة والجماعة فهنا

стр. 19

لا يترك الصلاة خلفهم إلا مبتدع مخالف للصحابة ﵃ (١) . وقد بين ﵀ في موضع آخر أن على ولاة الأمر ألا يرتبوا مثل هؤلاء أئمة، لكن إذا رتبوا أئمة، ولم يكن في الإمكان الصلاة خلف غيرهم فإنه يصلى خلفهم خوفا من فوات الجمعة والجماعة (٢) . فالشيخ ﵀ يوازن بين أمرين: أحدهما عدم إمكانية الصلاة خلف غيرهم، وبهذا تفوت عليه الجمعة والجماعة، الآخر الصلاة خلف الفاسق، وبهذا تتم له الجمعة والجماعة، وهنا يرجح الشيخ ارتكاب أخف الضررين، وتفويت أعظم المفسدين. وهذا هو ما أجاب به عثمان ﵁ عندما دخل عليه عبيد الله بن عدي بن الخيار، وهو محصور فقال: إنك إمام عامة، ونزل بك ما ترى، ويصلي لنا إمام فتنة، ونتحرج، فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم (٣) .

стр. 20

ومن المعلوم أن هذا الإمام قد شق عصا الطاعة، وخرج على إمام المسلمين فهو إمام فتنة، وصاحب بدعة، ومع ذلك أجاز عثمان ﵁ الصلاة خلفه. وابن عمر ﵄ معروف بشدة تحفظه، ومع ذلك فقد أثر عنه أنه كان يصلي خلف الخشبية والخوارج زمن ابن الزبير وهم يقتتلون، فقيل له أتصلي مع هؤلاء وبعضهم يقتل بعضا فقال: من قال حي على الصلاة أجبته، ومن قال حي على الفلاح أجبته، ومن قال حي على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله قلت لا (١) . ويوازن الإمام ابن تيمية ﵀ بين أمرين أيضا: أحدهما دفع الإمام بضرر زائد على إمامته، والآخر: الصلاة خلفه، فيرى عدم جواز دفعه إذا كان يترتب على ذلك ضرر أكبر فيقول: فإذا لم يكن منع المظهر للبدعة والفجور إلا بضرر زائد على ضرر إمامته لم يجز ذلك، بل يصلى خلفه ما لا يمكنه فعلها إلا خلفه، كالجمع والأعياد إذا لم يكن هناك إمام غيره، ولهذا كان الصحابة يصلون خلف الحجاج، والمختار بن أبي عبيد الثقفي وغيرهما الجمعة والجماعة، فإن تفويتها الجمعة والجماعة أعظم فسادا من الاقتداء فيهما بإمام فاجر، لا سيما

стр. 21

إذا كان التخلف عنهما لا يدفع فجوره فيبقى ترك المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة، ولهذا كان التاركون للجمعة والجماعات خلف أئمة الجور مطلقا معدودين عند السلف والأئمة من أهل البدع (١) . أما الفاسق من جهة الأعمال فالذي أفتى به سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله، وقد أفتى بذلك أيضا سماحة الشيخ عبد الله بن حميد ﵀، أن الصلاة خلفه صحيحة إن شاء الله، مع ملاحظة أنه لا ينبغي أن يصلى خلفه إذا وجد من هو أمثل منه، وقد أشار الشيخ عبد المحسن المنيف إلى هذه الفتوى في كتابه أحكام الإمامة والائتمام في الصلاة، وذكر هذا القول عن أبي حنيفة، ورواية عن مالك اختارها كثير من متأخري المالكية، وهو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد ﵏ جميعا (٢) . وقد استدلوا بقوله ﷺ لأبي ذر ﵁: «كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها قال قلت: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة» (٣) .

стр. 22

وبحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم» (١) . وأدلة أخرى ليس هذا موضع بسطها كما استدلوا بفعل الصحابة ﵃ كابن عمر وأبي سعيد الخدري والحسن والحسين وغيرهم (٢) والله أعلم. أما مستور الحال فيجوز للرجل أن يصلي الصلوات الخمس والجمعة وغير ذلك خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقا باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين كما ذكر ذلك الإمام ابن تيمية ﵀ قال: وليس من شروط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه، فيقول ماذا تعتقد؟ بل يصلى خلف مستور الحال (٣) . والله أعلم. [إمامة العاجز] إمامة العاجز إتماما للفائدة أشير إلى هذه المسألة، وقد بسط الإمام ابن قدامة (٤) الكلام فيها، وبين أن المستحب للإمام إذا مرض، وعجز عن القيام أن

стр. 23

يستخلف؛ لأن الناس اختلفوا في صحة إمامته، فيخرج من الخلاف؛ ولأن صلاة القائم أكمل فيستحب أن يكون الإمام كامل الصلاة، ثم قال: فإن صلى بهم قاعدا جاز، ويصلون من ورائه جلوسا، فعل ذلك أربعة من الصحابة، ثم ساق الأدلة عليه، ومنها حديث عائشة ﵂، قالت: «صلي النبي ﷺ في بيته وهو شاك فصلى جالسا، وصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال إنما جعل الإمام ليؤتم به» (١) ٠ ٠ ٠ ٠ الحديث. . وهذا إذا ابتدأ الإمام الصلاة قاعدا فإن من خلفه يصلون قعودا، وإذا ابتدأ قائما ثم عجز في أثناء الصلاة عن القيام صلى من خلفه قياما، كما حصل في مرض النبي ﷺ حين خرج وجلس إلى جنب أبي بكر ﵁ الذي بدأ الصلاة بالناس قائما، ثم جعل يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ ، والناس بصلاة أبي بكر ﵁، والنبي ﷺ قاعد (٢) .

стр. 24

[مسئولية إمامة المسجد] [أولا القدر المشترك من المسئولية] [لا يصح للإمام أن يفرط في مسئوليته] مسئولية إمامة المسجد أولا: القدر المشترك من المسئولية المسئولية هي: شعور المرء بتبعته في كل أمر يوكل إليه، وإدراكه الجازم بأنه مسئول عنه أمام ربه حينما يفرط في القيام به، ويتساهل في أدائه على الوجه الذي يستطيعه، والمسئولية تكليف بما يطيق بحيث لا يقعد الإمام عن سبب من أسباب القيام بهذا العمل على الوجه المطلوب وهو في طاقته ووسعه إلا ويبذله؛ لأنه متمم لعمله، وسبب موصل إلى إتقانه، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وإذا كانت المسئولية مرتبطة بوسع الإنسان وطاقته لأنها تكليف، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها، فإن الأئمة كما هو معلوم ليسوا على درجة واحدة من القدرات والمواهب حتى نوحد مسئولية الجميع، مغفلين تفاوت قدراتهم وتباين مواقعهم؛ ذلك أن منهم الإمام العالم، ومنهم طالب العلم، ومنهم دون ذلك، بل لا أبالغ إذا قلت بأن منهم من هو في عداد الأميين الذين لا يحسنون قراءة الفاتحة، وإذا أحسنوا القراءة فإنهم لا يعلمون كثيرا من أحكام الصلاة على الوجه الذي يمكنهم من القيام بالإمامة على وجهها الصحيح.

стр. 25

وبناء على ما تقدم فإن المسئولية تختلف باختلاف أحوال الأئمة، وهذا ما سأفصل الحديث فيه فيما بعد، ولكنه يوجد قدر مشترك من المسئولية يتحمله الجميع بمختلف أحوالهم، ولا يصح لأي إمام أن يفرط في هذا القدر من المسئولية بغير عذر ويمكن إجمال هذا القدر المشترك في الأمور الآتية: أولا: الإمام مكلف من قبل ولي الأمر بعمل أعطي عليه رزقا (١) ليقوم به على النحو الذي طلب منه، إمامة الفروض، أو إمامة الفروض والجمعة، أو إمامة الجمعة فقط، أو إمامة الاحتياط متى ما احتيج إليه في أي وقت، أو إمامة بعض الفروض، والمهم في هذا كله أنه قد أسند إليه عمل، وأعطي عليه رزقا معينا، فهل يصح له أن يتساهل في هذا العمل؟ إن تساهله في أداء هذا العمل الذي قد اؤتمن عليه يعد إضاعة للأمانة وتفريطا يؤاخذ عليه، وربما يكون قدوة سيئة لبعض الناس يقتدون به في إضاعة أعمالهم، والتفريط في أماناتهم فيكون عليه وزر التفريط في العمل، ووزر الاقتداء به في ذلك.

стр. 26

ولقد شاع في الناس مقولة القائلين بأن إمامنا يتخلف عنا أوقاتا كثيرة، ورأينا من اقتدى بإمامه في إضاعة العمل الذي أسند إليه؛ ذلك أن الإمام قدوة، وله عند الناس مكانة تجعلهم ينظرون إليه دائما في أقواله وأفعاله، فإما نظرة حب وإعجاب فهو قدوة حسنة، وإما نظرة بغض وازدراء فهو قدوة سيئة لضعيف الإيمان وهو على من عداهم ثقيل غير محتمل. [كسب قلوب الناس وجعلهم يحبون التردد على المساجد] ثانيا: كسب قلوب الناس، وجعلهم يحبون التردد على المساجد، ويحافظون على الجماعة مطلب عظيم لا يخفى على أحد ثمراته الطيبة، وضد ذلك مفسدة يجب دفعها، وقطع أسبابها، وهذه مسئولية الإمام الذي إذا اخلص نيته، وفقه سنة نبيه محمد ﷺ في مراعاة أحوال المصلين بحيث لا يشق عليهم فيطيل بهم ويفتنهم وينفرهم، فإنه يكون بذلك محببا ومؤثرا في الناس ومرغبا لهم في هذا الفضل العظيم. ولذا حث النبي ﷺ على التجوز، وحذر في موعظة قوية من التنفير، فقد جاء عن أبي مسعود ﵁ أن رجلا قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا، قال أبو مسعود: فما رأيت رسول الله ﷺ في موعظة أشد غضبا منه

стр. 27

يومئذ، ثم قال: «إن منكم منفرين فأيكم صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة» (١) . وعن جابر ﵁ «أن معاذا ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ ثم يرجع فيؤم قومه، فصلى العشاء، فقرأ بالبقرة فانصرف الرجل فكأن معاذا تناول منه، فبلغ النبي ﷺ فقال: " فتان فتان فتان (ثلاث مرار) أو قال: فاتنا فاتنا فاتنا، وأمره بسورتين من أوسط المفصل» ، قال عمرو لا أحفظهما " (٢) . ومن هذه النصوص ندرك أن تطويل الصلاة فتنة وتنفير للناس عن الصلاة في جماعة، ولا يخفى ما في هذا من المفاسد، والتسبب في تعطيل الواجب، وحرمان الناس من فضل الجماعة، ولذلك غضب النبي ﷺ غضبا شديدا كما في حديث أبي مسعود، ووصف معاذا بأنه فتان بهذا الصنيع لكي يحذر منه. ولا يعني هذا أن يخفف الإمام الصلاة إلى درجة إسقاط الواجب بحجة مراعاة الناس كما يفعل بعض الأئمة، فإن في هذا مفسدة أعظم، ولكن الأمر يعني التزام الوسطية في الأمر، والشعور

стр. 28

بالمسئولية وهو يؤدي هذا العمل، ومحاولة كسب الناس، والعمل على أن يحبب لهم القيام بما فرض الله عليهم، مع إتمام الصلاة في جميع ما أوجبه الله فيها من القراءة والطمأنينة، وإتمام الركوع والسجود، والتسبيح والتحميد وسائر ما يجب فيها. ونحن نجد أحيانا من بعض الأئمة من هو على طرفي نقيض، فنجد من يطيل بهم ويشق على الكبير، والضعيف، والمريض وذي الحاجة، فينفرهم، وينفر غيرهم فلا يصلي وراءه إلا القليل، ونجد آخر يسارع في الصلاة إلى درجة لا يتمكن معها المأموم من أداء الواجب، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم. يقول الإمام ابن حجر ﵀ عند حديث معاذ: وفي حديث الباب من الفوائد استحباب تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين، وأما من قال لا يكره التطويل إذا علم رضاء المأمومين فيشكل عليه أن الإمام قد لا يعلم حال من يأتي فيأتم به بعد دخوله في الصلاة كما في حديث الباب، فعلى هذا يكره التطويل مطلقا إلا إذا فرض في مصل بقوم محصورين راضين بالتطويل في مكان لا يدخله غيرهم (١) . وقد أشار ﵀ في موضع آخر أن هذا افتراض لا يناط به

стр. 29

الحكم، فإن الأحكام؛ إنما تناط بالغالب لا بالصورة النادرة، وعلى هذا ينبغي للأئمة التخفيف مطلقا (١) . ويرد إشكال يحتاج إلى توضيح، وهو وضع حد للتخفيف حتى لا يقع الإمام في محظور أعظم من المحظور المترتب على التطويل كما سبق التنبيه عليه، وقد ذكر ابن حجر عن ابن دقيق العيد أن التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء خفيفا بالنسبة إلى عادة قوم طويلا بالنسبة لعادة آخرين. قال ابن حجر: قلت وأولى ما أخذ حد التخفيف من الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي عن عثمان بن أبي العاص أن النبي ﷺ قال له: «أنت إمام قومك، وأقدر القوم بأضعفهم» إسناده حسن وأصله في مسلم (٢) . ومن هنا نأخذ أن الإمام يقدر الأمر بنفسه، فهو أعرف بجماعته، وأقدر القوم بأضعفهم، وهنا تقع المسئولية عليه في تقدير الأحوال، وأخذ الحيطة والحذر أثناء قيامه بهذا العمل الجليل والله أعلم. [تأثير الإمام في المأمومين واستماعهم لتوجيهاته] ثالثا: محبة الناس لإمامهم مبنية على ثقتهم به، وعظم مكانته

стр. 30

عندهم، ومن ثمرات ذلك تأثير الإمام في المأمومين واستماعهم لتوجيهاته، وانشراح صدورهم لما يقوله أو يريده منهم، وهذا - في تقديري - يعد جزءا مهما من مسئولية الإمام، فالمصلون يثقون بالإمام الكفء، صاحب السيرة الحميدة، والخلق الحسن، الذي يقول ويعمل، ويلتزم في أقواله وأعماله هدي المصطفى ﷺ ويقتدي به في خلقه الحسن، وصفاته العظيمة من الصبر، والشفقة، والحلم والعدل، والكرم، والحياء والصدق، وسائر الأخلاق الحميدة. وبعض الأئمة إذا حصل كره من الجماعة لإمامته لا يهتم بذلك، وهذا وإن لم يكن معتبرا على كل حال إلا أنه قد يكون الباعث على هذا الكره أمرا وجيها، وليس لأمر دنيوي، كأن يجرب عليه الجماعة كذبا في الحديث، أو بخلا، أو خلفا في الوعد، أو جورا في الخصومة، أو سوء معاملة، أو سوء جوار، أو فحشا في القول، أو تعاملا بربا أو بغش أو مكر واحتيال، ونحو ذلك مما يقع أحيانا فيه بعض الأئمة من مجاراة العصاة في سلوكم أو منازلهم أو علاقاتهم. وهنا تعظم المسئولية، وعلى الإمام أن يعيد النظر في شأنه بنفسه فقد ثبت عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ كان يقول: «ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة: من تقدم قوما وهم له

стр. 31

كارهون، ورجل أتى الصلاة دبارا والدبار أن يأتي بعد أن يفوته الوقت - ورجل اعتبد محرره» (١) . قال الخطابي ﵀: " يشبه أن يكون هذا الوعيد في الرجل ليس من أهل الإمامة فيتقحم فيها، ويتغلب عليها حتى يكره الناس إمامته، فأما إن كان مستحقا للإمامة فاللوم على من كرهه دونه. وشكى رجل إلى علي بن أبي طالب ﵁، وكان يصلي بقوم وهم له كارهون فقال: إنك لخروط، يريد متعسف في فعلك ولم يزده على ذلك " (٢) . وعندما سئل الإمام ابن تيمية ﵀ عن رجل يؤم قوما وأكثرهم له كارهون أجاب ﵀ بقوله: إن كانوا يكرهون هذا الإمام لأمر في دينه: مثل كذبه أو ظلمه، أو جهله أو بدعته، ونحو ذلك، ويحبون الآخر لأنه أصلح في دينه منه مثل أن يكون أصدق وأعلم، وأدين فإنه يجب أن يولى عليهم هذا الإمام الذي يحبونه، وليس لذلك الإمام الذي يكرهونه أن يؤمهم (٣) . ثم ساق الحديث السابق الذي ورد في سنن أبي داود.

стр. 32

وبناء على ما تقدم يتعين على الإمام الذي لا يريدونه إماما لهم إن كان كره الجماعة لإمامته لسبب وجيه أن يعمل جاهدا على التخلص من هذا السبب، بتصحيح وضعه، وإزالة أسباب البغض له، لكي يؤدي رسالته، ويقوم بعمله على الوجه الصحيح. وقد رأينا من كره الناس إمامته لأسباب وجيهة وهو غير مكترث بذلك مع ما بذل له من النصح إلا أنه أصر وعاند فمقته الناس، وربما صار فتنة للقوم الظالمين، وربما هجر المصلون حتى الذين فيهم خير وصلاح الصلاة في مسجده، وفي هذا من المفاسد ما لا يصح إغفاله وتجاهله، ولو قدر المسئولية حق قدرها لما وقع في مثل هذه الحال؛ لأنه إما أن يصحح وضعه بإزالة أسباب البغض الوجيهة سواء في أدائه لهذا العمل، أو في سلوكه خارج العمل، وإما أن يسلم العمل إلى من هو أفضل منه وأولى به، والله أعلم. [ثانيا مسئولية الإمام العالم] ثانيا: مسئولية الإمام العالم إن ما أشرت إليه سابقا هو قدر مشترك من المسئولية التي يشعر بها كل إمام لبيب ويحس بها كل عاقل فطن، فيولي العمل اهتماما وعناية، ويحرص على أداء هذا الواجب، والقيام بهذه الأمانة مستعينا بالله، محتسبا راغبا في ثوابه ونيل مرضاته.

стр. 33

أما ما يلزم بعض الأئمة دون بعض فإنه يرتبط بذات الشخص، ومركزه في الناس، وبالمجتمع المحيط به الذي يحمل بعض أفراده قدرا من العلم، والثقافة والمراكز المرموقة في المجتمع. فالإمام العالم الذي يشار إليه بالبنان، ويؤخذ عنه العلم والفتوى ويقصد مسجده جمع كبير من الناس فيهم طلاب العلم، والمثقفون، وذوو المكانة، وغيرهم، يتحمل من المسئولية قدرا أعظم ممن ليس كذلك؛ ولهذا لما قيل لعبد الملك بن مروان ﵀ عجل بك الشيب قال: وكيف لا وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة (١) ؛ ذلك لأنه علم عظم المسئولية، وأن دور الإمام الذي على شاكلته ليس محصورا في إمامة الناس في الصلاة، وإنما هو في دور المعلم، والمربي، والمفتي، والمصلح، والمحذر من المنكر قبل أن يقع، والداعي لإزالته إذا وقع، والعامل على حل المشكلات التي تورث الخصومات (٢) والملتمس لأحوال الفقراء والمساكين، وتوجيه النداءات لمساعدة المنكوبين والمصابين، وبإجمال يعيش آمال الأمة

стр. 34

وآلامها، وتلك والله مهمة عظيمة لا يدركها إلا العظماء، من العلماء العاملين الذين هم مبعث خير، ومصابيح هداية، وأدلة طريق فهم لأخوانهم كالشمس للدنيا، والعافية للبدن كما قال الإمام أحمد في الإمام الشافعي رحمهما الله تعالى. ومن المعلوم أن العلماء ورثة الأنبياء وهم دعاة إلى الله، يذبون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وعدوان الظالمين، وهم أهل الخشية من الله ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وأهل الشفقة والنصح لعامة المسلمين ولأئمتهم، وهم أهل التجرد من حظوظ النفس وشهواتها، تكشف حججهم الساطعة شبهات الباطل فتدمغه فإذا هو زاهق، وتلهج ألسنتهم بالصدق عند العدوان فيضعون الأمور في مواضعها. فإذا أنعم الله على الأمة بتولي علمائها لإمامة المساجد فتلك من نعم الله العظيمة التي تعد بإذن الله تعالى من أهم وسائل النجاة من عقوبة الله وغضبه، ونحن نرى المساجد التي تولى الإمامة فيها علماء مخلصون ناصحون ومنها المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف، وجوامع أخرى في مدن المملكة، ونلمس أثر هؤلاء الأئمة وحب الناس لهم، وإقبالهم على الحرمين الشريفين وغيرها من الجوامع التي

стр. 35

حظيت بالأئمة الأكفاء، لأن الناس يطمئنون للإمام العالم، ويجلسون بين يديه ليأخذوا عنه، وينهلوا من علمه، ويسترشدوا بحكمته ورأيه. وإذا كانت رسالة العالم في الأصل عظيمة فإنها تزداد حين يتولى الإمامة، وإمامته ليست قاصرة على القيام بالخطب والمواعظ، وإنما هي تعليم في مختلف علوم الشريعة في فقه الإيمان، وفقه الأحكام، وغيرهما من علوم الغاية أو الوسيلة التي يحتاجها الناس بمختلف فئاتهم. والإمام العالم يتولى الفتوى، ويجيب على أسئلة الناس ويعالج مشكلاتهم بأسلوب علمي رصين، ووعظي مؤثر، والعالم حين يقوم بهذا يستذكر هدي النبي ﷺ الذي كان مسجده مقرا لتعليم الناس قولا وعملا، وكان أصحابه ﵃ يتحلقون حوله ليسمعوا حديثه، بل كان ﵊ يعلم الناس من على المنبر ففي صحيح مسلم عن سهل بن سعد ﵁ أنه قال «ولقد رأيت رسول الله ﷺ قام عليه فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر، ثم رفع فنزل القهقري حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي» (١) .

стр. 36

وكان ﷺ يسأل أصحابه وهو يعلمهم ليشحذ أذهانهم، فتتهيأ للإصغاء لما يقول لهم، ويضرب لهم الأمثال ليقرب لهم المعاني التي يريد أن يفهمهوها، كما روى عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم حدثوني ما هي؟ قال فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله فوقع في نفسي أنها النخلة، ثم قالوا حدثنا يا رسول الله، قال: هي النخلة» (١) . وكان الرجل يأتيه من البادية، وهو ﵊ جالس في المسجد يعلم أصحابه فيسأله عن بعض أحكام الإسلام فيعلمه، وينصرف كما في قصة ضمام بن ثعلبه التي وردت في صحيح الإمام البخاري ﵀ (٢) . وكان ﷺ يجلس لأصحابه في المسجد فيسألونه ويجيبهم، ولم يكن الأمر مقصورا على التعليم والفتوى، ولكن كان مسجده مكانا للصلح بين المتخاصمين، ولتطبيق حدود الله، وللفصل في القضايا، ولقضاء حوائج الناس ومتابعة الفقراء وإطعامهم (٣) .

стр. 37

وعندما يقوم العالم الإمام برسالته، ويؤدي دوره القيادي في المجتمع، وفق هدي المصطفى ﷺ نجد أثر ذلك واضحا في الناس، إذ المساجد جامعات عظمى يتخرج فيها العلماء العاملون، والرجال الصالحون، الذي يسيرون في الناس سيرا حسنا، وينهجون نهجا عظيما؛ لأن تعليم المساجد يختلف عن تعليم المدارس، ولقد أجاد سماحة الإمام العلامة عبد الله بن حميد ﵀ وهو أحد الذين تخرجوا في المساجد حينما فرق بين تعليم المسجد وتعليم المدارس من وجوه فقال: الوجه الأول - أن التعليم في المسجد يكتنفه جو عبادي، يشعر المعلم فيه والمتعلم، والسامع أنهم في بيت من بيوت الله فيكونون أقرب إلى الإخلاص، والتجرد، والنية الحسنة، لا يقصدون في الغالب من التعلم والتعليم إلا وجه الله، وأهدافهم هي التفقه في الدين، وأداء العمل على وجهه الصحيح والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، لا يرجون من وراء ذلك مغنما ولا جاها، ولا منصبا، ولذلك تجد غزارة العلم وحفظه، وإتقانه عند كثير من علماء المسجد في أوقات قصيرة، بخلاف طلاب المدارس فإنهم - في الغالب - لا يصلون إلى مرتبة علماء المساجد في ذلك، والواقع التاريخي يشهد بذلك، فهل خرجت المدارس، والمعاهد؛ والجامعات كالأئمة والمحدثين والفقهاء والنحويين ومن شابههم؟

стр. 38

الفرق الثاني - أن التعليم في المساجد أشمل حيث يدخل المسجد من شاء من العلماء المؤهلين ليعلم الناس، كما أنه يدخله من شاء من المتعلمين أو المستمعين، فيستفيد في المسجد جمع غفير، العالم، والمتعلم، والمستمع على حسب ما عنده من الاستعداد والوقت بخلاف المدارس فلا يدخلها إلا عدد محدود من المعلمين والمتعلمين، ولا يؤذن لمن يريد أن يتفقه في الدين بالتردد عليها. ولذلك اضطرت الدول في العصر الحديث إلى إيجاد مدارس لمحو الأمية، وهي شبيهة بالمدارس الأخرى، لا تفي بحاجة الناس كالمساجد، فالمساجد جامعات شعبية صالحة للمتعلمين على جميع المستويات. الفرق الثالث - أن علماء المساجد وطلابها أقرب إلى عامة الشعوب من طلاب المدارس والجامعات، حيث تجد عامة الناس يقبلون إلى عالم المسجد وطلابه ويستفيدون منهم، كما تجد عالم المسجد وطلابه يهتمون بعامة الناس في التعليم والدعوة أكثر من غيرهم، ولا شك أن الارتباط بين طلاب العلم وجمهور الشعب له مزاياه الكثيرة في التعليم والدعوة والتوجيه (١) .

стр. 39

ومن هذه الفروق نعلم مدى أهمية رسالة الإمام العالم، وعظم مسئوليته، وحاجة الناس إليه على مختلف فئاتهم والله أعلم. [ثالثا مسئولية إمام الجامع] [مسئوليته تجاه المصلين] ثالثا: مسئولية إمام الجامع أ - مسئوليته تجاه المصلين، ودوره التعليمي والتربوي والاجتماعي. لا يخلو الأمر في أئمة الجوامع من أحد ثلاثة أمور: الأول: أن يكون الإمام من طلاب العلم المتخصصين في علوم الشريعة. الثاني: أن يكون الإمام من المهتمين بطلب العلم، وليس متخصصا. الثالث: ألا يكون متخصصا ولا مهتما بطلب العلم. فأما الأول والثاني، فلا شك أنهما من القادرين على القيام بهذه الأمانة، وتحمل المسئولية إذا خلصت النية، وعظمت الهمة؛ لأن تحمل هذه الرسالة، وأداءها على الوجه المطلوب مطلب عظيم يتوقف حصوله على همة عالية، ونية حسنة، فمن فقدهما تعذر عليه الوصول إليه، وفاته من خير هذا العمل شيء كثير. وبنظرة سريعة نجد في هذين الصنفين أمرين عظيمين وهما: العلم والإيمان، يقول ابن القيم ﵀ في شأنهما: أفضل ما اكتسبته

стр. 40

النفوس، وحصلته القلوب ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة هو العلم والإيمان، ولهذا قرن بينهما سبحانه في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦] (١) ٠ ٠ ٠ وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] (٢) . الآية، وهؤلاء هم خلاصة الوجود ولبه، والمؤهلون للمراتب العالية (٣) أهـ. وهؤلاء أئمة أكفاء، يحقق الله على أيديهم خيرا كثيرا، أما الصنف الثالث فليس في درجة السابقين في تحمل المسئولية، والقيام بالعمل على وجهه المراد؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وهو بحاجة إلى نظرة فاحصة، ومتابعة مستمرة، يتم من خلالها النهوض به إلى مستوى التحمل لهذه الأمانة، أو إسناد الأمر إلى من هو أهل له إذا بقى على حاله، إذ لا ينبغي أن يوسد الأمر إلى غير أهله. ومسئولية إمام الجامع سواء كان في المدينة أو القرية تجاه المصلين ذات جوانب عديدة، وهي بحسب دوره التعليمي، والتربوي، والاجتماعي، وهذه الجوانب الثلاثة مأخوذة من طبيعة رسالة المسجد الذي يستمد مكانته الربانية من كونه مضافا إلى الله تعالى
следующие страницы →