الرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب
٤٨ ... ٢٨٤٠
٤٩ ... ٢٨٤٣
٥٠ ... ٢٨٤٤
٥١ ... ٢٨٤٥
٥٢ ... ٢٨٤٦
٥٣ ... ٢٨٤٩
٥٤ ... ٢٨٥٠
٥٥ ... ٢٨٥١
٥٦ ... ٢٨٥٣
٥٧ ... ٢٨٥٥
٥٨ ... ٢٨٥٦
٥٩ ... ٢٨٥٩
٦٠ ... ٢٨٦٣
٦١ ... ٢٨٦٤
٦٢ ... ٢٨٧١
٦٣ ... ٢٨٨٠
٦٤ ... ٢٨٨١
٦٥ ... ٢٨٨٢
٦٦ ... ٢٨٨٤
٦٧ ... ٢٨٨٥
٦٨ ... ٢٨٨٦
٦٩ ... ٢٨٨٨
٧٠ ... ٢٨٩٠
٧١ ... ٢٨٩٦
٧٢ ... ٢٨٩٧
стр. 37
الرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب
٧٣ ... ٢٨٩٨
٧٤ ... ٢٨٩٩
٧٥ ... ٢٩٠٠
٧٦ ... ٢٩٠١
٧٧ ... ٢٩٠٤
٧٨ ... ٢٩٠٥
٧٩ ... ٢٩٠٩
٨٠ ... ٢٩١٠
٨١ ... ٢٩١٥
٨٢ ... ٢٩١٩
٨٣ ... ٢٩٢٥
٨٤ ... ٢٩٢٦
٨٥ ... ٢٩٢٧
٨٦ ... ٢٩٢٨
٨٧ ... ٢٩٣١
٨٨ ... ٢٩٣٣
٨٩ ... ٢٩٣٥
٩٠ ... ٢٩٣٦
٩١ ... ٢٩٣٧
٩٢ ... ٢٩٤٢
٩٣ ... ٢٩٤٦
٩٤ ... ٢٩٥٤
٩٥ ... ٢٩٥٥
٩٦ ... ٢٩٥٧
٩٧ ... ٢٩٥٨
стр. 38
الرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب
٩٨ ... ٢٩٥٩
٩٩ ... ٢٩٦٠
١٠٠ ... ٢٩٦٢
١٠١ ... ٢٩٦٣
١٠٢ ... ٢٩٦٤
١٠٣ ... ٢٩٧٤
١٠٤ ... ٢٩٧٥
١٠٥ ... ٢٩٧٦
١٠٦ ... ٢٩٧٧
١٠٧ ... ٢٩٧٩
١٠٨ ... ٢٩٨٧
١٠٩ ... ٢٩٩٠
١١٠ ... ٢٩٩٢
١١١ ... ٢٩٩٣
١١٢ ... ٢٩٩٦
١١٣ ... ٢٩٩٨
١١٤ ... ٣٠٠٤
١١٥ ... ٣٠٠٥
١١٦ ... ٣٠٠٧
١١٧ ... ٣٠١٠
١١٨ ... ٣٠١٢
١١٩ ... ٣٠١٤
١٢٠ ... ٣٠١٧
١٢١ ... ٣٠١٩
١٢٢ ... ٣٠٢٠
стр. 39
الرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب
١٢٣ ... ٣٠٢٢
١٢٤ ... ٣٠٢٦
١٢٥ ... ٣٠٢٧
١٢٦ ... ٣٠٢٩
١٢٧ ... ٣٠٣٠
١٢٨ ... ٣٠٣٥
١٢٩ ... ٣٠٣٩
١٣٠ ... ٣٠٤١
١٣١ ... ٣٠٤٣
١٣٢ ... ٣٠٤٥
١٣٣ ... ٣٠٤٦
١٣٤ ... ٣٠٥١
١٣٥ ... ٣٠٥٧
١٣٦ ... ٣٠٥٩
١٣٧ ... ٣٠٦٠
١٣٨ ... ٣٠٦٢
١٣٩ ... ٣٠٦٥
١٤٠ ... ٣٠٦٧
١٤١ ... ٣٠٧٠
١٤٢ ... ٣٠٧١
١٤٣ ... ٣٠٧٤
١٤٤ ... ٣٠٨٠
١٤٥ ... ٣٠٨٢
١٤٦ ... ٣٠٨٣
стр. 40
الرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب
٥٧ - كتاب فرض الخمس
١٤٧ ... ٣٠٩٢
١٤٨ ... ٣٠٩٣
١٤٩ ... ٣٠٩٧
١٥٠ ... ٣١٠٤
١٥١ ... ٣١٠٧
١٥٢ ... ٣١٠٨
١٥٣ ... ٣١٠٩
١٥٤ ... ٣١١١
١٥٥ ... ٣١١٣
١٥٦ ... ٣١١٤
١٥٧ ... ٣١١٧
١٥٨ ... ٣١١٨
١٥٩ ... ٣١٢١
١٦٠ ... ٣١٢٤
١٦١ ... ٣١٢٩
١٦٢ ... ٣١٣٠
١٦٣ ... ٣١٣٣
١٦٤ ... ٣١٣٤
١٦٥ ... ٣١٣٥
١٦٦ ... ٣١٣٦
١٦٧ ... ٣١٣٨
١٦٨ ... ٣١٣٩
١٦٩ ... ٣١٤٠
١٧٠ ... ٣١٤١
стр. 41
الرقم المسلسل ... رقم الحديث غير المكرر في صحيح البخاري ... اسم الكتاب
١٧١ ... ٣١٤٦
١٧٢ ... ٣١٤٩
١٧٣ ... ٣١٥٠
١٧٤ ... ٣١٥١
١٧٥ ... ٣١٥٣
١٧٦ ... ٣١٥٤
١٧٧ ... ٣١٥٥
٥٨ - كتاب الجزية والموادعة
١٧٨ ... ٣١٥٦
١٧٩ ... ٣١٥٧
١٨٠ ... ٣١٥٨
١٨١ ... ٣١٥٩
١٨٢ ... ٣١٦٠
١٨٣ ... ٣١٦٦
١٨٤ ... ٣١٦٧
١٨٥ ... ٣١٦٩
١٨٦ ... ٣١٧٥
١٨٧ ... ٣١٧٦
١٨٨ ... ٣١٨٠
١٨٩ ... ٣١٨٦
١٩٠ ... ٣١٨٦
١٩١ ... ٣١٨٧
١٩٢ ... ٣١٨٨
стр. 42
٣ - جهود الإمام البخاري ﵀ في ذكر مناسبة ترتيب كتب الدراسة وأبوابها رتب الإمام البخاري ﵀ هذه الكتب، وجميع كتب الصحيح، وأبوابها وأحاديثها، ترتيبا رائعا، واعتنى بذلك عناية فائقة دقيقة فاق فيها جميع أهل التصنيف، وظهر فيها فقهه وعلمه، وذلك في كتاب الصحيح من أوله إلى آخره، أما كتب موضوع الدراسة: الوصايا، والجهاد، وفرض الخمس، والجزية والموادعة، فقد كان ترتيبه لها على النحو الآتي:
لما كانت الشروط قد تكون في الحياة وبعد الوفاة، ترجم الإمام البخاري ﵀: كتاب الوصايا، فلما انتهى ما يتعلق بالمعاملات مع الخالق، ثم ما يتعلق بالمعاملات مع الخلق، أردفها بمعاملة جامعة بين معاملة الخالق وفيها نوع اكتساب، فترجم ﵀: كتاب الجهاد. إذ به يحصل إعلاء كلمة الله تعالى، وإذلال الكفار بقتلهم، واسترقاق: نسائهم، وصبيانهم، وعبيدهم، وغنيمة أموالهم، وبدأ بفضل الجهاد، ثم ذكر ما يقتضي أن المجاهد ينبغي أن يعد نفسه في القتلى فترجم باب: التحنط عند القتال، وقريب منه: من ذهب ليأتي بخبر العدو، وهو: الطليعة. وكان يحتاج إلى ركوب الخيل، ثم ذكر من الحيوان ما له خصوصية، وهو: بغلة النبي ﷺ ، وناقته.
وكان الجهاد في الغالب للرجال، وقد يكون للنساء فترجم: أحوال النساء في الجهاد. وذكر باقي ما يتعلق بالجهاد، ومنها: آلات الحرب وهيئتها، والدعاء قبل القتال، وكل ذلك من آثار بعثته العامة فترجم: دعاء النبي ﷺ إلى الإسلام، وكان عزم الإمام على الناس في الجهاد إنما هو بحسب الطاقة فترجم: عزم الإِمام على الناس فيما يطيقون، وتوابع ذلك.
وكانت الاستعانة في الجهاد تكون بجُعل أو بغير جعل، فترجم: الجعائل. وكان الإمام ينبغي أن يكون أمام القوم، فترجم: المبادرة عند الفزع. وكانت المبادرة لا تمنع التوكل ولا سيما في حق من نصر بالرعب، فذكره وذكر مبادرته على أن تعاطي الأسباب لا يقدح في التوكل، فترجم: حمل الزاد في الغزو، ثم ذكر آداب السفر. وكان القادمون من الجهاد قد تكون معهم الغنيمة
стр. 43
فترجم: كتاب فرض الخمس.
وكان ما يؤخذ من الكفار: تارة يكون بالحرب، وتارة بالمصالحة، فترجم ﵀ كتاب الجزية والموادعة، وأحوال أهل الذمة، ثم ذكر تراجم تتعلق بالموادعة، والعهد، والحذر من الغدر (١).
وقد ظهرت جهود البخاري ﵀ في الفقرات السابقة: من سبب تصنيفه للكتاب، ومكانة الصحيح عند أهل العلم، وشرط البخاري ﵀ في صحيحه، وعدد أحاديثه، وفوائد تقطيع الحديث واختصاره، وإعادته في الأبواب بفوائد جديدة، وفوائد تراجم الأبواب في الصحيح، ومناسبة الكتب والأبواب. ﵀ ورضي عنه.
٤ - نسخة الصحيح المعتمدة في الدراسة النسخة المعتمدة في هذه الدراسة هي التي طُبعت عام ١٤١٤ هـ، بدار الفكر، ببيروت، والتي كُتب عليها أنها طبعة محققة على عدة نسخ، وعلى نسخة فتح الباري (التي حقق أصولها وأجازها الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله) (٢).
[القسم الأول الدراسة الدعوية للأحاديث الواردة في موضوع الدراسة]
[الفصل الأول كتاب الوصايا]
[باب الوصايا وقول النبي ﷺ وصية الرجل مكتوبة عنده]
[حديث ما حق امرئ مسلم له شئ يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة] عنده
стр. 44
القسم الأول
الدراسة الدعوية للأحاديث الواردة في موضوع الدراسة
١ - الفصل الأول: كتاب الوصايا
٢ - الفصل الثاني: كتاب الجهاد والسير
٣ - الفصل الثالث: كتاب فرض الخمس
٤ - الفصل الرابع: كتاب الجزية والموادعة
стр. 45
الفصل الأول: كتاب الوصايا
стр. 46
١ - باب الوصايا ، وقول النبي ﷺ : " وصية الرجل مكتوبة عنده "
وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ - فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ - فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٠ - ١٨٢] (١) " جنفا ": ميلا، " متجانف ": مائل.
١ - [٢٧٣٨] حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَن نافعٍ، عَن عبدِ الله بنِ عُمَرَ (٢) ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَا حقُّ امْرئ مُسْلم لَهُ شَئٌ يُوصِي فيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَينِ إِلَّا ووصيته مكتوبةٌ عندَه» (٣).
* شرح غريب الحديث: * ووصيته " الوصية: مشتقة من وَصَيتُ الشيء، أصيه إذا وصلته، وسُميت وصية؛ لأن الميت يصل بها ما كان في حياته بما بعد مماته، ويقال: وصى وأوصى إيصاء, والاسم الوصية والوصاة (٤) قال ابن فارس ﵀: " وصى "
стр. 47
الواو والصاد والحرف المعتل أصل يدل على وصل شيء بشيءٍ، وَوَصَيتُ الشيء وصلتُهُ (١).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعويةٌ منها:
١ - حرص النبي ﷺ على تعليم أمته الخير والشفقة عليهم.
٢ - أهمية الحزم والجزم والاحتياط في الأمور المهمة.
٣ - الاستعداد والتأهب للموت قبل فوات الأوان.
٤ - أهمية الكتابة في ضبط الأمور المهمة.
٥ - دفع الحرج عن الأمة.
٦ - من وسائل الدعوة: القول.
٧ - من موضوعات الدعوة: الحديث عن حقوق العباد.
أما الحديث عن هذه الفوائد بالتفصيل فعلى النحو الآتي:
أولا: حرص النبي ﷺ على تعليم أمته الخير والشفقة عليهم: بعث الله النبي محمدا ﷺ رحمة للعالمين كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٢) وهو ﷺ ينصح لهم غاية النصح، ويسعى في مصالحهم، ويشق عليه الأمر الذي يشق عليهم، ويحب لهم الخير، ويسعى جهده في إيصاله إليهم، ويحرص على هدايتهم للإِيمان ولكل خير، ويكره لهم الشر، ويرحم المؤمنين أكثر من رحمة والديهم (٣)؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (٤)
стр. 48
ومن حرصه ورحمته بهم إرشادهم في هذا الحديث إلى المبادرة إلى الوصية وكتابتها؛ لئلا يهجم على المؤمن أجله قبل ضبط ما يريد بالوصية والكتابة. فينبغي للدعاة إلى الله تعالى أن يتصفوا بالحرص على تعليم الناس الخير اقتداء بنبيهم ﷺ ؛ فإن الحرص على نفع المدعوين صفة من صفات الأنبياء وأتباعهم؛ لما رواه عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم» (١).
ثانيا: أهمية الحزم والجزم والاحتياط في الأمور المهمة: من الأمور المهمة التي ينبغي أن يتصف بها المسلم، وخاصة الداعية إلى الله تعالى: " الحزم والاحتياط "؛ ولهذا قال ﷺ : «ما حق امرئ مسلم». . . " والمعنى: ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده، إذا كان له شيء يريد أن يوصي فيه؛ لأنه لا يدري متى تأتيه المنية، فتحول بينه وبين ما يريد من ذلك (٢) وهذا يبين أن الحزم والاحتياط من أخلاق المسلم (٣)؛ ولهذا ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَرُ اللهِ وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» (٤)؛ وقد بوّب بعض الشراح لهذا الحديث بقوله: " باب في الأمر بالقوة وترك العجز، والاستعانة بالله، وتفويض المقادير لله " (٥).
وهذا يدل على أن قوة العزيمة وعلوَّ الهمة خلق عظيم يجعل صاحبه أكثر إقداما على الأمور العظيمة، وأشد عزيمة في الدعوة إلى الله تعالى، وفي الصبر على الأذى واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة
стр. 49
والصوم والأذكار، وسائر العبادات، وأنشط طلبا لها والمحافظة عليها (١) وهذا يوضح للداعية أن قوة العزيمة وعلو الهمة، والنشاط يفتح له عمل كل خير، وأما التمني فهو رأسُ أموال المفاليس، والعجز مفتاح كل شر (٢) والله تعالى يقول: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٣).
ثالثا: الاستعداد والتأهب للموت قبل فوات الأوان: دل هذا الحديث على أنه ينبغي أن يتأهب المسلم للموت- وخاصة الدعاة إلى الله تعالى؛ لأنهم قدوة الناس-؛ فإنه لا يدري متى يفجؤه الموت؛ لأنه ما من سن يفرض إلا وقد مات فيه جمع جم وكل واحد بعينه جائز أن يموت في الحال، فينبغي أن يكون متأهبا مستعدا لذلك، فيكتب وصيته التي يريد أن يوصي بها، ويجمع فيها ما يحصل له به الأجر ويحبط عنه الوزر من حقوق الله وحقوق عباده (٤) والنبي ﷺ قد حث أمته وحضهم في هذا الحديث على الوصية، فيستحب للمسلم أن يوصي بما تيسر إذا كان له مال كثير، ولا يزيد على الثلث؛ لقوله ﷺ : «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» (٥) ولكن إذا كان عليه حقوق واجبة: كالحج، والدَّين، والنذر، والودائع وغير ذلك، فإنه يلزمه أن يوصي بهذه الحقوق (٦).
وهكذا شأن الداعية الصادق والمسلم الحازم يكون مستعدا للموت متأهبا له، قائما بجميع الواجبات، تاركا جميع المحرمات، تائبا من جميع السيئات، كما قال النبي ﷺ لابن عمر ﵄: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» وكان ابن عمر يقول: " إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر
стр. 50
المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك " (١).
فالداعية ينبغي أن لا يتخذ الدنيا وطنا ومسكنا، فيطمئن فيها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر، يُهيئ جهازه للرحيلِ؛ لأن الآخرة هي دار القرار، قال الله تعالى حاكيا عن مؤمن آل فرعون أنه قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩] (٢)؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها» (٣) فالمؤمن وخاصة الداعية إلى الله ينبغي له أن يكون في الدنيا على أحد حالين:
الحالة الأولى: أن ينزل نفسه كأنه غريب في الدنيا يتخيّلُ الإِقامة لكن في بلد غربة، فهو غير متعلق القلب ببلد الغربة، بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه، وإنما هو مقيم في الدنيا؛ ليقضي بقية جهازه حتى يرجع إلى وطنه، ومن كان كذلك في الدنيا فلا هم له في الحقيقة إلا في التزود بما ينفعه عند عودته إلى وطنه، فلا ينافس أهل البلد الذي هو غريب بينهم في عزهم، ولا يجزع من الذل عندهم. والمؤمن في الدنيا غريب؛ لأن الجنة هي وطنه الأول أخرجه منه إبليس، فهو يتزود بما يبلغه المحل الأعلى، كما قال الإمام ابن القيم ﵀:
فحيَّ على جنات عدن فإنها ... منازلنا الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدوّ فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم
وقد زعموا أن الغريب إذا نأى ... وشطت به أوطانه فهو مغرم
وأي اغتراب فوق غربتنا التي ... لها أضحت الأعداء فينا تحكم (٤).
الحالة الثانية: أن ينزل الداعية نفسه في الدنيا كأنه مسافر غير مقيم ألبتة،
стр. 51
وإنما هو سائر في قطع منازل السفر حتى ينتهي به السفر إلى الوطن الذي يريد وهو الموت. ومن كان هذا حاله في الدنيا فهمته تحصيل الزاد للسفر، وليس له همة في الاستكثار من متاع الدنيا (١).
وعلى الداعية أن يتدبر دائما قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠] (٢).
رابعا: أهمية الكتابة في ضبط الأمور المهمة: في قوله ﷺ في الحديث: «إلا ووصيته مكتوبة عنده» إشارة إلى أن الأمور المهمة ينبغي أن تضبط بالكتابة الواضحة البينة؛ لأنها أثبت من الضبط بالحفظ؛ لأنه يخون غالبا، ولابد أن تكون الكتابة معلومة، كما أن في قوله ﷺ : " مكتوبة عنده " إشارة إلى أنه ينبغي للداعية أن يحتفظ بالوثائق المهمة عنده في مكان أمين، وفي حرز حصين حتى لا تتعرض الأمور المهمة إلى الإِتلاف، أو تضيع، أو تتسلط عليها أيدٍ غير أمينة (٣). وينبغي أن يشهد على وصيته إذا كان المكتوب وصية أو غيرها من الأمور المهمة، وله أن يغيِّر في وصيته ما شاء، ويزيد فيها ما يشاء من الأمور التي تتجدد (٤).
خامسا: دفع الحرج عن الأمة: دل الحديث على دفع الحرج عن هذه الأمة؛ ولهذا قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: (والترخيص في الليلتين، أو الثلاث دفع للحرج والعسر) (٥) والأصل
стр. 52
في ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (١) وقال : ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] (٢).
سادسا: من وسائل الدعوة: القول: الوسيلة في الأصل: ما يتوصل به إلى الشيء (٣) ووسائل الدعوة هي: ما يستعين به الداعية على تبليغ دعوته من أشياء وأمور (٤) فهي ما يتوصل به الداعية إلى تبليغ دعوته من أمور معنوية أو مادية ووسيلة التبليغ في هذا الحديث هي: القول: " ما حق امرئ مسلم " ووسيلة القول أعظم وسائل الدعوة التي استعملها أنبياء الله ورسله في تبليغ دعوتهم عليهم الصلاة والسلام.
وتبرز أهمية وسيلة القول من عدة وجوه، منها:
١ - اهتمام القرآن الكريم بهذه الوسيلة، فقد ورد لفظ " قل " في القرآن الكريم في أكثر من ثلاثمائة موضع، كما جاءت مشتقاته وتصريفاته في القرآن الكريم في آيات كثيرة (٥).
٢ - استخدام جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام هذه الوسيلة في دعوتهم إلى الله تعالى، فكم من رسول قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥] (٦) قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] (٧) ويدل على أهمية هذه الوسيلة كثرة أقوال النبي الكريم محمد ﷺ في كتب السنة التي دعا بها أمته بقوله إلى كل ما يعود عليهم بالخير والصلاح.
стр. 53
٣ - وسيلة القول وسيلة فطرية متوافرة عند أغلب الناس إلا ما ندر؛ ولهذا بيَّن الله سبحانه أهمية النطق باللسان، فقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦] (١).
٤ - هذه الوسيلة لها ضوابط منها: أن يكون القول مشروعا، ولطيفا حسنا، وأن يطابق القول العمل، ويكون بيِّنا واضحا، وبعيدا عن التقعُّر والتشدق وتكلف الفصاحة (٢) فينبغي للداعية أن يعتني بهذه الوسيلة ويطبق شروطها (٣).
سابعا: من موضوعات الدعوة: الحديث عن حقوق العباد: إن من الموضوعات المهمة التي ينبغي للداعية إلى الله أن يبينها للناس ويحضهم عليها: حقوق العباد؛ ولهذا قال الإمام ابن عبد البر ﵀: " وفي هذا الحديث الحضُّ على الوصية والتأكيد في ذلك، وأجمع الجمهور على أن الوصية غير واجبة على أحد إلا أن يكون عليه دينٌ، أو عنده وديعة، أو أمانة، فيوصي بذلك " (٤).
стр. 54
[حديث ما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهما ولا دينارا]
٢ - [٢٧٣٩] حَدَّثَنَا إِبْراهيمُ بنُ الحَارِثِ: حَدَّثَنا يَحْيى بنُ أَبي بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا زُهَيرُ بنُ مُعاويةَ الجُعْفِيُّ: حَدَّثَنَا أَبو إِسحاقَ، عن عَمْرِو (١) بنِ الحَارِثِ خَتَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَخِي جُوَيْرِيةَ بنتِ الحَارِثِ قَالَ: «مَا تَرَك رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتهِ دِرْهَما، وَلَا دِينارا، ولا عَبْدا، وَلَا أَمَة، وَلَا شَيْئا، إِلَّا بَغْلتَهُ البَيضاءَ وسِلاحَهُ، وَأَرْضا جَعَلَها صَدَقة» (٢).
وفي رواية: ". . . «إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها». . . " (٣).
وفي رواية: ". . . «وأرضا بخيبر جعلها صدقة». . . " (٤).
وفي رواية: ". . . «وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة» (٥).
* شرح غريب الحديث: * " الخَتَنُ " أبو امرأة الرجل، وأخو امرأته، وكل من كان من قِبَلِ امرأته، والأختان من قبل المرأة، والأحماءُ من قبل الزوج، والصهر يجمعهما (٦).
* " أرضا " هي نصف أرض فدك، وثلث أرض وادي القرى، وسهمه من خمس خيبر، وحقه من أرض بني النضير (٧) وقال الإمام النووي: " وأما
стр. 55
الأرض التي كانت له بخيبر وفدك فقد سبَّلها على المسلمين " (١).
* " وسلاحه " السلاح ما أعددته للحرب من آلة الحديد مما يقاتل به والسيف وحده يسمى سلاحا (٢) فعلى هذا فالمقصود بسلاحه سيوفه وأرماحه. (٣).
* " وبغلته " والجمع: أبغال وبغال، والبغل هو: ابن الفرس من الحمار، وقيل: اسم بغلة النبي ﷺ : دُلْدُل. (٤).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية منها:
١ - من صفات الداعية: الزهد.
٢ - من صفات الداعية: الكرم.
٣ - الإِعداد للجهاد في سبيل الله تعالى.
٤ - أهمية الوقف في العمل الدعوي.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولا: من صفات الداعية: الزهد: يؤخذ من هذا الحديث زهد الداعية إلى الله تعالى؛ لأن النبي ﷺ هو قدوة الدعاة- كان أزهد الناس في الدنيا، وفي حطامها الفاني، وكانت عنايته الفائقة بالدعوة إلى الله تعالى وتوجيه البشرية لما يعود عليهم بالخير في الدنيا والآخرة؛ ولهذا لم يترك عند موته: دينارا، ولا درهما، ولا عبدا، ولا أمة، ولا شيئا، إلا ما جعله صدقة في سبيل الله تعالى (٥) وهكذا ينبغي للداعية أن
стр. 56
يجعل أكبر همه الدعوة إلى الله تعالى، ويزهد في الدنيا ولا يجعلها غاية مقصده ومبلغ علمه، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة (١). قال ابن القيم ﵀: " وهذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها " (٢).
وقال الإمام أحمد ﵀: " الزهد على ثلاثة أوجه، الأول: ترك الحرام وهو زهد العوام، والثاني: ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص، والثالث: ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين " (٣).
وقد تكفَّل الله لمن لا يجعل الدنيا أكبر همه بالسعادة في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «من كانت الآخرة هَمّهُ جعل الله كفاه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له» (٤).
ثانيا: من صفات الداعية: الكرم الجود والكرم خلق عظيم ينبغي للداعية إلى الله أن يتصف به، وفي الحديث إشارة إلى اتصاف النبي ﷺ بالكرم؛ قال القسطلاني ﵀ على قول عمرو بن الحارث في الحديث: «ما ترك رسول الله ﷺ عند موته: درهما ولا دينارا ولا عبدا ولا أمة». . . ": " فيه دلالة على أن من ذكر من رقيق النبي ﷺ في جميع الأخبار كان إمَّا مات وإمَّا أعتقه " (٥) وقال العيني: " وقد ذكرنا في تاريخنا الكبير أنه كان له عبيد ما ينيف على ستين، وكانت له عشرون أمة، فهذا يدل على أن منهم من مات في حياة النبي ﷺ ، ومنهم من أعتقهم، ولم يبق عبد
стр. 57
بعده ولا أمة وهو في الرِّقيّة " (١) وهذا يدل على كرمه ﷺ ، وعن أنس ﵁ قال: «ما سُئِل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئا إلا أعطاه، قال: " فجاء رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قومي أسلموا؛ فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة» (٢).
فالداعية ينبغي له أن يكون كريما؛ لأن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها (٣).
ثالثا: الإعداد للجهاد في سبيل الله تعالى: الجهاد في سبيل الله تعالى وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله تعالى ونشر الإسلام؛ لأن الهدف منه: إخراج الناس من عبودية المخلوق إلى عبودية الخالق؛ ولهذا قال : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] (٤).
وقد دل الحديث على الإِعداد للجهاد والتأهب له، قال القسطلاني ﵀ في شرحه لهذا الحديث: " إلا سلاحه " أي الذي أعده لحرب الكفار: كالسيوف (٥) وقال ابن الأثير: " السلاح ما أعددته للحرب من آلة الحديد مما يقاتل به، والسيف وحده يسمى سلاحا " (٦).
فينبغي للدَّولة المسلمة أن تعد العدة للجهاد بكل ما تستطيعه من قوة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] (٧).
стр. 58
رابعا: أهمية الوقف في العمل الدعوي: دل مفهوم الحديث وما في معناه من الأحاديث الأخرى على أن الوقف له أهمية بالغة؛ ولهذا اعتنى به النبي ﷺ كما في هذا الحديث: «وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة»، وقال ﷺ : «إذا مات الإِنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (١).
فينبغي للداعية أن يبين للناس أهمية الوقف ويحثهم على ذلك، ويكون قدوة لهم في كل ما يدعوهم إليه. والله المستعان.
* * * *
стр. 59
[حديث أوصى النبي بكتاب الله]
٣ - [٢٧٤٠] حَدَّثَنَا خَلّاد بن يَحْيى: حَدَّثَنا مَالك: حَدَّثَنا طَلْحَة بن مصرِّفٍ (١) قَالَ: " سَأَلت عَبدَ اللهِ بنَ أَبِي أَوْفَى (٢) ﵄: هَلْ كَانَ النَّبِي ﷺ أَوْصَى؛ فقَال: لَا. فَقلت: كَيْفَ كتِبَ عَلَى النَّاس الوَصِيَّة أَوْ أمِروا بالوَصيَّةِ؛ قالَ: أَوْصَى بِكتَابِ اللهِ " (٣).
وفي رواية: " كَيْفَ كتِبَ عَلَى النَّاسِ الوَصيَّة أو أمِروا بِهَا وَلَمْ يوصِ " (٤).
* شرح غريب الحديث: * " فقال: لا " أي لم يوصِ بما يتعلق بالمال؛ لأن ما تركه فهو صدقة (٥).
* " أوصى بكتاب الله " أي بالتمسك به والعمل بمقتضاه (٦).
* " كيف كتِب على الناس الوصية أو أمروا بالوصية " شكّ من الراوي: هل قال: كيف كتب على المسلمين الوصية أو قال: كيف أمروا بها (٧).
стр. 60
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - أهمية العلم والعمل بكتاب الله تعالى.
٢ - أهمية السؤال في تحصيل العلم ونشره.
٣ - من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة.
٤ - من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية تفصيلا على النحو الآتي:
أولا: أهمية العلم والعمل بكتاب الله تعالى: أساس العلم النافع العلم بكتاب الله تعالى، فلا بد للداعية إلى الله تعالى أن يعتني بهذا الكتاب العظيم وحفظه: حسا ومعنى وتدبرا، فَيكرم، ويصان، ويتَّبع ما فيه: فيعمل بأوامره، ويجتنب نواهيه، ويداوم على تلاوته، وتعلمه وتعليمه (١) وقد بين الله الحكمة من إنزاله فقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] (٢) وقد بين النبي ﷺ أن هذا القرآن أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده المؤمنين فقال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» (٣).
فأي غبطة أعظم وأحب من هذه الغبطة العظيمة (٤)؛ ولهذه المكانة العظيمة أوصى النبي ﷺ بهذا القرآن العظيم في عدة مناسبات وفي عدة أماكن، من ذلك أنه أوصى به في عرفات فقال: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم
стр. 61
به، كتاب الله» (١) وعندما كان في طريقه إلى المدينة راجعا من حجة الوداع أوصى به فقال: «وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، [هو حبل الله من اتَّبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة] فخذوا كتاب الله وتمسكوا به»، فحث عليه ورغب، ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي» ثلاث مرات (٢) وأوصى به عند موته كما في حديث الباب.
فدل ذلك على أهمية تعلم كتاب الله تعالى وتعليمه للناس، فيتأكد على الدعاة إلى الله تعالى أن يعتنوا بكتاب الله حفظا وفهما، وعملا وتعليما.
ثانيا: أهمية السؤال في تحصيل العلم ونشره: إن السؤال عن العلم من أهم الأمور التي ينبغي لكل مسلم أن يعتني بها، وقد ظهر ذلك في هذا الحديث؛ لسؤال طلحة بن مصرف لعبد الله بن أبي أوفى ﵄ عن وصية النبي ﷺ ، فاستفاد منه هذا العلم العظيم ونشِرَ بسبب سؤاله؛ ولأهمية السؤال عن العلم قال عمر بن عبد العزيز ﵀: " خمسٌ إذا أخطأ القاضي منهن خطة (٣) كانت فيه وصمة (٤) أن يكون: فَهِما، حليما، عفيفا، صليبا (٥) عالما، سئولا عن العلم " (٦) وقال مجاهد: " لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر " (٧) وهذا يدل على أهمية السؤال عن العلم ونشره، فيتأكد على الداعية أن يعتني بذلك.
ثالثا: من وسائل الدعوة: القدوة الحسنة: دل هذا الحديث على أن القدوة وسيلة من وسائل الدعوة؛ ولهذا قال طلحة بن مصرف لعبد الله بن أبي أوفى ﵄: " كيف كتبَ على الناس الوصية أو
стр. 62
أمروا بالوصية ولم يوصِ " يعني النبي ﷺ ؛ لأنه أسوة كل مسلم، فقال عبد الله: " أوصى بكتاب الله "، وهذا يبين للداعية أنه يجب على جميع الدعاة إلى الله تعالى أن يكونوا قدوة صالحة للمدعوين، ولا يكون الداعية ناجحا إلا أن يعمل بدعوته، ولا يكون ممن يدعو إلى شيء ثم يتركه، أو ينهى عنه ثم يرتكبه، وهذا حال الخاسرين نعوذ بالله من ذلك؛ ولهذا قال الله تعالى محذرا عن ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] (١)؛ قال الإمام ابن القيم ﵀: " علماء السوء جلسوا على أبواب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فلما قالت أقوالهم للناس: هلموا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم، فلو كان ما يدعون إليه حقا، كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدلاء، وفي الحقيقة قطاع طريق " (٢) فعلى الداعية المسلم أن يكون قدوة للناس بقوله وفعله (٣) والله المستعان.
رابعا: من صفات الداعية: الحرص على الدقة في نقل الحديث: من الصفات الحميدة حرص السلف الصالح على الدقة في نقل الحديث؛ ولهذا قال بعض رواة هذا الحديث: " كيف كتِبَ على الناس الوصية أو أمروا بالوصية "، قال الحافظ ابن حجر ﵀: " شك من الراوي هل قال: كيف كتب على المسلمين الوصية أو قال: كيف أمروا بها " (٤).
وهذا يدل الدعاة إلى الله تعالى ويرشدهم إلى التحري والدقة في نقل الأخبار والأحاديث وتبليغها للناس كما جاءت، حتى لا يقع الداعية في الكذب أو الافتراء وهو لا يشعر (٥).
* * * *
стр. 63
[حديث ما أوصى النبي بشيء]
٤ - [٢٧٤١] حَدَّثَنَا عَمْرو بن زرَارَةَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل، عَنِ ابنِ عَوْنٍ، عنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ (١) قَالَ: " ذَكَرورا عِنْدَ عَائِشة (٢) أَنَّ عَلِيّا ﵄ كَانَ وصيّا، فَقَالَتْ: مَتى أَوْصى إِلَيْهِ وَقَدْ كنْت مسنِدَتَه إِلى صَدْرِي؟ - أَوْ قَالَتْ: حَجْرِي- فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدِ انْخَنَثَ في حَجْرِي فَمَا شَعرْت أَنه قَدْ مَاتَ، فمتَى أَوصى إِلَيْهِ؟ " (٣).
* شرح غريب الحديث: * " الطست " إناء كبير مستدير (٤).
* " انخنث " أي انكسر وانثنى لاسترخاء أعضائه عند الموت (٥).
стр. 64
* " حجري " الحجر- بالفتح والكسر-: الثوب والحضن، والمصدر بالفتح لا غير (١).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - الرد بالحكمة على الفرق الضالة.
٢ - قبول شهادة النفي من الداعية العالم.
٣ - الدفاع عن الدعاة إلى الله تعالى.
٤ - من أساليب الدعوة: الاستفهام الإِنكاري.
٥ - من أساليب الدعوة: التوكيد.
أما الحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية تفصيلا فعلى النحو الآتي:
أولا: الرد بالحكمة على الفرق الضالة: من وظائف الدعاة إلى الله تعالى الرد على الفرق البدعية، وتبيين وتوضيح ما هم عليه من الباطل، ولكن ينبغي الرد بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن كما قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٢) ومما يدل على هذه الفائدة في هذا الحديث ما فعلته عائشة ﵂ من الرد على من زعم أن النبي ﷺ أوصى لعلي بن أبي طالب ﵁ بالخلافة من بعده، والسبب في ذلك أن الشيعة قد وضعوا أحاديث في أن النبي ﷺ أوصى بالخلافة لعلي فرد عليهم جماعة من الصحابة ﵃ ذلك، وكذا من بعدهم، ومن ذلك ما استدلت به عائشة ﵂، وأنها كانت ملازمة لرسول الله ﷺ مدة مرضه إلى أن مات في حجرها، ولم يقع منه شيء من ذلك، ومن ذلك أن عليا لم يدَّعِ ذلك لنفسه حتى ولو بعد أن ولي الخلافة، ولا ذكره
стр. 65
أحد من الصحابة يوم السقيفة، ولا شك أن الشيعة تنقَّصوا عليا ﵁ من حيث قصدوا تعظيمه " لأنهم نسبوه- مع شجاعته العظمى وصلابته في الدين- إلى المداهنة والتقية والإِعراض عن طلب حقه مع قدرته على ذلك.
ومع ذلك فقد سمع الصحابة جميع ما أوصى به ﷺ ولم يكن من هذه الوصايا: الوصية لعلي بالخلافة. فَمِمَّا روِيَ في ذلك أنه ﷺ أوصى بإنفاذ الصدقة بمال كان عند عائشة ﵂، وإنفاذ جيش أسامة بن زيد ﵄، والوصية بأداء الزكاة، والوصية بالحذر من الفتن ولزوم الجماعة والطاعة، وثبت عنه ﷺ أنه أوصى بكتاب الله تعالى، وأن لا يترك في جزيرة العرب دينان، وأوصى بإجازة الوفد بمثل ما كان يجيزهم ويعطيهم، وأوصى بالصلاة وما ملكت الأيمان، وغير ذلك. ولم يكن من هذه الوصايا ما زعم الشيعة أنه أوصى به (١).
وهذا يبين للداعية أنه ينبغي أن يرد على الفرق الضالة؛ بالأسلوب الحسن، وبالرفق واللين، وبالجدال بالتي هي أحسن، وغير ذلك من الأساليب النافعة.
ثانيا: قبول شهادة النفي من الداعية العالم: ينبغي للمدعوين أن يثقوا بالدعاة العلماء ويقبلوا أقوالهم بأدلتها الصحيحة العقلية والنقلية؛ ولهذا قال الإمام الأبي ﵀، عن حديث عائشة ﵂ " فيه أن الشهادة على النفي من العالم مقبولة "، وبهذا المعنى صار قولها حديثا، فكأنه بمنزلة قوله: " لا أوصي بشيء " (٢).
ولا شك أن قبول أقوال الدعاة المخلصين الصادقين بأدلتها لمن يحتاج إلى ذلك مما ينتفع به المدعوون ويستفيدون منه، فعلى المدعو أن يتقي الله وأن يقبل الدعوة بأدلتها من الكتاب والسنة، وأن يصدق الدعاة العلماء فيما ينفونه عن الدين والعقيدة، ولا مانع من سؤال الدعاة عن الأدلة والتثبت من أقوالهم من باب العلم والفائدة.
стр. 66
ثالثا: الدفاع عن الدعاة إلى الله تعالى: لا شك أنه يجب على المدعوين- إذا سمعوا من يكذب على الدعاة أو يتهمهم بما ليس فيهم- أن يدافعوا عنهم بالصدق والحكمة، كما دافعت عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ وردَّت ما قاله الشيعة: من أنه ﷺ أوصى لعلي بالخلافة فقالت: " متى أوصى إليه وقد كنت مسندته إلى صدري. . .؟ " ثم بينت أنها لازمته مدة مرضه ولم يحصل منه ذلك (١).
وهكذا ينبغي للمدعوين أن يفعلوا- مع علمائهم ودعاتهم الصادقين- كما فعلت عائشة ﵂ من دفاعها عن رسول الله ﷺ .
رابعا: من أساليب الدعوة: الاستفهام الإِنكاري: الأسلوب: الطريق والفن. يقال: هو على أسلوب من أساليب القوم: أي على طريق من طرقهم. ويقال: أخذنا في أساليب من القول: فنون متنوِّعة (٢) وأساليب الدعوة: هي العلم الذي يتصل بكيفية مباشرة التبليغ وإزالة العوائق عنه، وهي الطريقة التي يسلكها الداعية في تأليف كلامه، واختيار ألفاظه، وتأدية معانيه ومقاصده من كلامه (٣).
وقد ظهر في هذا الحديث أسلوب الاستفهام الإِنكاري حيث قالت عائشة ﵂ منكرة على من زعم أن النبي ﷺ أوصى بالخلافة لعلي ﵁: " متى أوصى إليه. . .؟ " ثم بينت ﵂ ملازمتها له في مرضه حتى مات، ثم أعادت الاستفهام الإِنكاري مرة أخرى فقالت: " فمتى أوصى إليه؟ " والاستفهام الإِنكاري في الدعوة إلى الله تعالى يظهر منه أنه يحمل التوبيخ والزجر؛ لكن بطريقة حكيمة (٤).
والله قد بين ذلك في كتابه وخاطب به المشركين ومن ذلك قوله سبحانه
стр. 67
وتعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] (١) وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] (٢) وقد ثبت أن النبي ﷺ استخدمه ومن ذلك «قوله ﷺ لابن اللتبية - حينما جاء بصدقة فدفعها- إلى النبي ﷺ فقال: هذا ما لكم وهذه هدية أهديت لي، فقال ﷺ : " أفلا قعدت في بيت أبيك وأمك فتنظر أيهْدَى إليك شيء أم لا؟» (٣).
خامسا: من أساليب الدعوة: التوكيد: أسلوب التوكيد له صيغ متعددة وصور مختلفة، وأظهرها التوكيد بالقسم، والتوكيد بالتكرير. والتكرير قد يكون بتكرير الكلمة، أو الجملة أو الآية، أو القصة في القرآن الكريم والسنة المطهرة مرتين أو أكثر (٤).
والذي ظهر في هذا الحديث من هذه الأنواع هو أسلوب التوكيد بتكرير الكلمة: قالت عائشة ﵂: ". . . متى أوصى إليه، وقد كنت مسندته إلى صدري. . . "، ثم ساقت الحديث وقالت في آخره: " فمتى أوصى إليه؟ " وهذا الأسلوب قد كان النبي ﷺ يستخدمه في دعوته، فعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا سلَّم سلَّم ثلاثا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا (٥).
* * * *
стр. 68
٣ - بَاب الوصِيَّة بالثلثِ
وقال الحسن: لا يجوز للذمي وصية إلا بالثلث، وقال الله : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] (١).
[حديث الثلث والثلث كثير]
٥ - [٢٧٤٣] حَدَّثَنَا قتيبَة بن سَعيدٍ: حَدَّثَنَا سفيان عَن هِشَامٍ، عَنْ عرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ (٢) ﵄ قَالَ: لَوْ غَضَّ النَّاس إِلى الرّبْعِ، لأَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «الثلث والثّلث كَثيرٌ» (٣).
* شرح غريب الحديث: * لو غض الناس: لو نقصوا وحطوا من الثلث واقتصروا على الربع، و " لو " للتمني فلا يحتاج إلى جواب، وإن قيل إنها شرطية فيكون جوابها محذوفا تقديره: لكان أولى (٤).
стр. 69
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - من صفات الداعية: الرحمة.
٢ - من صفات الداعية: الفهم والفقه.
والحديث عن هذين الدرسين والفائدتين الدعويتين على النحو الآتي:
أولا: من صفات الداعية: الرحمة: لا شك أنه ينبغي للداعية إلى الله تعالى أن يعطف على المدعوين ويرحمهم، وهذه صفة عظيمة من صفات الدعاة إلى الله تعالى؛ ولهذا قال النبي ﷺ «لا يرحم الله من لا يرحم الناس» (١) وقال ﷺ : «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (٢) وقال: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» (٣) ". . . «إن أبعد الناس من الله القلب القاسي» (٤).
وتظهر الرحمة في هذا الحديث أن ابن عباس ﵄ رغب أن يغض الناس من الوصية بالثلث إلى الربع رحمة بورثتهم ورغبة في الإِحسان إليهم حتى لا يتكففون الناس؛ ولأن الصدقة عليهم أفضل من غيرهم؛ لأنهم أولى بها من غيرهم.
ثانيا: من صفات الداعية: الفهم والفقه: الفقه لغة: العلم بالشيء والفهم له، والفطنة، وغلب على علم الدين لسيادته وشرفه، وفضله على سائر أنواع العلم (٥)؛ ولهذا في دعا ﷺ لابن عباس
стр. 70
رضي الله عنهما بالفقه فقال: «اللهم فقهه في الدين» (١) والمعنى اللهم فَهِّمْه الدين؛ والفقه: الفهم كما قال تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] (٢) أي ليكونوا علماء به. وهذه الصفة العظيمة مهمة للداعية، وقد رزق الله ابن عباس الفقه في الدين استجابة لدعوة رسول الله ﷺ ، ومما يدل على فقهه ما قاله في هذا الحديث: " لو غض الناس إلى الربع "؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «الثلث والثلث كثير» قال ابن دقيق العيد ﵀ في قول ابن عباس ﵄: " لو غض الناس إلى الربع ": قد استنبطه ابن عباس من لفظ " كثير " (٣) وقال الحافظ ابن حجر ﵀ " وكأن ابن عباس ﵄ أخذ ذلك من وصفه ﷺ : الثلث بالكثرة " (٤).
وهذا يدل على فقه ابن عباس ﵄، ولا غرابة فهو حبر الأمة، ويدل على أهمية الفقه للداعية إلى الله تعالى، فعلى الداعية أن يسأل الله الفقه في الدين، وأن يتحصن بالعلم الشرعي: علم الكتاب والسنة.
* * * *
стр. 71
٦ - باب لا وصية لوارث
[حديث كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين]
٦ - [٢٧٤٧] حَدَّثَنَا محَمَّد بن يوسفَ، عَنْ وَرْقاءَ، عَنْ ابنِ أَبي نَجيْحٍ، عَنْ عطَاءٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ (١) ﵄ قَالَ: " كَانَ المَال لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الوَصيَّة لِلوَالِدَينِ، فَنَسَخَ الله مِن ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأنثيين، وَجَعَلَ لِلأَبَوَينِ لِكلِّ وَاحِدٍ مِنْهمَا السّدسَ، وَجَعَلَ لِلمَرْأَةِ الثمنَ وَالربعَ، وللزَّوج الشَّطْرَ والرّبعَ " (٢).
* شرح غريب الحديث: * " فنسخ الله من ذلك ما أحب " النسخ: أمر كان يعمل به من قبل، ثم ينسخ بحادثٍ غيره، كالآية ينزل فيها أمر ثم تنسخ بآية أخرى، وكل شيء خَلَفَ شيئا فقد نسخه: أي أبطله وقام مقامه، والأول منسوخ والثاني ناسخ، يقال: نسخت الشمس الظل: أي أزالت الظل وحلت محله (٣).
" الشطر " النصف (٤).
* الدراسة الدعوية للحديث: في هذا الحديث دروس وفوائد دعوية، منها:
١ - أهمية تبليغ العلم النافع للناس.
٢ - عناية الإسلام بحقوق الإِنسان.
٣ - من موضوعات الدعوة: بيان الناسخ والمنسوخ.
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
стр. 72
أولا: أهمية تبليغ العلم النافع للناس: دل مفهوم هذا الحديث على أهمية تبليغ العلم النافع للناس؛ فإن ابن عباس ﵄ قد بلغ في هذا الحديث علم الفرائض- الذي هو نصف العلم- وبينه للناس بيانا واضحا؛ فقد بين ﷺ أن المال الذي يخَلِّفه الميت كان يأخذه أولاده ميراثا، وكانت الوصية في أول الإسلام واجبة للوالدين والأقربين على ما يراه الموصي من المواساة والتفضيل، ثم نسخ الله من ذلك ما أحب وحدد الفرائض وأعطى كل ذي حق حقه (١).
فينبغي للدعاة إلى الله تعالى أن يقتدوا بحبر الأمة ويبلغوا العلم النافع للناس؛ لقوله ﷺ : «بلغوا عني ولو آية» (٢) ودعا ﷺ بالنَّضَارة، وهي: النعمة والبهجة لمن بلغ عنه ﵊، فقال: «نَضّرَ الله امرأ سَمِعَ مِنَّا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فَربَّ حَامِل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامِل فِقْهٍ ليس بفقيهٍ» (٣) وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «نَضّرَ الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، وحفظها وبلّغها، فَرب حامل فِقهٍ إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا يَغِلّ (٤) عليهنَّ قَلْب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن الدعوة تحيط من ورائهم» (٥) فعلى الدعاة إلى الله أن يرغبوا في هذا الفضل العظيم، وهذه الدعوة المباركة. والله المستعان.
стр. 73
ثانيا: عناية الإسلام بحقوق الإنسان: يظهر في هذا الحديث جليّا أن الإسلام حفظ حقوق الإِنسان واعتنى بها عناية فائقة، وهذا يبين أنه الدين الذي يصلح لكل زمان ومكان؛ فإنه تكفل بما يعود على الإِنسان المسلم بالسعادة في الدنيا والآخرة.
ويؤخذ من هذا الحديث امتياز الإسلام وحفظه للحقوق الإِنسانية، وذلك لأمور:
١ - الإسلام أبطل نظام الجاهلية الذي ينقل مال الميت إلى الكبير من أبنائه، فإن لم يكن له أبناء فإلى أخيه أو عمه، فلا يورِّثون الصغار، ولا الإناث؛ بحجة أن هؤلاء لا يحمونهم، ولا يقاتلون معهم، ولا يحوزون المغانم (١) فجاء الإسلام يهدم عادات الجاهلية قال الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] (٢) فحفظ الإسلام حقوق الناس ذكورا وإناثا، صغارا وكبارا، وأعطى كل ذي حق حقه، فعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: «إن الله تعالى قد أَعطى كلَّ ذي حق حقه فلا وصية لوارث» (٣) فإذا كانت الجاهلية راعت الأقوياء وحرمت الضعفاء من الميراث، فكل الإسلام راعى هؤلاء الضعفاء؛ لأنهم أحق بالعطف، ولم يحرم الإسلام الأقوياء من الميراث، فكل من توفر فيه سبب من أسباب الإِرث، وانتفى عنه المانع ورث كبيرا كان أو صغيرا، ذكرا كان أم أنثى، قويا أم ضعيفا (٤).
٢ - الإسلام يقَوِّي أواصر القرابة بين الناس، ويحكم الصلة بينهم بصلة الرحم، كما قال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] (٥)
стр. 74
فهو يقدم الذرية بالإِرث على الأصول وعلى بقية القرابة، ومع هذا فلا يحرم الأصول ولا بقية القرابات، بل يجعل لكل ذي نصيبٍ نصيبه (١) وهذا نظام العدالة والمواساة. والرحمة: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] (٢).
٣ - الإسلام يحترم الملكية الفردية، فنظام التوريث يعطينا دلالة واضحة على احترام هذا الدين للملكية الفردية؛ لأنه يسلم الثروة التي يخلفها الميت إلى يد وارثه موفورة محترمة؛ لقوله ﷺ : «ومن ترك مالا فلورثته» (٣) وهذا من أكبر الدوافع التي تقوي نشاط أهل الأموال إلى الاستثمار، وبذل الجهد في ذلك؛ لأن الإنسان الذي يعرف أن الأموال التي بذل جهده في جمعها تصير بعد ذلك إلى غير ورثته ولا ينتفع بها أولاده لا يحافظ عليها، ولا يحميها. وهذا يدل على سماحة الإسلام وحفظه لحقوق الإنسان كما قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] (٤).
ثالثا: من موضوعات الدعوة: بيان الناسخ والمنسوخ: الإسلام نسخ جميع الشرائع السابقة، ومعلوم أن أصل دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واحد، وهو " التوحيد "، أما الشرائع فقد نسختها شريعة محمد ﷺ ؛ لأن الله ختم بها جميع الشرائع، وأرسله إلى الإِنس والجن، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] (٥) وحديث ابن عباس يظهر منه جليّا وقوع النسخ، ولهذا قال ابن حجر ﵀ على قول ابن عباس ﵄: " فنسخ من ذلك ما أحب ": " وفيه رد على من أنكر النسخ " (٦)
стр. 75
ولا شك أن الإسلام نسخ جميع الشرائع السابقة بالإِجماع (١) ولهذا قال ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني، ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» (٢).
فالداعية إلى الله تعالى قد يحتاج إلى بيان الناسخ من المنسوخ في هذه الشريعة كما قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] (٣) وقد يحتاج إلى بيان نسخ الشريعة الإِسلامية لجميع الشرائع السابقة، وذلك في دعوته لغير المسلمين، وخاصة أهل الكتاب، فعليه أن يلمَّ بذلك إلماما جيدا؛ قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: " معرفة هذا الباب أكيدة، وفائدته عظيمة لا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء؛ لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام " (٤).
فينبغي للداعية أن يسلك طريق الحكمة في بيان أن الشريعة الإِسلامية ناسخة لجميع الشرائع السابقة، وأن يبين للناس: الناسخ والمنسوخ عن علم وبصيرة، على حسب ما يحتاجه المدعو.
* * * *