عند مسلم من رواية جابر بن سمرة ﵁. وتأملوا في هذا الحوار الهادئ، والقول الحسن في الجدال الحسن: «فهذا حصين الخزاعي والد عمران كانت قريش تعظمه وتجله فطلبت منه أن يكلم محمدا ﷺ في آلهتها فقد كان محمد يذكرها ويسبها. فجاء حصين ومعه قريش حتى جلسوا قريبا من باب النبي ﷺ ودخل حصين فلما رآه النبي ﷺ قال: أوسعوا للشيخ، فقال حصين: ما هذا الذي بلغنا عنك؟ أنك تشتم آلهتنا. فقال: يا حصين كم تعبد من آله؟ قال سبعا في الأرض، وواحدا في السماء. فقال: فإذا أصابك الضر فمن تدعو؟ قال: الذي في السماء. قال: فإذا هلك المال من تدعو؟ قال: الذي في السماء. قال: يستجيب لك وحده وتشرك معه؟ يا حصين أسلم تسلم، فأسلم فقام إليه ولده عمران فقبل رأسه ويديه ورجليه. فلما أراد حصين الخروج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
وكل نبي يقول لقومه: يا قوم تذكيرا بأواصر القربى ومواطن الحب والشفقة.
ومحمد ﷺ يقول لقومه في كلمة رقيقة في دعوة رفيقة: «إن الرائد لا يكذب أهله والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم ولو غششت الناس جميعا ما غششتكم» .
[المعلم الثاني التصريح والتعريض]
المعلم الثاني: التصريح والتعريض ومن القول الحسن الجنوح إلى التعريض والتلميح دون التصريح.
فالتصريح يهتك حجاب الهيبة، ويورث الجرأة على الهجوم، والتبجح بالمخالفة، ويهيج على الإصرار والعناد.
стр. 39
أما التعريض فيستميل النفوس الفاضلة، والأذهان الذكية، والبصائر اللماحة.
قيل لإبراهيم بن أدهم: الرجل يرى من الرجل الشيء أو يبلغه عنه، أيقوله له؟ قال: هذا تبكيت، ولكن تعرض.
وكل ذلك من أجل رفع الحرج عن النفوس، واستثارة داعي الخير فيها. كيف والتعريض سنة محفوظة عن النبي ﷺ في مخاطبة أصحابه: «ما بال أقوام يفعلون كذا ويقولون كذا» .
[المعلم الثالث النصيحة لا الفضيحة]
المعلم الثالث: النصيحة لا الفضيحة أردت تخصيص النصيحة بالذكر هنا وإن كانت داخلة في كل ما سبق. . بل النصيحة مقصود أعظم في الدعوة. إن لم تكن هي الدعوة كلها.
ولكن المراد هنا الإشارة إلى آداب النصيحة
стр. 40
كمظهر من مظاهر الحكمة في الدعوة، وبخاصة إذا ما حاولنا البعد بالنصيحة عن أن تكون تشهيرا وفضيحة. يوضح ذلك في ما رمناه الحافظ ابن القيم ﵀ حين يقول: (والنصيحة إحسان إلى من تنصحه بصورة الرحمة والشفقة عليه والغيرة له، وعليه فهو إحسان محض يصدر عن رحمة ورقة، مراد الناصح بها وجه الله ورضاه والإحسان إلى خلقه. . .) .
فهي دعوة إصلاح يجب أن يتمخض فيها الإخلاص لله، مع المحافظة على مشاعر المنصوح على نحو ما سبق في المعالم السابقة لئلا ينقلب النصح مخاصمة وجدالا وشرا ونزاعا.
يؤكد جانب الدقة في هذا الأمر أن ذكر الإنسان بما يذكره هو على أصل التحريم. وقد قيل لبعض السلف: (أتحب أن يخبرك أحد بعيوبك فقال: إن كان يريد أن يوبخني فلا) .
стр. 41
ولا يكاد يفرق بين النصيحة والتعيير إلا النية والباعث والحرص على الستر، وقد نهى النبي ﷺ السيد أن يثرب أمته - أي يلومها على ذنبها - فقال ﵊: «إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب» . . . " الحديث (١) .
يقول الفضيل: (المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير) وكانوا يقولون: (من أمر أخاه على رءوس الملأ فقد عيره) .
ذلك أن الناصح الصادق ليس له غرض في إشاعة عيوب من ينصح له، وإنما غرضه إزالة المفسدة، وإخراج أخيه من غوائلها.
وشتان بين من قصده النصيحة، ومن قصده الفضيحة، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى.
стр. 42
وكما قالت أم الدرداء: (من وعظ أخاه سرا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه) .
[المعلم الربع أدب التعامل]
المعلم الرابع: أدب التعامل كان الكلام فيما سبق تنبيها على مواطن الحكمة في القول والمخاطبة وحسن المجادلة.
وفي هذه الفقرات إشارات إلى بعض ما ينبغي من أدب التعامل مع المدعوين، وبخاصة حينما يرى عليهم ما يستحق التنبيه، ويستوجب الملاحظة والتغيير.
وسوف ينتظم هذا الحديث صورا من اللين في التعامل، ثم المداراة وإقالة العثرات، ومواطن الترغيب والترهيب.
* * * *
стр. 43
صورة من اللين في التعامل النفوس مجبولة على حب من يحسن إليها ويتلقاها باللين ويبسط لها في المحيا.
والشدة قد تدفع إلى المكابرة والنفور والإصرار، فتأخذ النفس العزة بالإثم. على نحو ما سبق بسطه، فالتعامل المؤثر ما كان دمثا يفتح القلوب ويشرح الصدور فمحمد ﷺ وأصحابه والمؤمنون رحماء بينهم.
يروي معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: «صليت مع رسول الله ﷺ فعطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أماه، ما شأنكم تنظرون؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فعرفت أنهم يصمتونني فلما رأيتهم يسكتونني لكني سكت. قال: فلما صلى رسول الله ﷺ بأبي وأمي ما ضربني ولا سبني» .
стр. 44
وفي رواية: «فما رأيت معلما قط أرفق من رسول الله ﷺ ؛ قال: " إن هذه الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» .
وفي مدلولها قصة الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد فقام الصحابة لينهروه فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، فلما فرغ دعاه ﵊ قائلا له: «إن المساجد لا تصلح لهذا إنما هي لذكر الله والصلاة ". فولى الأعرابي وهو يقول: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا. فقال له النبي ﷺ وهو يضحك: " لقد حجرت واسعا» .
قال الحافظ معلقا على أمثال هذه الوقائع: والمراد من قرب إسلامه وترك التشديد عليه في الابتداء، وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف ليقبل، وكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج، لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلا حبب إلى من يدخل فيه
стр. 45
وتلقاه بانبساط، وكانت عاقبته غالبا الازدياد بخلاف ضده، والله أعلم.
وفي هذا يقول الإمام أحمد: (كان أصحاب ابن مسعود إذا مروا بقوم يرون منهم ما يكرهون يقولون: مهلا رحمكم الله) .
ودعي الحسن البصري ﵀ إلى عرس فجيء بجام من فضة (أي قدح أو إناء) عليه خبيص أو طعام (والخبيص طعام من التمر والسمن) فتناوله فقلبه على رغيف فأصاب منه فقال رجل: هذا نهي في سكون.
ويروى أن الخليفة المأمون وعظه واعظ فأغلظ له في القول فقال: يا رجل ارفق فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق. فقال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى - فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤] (١) .
стр. 46
[المعلم الخامس المداراة]
المعلم الخامس: المداراة المداراة صورة من صور التعامل الدال على الحكمة، والموصل إلى المقصود مع حفظ ما للداعي والمدعو من كرامة ومروءة.
وقد بوب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه فقال: المداراة مع الناس، ثم أورد حديث عائشة ﵂ أنه «استأذن على النبي ﷺ رجل فقال: " ائذنوا له فبئس ابن العشيرة، أو بئس أخو العشيرة. فلما دخل ألان له الكلام. تقول عائشة: فقلت يا رسول الله: قلت ما قلت ثم ألنت له القول؟ فقال: أي عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه» .
стр. 47
قال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس ولين الكلام وترك الإغلاظ، وذلك من أقوى أسباب الألفة. قال: وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط، لأن المداراة مندوب إليها والمداهنة محرمة، والفرق: أن المداهنة من الدهان: وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضى بما هو فيه من كير إنكار عليه.
والمداراة: هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك. اهـ.
إذا تقرر هذا المعنى فهو الذي قد عناه الحسن البصري ﵀ بقوله: كانوا يقولون: المداراة نصف العقل، وأنا أقول هي كل العقل.
стр. 48
ومن الطريف قول أبي يوسف ﵀ في تعداد من تجب مداراتهم فعد منهم: القاضي المتأول والمريض والمرأة والعالم ليقتبس من علمه. وأكثر ما تجري المداراة في اتقاء الأشرار والمكاره.
وقد جاء في حكم لقمان: يا بني كذب من قال إن الشر بالشر يطفأ، فإن كان صادقا فليوقد نارين ولينظر هل تطفئ إحداهما الأخرى، وإنما يطفئ الخير الشر كما يطفئ الماء النار.
وسلوك المداراة مأذون فيه لأن الإنسان خلق للاجتماع لا للعزلة، وللتعارف لا للتناكر، وللتعاون لا للانفرادية. والإنسان تعرض له عوارض نفسية وطبيعية من الحب والبغض والرضى والغضب والاستحسان والاستهجان، فلو سار على أن يكاشف الناس بكل ما يعرض له من هذه الشئون في كل وقت
стр. 49
وعلى أي حال لاختل الاجتماع ولم يثبت التعارف ولانقبضت الأيدي عن التعاون، فكان من حكمة الله في خلقه أن هيأ الإنسان لأدب يتحامى به عما يحدث تقاطعا أو يدعو إلى تخاذل، وهذه هي المداراة التي نعني.
إذن فالمداراة ترجع إلى حسن اللقاء ولين الكلام، وتجنب ما يشعر ببغض أو غضب أو استنكار. . إلا في أحوال يكون الإشعار به خيرا من الكتمان وأرجح وأصلح.
ومن لطيف المنقول في سير المتقدمين المقتدى بهم ما جاء في وصية سحنون لابنه محمد: (. . . وسلم على عدوك وداره فإن رأس الإيمان بالله مداراة الناس) ويقول محمد بن أبي الفضل الهاشمي. قلت لأبي: لم تجلس إلى فلان وقد عرفت عداوته؟ قال: أخبي نارا وأقدح ودا.
стр. 50
فالنفوس المطبوعة على المداراة نفوس أدركت أن الناس خلقوا ليكونوا في الائتلاف كجسد واحد. وشأن الأعضاء السليمة أن تكون ملتئمة متماسكة على قدر ما فيها من حياة، ولا يقطع العضو المركب في الجسد إلا أن يصاب بعلة يعجز الطب عن علاجه إلا بالبتر.
فالمداراة يقصد بها جمع الناس على الرضا والتآلف في حدود ما ينبغي أن يكون. وهي لا تمنع قضاء بالعدل ولا تحجب نصيحة بالرفق، وينبغي أن يعلم أن لذكاء الرجل وحكمته مدخلا عريضا في فقه المداراة وحسن استخدامها وطريقة الإفادة منها.
وقد يكون للتنوع في طبقات الناس تنوع في مداراتهم، فمداراة المنحرف عن الحق لسوء فهم أو خطأ في ظن، أكبر من مداراة من يحارب الحق والفضيلة إن صادفك واقتضى الحال مداراته.
ومداراة من يرجى رشده وصلاحه أكبر من مداراة
стр. 51
من شب متماديا في الانحراف ولؤم الطبع حتى يوشك أن ينقطع أملك في إصلاحه واستقامة أمره.
ومن كل ذلك تعرف أن المداراة مسلك كريم يتقنه الحكماء والأذكياء ولا يتعدى حدوده الفضلاء.
إذا رغبت في كلمة عن المداهنة لتميزها عن المداراة فلتعلم أن المداهنة إظهار الرضا عن الغلط من الظلم والفسق. . ومن قول باطل أو عمل ممنوع.
والمداهنة مسلك ذميم ينطوي تحت جناحيه الكذب، وخلف الوعد.
أما الكذب فلأن المداهن يصف الرجل بغير ما يعرفه عنه، ومن دخل الكذب من باب، سهل عليه أن يأتيه من أبواب متفرقة. وأما إخلاف الوعد فلأن المداهن يقصد إلى إرضاء صاحبه في الحال فلا يبالي أن يعده بشيء وهو عازم على أن لا يصدق في وعده.
стр. 52
المداهنون يجعلون ألسنتهم طوع بغية الوجيه، ويعجلون إلى قول ما يشتهي إن يقولوه.
قال الماوردي ﵀: إن الإنسان وإن كان مأمورا بتآلف الأعداء، ومندوبا إلى مقاربتهم، فإنه لا ينبغي أن يكون لهم راكنا وبهم واثقا بل يكون منهم على حذر، ومن مكرهم على تحرز، فإن العداوة إذا استحكمت في الطباع صارت طبعا لا يستحيل، وجبلة لا تزول وإنما يستكفى بالتألف إظهارها، ويستدفع به أضرارها كالنار يستدفع بالماء إحراقها، ويستفاد به إنضاجها، وإن كانت محرقة بطبع لا يزول وجوهر لا يتغير وقد قال الشاعر:
وإذا عجزت عن العدو فداره ... وامزح له إن المزاح وفاق
فالنار بالماء الذي هو ضدها ... تعطي النضاج وطبعها الإحراق
стр. 53
ومن كل ما تقدم يتبين واجب المصلحين من الدعاة والعلماء والمربين في هذا الباب. فواجب العناية بمحاربة المداهنة حتى تنفى من الأرض وتكون الأوطان ودور التربية منابت نشء يميزون المداهنة من المداراة، فيخاطبون الناس في رقة وأدب وشجاعة، ويحترمون من لا يلوث أسماعهم بالملق الكاذب، ولا يكتمهم الحقائق متى اتسع المقام لحديث المصارحة.
[المعلم السادس إقالة العثرات والغض عن الأخطاء]
المعلم السادس: إقالة العثرات والغض عن الأخطاء وأسلوب المداراة المتقرر في الفقرة السابقة يقود إلى غض الطرف عن أخطاء المقصرين ما دام طريقا لاستصلاحهم، وإقالة عثرات العاثرين إذا كانوا كراما ذوي هيئات أو كان ذلك سبيلا إلى دفنها وتقليلها.
стр. 54
وإن شئتم برهانا قريبا فاستذكروا قصة حاطب بن أبي بلتعة. . تلك الواقعة الصحيحة فهي صورة حية من صور الضعف البشري في لحظة من لحظات الزمن مع أنه الصحابي البدري، ولكبر الزلة قال عمر بن الخطاب ﵁: دعني أضرب عنق هذا المنافق، ولكن النبي ﷺ حين سأل حاطبا وأجابه. فقال ﵊: «لقد صدق ولا تقولوا إلا خيرا. أما علمت يا عمر أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» .
إن إقالة العثرة ليست إقرارا للباطل ولكنها إنقاذ للواقع فيه.
حكي أن أخوين من السلف انقلب أحدهما عن الاستقامة فقيل لأخيه: ألا تقطعه وتهجره؟ فقال: أحوج ما كان إلي في هذا الوقت لما وقع في عثرته أن آخذ بيده وأتلطف له في المعاتبة وأدعو له بالعودة إلى
стр. 55
ما كان عليه.
حق لمن غلط أو ذل أن يسمع كلمة حانية، وأن يستضيء بشمعة أمل من أجل أن يرجع إلى الجادة، ويسير مع الأخيار من الصحاب.
يمر أبو الدرداء ﵁ على رجل قد أصاب ذنبا، والناس يسبونه، فأنكر عليهم صنيعهم. فقال لهم: أرأيتم لو وجدتموه في قليب، ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى. قال: فلا تسبوا أخاكم واحمدوا الله الذي عافاكم، قالوا: أفلا تبغضه؟ قال إنما أبغض عمله فإذا تركه فهو أخي.
[المعلم السابع الترغيب والترهيب ومواقف الشدة]
المعلم السابع: الترغيب والترهيب ومواقف الشدة كل ما تقدم من التأكيد على مسالك اللين والرفق والمداراة، والغض عن الهفوات، وإقالة العثرات،
стр. 56
ليس معارضا لما هو معروف ومتقرر في مسالك الشرع من ضرورة سير الدعاة والمربين بين حالي الرغبة والرهبة، والرخاء والشدة. لكن المقدم في التعامل هو الترغيب والرفق كما قال الإمام أحمد: (والناس يحتاجون إلى مداراة ورفق بلا غلظة، إلا رجلا مباينا معلنا بالفسق والردى، فيجب نهيه. لأنه يقال. ليس لفاسق حرمة، فالمعلن المصر لا حرمة له) .
وطريق أنبياء الله ﵈ المذكورين في القرآن مسلوك فيه النجدين: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] إلى قوله: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٤] (١) .
وقال عن محمد ﷺ : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ - يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ - وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: ٨ - ١٠] (٢) .
стр. 57
ترغيب فيما وعد الله من حسن الجزاء في الدنيا، وحسن العافية في الآخرة: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣] (١) .
وترهيب من وعيد الله وغيرته على حرماته، والخوف من أليم عقابه عاجلا وآجلا: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] (٢) .
وبعد أيها القارئ الكريم: فلعله بملاحظة هذه المعالم وأمثالها يتحقق الخير وترشد المسالك وتؤتي الحكمة خيرها:
стр. 58
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩] (١) .
والنفوس تملك قدرا كبيرا من التأهيل في قبول ما عند الدعاة، وهي تحب سماع كلام الله وكلام رسول الله ﷺ وتستفيد من المواعظ، وهي قريبة من الخير مستعدة له فليفقه هذه السنن الدعاة إلى الله، وليحملوا الناس على توجيهات الشرع لا على جلبة الشارع وغوغاء العامة، وليتجنبوا المزالق والمنعطفات الخطيرة التي يتعمد أعداء الملة من الكفار والمنافقين وضعها في الطريق.
وفق الله الجميع إلى سبيل الهدى، وأصلح الأعمال والمقاصد.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
تمت