← Общие книги

Общие книги · id 30955

مفهوم الحكمة في الدعوة

صالح بن حميد

Полный текст (58 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[المقدمة] مفهوم الحكمة في الدعوة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد: فهذه كلمات في الحكمة والدعوة دعا إليها - في تقديري - ما يلحظ في الساحة من نشاط يقوم به رجال أفاضل يدعون إلى الله، ويلاقون في دعوتهم ما يلاقيه من يقوم بمهمتهم في الماضي والحاضر وفي كل حين، فهي سنة الله في الحاضرين والغابرين. والدعوة إلى الله هي طريق المرسلين. وقد لاقى أنبياء الله في ذلك ما لاقوا من العنت والصدود والإباء والاستكبار من لدن فئات كثيرة، وطبقات كبيرة من الملأ الذين استكبروا ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١) .

стр. 2

وفي هذه الكلمات سوف ينحصر الكلام على الحكمة بيانا لمعناها وإيضاحا لمدلولاتها. ذلك أن الحكمة إذا اقترنت بالدعوة فإنها تقوي الأمل واليقين، وترتفع بالمدعوين إلى مستوى الشعور بالمسئولية والتكليف، وإذا ما تأكد فيها هذا الشعور فسوف تتغير طباعهم وتعتدل مسالكهم ويصح توجيههم. فحق على الداعي إلى الله أن يعمل على إيقاظ هذا الشعور. هذا وسوف أعرض إلى تعريف كل من الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، ثم العوامل التي تحقق مفهوم الحكمة: من ضرورة معرفة طبائع الناس، وطبقات المدعوين، والنظر في الظروف الزمانية والمكانية، والأساليب القولية والعملية.

стр. 3

[تعريف الحكمة] تعريف الحكمة الحكمة مأخوذ من الحكمة - بفتح الكاف والميم - وهو ما يوضع للدابة كي يذللها راكبها فيمنع جماحها. ومنه اشتقت الحكمة قالوا: لأنها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل (١) . والحكمة في حقيقتها: وضع الأشياء في مواضعها. وهذا تعريف عام يشمل الأقوال والأفعال وسائر التصرفات، ولعلك أخي الفاضل تدرك أن الحكمة التي نرمي إلى بيانها في هذه المقالة هي الحكمة التي ينبغي أن يتصف بها القائم بالدعوة إلى الله، ومن أجل هذا فهي غالبا ما تكون قولا في علم وموعظة أو تصرفا نحو الآخرين من أجل دفعهم إلى الخير أو صرفهم عن الشر.

стр. 4

وفي هذا المفهوم. يقول ابن زيد: (كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة) . وأدق من هذا قول أبي جعفر محمد بن يعقوب: (كل صواب من القول ورث فعلا صحيحا فهو حكمة) . وفي تعريفات الجرجاني: (كل كلام وافق الحق فهو حكمة) . وفي قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] (١) . ربطت الآية الكريمة بين الحكمة والخير، ووجه هذا الارتباط أن الحكمة تشمل المعاني الصائبة من السداد في القول والفعل.

стр. 5

وبمعنى آخر: فإن الحكمة إتقان العلم وإجراء الفعل على وفق ذلك العلم، ومن شاء إيتاءه هذه الحكمة - أي خلقه مستعدا لذلك قابلا له، من سلامة التفكير واعتدال القوى والطبائع - فيكون قابلا لفهم الحقائق منقادا إلى الحق إذا لاح له، لا يصده عن ذلك هوى ولا عصبية ولا مكابرة ولا أنفة. ثم ييسر له أسباب ذلك من حضور الدعاة وسلامة البقعة من المعاندين العتاة، فإذا انضم إلى ذلك توجهه إلى الله بأن يزيد أسبابه تيسيرا، ويمنع عنه ما يحجب الفهم فقد كمل له التيسير. وحينئذ يتحقق له الخير الكثير في قوله سبحانه: ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] فالخير الكثير منجر إليه سداد الرأي والهدى الإلهي، ومن تفاريع هذا الخير ما يتولد من قواعد الحكمة التي تعصم من الوقوع في الغلط والضلال بمقدار التوكل في

стр. 6

فهمها واستحضار مهمها. لأنك إذا تتبعت ما يحل بالناس من المصائب تجد معظمها من جراء الجهالة والضلالة والرأي الآفن، وبعكس ذلك فإن ما يجتنيه الناس من المنافع والملائمات مجتلب من المعارف والعلم بالحقائق، ولو علم الناس الحق على وجهه لاجتنبوا مواقع البؤس والشقاء (١) . يتبين من مجموع ما سبق أن الحكمة كلمة عامة تشمل الأقوال التي فيها إيقاظ للنفس ووصاية بالخير، وإخبار بتجارب السعادة والشقاوة، وكليات جامعة لأصول الآداب. . . فهي معرفة خالصة من شوائب الأخطاء وبقايا الجهل في تعليم الناس وتهذيبهم وتوجيههم. إنها اسم جامع لكل كلام أو علم يراعى فيه إصلاح

стр. 7

حال الناس واعتقادهم إصلاحا مستمرا لا يتغير (١) . [إطلاقات الحكمة] إطلاقات الحكمة وردت كلمة الحكمة في نصوص الشرع مرادا بها ما يخدم المعنى السابق. فوردت مرادا بها: الكتب السماوية من القرآن والإنجيل وغيرها. ومرادا بها: النبوة، والهدى، والرشاد، والعدل، والعلم، والحلم والتفقه (٢) .

стр. 8

[الموعظة الحسنة] الموعظة الحسنة يلحظ في التعريف السابق للحكمة أن الموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن داخلان في مفهوم الحكمة. ولكن يحسن تخصيصهما بمزيد تعريف وإيضاح لأن المقام مقام بسط لمفهوم الحكمة، وقد جاءا مخصوصين بالذكر في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (١) . وإذا كانا داخلين في معنى الحكمة بالمعنى السابق فيكون عطفهما في الآية الكريمة من عطف الخاص على العام. والأصل في الموعظة أنها: القول الذي يلين نفس المخاطب ليستعد لفعل الخير والاستجابة له.

стр. 9

والموعظة في معناها تدل على ما يجمع الرغبة بالرهبة والإنذار بالبشارة ولهذا قال ابن عطية: (الموعظة الحسنة: التخويف والترجئة والتلطف بالإنسان بأن تجله وتنشطه وتجعله بصورة من يقبل الفضائل) (١) . ويشير الزمخشري إلى معنى لطيف في هذا حين يقول: (إن الموعظة الحسنة هي التي لا تخفى عليهم أنك تناصحهم بها وتقصد ما ينفعهم) . والخلاصة أنها: تذكير بالخير فيما يرق له القلب (٢) . وهذه إشارة جميلة عرض لها أهل العلم في السر في وصف الموعظة بالحسنة ولم يرد ذلك في الحكمة فقد قالوا: قيدت الموعظة بالحسنة ولم تقيد الحكمة

стр. 10

لأن الحكمة هي تعليم لمتطلبي الكمال من معلم يهتم بتعليم طلابه فلا تكون إلا في حالة حسنة فلا حاجة إلى التنبيه على أن تكون حسنة. أما الموعظة الحسنة فلما كان المقصود منها غالبا ردع نفس الموعظ عن أعمال سيئة أو عن توقع ذلك منه، كانت مظنة لصدور غلظة من الواعظ ولحصول انكسار في نفس الموعوظ. ومن الوعظ الحسن إلانة القول وترغيب الموعوظ في الخير: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى - فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤] (١) . [الجدال بالتي هي أحسن] الجدال بالتي هي أحسن الجدل في أصله: الاحتجاج لتصويب رأي ورد ما يخالفه. فهو حوار وتبادل في الأدلة ومناقشتها. وهو حال

стр. 11

أوسع من الخصام والمخاصمة على أن المخاصمة نوع جدل من حيث هي تراد في الكلام والحجج. ومن أجل هذا قال الجرجاني في تعريفاته: الجدل: دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبهة أو بقصد تصحيح كلامه، قال: وهو الخصومة في الحقيقة. غير أن الذي نعنيه هنا هو الجدال والمحاجة والحوار بما لا يرقى إلى الخصومة، إلا إذا اعتبرنا الجدال مع الظالمين خصومة؛ لأنه قد تجرد منه نعت الحسن، وإذا احتاج رجل الدعوة إلى الجدال فليكن بالتي هي أحسن. وقريب من التوجيه المذكور في الموعظة الحسنة يقال هنا. ويكون حسن الجدال في الالتزام بموضوعيته، وبعده عن الانفعال، والترفع عن المسائل الصغيرة في مقابل القضايا الكبرى، حفظا للوقت وعزة

стр. 12

للنفس وكمالا للمروءة، مع الحرص على الرفق واللين، والبعد عن الفظاظة والتعنيف، ويدخل في الجدل الحسن كما يقول الطاهر بن عاشور (١) . (رد تكذيب المعاندين بكلام غير صريح في إبطال قولهم من الكلام الموجه: مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] (٢) . وقوله: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ - اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج: ٦٨ - ٦٩] (٣) . [إشارات في حلية الداعي من الصفات الباعثة للحكمة] [التقوى] إشارات في حلية الداعي من الصفات الباعثة للحكمة قبل الخوض في الكلام على الحكمة ومفهومها، وبناء على الإشارات السابقة من معنى الحكمة،

стр. 13

وما يحتاجه صاحب الدعوة من سلامة التفكير واعتدال القوى والبعد عن العصبية والمكابرة: أحب أن أشير إلى بعض الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الداعي، فمنها بتوفيق الله تنبعث الحكمة ويتحقق المقصود من تبليغ الحق على بصيرة. ومن ذلك: أ - التقوى ويقصد بها كل معانيها من فعل المأمورات وترك المنهيات والتحلي بصفات أهل الإيمان. فتقوى الله بشمولها إذا رزقها العبد، فإنها تنير القلب وتفتح المدارك، ويستبصر بها موهوبها مواطن الحق، ويهتدي بها إلى الوسائل والأساليب الصحيحة الملائمة للظروف والأحوال والأشخاص، فالعاقبة للتقوى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤] (١) . وأولياء الله

стр. 14

هم المتقون. . [الإخلاص] ب - الإخلاص وهذا باب عظيم معلوم نظريا ولكن تحقيقه - والله - إنه لعزيز. ومن حقق هذه الصفة لم يلتفت إلى نظر الناس ولا إلى أشيائهم أو تلمس مراضيهم، ويحضرني هنا قول الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: إن بعض الناس يدعو إلى الله وهو إنما يدعو إلى نفسه. وأعظم الناس مطالبة بهذه الخصلة وأشد الناس حاجة إليها العلماء والدعاة. ومن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة من ضيع هذه الخصلة، ولقد قال الغزالي ﵀ في الإحياء محذرا من الشهوة الخفية الداعية إلى الشرك الخفي: (إن الداعي قد يرى حين الدعوة والقيام بها عز نفسه بالعلم والدين، وذل غيره بالجهل والتقصير،

стр. 15

فربما قصد بالدعوة إظهار التميز على غيره، وإذلال المدعو بإشعاره - ولو من طرف خفي - بالجهل وخسة أهل الجهل والتقصير وسوء حال المقصرين) . قال: (وهذه مذلة عظيمة وغائلة هائلة، وغرور للشيطان يطوق به كل إنسان إلا من عرفه الله عيوب نفسه، وفتح بصيرته بنور هدايته. فإن في الاحتكام على الغير لذة للنفس عظيمة) . ولم يقتصر الغزالي ﵀ على هذا الإيضاح بل زاد في بيان المعيار والمحك في ذلك حيث قال: (وهناك محك ومعيار ينبغي أن يمتحن الداعي به نفسه، وهو أن يكون قيام غيره بالدعوة وإصلاح الناس واستجابتهم لغيره أحب إليه من استجابتهم له. فإن كان يود أن يكفيه غيره فهو على خير، وإن كان لا يحب ذلك لغيره من أهل العلم والدعوة فما هو إلا

стр. 16

متبع هوى نفسه، متوسل إلى إظهار جاه نفسه بواسطة دعوته. فليتق الله تعالى فيه وليدع أولا نفسه) (١) . لكن قوله: (أن يكون دعوة غيره أحب إليه من دعوته بنفسه) هذا عندي محل نظر، وبخاصة مع قوله ﵊: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم» (٢) . فالتنافس في هذا تنافس على الخير، ومع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت: ٣٣] (٣) . ويتلمس الإخلاص وصلاح النية في غير المنافسة المشروعة.

стр. 17

[العلم] ج - العلم وهو المقصود الأعظم من البصيرة في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١) . بل إن من معاني الحكمة البارزة - التي نحن بصدد الحديث عنها - العلم كما سبق. فالبصيرة تجمع العلم والحكمة وهذه الخصلة لا تحتاج إلى مزيد من بسط فهي معلومة ظاهرة، ويكفي في هذا التنبيه إلى ترجمة البخاري ﵀ في صحيحه حين قال: باب العلم قبل القول والعمل، مستدلا بقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] (٢) . قال ﵀: (فبدأ بالعلم قبل القول والعمل) .

стр. 18

وفي هذا يقول الحسن البصري ﵀ (العامل بغير علم كالسائر على غير هدى) . وفي مأثور الحكم: (من تمسك بغير أصل ذل ومن سلك طريقا بغير دليل ضل) . ويشمل العلم الفهم الدقيق لما جاء في الكتاب والسنة، وسير السلف الصالح، وفهوم أهل العلم والفقه علما وعملا. [التواضع] د - التواضع من طبائع الناس أنهم لا يقبلون من يستطيل عليهم أو يبدو منه احتقارهم أو استصغارهم، ولو كان ما يقوله حقا وصدقا. بل إن الاستعلاء سبب ظاهر في كره الحق ورفضه. ومن أجل هذا فإن التواضع ثمرة المعرفة بالله وبالنفس. يقول الخليفة أبو بكر ﵁ -

стр. 19

(لا يحتقرن أحد أحدا من المسلمين فإن صغير المسلمين عند الله كبير) وقد خاطب الله نبيه محمدا ﷺ بقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] (١) . ويقول ابن الحجاج: (من أراد الرفعة فليتواضع لله تعالى فإن العزة لا تقع إلا بقدر النزول. .) . ومما يلحق بهذا الباب العلم بأن من طبائع النفوس النفرة ممن يكثر الحديث عن نفسه أو يستجلب الثناء عليها أو يستدر لها المديح. فالفضل من الله، ومن تحدث إلى الناس فليتحدث إليهم بفضل الله لا بفضل نفسه.

стр. 20

[الحلم] هـ - الحلم ما الحلم إلا ضبط النفس عند الغضب، والنزوع إلى العقل عند ثورة الانفعال. وما هذا - وربك - إلا شارات القوة وعنوان البطولة «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (١) . ومن أحوج بهذا الخلق من رجل الدعوة الذي ميدانه صدور الرجال ونفوس البشر. ومن أبرز صور الحلم. . كظم الغيظ. . ثم يعقبه في الترقي العفو عن الناس، وتلك صفات المتقين أهل الجنة التي عرضها السماوات والأرض. ومن رزق الحلم ترقى في درجاته. . فيصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه. ويخطئ من يظن أن الحلم عجز، وأن العفو

стр. 21

ضعف، وأن الإعراض عن الجاهل خوف وخور. ولا يقول ذلك إلا من تأخذه العزة بالإثم، وهو خلق ذميم يتنافى مع الحلم كما ترى. خرج زين العابدين بن علي بن الحسين ﵁ وعن آبائه - من المسجد يوما فسبه رجل فانتدب الناس إليه. فقال: دعوه. ثم أقبل عليه فقال: ما ستره الله عنك من عيوبنا أكثر. ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل فألقى إليه خميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم فكان الرجل إذا رآه قال: إنك من أولاد الأنبياء. * * * *

стр. 22

[الغلظة والفظاظة] الغلظة والفظاظة عن سعيد بن عبد الرحمن الزبيدي قال: يعجبني من القراء (١) كل سهل طلق مضحاك، فأما من تلقاه ببشر ويلقاك بضرس (٢) يمن عليك بعلمه فلا كثر الله في الناس أمثال هؤلاء. أيها الدعاة: الناس في حاجة إلى كنف رحيم وبشاشة سمحة. بحاجة إلى ود يسعهم وحلم لا يضيق بجهلهم. بحاجة إلى من يحمل همومهم، ولا يثقل عليهم بهمومه. . يجدون في رحابه العطف والرضا. من أجل هذا جاءت الرحمة الربانية لمحمد ﷺ وهو الرسول القدوة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٣) .

стр. 23

فما غضب لنفسه قط، ولا ضاق صدره بضعفهم البشري. وأعطاهم كل ما ملكت يداه، وما نازعهم في شيء من أعراضهم، وسعهم حلمه وبره وعطفه. حينما يوهب العبد قلبا رحيما وطبعا رقيقا مع العلم والحكمة. . فإنه لا يستكثر على الصغير والجاهل أن يصدر منهما صدود عن النصح، والدنيا مليئة بمن لا يحبون الناصحين. نعم إن الداعي الحق ذا الخبرة والمراس لا يعجب من صدود الناس ونفرتهم. . لكن رحمته بهم وشفقته عليهم لا تنفك تغريه بمعاودة الكرة تلو الكرة، كما يعاود الوالدان الحريصان على أولادهما في الإلحاح بالغذاء والدواء في حالي الصحة والمرض. بل لقد

стр. 24

جاء في حديث أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد لولده» . وهل رأيت، أعظم شفقة من الوالد على ولده. وكم قابل محمد ﷺ إعراض قومه بابتهاله النبوي: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» . [من معالم الحكمة في الدعوة] [المعلم الأول طبائع النفوس وطبقات المدعوين] من معالم الحكمة في الدعوة وبعد هذه التقدمة التي أظنكم استشعرتم من خلالها بعض معالم تشير إلى مواطن الحكمة ومسالكها عن طريق معرفة حقيقة الحكمة وأبرز الصفات في رجل الدعوة. أحب أن أبسط بعض البسط في معالم أراها حقيقة بذلك: وسوف يكون هذا البسط من خلال التعرف على طبائع النفوس، وطبقات المدعوين، وتخير الأوقات،

стр. 25

وانتهاز المناسبات. ثم النظر في طرائق الدعوة وأساليبها. . من إحسان في القول، والحرص على التلميح إذا أمكن الاستغناء به عن التصريح، والقصد إلى الستر والنصيحة، والبعد قدر الإمكان عن التشهير الذي قد ينقلب إلى فضيحة مع سلوك المداراة المشروعة، وإقالة العثرات ما أمكن، وإليك أخي الفاضل بسطا لبعض هذه المعالم: * * * * المعلم الأول: طبائع النفوس وطبقات المدعوين الناس متباينون في طبائعهم، مختلفون في مدركاتهم، في العلم والذكاء، في الأمزجة والمشاعر، مختلفون في الميول والاتجاهات. مما يدعو رجل العلم والدعوة إلى تخير المدخل. . بل المداخل المناسبة لتلك النفوس المختلفة والعقول المتباينة. نعم، إن فيهم الغضوب والهادئ، وفيهم المثقف والأمي، فيهم الوجيه وغير الوجيه. بل إن ثمة كلمة لعلي ﵁ يصف فيها القلوب، كل القلوب بأنها وحشية فهو يقول: (القلوب وحشية فمن تألفها أقبلت عليه) . إنه يصورها ﵁ وكأنها دواب متوحشة لا تعرف الألفة في طبعها ويبدو هذا والله أعلم في

стр. 26

ميدان النصائح والتوجيهات. فهل رأيت من يرضى أن تنسبه إلى جهل أو عدم معرفة أو سوء في التصرف. إن الإنسان يعظم عليه أن ينسب إلى الجهل، ولذا تراه يغضب إذا نبه على الخطأ، ويجتهد في مجاهدة الحق بعد معرفته خيفة انكشاف جهله. إنها في هذا الباب تنفر إذا قرب منها، بل لعلها بدافع الدفاع عن النفس تهجم وتؤذي، ومن كان صاحب حكمة وفطنة في ترويض الوحوش فهو المفلح بتوفيق الله في هداية الناس. وصاحب الترويض الناجح هو الذي يحرص على تلمس الجانب الطيب في نفوس الناس، وتقصد إلى شيء من العطف على أخطائهم وحماقاتهم. . شيء من العناية - غير المتصنعة - باهتماماتهم وهمومهم. وسوف يصل إلى مصدر النبع الخير في نفوسهم، وحينئذ يمنحونه حبهم وثقتهم.

стр. 27

إن شيئا من سعة الصدر، والإحاطة بطبائع النفوس. . كفيل بتحقيق الخير في الناس بنتيجة لا يظنها الكثيرون، ينبني على ذلك ملاحظة استيعاب المدعو وسعة مداركه، فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله فيوقعه إما في النفرة والشرود، وإما في التخبط الفكري والدخول في غياهب الفتن. وفي ذلك يقول ابن مسعود ﵁. (ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) . ويقول علي ﵁: (حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله) . * * * *

стр. 28

[المعلم الثاني تخير الأوقات وانتهاز المناسبات] المعلم الثاني: تخير الأوقات وانتهاز المناسبات هذا معلم كبير ومؤثر من معالم الحكمة وتلمسها، يبلور ذلك كلمة جامعة لعبد الله بن مسعود ﵁: (إن للقلوب شهوة وإقبالا وفترة وإدبارا، فخذوها عند شهوتها وإقبالها، وذروها عند فترتها وإدبارها) وقد كان ﵁ يذكرهم كل خميس، فقال رجل: لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، فقال: (أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما «كان رسول الله ﷺ يتخولنا مخافة السآمة علينا» (١) . ولأمر ما، كان نزول كتاب ربنا منجما ومفرقا على المناسبات والأحداث والأزمنة والأمكنة. وأنت خبير أن إقبال الناس في رمضان يختلف عنه

стр. 29

غيره، وقل مثل ذلك في المناسبات المختلفة، والأحداث المتجددة من وقائع الأفراح أو حلول المصائب، فأخذ الناس بهذا ومراعاة تقلبات الدهر من حولهم يدرك به سرا عظيما في التأثير والاستجابة، وإن شئت مزيدا في هذا فانظر في الأوقات والأحوال التي يتأكد فيها استحباب الدعاء. . كأوقات السحر، ونزول الغيث، والتقاء الجيوش. وإن رغبت في واقعة فانظر في حكمة يوسف ﵇ حين استغل الفرصة مع الفتيين عند تعبير رؤياهما وظروف سجنهما فدعاهما إلى الله الواحد الأحد. ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ - مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٣٩ - ٤٠] (١) .

стр. 30

يلتحق بذلك مراعاة الأعراف والتقاليد المرعية والطبائع في الحرف والصناعات. وقد يكون فيما أشار إليه أهل العلم ﵏ من تنوع معجزات أنبياء الله ومناسباتها مع ما يسود البيئات من علوم ومعارف كعصا موسى ﵇ في بيئات السحرة، وإبراء عيسى ﵇ في بيئات الطب، وكتاب محمد ﷺ في بلاغة العرب ما يشير إلى ما قصدناه. * * * *

стр. 31

[المعلم الثالث مراعاة التدرج وترتيب الأولويات] المعلم الثالث: مراعاة التدرج وترتيب الأولويات ما قيل في طبقات المدعوين، وطبائع النفوس، وملاحظة المناسبات. . يقابله نظر آخر في المدعو إليه فلا شك أن الحكمة تقتضي النظر في متدرجات أمور الدعوة، لأخذ الناس بالأول فالأول. فقضايا العقيدة وأصول الملة والديانة تأتي في المقام الأول. فهي إن لم تصح في العبد، فلن يجدي فيه الصنيع الحسن والعمل الطيب: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥] (١) . ففي الدعوة كليات وجزئيات، وواجبات

стр. 32

ومستحبات ومحرمات ومكروهات، وقضايا كبرى وصغرى. . كل يجب أن تعرف مواقعها وتوضع في مواضعها. وأظن الأمر أوضح من أن يبسط القول فيه، وخذوا دليلا: منهاج مندوب الدعوة ومبعوثها إلى اليمن معاذ بن جبل ﵁ وقد رسم له الرسول ﷺ هذا المنهج حين قال له: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فإن هم أطاعوا لك بذلك. . فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك. . فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» . . " (١) .

стр. 33

[معالم الحكمة في أساليب الدعوة] [المعلم الأول القول الحسن] معالم الحكمة في أساليب الدعوة يقصد بالأساليب هنا ما يتعاطاه رجل الدعوة من طرق وصيغ يتوصل من خلالها إلى إبلاغ الحق إلى الناس، وتبصيرهم بما ينفعهم ودفع ما يضرهم. وهذه الأساليب في جملتها قولية كلامية، أو تعامل مباشر مع المدعوين في ترفق ولين، وغض عن الهفوات، وسلوك نهجي الترغيب والترهيب، والشدة واللين. وهذا شيء من بسط لهذه الأساليب: * * * *

стр. 34

المعلم الأول: القول الحسن إذا أحكم صاحب الدعوة قوله وسدد لفظه فقد أوتي من الحكمة بابا عظيما. يقول الله : ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] (١) . ويقول طلحة بن عمر: قلت لعطاء: إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة وأنا رجل في حدة فأقول لهم بعض القول الغليظ؟ فقال: لا تفعل. يقول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] يقول عطاء: فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي!! وأورد القرطبي في تفسيره على هذه الآية حديثا عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «يا عائشة لا تكوني فحاشة فإن الفحش لو كان رجلا

стр. 35

لكان رجل سوء» (١) . ويعلق القرطبي ﵀ فيقول: وهذا حض على مكارم الأخلاق فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينا، ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر، والقريب والغريب من غير مداهنة. ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه. . إلخ (٢) . والقول يكون حسنا وحكمة بقدر ما يعتني بأصول الكلام، ويبتعد عن فضوله. . يتحرك بنبضات القلب الحي، وهواجس النفس الصادقة. ويحسن الكلام حين يكون قصدا عدلا ليس بالإيجاز المخل ولا الطويل الممل، وقد كانت خطبه ﵊ قصدا كما في الحديث الصحيح

стр. 36

عند مسلم من رواية جابر بن سمرة ﵁. وتأملوا في هذا الحوار الهادئ، والقول الحسن في الجدال الحسن: «فهذا حصين الخزاعي والد عمران كانت قريش تعظمه وتجله فطلبت منه أن يكلم محمدا ﷺ في آلهتها فقد كان محمد يذكرها ويسبها. فجاء حصين ومعه قريش حتى جلسوا قريبا من باب النبي ﷺ ودخل حصين فلما رآه النبي ﷺ قال: أوسعوا للشيخ، فقال حصين: ما هذا الذي بلغنا عنك؟ أنك تشتم آلهتنا. فقال: يا حصين كم تعبد من آله؟ قال سبعا في الأرض، وواحدا في السماء. فقال: فإذا أصابك الضر فمن تدعو؟ قال: الذي في السماء. قال: فإذا هلك المال من تدعو؟ قال: الذي في السماء. قال: يستجيب لك وحده وتشرك معه؟ يا حصين أسلم تسلم، فأسلم فقام إليه ولده عمران فقبل رأسه ويديه ورجليه. فلما أراد حصين الخروج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 37

شيعوه إلى منزله» (١) . عجبا! دخل كافرا ناقما منتقما. . فخرج مسلما صادقا. ليت شعري كيف كان حال قريش مع صاحبها ووجيهها!! ويدخل في ذلك: القول اللين الذي يستثير النوازع البشرية ووشائج القربى، وعبارات الحنو والشفقة، فإبراهيم ﵇ ينادي أباه بكلمات شفوقة. ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا - يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا - يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا - قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا - قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٣ - ٤٧] (٢) .

стр. 38

وكل نبي يقول لقومه: يا قوم تذكيرا بأواصر القربى ومواطن الحب والشفقة. ومحمد ﷺ يقول لقومه في كلمة رقيقة في دعوة رفيقة: «إن الرائد لا يكذب أهله والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم ولو غششت الناس جميعا ما غششتكم» . [المعلم الثاني التصريح والتعريض] المعلم الثاني: التصريح والتعريض ومن القول الحسن الجنوح إلى التعريض والتلميح دون التصريح. فالتصريح يهتك حجاب الهيبة، ويورث الجرأة على الهجوم، والتبجح بالمخالفة، ويهيج على الإصرار والعناد.

стр. 39

أما التعريض فيستميل النفوس الفاضلة، والأذهان الذكية، والبصائر اللماحة. قيل لإبراهيم بن أدهم: الرجل يرى من الرجل الشيء أو يبلغه عنه، أيقوله له؟ قال: هذا تبكيت، ولكن تعرض. وكل ذلك من أجل رفع الحرج عن النفوس، واستثارة داعي الخير فيها. كيف والتعريض سنة محفوظة عن النبي ﷺ في مخاطبة أصحابه: «ما بال أقوام يفعلون كذا ويقولون كذا» . [المعلم الثالث النصيحة لا الفضيحة] المعلم الثالث: النصيحة لا الفضيحة أردت تخصيص النصيحة بالذكر هنا وإن كانت داخلة في كل ما سبق. . بل النصيحة مقصود أعظم في الدعوة. إن لم تكن هي الدعوة كلها. ولكن المراد هنا الإشارة إلى آداب النصيحة

стр. 40

كمظهر من مظاهر الحكمة في الدعوة، وبخاصة إذا ما حاولنا البعد بالنصيحة عن أن تكون تشهيرا وفضيحة. يوضح ذلك في ما رمناه الحافظ ابن القيم ﵀ حين يقول: (والنصيحة إحسان إلى من تنصحه بصورة الرحمة والشفقة عليه والغيرة له، وعليه فهو إحسان محض يصدر عن رحمة ورقة، مراد الناصح بها وجه الله ورضاه والإحسان إلى خلقه. . .) . فهي دعوة إصلاح يجب أن يتمخض فيها الإخلاص لله، مع المحافظة على مشاعر المنصوح على نحو ما سبق في المعالم السابقة لئلا ينقلب النصح مخاصمة وجدالا وشرا ونزاعا. يؤكد جانب الدقة في هذا الأمر أن ذكر الإنسان بما يذكره هو على أصل التحريم. وقد قيل لبعض السلف: (أتحب أن يخبرك أحد بعيوبك فقال: إن كان يريد أن يوبخني فلا) .
следующие страницы →