← Общие книги

Общие книги · id 31061

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (١) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] (٢) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٣). أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. لا شك أن الله تعالى ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه وحده لا شريك له، كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (٤). ولما كانت العبادة لا يمكن أن تُعرف أحكامها على التفصيل، أرسل الله الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنزل عليهم الكتب؛ لبيان الأمر الذي خلِقَ من أجله الإِنس والجن؛ ولإيضاحه وتفصيله لهم حتى يعبدوا الله على بصيرة، فقاموا بواجبهم على الوجه الأكمل، عليهم الصلاة والسلام، قال الله- : ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] (٥). ثم ختم الله تعالى الرسل

стр. 3

بأفضلهم وإمامهم وسيدهم نبينا محمد بن عبد الله، عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده، ودعا إلى الله على بصيرة سرّا وجهرا، ليلا ونهارا. عملا بقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١). وهذه طريقته ومسلكه وسنته، يدعو إلى الله على بصيرة ويقين، وبرهان عقلي وشرعي (٢) فصلوات الله وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار. ورغبة في السير على طريق النبي ﷺ في دعوته إلى الله تعالى على بصيرة، والاهتداء بهديه، فقد شرع قسم الدعوة والاحتساب بكلية الدعوة والإِعلام في إعداد موسوعة دعوية لدراسة الأحاديث النبوية دراسة دعوية متكاملة تعتمد صحيح الإِمام البخاري أساسا ومنطلقا لها، وقد أحببت المشاركة في هذه الموسوعة المباركة، وكان نصيبي بفضل الله تعالى دراسة: " فقه الدعوة " في صحيح الإمام البخاري من أول كتاب الوصايا إلى نهاية كتاب الجزية والموادعة. وأسأل الله التوفيق والتسديد والإعانة. أما التعريفات والحدود، وأهمية الموضوع، وتقسيم الدراسة فعلى النحو الآتي: * أولا: التعريفات والحدود فقه الدعوة: جملة تتكون من جزئين: الفقه، والدعوة. أ- الفقه لغة: العلم بالشيء والفهم له، والفطنة، وغلب على علم الدين لسيادته، وشرفه، وفضله على سائر أنواع العلم (٣). والفقه في الأصل: الفهم، يقال: أُوتي فلان فقها في الدين: أي فهما فيه (٤).

стр. 4

قال الله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] (١). وقال تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١] (٢). ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] (٣). ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] (٤). ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] (٥). ويقال: فَقِهَ الرجل يفقَهُ فِقْها: إذا عَلِمَ وفَهِمَ، وفَقُهَ: إذا صَارَ فَقيِها عالما (٦) ويقال: فَقِه الأمرَ، فَقَها وفِقْها: أحسن إدراكه (٧) والجمع فقهاء، وفَقهَهُ، كعلمه، فَهِمَهُ، وفقَهَه تَفقيها: علمه (٨). ب- الفقه اصطلاحا: له عدة تعريفات يفسر بعضها بعضَا، منها: * العلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية الفرعية، بالنظر والاستدلال (٩). ج- الدعوة لغة: الطلب، يقال: دعا بالشيء طلب إحضاره، ودعا إلى الشيء: حث على قصده، ودعوت زيدا: ناديته وطلبتُ إقباله، ودعا فلانا: صاح به وناداه، ودعاه إلى الأمير: ساقه إليه، ويقال: دعاه إلى الصلاة، ودعاه إلى القتال، ودعاه إلى المذهب: حثه على اعتقاده وساقه إليه، وتداعى القوم: دعا بعضهم بعضا حتى يجتمعوا (١٠). د- الدعوة اصطلاحا: ورد لها عدة تعريفات يكمل بعضها بعضا، منها:

стр. 5

١ - " الدعوة إلى الله هي: الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله، بتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا، وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والدعوة إلى الإِيمان: بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإِيمان بالقدر خيره وشره، والدعوة إلى أن يعبد العبد ربه كأنه يراه " (١). ٢ - " العلم الذي به تعرف كافة المحاولات الفنية المتعددة الرامية إلى تبليغ الناس الإسلام بما حوى: من عقيدة، وشريعة، وأخلاق " (٢). هـ- " فقه الدعوة ": هو استنباط، وفهم تاريخ الدعوة، وأسبابها، وأركانها، وأساليبها، ووسائلها، وأهدافها، ونتائجها: استنباطا وفهما على ضوء الكتاب، والسنة، وفهم السلف الصالح، يُمَكِّن الدعاة إلى الله تعالى من عرضها بأحسن طريقة، وأكثر ملاءمة لمن توجه إليهم الدعوة في مختلف بيئاتهم، ومتباين ألسنتهم، ولغاتهم، ومتعدد أجناسهم (٣) عملا بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (٤). وأما التعريف بصحيح البخاري وترجمته فيأتي في المدخل إن شاء الله (٥). * ثانيا: أهمية الموضوع ١ - إن ربط الدعوة بالكتاب والسنة من أهم المهمات وأعظم القربات؛ لأن الله أمر بالرد إليهما عند التنازع والاختلاف، ولولا أن في كتاب الله تعالى وسنة

стр. 6

رسوله ﷺ ، فصل النزاع لما أمر الله بالرد إليهما (١). قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (٢). وقال تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (٣). وقال : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] (٤). وقال : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (٥). وهذا كله يؤكد أهمية فقه الدعوة من الكتاب والسنة، والعناية بهما: فهما، وحفظا، وعملا، عقيدة، وأخلاقا، وتعليما للناس ودعوة، فهما المنبعان الصافيان، من أخذ بهما سعد وفاز في الدنيا والآخرة، ومن أعرض عنهما وعن هديهما خاب وخسر، وضل مسعاه وتشتت شمله؛ ولهذا قال ﷺ : «تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله [وسنة نبيه]» (٦). ولا شك أن معرفة فقه الدعوة في السنة المطهرة من دين الله (٧) الحق الذي أرسل به رسوله ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩] (٨). ٢ - إن فقه الدعوة إلى الله تعالى فقه مبنيّ على فهم السنة المطهرة، - وذلك باستنباط أسس الدعوة وركائزها التي تقوم عليها- من أهم المهمات؛ لأن

стр. 7

ذلك يدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١). فالدعوة يجب أن تكون على بصيرة، ويقين وبرهان عقلي وشرعي (٢) ولا تكون كذلك إلا إذا كانت على علم وبيان من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . والداعية لا يكون على بصيرة إلا إذا دعا إلى الله على بصيرة في ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن يكون على بصيرة فيما يدعو إليه، وذلك بالعلم لا بالجهل. الأمر الثاني: أن يكون على بصيرة في حال المدعو، فلا بد من معرفة حال المدعو؛ ليدعوه بالطريقة والكيفية التي تناسبه، وتكون أكثر فائدة له، وتأثيرا فيه. الأمر الثالث: أن يكون على بصيرة في كيفية الدعوة (٣). ٣ - إن التفرق الذي يقع بين الدعاة ما وقع إلا لعدم فقه الدعوة من الكتاب والسنة وفق فهم السلف الصالح، فمن هنا تأتي أهمية العناية بفقه الدعوة في السنة النبوية. ٤ - إن أصح الكتب بعد القرآن الكريم العزيز، الصحيحان: صحيح الإمام البخاري، وصحيح الإمام مسلم - رحمهما الله- (٤). ومن هذين الكتابين اخترت المشاركة في فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري ﵀؛ لأن (كتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة؛ وقد صح أن مسلما كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث، قال الإمام النووي ﵀: " وهذا الذي ذكرناه من ترجيح كتاب البخاري هو المذهب المختار الذي قاله الجماهير وأهل الإتقان والحذق والغوص على أسرار الحديث " (٥).

стр. 8

ويقول الحافظ ابن كثير ﵀ عن ترجيح صحيح البخاري ﵀ على صحيح مسلم ﵀: " والبخاري أرجح؛ لأنه اشترط في إخراجه الحديث في كتابه هذا: أن يكون الراوي قد عاصر شيخه وثبت عنده سماعه منه، ولم يشترط مسلم الثاني، بل اكتفى بمجرد المعاصرة. ومن هاهنا ينفصل النزاع في ترجيح تصحيح البخاري على مسلم كما هو قول الجمهور، خلافا لأبي علي النيسابوري شيخ الحاكم، وطائفة من علماء المغرب " (١). ومن هنا أيضا يكتسب هذا الموضوع أهمية أخرى، وهو ارتباطه بأصح كتب السنة، وأكثرها فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة. وإدراكا لهذه الأهمية فقد شرع قسم الدعوة والاحتساب في الكلية في إعداد موسوعة دعوية متكاملة تعتمد هذا الكتاب أساسا ومنطلقا لها، وكان القسم المخصص لي من الصحيح، من أول كتاب الوصايا إلى نهاية كتاب الجزية والموادعة، ومجملها (١٩٢) حديثا (٢). ٥ - تبرز أهمية دراستي لهذه الأحاديث النبوية دراسة دعوية في الأمور الآتية: أ- اختصاص معظم أحاديث الدراسة في موضوع مهم من موضوعات الدعوة إلى الله تعالى، وهو الجهاد في سبيل الله تعالى، ومعلوم أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وكتاب فرض الخمس، والجزية والموادعة، وقبل ذلك كله الوصايا. ب- اشتملت أحاديث كتب الدراسة على فوائد دعوية مهمة: منها ما يتعلق بالداعية إلى الله، ومنها ما يتعلق بالمدعو، ومنها ما يتعلق بموضوع الدعوة، ومنها ما يتعلق بوسائل الدعوة وأساليبها، ومثال ذلك حديث جبير بن مطعم ﵁ «أنه بينما هو يسير مع رسول الله ﷺ ومعه الناس مقبلا من حنين علقت برسول الله ﷺ الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة، فخطفت رداءه، فوقف رسول الله ﷺ فقال: " أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاه

стр. 9

نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا» (١). فقد اشتمل هذا الحديث على أركان الدعوة كلها: فموضوع الدعوة فيه: دعوة الأمة إلى مكارم الأخلاق، وأصول الحِكَم، وفيه صفات الداعية: من الحلم، والكرم، والصبر، والصدق، والشجاعة، وفيه أدب المدعو وأنه ينبغي له أن يلتزم الأدب مع الداعي، وفيه من وسائل الدعوة القدوة الحسنة، وفيه أسلوب الرفق واللين، فقد اشتمل الحديث على جميع أركان الدعوة، وهكذا في أحاديث الموضوع الأخرى. * ثالثا: أهداف الدراسة ١ - تقديم دراسة تأصيلية في علم فقه الدعوة، وحديثها ومادتها من حديث رسول الله ﷺ ، الذي أمرنا الله بالاقتداء به، والذي قال في شأنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] (٢) وذلك بدراسة أصح كتاب عنه دراسة دعوية؛ ليكون في متناول طلاب العلم والدعاة إلى الله . ٢ - كشف الفوائد والمعارف والفقه الدعوي في الجزء المحدد للباحث من صحيح الإمام البخاري. ٣ - تأصيل مبدأ الرجوع إلى النصوص الشرعية من الكتاب والسنة الصحيحة وفهم السلف الصالح عند كل قضية، وبخاصة في قضايا الدعوة التي تكاثر فيها رجوع الناس إلى آراءٍ فَرَّقَتْهُمْ شيعا. ٤ - توفير وإيجاد المراجع المعتمدة على الأحاديث الصحيحة للدعاة وطلبة العلم وذلك بدراسة الأحاديث دراسة دعوية، واستنباط الفوائد في فقه الدعوة من أصح الأحاديث.

стр. 10

* رابعا: أسباب اختيار الموضوع هذا وقد دعاني إلى اختيار هذا الموضوع، عدة أسباب، منها: ١ - فقه الدعوة إلى الله تعالى في صحيح الإمام البخاري بحاجة إلى من يبرزه في صورة ميسرة؛ ليستفيد منه الدعاة إلى الله تعالى؛ لأنه لم يحظ بعدُ بمؤلَّفٍ مستقل شامل يعالج الموضوع من جميع جوانبه، في دراسة علمية دقيقة متكاملة، فالموضوع لم يكتب فيه- حسب علمي- ما يفي بالغرض المنشود، وهو جدير بالبحث والعناية. ٢ - الرغبة في الارتباط بكتب السنة النبوية المشرفة، وخصوصا منها كتاب الجامع الصحيح للإمام البخاري ﵀ وذلك للاقتداء برسول الله ﷺ ، وفي ذلك عبادة لله تعالى وهداية منه، وتنفيذ لأمره، يقول تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] (١). ٣ - كثرة الفوائد والمعارف الظاهرة والغامضة في صحيح الإمام البخاري ﵀ كما ذكر ذلك العلماء (٢). ٤ - الإسهام والرغبة في المشاركة في خدمة سنة رسول الله ﷺ ، ودراستها دراسة دعوية؛ لتفيدني، وتفيد القائمين على الدعوة إلى الله تعالى في العصر الحاضر- إن شاء الله تعالى-. ٥ - تقديم علاج لما قد يحدث بين الدعاة من خلاف وتنازع في بعض قضايا الدعوة ومناهجها. . وذلك من خلال الردِّ إلى سنة رسول الله ﷺ التي هي أحد الحَكَميْنِ اللذين أُمِرْنا بالرد إليهما عند التنازع والاختلاف، وهما كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، يقول العلامة ابن سعدي ﵀: " وهذا هو الواجب عند التنازع والاختلاف، أن يُرد إلى الله ورسوله ﷺ . ولولا أن في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، فصل النزاع، لما أمر الله بالرد إليهما (٣) إذ

стр. 11

يقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (١). ولهذه الأهمية البالغة؛ ولهذه الأسباب وغيرها أحببت أن يكون موضوع رسالتي في درجة الدكتوراه- إن شاء الله تعالى- في " فقه الدعوة إلى الله " في صحيح الإمام البخاري ﵀ من أول كتاب الوصايا إلى نهاية كتاب الجزية والموادعة، والله أسأل التوفيق والسداد. * خامسا: موضوع الدراسة لا شك أن الدعوة قديمة قدم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ولكن التخصص في دراسة أصول الدعوة علم ناشئ، وما زال في مرحلة التأصيل، وأعظم كتاب بعد كتاب الله للتأصيل والتوثيق، هو صحيح الإمام البخاري ﵀ لمنزلته العظيمة بين العلماء والدعاة، وهذا الكتاب ذكر فيه مؤلفه بعض ما صح عنده من سنة رسول الله ﷺ ، وأدرج فيه شيئا من فقهه من خلال عناوين كتبه وأبوابه. ويستفاد من دراسة أحاديث هذا الكتاب دراسة دعوية، التأصيل والتوثيق واستنباط الفقه والأحكام والقواعد الدعوية، وعلاج الخلاف والنزاع الذي قد يقع بين بعض الدعاة إلى الله تعالى، مما يساعد على نجاح الدعوة، وتحقيق النتائج المرجوة منها، إن شاء الله تعالى. * سادسا: تساؤلات الدراسة س ١ - ما الفقه الدعوي في جهود البخاري ﵀ في الصحيح؟ س ٢ - ما الفقه الدعوي في كتاب الوصايا؟ س ٣ - ما الفقه الدعوي في كتاب الجهاد والسير؟ س ٤ - ما الفقه الدعوي في كتاب فرض الخمس؟

стр. 12

س ٥ - ما الفقه الدعوي في كتاب الجزية والموادعة؟ س ٦ - ما المنهج الدعوي المستخلص من الدراسة المتعلق بالداعية؟ س ٧ - ما المنهج الدعوي المستخلص من الدراسة المتعلق بالمدعو؟ س ٨ - ما المنهج الدعوي المستخلص من الدراسة المتعلق بموضوع الدعوة؟ س ٩ - ما المنهج الدعوي المستخلص من الدراسة المتعلق بوسائل الدعوة وأساليبها؟ * سابعا: منهج الدراسة تقوم هذه الدراسة على المنهج الاستدلالي الاستنباطي الذي عرف بأنه عملية عقلية منطقية ينتقل فيها الباحث من قضية واحدة، أو عدة قضايا إلى قضية أخرى، تستخلص منها مباشرة دون اللجوء إلى تجربة (١). وقد راعيت الأمور الآتية: ١ - عزوت الآيات القرآنية إلى سورها، وذكرت اسم السورة، ورقم الآية في الهامش. ٢ - خرجت الأحاديث في شرح الفوائد من المصادر الأصلية، واقتصرت في حديث الدراسة على تخريج أطرافه في صحيح البخاري وتخريجه من صحيح مسلم إذا كان متفقا عليه. أما الزيادات فاكتفيت بتخريجها مع أصل الحديث، وأشرت إلى رقم أطرافها عند إيرادها. ٣ - حرصت على الرجوع إلى المصادر الأصلية مباشرة، ورجعت إلى أكثر من مصدر في المسألة الواحدة ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وقد أشير عند الضرورة إلى بعض المراجع المتأخرة للاستئناس لا للاعتماد، وذلك قليل جدا. ٤ - حاولت الاقتصار في الاستشهاد في شرح الفوائد على الحديث الصحيح أو الحسن. ٥ - أشرت إلى من صحح الحديث أو حسنه من العلماء إذا كان في غير الصحيحين.

стр. 13

٦ - حرصت على كتابة الآيات بالرسم العثماني من مصحف المدينة النبوية مشكلة. ٧ - ضبطت أحاديث الدراسة بالشكل الكامل. ٨ - ذكرت كل طرف فيه زيادة دعوية مقتصرا على الزيادة التي فيها فائدة دعوية مستقلة على قدر الإمكان. ٩ - ذكرت الفوائد الدعوية في كل حديث إجمالا، ثم تفصيلا. ١٠ - استخرجت الدروس والفوائد الدعوية التي اشتمل عليها كل حديث، مرتبة على حسب ورودها في الحديث، واعتنيت عناية خاصة بما يتعلق: بالداعي، والمدعو، وموضوع الدعوة، وأساليبها، ووسائلها، وتاريخ الدعوة، وميادينها، وخصائصها، ودلائل النبوة، وآداب الجدل، مع المحافظة على الصبغة الدعوية في ذلك كله، ما استطعت إلى ذلك سبيلا. ١١ - إذا وردت الفائدة الدعوية لأول مرة حاولت إيضاحها وإذا جاءت الفائدة نفسها في حديث لاحق ذكرتها بإيجاز وأحلت إلى موضعها السابق. ١٢ - رقمت أحاديث الدراسة أرقاما متسلسلة، وجعلت رقم الحديث في صحيح البخاري على يسار الرقم المسلسل بين معكوفين، ثم كتبت ذلك في أعلا كل صفحة بخط صغير؛ ليسهل الرجوع إلى كل حديث عند الإحالة إليه في أسرع وقت ممكن. ١٣ - حرصت على أن تكون إحالاتي في أصل هذا البحث إلى أرقام أحاديث موضوع الدراسة مع الإشارة إلى رقم الدرس المحال إليه، ما استطعت إلى ذلك سبيلا، إلا في الإحالة إلى التخريج أو شرح الغريب فقد أضفت إلى ذلك رقم الصفحة. ١٤ - رتبت المصادر في الهامش على حسب تقدم تاريخ وفاة المؤلف إلا إذا نقلت من المصدر قدمته على غيره، وإذا شرحت غريب الحديث قدمت كتب اللغة وكتب تفسير غريب الحديث على غيرها. ١٥ - وضعت فهارس تفصيلية في آخر الآية.

стр. 14

* ثامنا: ضوابط الدراسة التزمت في أثناء الدراسة بمراعاة الضوابط الآتية: ١ - اكتفيت بترجمة الصحابي راوي الحديث إلا إذا توقف فهم الحديث على ذكر ترجمة العَلَمِ في متن الحديث أو سنده، وركزت على الجانب الدعوي في سيرهم. ٢ - شرحت المفردات الغريبة في الحديث في المتن، وبينت في الهامش - أثناء دراسة الفوائد الدعوية- الكلمات التي تحتاج إلى بيان. ٣ - درست نص كل حديث دراسة دعوية وفق معنى فقه الدعوة المذكور في مقدمة هذا البحث. ٤ - درست جميع أطراف الحديث الواردة في الصحيح عند أول ذكر له. ٥ - وثقتُ ما توصلت إليه من دلالات دعوية وبنيت ذلك على شروح أهل العلم المعتبرين (١). وقد بذلت قصارى جهدي، ليخرج هذا البحث على الوجه المطلوب، فما كان من صواب وسداد فمن الواحد المنان، وما كان من خطأ أو تقصير فمني ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله ﷺ ، وأستغفر الله من ذنبي كله: هزلي، وجدي، وخطئي، وعمدي، وكل ذلك عندي، إنه سميع مجيب.

стр. 15

تقسيم الدراسة * المقدمة: وتتضمن الآتي: * التعريفات. * مدخل الموضوع وأهميته. * أهداف الدراسة. * أسباب اختيارها. * تحديد موضوع الدراسة وتساؤلاتها. * المنهج المستخدم في الدراسة. * ضوابط الدراسة. * مدخل الدراسة: (ويتضمن ترجمة موجزة للإمام البخاري ﵀، والتعريف بصحيحه، وكتب موضوع الدراسة في الصحيح، وأبوابها وأحاديثها وجهود البخاري في ذلك). * القسم الأول: الدراسة الدعوية للأحاديث الواردة في موضوع الدراسة: * الفصل الأول: كتاب الوصايا. * الفصل الثاني: كتاب الجهاد والسير. * الفصل الثالث: كتاب فرض الخمس. * الفصل الرابع: كتاب الجزية والموادعة. * القسم الثاني: المنهج الدعوي المستخلص من الدراسة: * الفصل الأول: المنهج الدعوي المتعلق بالداعية. * الفصل الثاني: المنهج الدعوي المتعلق بالمدعو. * الفصل الثالث: المنهج الدعوي المتعلق بموضوع الدعوة. * الفصل الرابع: المنهج الدعوي المتعلق بالوسائل والأساليب. * الخاتمة. * المراجع. * الفهارس.

стр. 16

الشكر والتقدير الشكر والحمد والثناء الحسن لله الكريم الوهاب، الذي أسبغ علي النعمَ الظاهرةَ والباطنةَ، التي لا تُعدُ ولَا تُحصى، ووفَق عبده الفقيرَ إليه وحده للكتابة في هذا الموضوع، وهو ، وتقدس، وتبارك، أهلُ الثناءِ والمجدِ، أحق ما قال العبد، وكلنا له عبد، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، وفي مقامي هذا أمتثل حديث رسول الله ﷺ ؛ حيث يقول: «لا يشكر اللهَ من لا يشكر الناس» (١). فأتقدم بالشكر والتقدير لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، على ما تقوم به من جهود عظيمة كبيرة واسعة جدا في خدمة الإسلام والمسلمين، فجزى الله القائمين عليها السابقين واللاحقين خير الجزاء، وضاعف لهم الأجر والمثوبة. كما أشكر جميع المسؤولين السابقين واللاحقين في كلية الدعوة والإعلام على ما بذلوه من جهود طيبة في خدمة العلم وطلابه، وتخريج أفواج الدعاة إلى الله تعالى، فالله أسأل أن يجزيهم عني خير ما جزى أستاذا عن تلميذه، وأن يمدهم بعونه وتوفيقه خدمة للإسلام والمسلمين. كما أتقدم بالشكر والدعاء لكل من وقف معي بجهده وعلمه، وساعدني في هذا البحث: سواء كان مشرفا سابقا أو لاحقا، أو أستاذا، أو شيخا فاضلا، أو زميلا ناصحا، أو مناقشا نافعا، أو مصححا متعاونا، وهم كثير جدا يزيدون على ثلاثين لا يتسع المقام

стр. 17

لذكر أسمائهم، منهم: جمع من أساتذة كلية الدعوة، وجمع من الزملاء في الموسوعة الحديثية في الكلية، والزملاء في وزارة الشؤون الإسلامية، وجمع من المشايخ، وطلاب العلم، وأمتثل فيهم حديث رسول الله ﷺ حيث يقول: «من صُنعَ إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء» (١). فالله أسأل أن يجزيهم جميعا عني خير الجزاء، وأن يرفع منازلهم في الدنيا والآخرة، ويضاعف لهم الأجر ويجعل ما قدموه في هذه الرسالة من جهود مشكورة في موازين حسناتهم، يوم لا ينفع مال ولا بنون، وأن يعوضهم عن ذكر أسمائهم الفردوس الأعلى من الجنة، بعد أعمار طويلة معمورة بطاعة الله تعالى، وحسن العمل، وأن يحسن لي ولهم العاقبة في الدنيا والآخرة، فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو مجيب الدعوات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه، نبينا وقدوتنا وحبيبنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 18

مدخل الدراسة * أولا: ترجمة موجزة للإمام البخاري ﵀ ١ - نسبه: هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَة (١) البخاري ﵀. ٢ - مولده، ونشأته، وثناء العلماء عليه: ولد أبو عبد الله في شوال بعد صلاة الجمعة (٢) لثلاث عشرة ليلة خلت منه من سنة أربع وتسعين ومائة، ببخارى. ومات أبوه وهو صغير، فنشأ في حجر أمه، وألهمه الله حفظ الحديث وهو في المكتب، وقرأ الكتب المشهورة وهو ابن ست عشرة سنة حتى قيل: إنه يحفظ وهو صبي سبعين ألف حديث سردا، وحج وعمره ثماني عشرة سنة وأقام بمكة يطلب بها الحديث (٣). قال الحافظ ابن كثير عن البخاري - رحمهما الله-: " إمام أهل الحديث في زمانه، والمقتدى به في أوانه، والمقدم على سائر أضرابه وأقرانه " (٤). هذا وقد أثنى عليه علماء زمانه من شيوخه وأقرانه: فقال الإمام أحمد ﵀: " ما أخرجت خراسان مثله " (٥). وقال عبد الله الدارمي ﵀: " رأيت العلماء بالحرمين والعراقين فما رأيت فيهم أجمع من محمد بن إسماعيل البخاري " (٦). وروى الإمام الذهبي ﵀ بسنده إلى محمد بن أبي حاتم، قال: " قلت لأبي عبد الله: كيف كان بدء أمرك؟ قال: أُلهمتُ حفظ الحديث وأنا في الكتَّاب.

стр. 19

فقلت: كم كان سنك؟ قال: عشر سنين، أو أقل. ثم خرجت من الكتَّاب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الداخليِّ وغيره. فقال يوما فيما كان يقرأ للناس: سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم، فقلت له: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل: فدخل فنظر فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام؟ فقلت: هو الزبير بن عدي، عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأحكم كتابه، وقال: صدقت. فقيل للبخاري: ابن كم كنت حين رددت عليه؟ قال: ابن إحدى عشرة سنة. فلما طعنت في ستِّ عشرة سنة. كنت قد حفظت كتب ابن المبارك، ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء، يعني أصحاب الرأي، ثم خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججت، رجع أخي بها. وتخلفت في طلب الحديث " (١). ٣ - شيوخه: سمع الإمام البخاري من شيوخ لا يتسع المقام لذكرهم لكثرتهم، ويدل على كثرتهم ما قاله عنه ورَّاقه محمد بن أبي حاتم قال: (سمعته قبل موته بشهر يقول: " كتبتُ عن ألف وثمانين رجلا ليس فيهم إلا صاحب حديث، كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ") (٢). وشيوخه ينحصرون في خمس طبقات: الطبقة الأولى: من حدَّثه عن التابعين مثل: محمد بن عبد الله الأنصاري حدَّثه عن حميد، والطبقة الثانية: من كان في عصر هؤلاء لكن لم يسمع من ثقات التابعين كآدم بن أبي إياس، الطبقة الثالثة: وهم من لم يلقَ التابعين بل أخذ عن كبار تبع الأتباع، كسليمان بن حرب، وهذه الطبقة قد شاركه مسلم في الأخذ عنهم. الطبقة الرابعة: رفقاؤه في الطلب ومن سمع قبله قليلا: كمحمد بن يحيى الذهلي؛ وإنما يخرج عن هذه الطبقة ما فاته عن مشايخه، أو ما لم يجده عند غيرهم. الطبقة الخامسة: قوم في عداد طلبته في السن والإِسناد، سمع منهم للفائدة: كعبد الله بن حماد الآملي، روى عنهم أشياء يسيرة؛ ولهذا قال ﵀: " لا يكون الرجل عالما حتى

стр. 20

يحدث عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه " (١). ٤ - رحلته وطلبه للعلم: قال ﵀: " حججت ورجع أخي بأمي وتخلَّفت في طلب الحديث، فلما طعنت في ثمان عشرة جعلت أصنف في قضايا الصحابة والتابعين، وأقاويلهم " ثم ارتحل بعد أن رجع من مكة إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنته الرحلة إليها (٢). قال محمد بن أبي حاتم الورَّاق: إنه إذا كان مع الإمام البخاري في سفر كان يراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة في كل ذلك يأخذ القداحة فيوري نارا، ويسرج ثم يخرج أحاديث فيعلم عليها (٣). ٥ - حفظه وذكاؤه: قال جعفر بن محمد القطان: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: " كتبت عن ألف شيخ وأكثر، عن كل واحد منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديثٌ إلا أذكر إسناده " (٤) وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: " ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل " (٥). وقال محمد بن حمدويه: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: " أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح " (٦). وقال الإمام ابن كثير ﵀: " وقد ذكروا أنه كان ينظر في الكتاب مرة واحدة فيحفظه من نظرة واحدة، والأخبار عنه في ذلك كثيرة " (٧). وقال أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ: " سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري، قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث،

стр. 21

فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها، وأسانيدها، وجعلوا متن هذا لإسناد هذا، وإسناد هذا لِمَتنِ هذا، ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث، ليلقوها على البخاري في المجلس، فاجتمع الناس، وانتدب أحدهم، فسأل البخاري عن حديث من عشرته، فقال: لا أعرفه. وسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، وكذلك حتى فرغ من عشرته. فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون: الرجل فهم. ومن كان لا يدري قضى على البخاري بالعجز، ثم انتدب آخر، ففعل كما فعل الأول. والبخاري يقول: لا أعرفه. ثم الثالث إلى تمام العشرة أنفس، وهو لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه. فلما علم أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول فكذا، والثاني كذا، والثالث كذا إلى العشرة، فردَّ كل متن إلى إسناده. وفعل بالآخرين مثل ذلك، فأقر له الناس بالحفظ. فكان ابن صاعد إذا ذكره يقول: الكبش النَّطَّاح (١). وقال عبد الله بن سعيد بن جعفر: " سمعت العلماء بالبصرة يقولون: ما في الدنيا مثل محمد بن إسماعيل في المعرفة والصلاح " (٢). وقال مسلم بن الحجاج للبخاري: " لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك " (٣). وقال ورّاق البخاري: " كان يركب إلى الرمي كثيرا، فما أعلم أني رأيته في طول ما صحبته أخطأ سهمه الهدف إلا مرتين، بل كان يصيب الهدف في كل ذلك، ولا يُسْبَق " (٤). ٦ - عبادته وخشيته لله تعالى: قال مسبِّح بن سعيد: " كان محمد بن إسماعيل يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليالٍ بختمة " (٥).

стр. 22

وقال مقسم بن سعد: " كان محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ إذا كان أول ليلة من شهر رمضان يجتمع إليه أصحابه، فيصلي بهم، ويقرأ في كل ركعة عشرين آية، وكذلك إلى أن يختم القرآن، وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند السحر في كل ثلاث ليالٍ، وكان يختم في النهار في كل يوم ختمة، ويكون ختمه عند الإِفطار كل ليلة، ويقول: عند كل ختمة دعوة مستجابة " (١). وقال محمد بن أبي حاتم الوراق: ". . كان أبو عبد الله يصلي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة، ويوتر منها بواحدة " (٢) وكان ﵀ يصلي ذات يوم أو ذات ليلة فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى صلاته قال: انظروا أي شيء آذاني في صلاتي، فنظروا فإذا الزنبور قد ورّمه في سبعة عشر موضعا، ولم يقطع صلاته (٣) وقد قيل: إن هذه الصلاة كانت التطوع بعد صلاة الظهر، وقيل له بعد أن فرغ من صلاته: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما لسعك؟ قال: " كنت في سورةٍ فأحببت أن أتمها " (٤). ومن شعره رحمه الله تعالى: اغتنم في الفراغ فضل ركوع ... فعسى أن يكون موتك بغتة كم صحيح رأيت من غير سقم ... ذهبت نفسه الصحيحة فلتة (٥) وقد قيل: إنه لما ألف الصحيح كان يصلي ركعتين عند كل ترجمة (٦) يعني يستخير الله في وضعها وعدمه، وقال علي بن محمد بن منصور: سمعت أبي يقول: " كنا في مجلس أبي عبد الله البخاري فرفع إنسان من لحيته قذاة وطرحها إلى الأرض. قال فرأيت محمد بن إسماعيل ينظر إليها وإلى الناس، فلما غفل الناس رأيته مد يده فرفع القذاة من الأرض فأدخلها في كمه فلما خرج من المسجد رأيته أخرجها

стр. 23

وطرحها على الأرض، فكأنه صان المسجد عما تصان عنه لحيته " (١). ٧ - زهده: قال سليم بن مجاهد: " ما رأيت بعيني منذ ستين سنة أفقه ولا أورع، ولا أزهد في الدنيا من محمد بن إسماعيل " (٢). وقال الحسين بن محمد السمرقندي: " كان محمد بن إسماعيل مخصوصا بثلاث خصال، مع ما كان فيه من الخصال المحمودة: كان قليل الكلام، وكان لا يطمع فيما عند الناس، وكان لا يشتغل بأمور الناس، كلُّ شُغلِهِ كان في العلم " (٣) وذكر محمد بن العباس الفربري أن بعض أصحاب البخاري ضَيَّفه في بستانٍ له فلما جلسوا أعجب صاحب البستان بستانه؛ لأنه قد عمل مجالس فيه وأجرى الماء في أنهاره فقال: يا أبا عبد الله، كيف ترى؟ فقال: " هذه الحياةُ الدنيا " (٤). ٨ - ورعه: تربّى على الورع؛ ولهذا جاء عن والده إسماعيل: أنه قال عند موته: " لا أعلم من مالي درهما من حرام، ولا درهما من شبهة " (٥) وقد وَرِثَ البخاري من أبيه مالا جليلا (٦) ومن عظم ورعه أنه كان يقول: " ما اغتبت أحدا قط منذ علمت أن الغيبة حرام " (٧) وهذا يظهر في كلامه في الجرح والتعديل؛ فإن من تأمل ذلك علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعِّفه؛ فإنه كثيرا ما يقول: " منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر " ونحو هذا، وقَلَّ أن يقول: " كذّاب أو وضّاع "؛ وإنما يقول: " كَذّبَهُ فلان، رماه فلان، يعني بالكذب " (٨). قال أبو عمر أحمد بن نصر الخفاف: " حدثنا محمد بن إسماعيل التقي النقي الذي لم أرَ مثله " (٩).

стр. 24

٩ - كرمه: كان ﵀ كريما جوادا؛ ولهذا قال محمد بن أبي حاتم: سمعته يقول: " كنت استغلُّ كُلَّ شهر خمسمائة درهم، فأنفقت كلَّ ذلك في طلب العلم " فقلت: كم بين من ينفق على هذا الوجه، وبين من كان خِلوا من المال، فجمع وكسب بالعلم، حتى اجتمع له. فقال أبو عبد الله (١) ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الشورى: ٣٦] (٢) وكان ﵀: قليل الأكل جدا، كثير الإِحسان إلى الطلبة، مفرط الكرم (٣) وكان يتصدق بالكثير، يأخذ بيده صاحب الحاجة من أهل الحديث فيناوله المال الكثير من غير أن يشعر بذلك أحد (٤) قال الإمام ابن كثير ﵀: " وكان له جدة، ومال جيد ينفق منه سرا وجهرا، وكان يكثر الصدقة بالليل والنهار. . . " (٥). ١٠ - تلاميذه وتصانيفه: أخذ العلم عن الإمام البخاري خلق كثير، ومما يدل على كثرة تلاميذه ما ذكر الفربري أنه سمع الجامع الصحيح من البخاري تسعون ألفا من تلاميذه، ويرى ابن حجر أنه سمع الصحيح من الإمام البخاري أكثر من ذلك ورووه عنه (٦) " وكان يجتمع في مجلسه ببغداد أكثر من عشرين ألفا يأخذون عنه " (٧). أما تصانيفه غير الجامع الصحيح فمنها: الأدب المفرد، ورفع اليدين في الصلاة، وبر الوالدين، والقراءة خلف الإمام، والتاريخ الكبير، والتاريخ الأوسط، والتاريخ الصغير، وخلق أفعال العباد، وكتاب الضعفاء، والجامع الكبير، والمسند الكبير، والتفسير الكبير، وكتاب الأشربة، وكتاب الهبة، وأسامي الصحابة، وكتاب المبسوط، وكتاب العلل، وكتاب الكنى، وكتاب الفوائد (٨).

стр. 25

١١ - محنة الإمام البخاري: دخل الإمام البخاري ﵀ نيسابور سنة مائتين وخمسين فاجتمع الناس عنده، فحسده بعض شيوخ الوقت، فقال لأصحاب الحديث: إن محمد بن إسماعيل يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فلما حضر المجلس قام إليه رجل فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في اللفظ بالقرآن: مخلوق هو أو غير مخلوق؛ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه ثلاثا، فألح عليه، فقال البخاري: " كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة " (١) فشغب الرجل وقال: قد قال: لفظي بالقرآن مخلوق. وقال البخاري ﵀: " من زعم أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب؛ فإني لم أقله إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة " (٢) وبعد أن ظهر الحسد للبخاري ﵀ في نيسابور خرج منها ورجع إلى وطنه لغلبة المخالفين. ولما قدم البخاري إلى بخارى وقع الخلاف بينه وبين أميرها، وذلك أن الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى كتب إلى البخاري أن يحمل إليه كتاب الجامع والتاريخ؛ ليقرأه عليه، ويسمع منه، وقيل: ليقرأ على أولاده ويعقد لهم مجلسا لا يحضره غيرهم، فامتنع الإمام البخاري وقال: لا أخص أحدا، وبيَّن البخاري للأمير أن من أراد العلم فعليه أن يحضر في مجلسه، أو في داره؛ ليكون له عذر عند الله أنه لا يكتم العلم، فأمر الأمير بمن يتكلم فيه وفي مذهبه حتى أخرجوه من البلد؛ لأنه يظهر مذهب أهل الحديث، ويأتي إليه جماعة يظهرون شعار أهل الحديث من إفراد الإِقامة ورفع الأيدي في الصلاة وغير ذلك (٣) ودعا البخاري على من أخرجه، فلم يمضِ شهر على الأمير حتى عزله الظاهرية وكان عاقبة أمره إلى الذل والحبس، وابتلي من أعانه على إخراج البخاري بأنواع البلايا (٤).

стр. 26

١٢ - وفاته: استمر ﵀ في طلب العلم، وتعليمه والتأليف فيه حتى توفاه الله بمدينة (خرتنك) (١) ليلة السبت، ليلة الفطر عند صلاة العشاء، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ست وخمسين ومائتين. وعاش اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوما (٢). * ثانيا: التعريف بصحيح الإمام البخاري ﵀ ١ - اسم الكتاب: اشتهر- قديما وحديثا- في أشهر كتب الفقه والتفسير. وأكثر شروح الحديث، وسائر كتب الفنون الأخرى، وعلى ألسنة معظم الناس، وجمهرة العلماء باسم: (صحيح الإمام البخاري). ولكن اسم الكتاب الذي وضعه له مؤلفه، هو: (الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه) (٣). ٢ - موضوع الكتاب: قال ابن حجر ﵀ في مقدمته لفتح الباري، عن كتاب صحيح الإمام البخاري: " إنه التزم فيه الصحة، وأنه لا يورد فيه إلا حديثا صحيحا، هذا أصل موضوعه، وهو مستفاد من تسميته إياه (الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه)، ومما نقلناهُ عنه من رواية الأئمة عنه صريحا، ثم رأى أن لا يخليه من الفوائد الفقهية، والنكت الحكمية فاستخرج بفهمه من المتون معانيَ كثيرة فرقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى فيه بآيات الأحكام فانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة " (٤). ٣ - سبب تصنيف الكتاب: لم تكن آثار النبي ﷺ وأخباره مدونة في عصر الصحابة وكبار التابعين، وذلك لأمرين:

стр. 27

أ- إنهم كانوا في ابتداء الأمر قد نهوا عن الكتابة خشية أن يختلط بعض الأخبار بالقرآن الكريم. ب- سعة حفظهم وقوته؛ ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار، وتبويب الأخبار لما انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار، وغيرهم، فألف عدد من علماء الإسلام مصنفات في أحاديث النبي الكريم ﷺ ، وكانت تشمل الأحاديث الصحيحة والحسنة، والضعيفة، فحرك ذلك همة البخاري لجمع الحديث الصحيح، وقوَّى عزيمته على ذلك ما سمعه من أستاذه ابن راهويه، قال الإمام البخاري: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: " لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله ﷺ " قال: فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح (١). ٤ - مكانة الصحيح: قال الإمام النووي ﵀: " اتفق العلماء- رحمهم الله تعالى- على أن أصحَّ الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان: البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما، وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة، وقد صح أن مسلما كان ممن يستفيد من البخاري، ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث، وهذا الذي ذكرناه من ترجيح كتاب البخاري هو المذهب المختار الذي قاله الجمهور وأهل الإتقان والحذق والغوص على أسرار الحديث " (٢). وكان يصلي ركعتي الاستخارة قبل أن يكتب كل حديث في الصحيح، كما كان يصليهما قبل أن يضع كل ترجمة. وقال: " صنعت الجامع من ستمائة ألف حديث في ست عشرة سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله " (٣) وقال: " لم أخرج في الكتاب إلا صحيحا وما تركت من الصحيح أكثر " (٤).

стр. 28

وقد بقي الإمام البخاري في تصنيف كتابه وتهذيبه ست عشرة سنة؛ لأنه جمعه من ألوف مؤلفة من الأحاديث الصحيحة (١). ٥ - شرط البخاري في صحيحه: شرط البخاري في جامعه أن يكون الراوي قد عاصر شيخه، وثبت عنده سماعه منه، ولم يشترط مسلم الثاني، بل اكتفى بالمعاصرة (٢) وشرط البخاري أيضا " أن يخرج الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلا غير مقطوع " (٣). ٦ - عدد أحاديثه: قال الحافظ ابن حجر ﵀ في مقدمة كتابه فتح الباري: قال الشيخ تقي الدين ابن الصلاح فيما رويناه عنه في علوم الحديث، عدد أحاديث صحيح البخاري (٧٢٧٥) سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا بالأحاديث المكررة، قال: وقيل: إنها بإسقاط المكرر: (٤٠٠٠) أربعة آلاف. هكذا أطلق ابن الصلاح وتبعه الشيخ محيي الدين النووي (٤). ولكن الذي حرره ابن حجر ﵀ عن عدد أحاديث صحيح الإمام البخاري ﵀ أن المتون الموصولة بلا تكرار ألفا حديث وستمائة حديث وحديثان (٢٦٠٢). ومن المتون المعلقة المرفوعة التي لم يصلها في موضع آخر من الجامع المذكور (١٥٩) مائة وتسعة وخمسون حديثا فجميع ذلك: ألفا حديث وسبعمائة وواحد وستون حديثا (٢٧٦١) (٥). ثم ذكر ﵀ أن جملة ما في الكتاب من التعاليق: ألف وثلاثمائة وواحد وأربعون حديثا (١٣٤١) وأكثرها مكرر مخرج في الكتاب، أصول متونه، وليس فيه من المتون التي لم تخرج في الكتاب ولو من طريق أخرى إلا مائة

стр. 29

وستون حديثا (١٦٠). إلى أن قال: " وجملة ما فيه من المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات: ثلاثمائة وواحد وأربعون حديثا " (٣٤١) (١). ثم قال ﵀: " فجميع ما في الكتاب على هذا بالمكرر، تسعة آلاف واثنان وثمانون حديثا (٩٠٨٢). وهذه العدة خارجة عن الموقوفات على الصحابة، والمقطوعات عن التابعين فمن بعدهم. وقد استوعبت وصل جميع ذلك في كتاب (تغليق التعليق). وهذا الذي حررته من عدة ما في صحيح البخاري تحرير بالغ فتح الله به لا أعلم من تقدمني إليه، وأنا مقر بعدم العصمة من السهو والخطأ، والله المستعان " (٢). ثم ذكر ﵀ سبب هذا التفاوت فيما حرره من عدد أحاديث الصحيح، وما حرره غيره كابن الصلاح وغيره، فقال: " ما عرفت من أين أتى الوهم في ذلك- أي العدد- ثم تأولته على أنه يحتمل أن يكون العادُّ الأول الذي قلدوه في ذلك إذا رأى الحديث مطولا في موضع ومختصرا في موضع آخر يظن أن المختصر غير المطول إما لبعد العهد به، أو لقلة المعرفة بالصناعة، ففي الكتاب من هذا النمط شيء كثير. وحينئذ يتبيَّن السبب في تفاوت ما بين العددين ". (٣). ٧ - فوائد تقطيع البخاري للحديث، واختصاره، وإعادته في الأبواب؛ وتكراره: يذكر البخاري ﵀ الحديث في مواضع، ويستدل به في كل باب بإسناد آخر، ويستخرج منه بحسن استنباطه وغزارة فقهه معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه (٤) وقلما يورد حديثا في موضعين بإسناد واحد، ولفظ واحد، وإنما يورده من طريق أخرى لمعانٍ وفوائد، منها: * يخرج الحديث عن صحابي ثم يورده عن صحابي آخر، ليخرج الحديث من الغرابة.

стр. 30

* صحح أحاديث على هذه القاعدة يشتمل كل حديث منها على معانٍ متغايرة، فيورده في كل باب من طريق غير الطريق الأولى. * أحاديث يرويها بعضهم تامة وبعضهم مختصرة فيوردها كما جاءت، ليزيل الشبهة عن ناقليها. * الرواة ربما اختلفت عباراتهم، فحدَّث راوٍ بحديث فيه كلمة تحتمل معنى، وحدَّث به آخر، فعبَّر عن تلك الكلمة بعينها بعبارة أخرى تحتمل معنى آخر، فيورده بطرقه إذا صحت على شرطه، ويفرد لكل لفظة بابا مفردا. * أحاديث تعارض فيها الوصل والإِرسال، ورجح عندهُ الوصل فاعتمده، وأورد الإرسال منبها على أنه لا تأثير له عنده في الوصل. * أحاديث تعارض فيها الوقف والرفع، والحكم فيها كذلك. * أحاديث زاد فيها بعض الرواة رجلا في الإِسناد، ونقصه بعضهم، فيوردها على الوجهين. * ربما أورد حديثا عنعنه رَاوِيهِ، فيورده من طريق أخرى مصرحا فيها بالسماع على ما عُرِفَ من طريقته في اشتراط ثبوت اللقاء في المعنعن، فهذا جميعه فيما يتعلق بإعادة المتن الواحد في موضع آخر، أو أكثر. أما تقطيعه للأحاديث في الأبواب تارة، واقتصاره منه على بعضه أخرى، فذلك؛ لأنه إن كان المتن قصيرا، أو مرتبطا بعضه ببعض، وقد اشتمل على حكمين فصاعدا؛ فإنه يعيده بحسب ذلك مراعيا مع ذلك عدم إخلائه من فائدة حديثية، وهي إيراده له عن شيخ سوى الشيخ الذي أخرجه عنه، ويستفاد من ذلك تكثير الطرق لذلك الحديث، وربما ضاق عليه مخرج الحديث، حيث لا يكون له إلا طريق واحدة، فيتصرف حينئذٍ فيه، فيورده في موضع موصولا وفي موضع معلقا، ويورده تارة تاما وتارة مقتصرا على طرفه الذي يحتاج إليه ذلك الباب، فإن كان المتن مشتملا على جملٍ متعددة لا تعلق لإحداها بالأخرى، فإنه يخرج كل جملة منها في باب مستقل فِرارا من التطويل،

стр. 31

وربما نشط فساقه بتمامه، فهذا كله في التقطيع (١). ويتضح من ذلك أن البخاري ﵀ لا يتعمد أن يخرج في كتابه حديثا معادا بجميع إسناده ومتنه، وإن وقع له شيء من ذلك فعن غير قصد (٢). ٨ - فوائد تراجم الأبواب في صحيح البخاري وحِكَمها: مما جعل صحيح البخاري مقدما على غيره من كتب الحديث ما ضمَّنه أبوابه من التراجم التي تحار فيها الأفكار وأدهشت العقول والأبصار (٣). وضابط بيان أنواع التراجم في صحيح البخاري ما بينه الحافظ ابن حجر ﵀ من أن التراجم فيه ظاهرة وخفية، أما الظاهرة فهي أن تكون الترجمة دالة بالمطابقة لما يورد في ضمنها، وإنما فائدتها الإعلام بما ورد في ذلك الباب من غير اعتبار لمقدار تلك الفائدة، كأن يقول: هذا الباب الذي فيه كذا وكذا، أو باب ذكر الدليل على الحكم الفلاني مثلا، وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم له، أو بعضه، أو معناه، والترجمة هنا: بيان لتأويل الحديث نائبة مناب قول الفقيه مثلا: المراد بهذا الحديث العام الخصوص، أو بهذا الحديث الخاص العموم، إشعارا بالقياس؛ لوجود العلة الجامعة، أو أن ذلك الخاص المراد به هو أعم مما يدل عليه ظاهره بطريق الأعلى أو الأدنى، ويأتي في المطلق والمقيد مثل ذلك، وكذلك في شرح المشكل، وتفسير الغامض، وتأويل الظاهر، وتفصيل المجمل، وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم هذا الصحيح؛ ولهذا اشتهر قول جمع من أهل العلم؛ " فقه البخاري في تراجمه " وأكثر ما يفعل البخاري ذلك إذا لم يجد حديثا على شرطه في الباب ويستنبط الفقه منه، وقد يفعل ذلك لشحذ الأذهان. وكثيرا ما يترجم بلفظ الاستفهام كقوله: باب هل يكون كذا أو من قال: كذا ونحو ذلك، وذلك حيث لا يتَّجِهُ له الجزم بأحد الاحتمالين، وغرضه بيان هل يثبت ذلك الحكم أو لم يثبت، فيترجم على الحكم ومراده، وما يفسر به بعد من إثباته أو نفيه، أو أنه محتمل

стр. 32

لهما. وكثيرا ما يترجم بأمر ظاهره قليل الجدوى لكنه إذا حققه المتأمل أجدى كقوله: " باب قول الرجل ما صلينا " فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك. وكثيرا ما يترجم بأمر مختص ببعض الوقائع لا يظهر في بادئ الرأي كقوله: " باب استياك الإمام بحضرة رعيته " فإنه لما كان الاستياك قد يظن أنه من أفعال المهنة، فلعل بعض الناس يتوهَّمُ أن إخفاءه أولى مراعاة للمروءة، فلما وقع في الحديث أن النبي ﷺ استاك بحضرة الناس، دل على أنه من باب التطيب لا من الباب الآخر. وكثيرا ما يترجم بلفظٍ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بالحديث الذي لم يصح على شرطه صريحا في الترجمة، ويورد في الباب ما يؤيد معناه تارة بأمر ظاهر، وتارة بأمر خفي، وربما اكتفى بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه، وأورد معها أثرا أو آية، فكأنه يقول: لم يصح في الباب شيء على شرطي. وغير ذلك من الفوائد والحكم التي لا تحصى (١) وقد اعتنى بعض العلماء فجمع أربعمائة ترجمة وتكلم عليها كلاما نافعا مفيدا (٢) وزاد بعضهم أكثر من ذلك (٣).

стр. 33

* ثالثا: التعريف بكتب موضوع الدراسة وعدد أحاديثها وجهود البخاري فيها من أول كتاب الوصايا إلى نهاية كتاب الجزية والموادعة: ١ - عدد أحاديث هذا القسم, وأسماء كتبه , وأرقامها تظهر من خلال الجدول الآتي رقم الكتاب ... اسم الكتاب ... عدد الأحاديث غير المكررة (موضوع الدراسة) ... عدد الأحاديث المكررة ... مجموع الأحاديث المكررة وغير المكررة ٥٥ ... الوصايا ... ١٧ ... ٢٧ ... ٤٤ ٥٦ ... الجهاد والسير ... ١٢٩ ... ١٨٠ ... ٣٠٩ ٥٧ ... فرض الخمس ... ٣١ ... ٣٤ ... ٦٥ ٥٨ ... الجزية والموادعة ... ١٥ ... ٢٠ ... ٣٥ الإجمالي ... ١٩٢ ... ٢٦١ ... ٤٥٣ ومجموع أحاديث هذه الدراسة (١٩٢) حديثا تتضح من خلال الجدول الآتي في الصفحات الآتية:

стр. 34

٢ - أرقام أحاديث موضوع الدراسة الرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب ٥٥ - كتاب الوصايا ١ ... ٢٧٣٨ ٢ ... ٢٧٣٩ ٣ ... ٢٧٤٠ ٤ ... ٢٧٤١ ٥ ... ٢٧٤٣ ٦ ... ٢٧٤٧ ٧ ... ٢٧٥٣ ٨ ... ٢٧٥٦ ٩ ... ٢٧٥٧ ١٠ ... ٢٧٥٩ ١١ ... ٢٧٦١ ١٢ ... ٢٧٦٦ ١٣ ... ٢٧٦٧ ١٤ ... ٢٧٦٨ ١٥ ... ٢٧٧٦ ١٦ ... ٢٧٧٨ ١٧ ... ٢٧٨٠ ٥٦ - كتاب الجهاد والسير ١٨ ٢٧٨٥ ١٩ ... ٢٧٨٦ ٢٠ ... ٢٧٨٨ ٢١ ... ٢٧٨٩ ٢٢ ... ٢٧٩٠

стр. 35

الرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب ٢٣ ... ٢٧٩٢ ٢٤ ... ٢٧٩٣ ٢٥ ... ٢٧٩٤ ٢٦ ... ٢٧٩٥ ٢٧ ... ٢٨٠٢ ٢٨ ... ٢٨٠٥ ٢٩ ... ٢٨٠٧ ٣٠ ... ٢٨٠٨ ٣١ ... ٢٨٠٩ ٣٢ ... ٢٨١٥ ٣٣ ... ٢٨١٨ ٣٤ ... ٢٨١٩ ٣٥ ... ٢٨٢١ ٣٦ ... ٢٨٢٢ ٣٧ ... ٢٨٢٣ ٣٨ ... ٢٨٢٤ ٣٩ ... ٢٨٢٦ ٤٠ ... ٢٨٢٧ ٤١ ... ٢٨٢٨ ٤٢ ... ٢٨٣٠ ٤٣ ... ٢٨٣١ ٤٤ ... ٢٨٣٢ ٤٥ ... ٢٨٣٤ ٤٦ ... ٢٨٣٦ ٤٧ ... ٢٨٣٨

стр. 36

الرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب ٤٨ ... ٢٨٤٠ ٤٩ ... ٢٨٤٣ ٥٠ ... ٢٨٤٤ ٥١ ... ٢٨٤٥ ٥٢ ... ٢٨٤٦ ٥٣ ... ٢٨٤٩ ٥٤ ... ٢٨٥٠ ٥٥ ... ٢٨٥١ ٥٦ ... ٢٨٥٣ ٥٧ ... ٢٨٥٥ ٥٨ ... ٢٨٥٦ ٥٩ ... ٢٨٥٩ ٦٠ ... ٢٨٦٣ ٦١ ... ٢٨٦٤ ٦٢ ... ٢٨٧١ ٦٣ ... ٢٨٨٠ ٦٤ ... ٢٨٨١ ٦٥ ... ٢٨٨٢ ٦٦ ... ٢٨٨٤ ٦٧ ... ٢٨٨٥ ٦٨ ... ٢٨٨٦ ٦٩ ... ٢٨٨٨ ٧٠ ... ٢٨٩٠ ٧١ ... ٢٨٩٦ ٧٢ ... ٢٨٩٧

стр. 37

الرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب ٧٣ ... ٢٨٩٨ ٧٤ ... ٢٨٩٩ ٧٥ ... ٢٩٠٠ ٧٦ ... ٢٩٠١ ٧٧ ... ٢٩٠٤ ٧٨ ... ٢٩٠٥ ٧٩ ... ٢٩٠٩ ٨٠ ... ٢٩١٠ ٨١ ... ٢٩١٥ ٨٢ ... ٢٩١٩ ٨٣ ... ٢٩٢٥ ٨٤ ... ٢٩٢٦ ٨٥ ... ٢٩٢٧ ٨٦ ... ٢٩٢٨ ٨٧ ... ٢٩٣١ ٨٨ ... ٢٩٣٣ ٨٩ ... ٢٩٣٥ ٩٠ ... ٢٩٣٦ ٩١ ... ٢٩٣٧ ٩٢ ... ٢٩٤٢ ٩٣ ... ٢٩٤٦ ٩٤ ... ٢٩٥٤ ٩٥ ... ٢٩٥٥ ٩٦ ... ٢٩٥٧ ٩٧ ... ٢٩٥٨

стр. 38

الرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب ٩٨ ... ٢٩٥٩ ٩٩ ... ٢٩٦٠ ١٠٠ ... ٢٩٦٢ ١٠١ ... ٢٩٦٣ ١٠٢ ... ٢٩٦٤ ١٠٣ ... ٢٩٧٤ ١٠٤ ... ٢٩٧٥ ١٠٥ ... ٢٩٧٦ ١٠٦ ... ٢٩٧٧ ١٠٧ ... ٢٩٧٩ ١٠٨ ... ٢٩٨٧ ١٠٩ ... ٢٩٩٠ ١١٠ ... ٢٩٩٢ ١١١ ... ٢٩٩٣ ١١٢ ... ٢٩٩٦ ١١٣ ... ٢٩٩٨ ١١٤ ... ٣٠٠٤ ١١٥ ... ٣٠٠٥ ١١٦ ... ٣٠٠٧ ١١٧ ... ٣٠١٠ ١١٨ ... ٣٠١٢ ١١٩ ... ٣٠١٤ ١٢٠ ... ٣٠١٧ ١٢١ ... ٣٠١٩ ١٢٢ ... ٣٠٢٠

стр. 39

الرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب ١٢٣ ... ٣٠٢٢ ١٢٤ ... ٣٠٢٦ ١٢٥ ... ٣٠٢٧ ١٢٦ ... ٣٠٢٩ ١٢٧ ... ٣٠٣٠ ١٢٨ ... ٣٠٣٥ ١٢٩ ... ٣٠٣٩ ١٣٠ ... ٣٠٤١ ١٣١ ... ٣٠٤٣ ١٣٢ ... ٣٠٤٥ ١٣٣ ... ٣٠٤٦ ١٣٤ ... ٣٠٥١ ١٣٥ ... ٣٠٥٧ ١٣٦ ... ٣٠٥٩ ١٣٧ ... ٣٠٦٠ ١٣٨ ... ٣٠٦٢ ١٣٩ ... ٣٠٦٥ ١٤٠ ... ٣٠٦٧ ١٤١ ... ٣٠٧٠ ١٤٢ ... ٣٠٧١ ١٤٣ ... ٣٠٧٤ ١٤٤ ... ٣٠٨٠ ١٤٥ ... ٣٠٨٢ ١٤٦ ... ٣٠٨٣

стр. 40

الرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب ٥٧ - كتاب فرض الخمس ١٤٧ ... ٣٠٩٢ ١٤٨ ... ٣٠٩٣ ١٤٩ ... ٣٠٩٧ ١٥٠ ... ٣١٠٤ ١٥١ ... ٣١٠٧ ١٥٢ ... ٣١٠٨ ١٥٣ ... ٣١٠٩ ١٥٤ ... ٣١١١ ١٥٥ ... ٣١١٣ ١٥٦ ... ٣١١٤ ١٥٧ ... ٣١١٧ ١٥٨ ... ٣١١٨ ١٥٩ ... ٣١٢١ ١٦٠ ... ٣١٢٤ ١٦١ ... ٣١٢٩ ١٦٢ ... ٣١٣٠ ١٦٣ ... ٣١٣٣ ١٦٤ ... ٣١٣٤ ١٦٥ ... ٣١٣٥ ١٦٦ ... ٣١٣٦ ١٦٧ ... ٣١٣٨ ١٦٨ ... ٣١٣٩ ١٦٩ ... ٣١٤٠ ١٧٠ ... ٣١٤١
следующие страницы →