← Фикх общий

Фикх общий · id 31069

خطبة الجمعة ودورها في تربية الأمة

عبد الغني أحمد جبر مزهر

Полный текст (162 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. . . وبعد: فإن الخطابة إحدى وسائل الدعوة إلى الله جل وعلا، وهي من أهم وسائل التربية والتوحيد والتأثير، لذا فقد كانت جزءا من مهمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في دعوة أقوامهم إلى توحيد الله جل وعلا وطاعته، وتحذيرهم من غضبه وبطشه، وأليم عقابه، ليقلعوا عما هم عليه من ضلال وفساد عقدي، وخلقي، واجتماعي. وما زالت الخطابة- أيضا- وسيلة ناجحة من الوسائل التي يلجأ إليها المصلحون، والعلماء، والدعاة، والقادة في كل العصور لتحريك العقول، وبعث الثقة في النفوس للدفاع عن فكرة معينة، أو النهوض بمهمة معينة. جاء في معجم كامبردج لتاريخ الأدب الأمريكي أن الرئيس " لنكولن " صاحب الشعبية الواسعة لم يفز بموقع الرئاسة في حزبه عام ١٨٦٠م بسبب سياساته أو أعماله، وإنما بأسلوبه المؤثر في التخاطب والتعبير، وهكذا الحال في كل الحركات التغييرية، فإن الأقدر على قوة التعبير والخطاب هم الأقدر على القيادة (١) . وعلى رغم التأثير الكبير لوسائل الإعلام بأنواعها فإن من الباحثين من يذهب إلى أن الحديث المباشر بين الأشخاص، والمخاطبة المباشرة تؤدي إلى تغيير الآراء، والتأثير في الآخرين أكثر من الاستماع إلى الإذاعة، أو مشاهدة التلفاز، أو قراءة الجريدة، أو المجلة ونحو ذلك (٢) .

стр. 2

وكم من خطبة تناقل الناس عباراتها، واحتجوا بأفكارها، وتداولوها بينهم إعجابا واستحسانا بها، وكم من خطبة أحدثت تحولا في عادات الناس وتصوراتهم وكم من خطبة فتحت باب الأمل والتوبة لدى بعض المخاطبين. غير أنه بالمقابل ربما كان للخطبة آثار سيئة، وأضرار خطيرة على المخاطبين من تهييج أو تيئيس، أو تناقل أخبار من قبيل الشائعات، أو نشر بدعة، وطمس سنة، أو بث فتنة وفساد بين الناس. فإن المرء لا يكون خطيبا بمجرد صعوده المنبر، ومخاطبة الجموع، فالخطابة لها قواعدها، ومعالمها، وآدابها التي ينبغي أن يحرص عليها الخطيب حتى يكون ناجحا فاعلا مؤثرا، فلا بد أن يأخذ بحظ وافر من المران والممارسة، والتأهل والإعداد والتحضير، والعلم والثقافة المتنوعة. ولقد كان لعدد من خطباء العرب البارزين في الجاهلية دور كبير جلي في إخماد الفتنة بين القبائل أو إشعالها، وكان لهم أثر واضح في المناسبات الاجتماعية من حض على القتال، وإدراك الثأر، أو الدعوة إلى رفيع الشيم، ومعالي الأخلاق، أو في خطب الوفود أو النكاح، أو المفاخرات والمبارزات الكلامية، مما جعل القبيلة تعتز بخطيبها وتفاخر به القبائل الأخرى تفاخرها بشعرائها أو أشد من ذلك. وهكذا كانت الخطابة في العصور الإسلامية المتعاقبة، وقد جعل الإسلام أهمية بالغة، ومكانة عظيمة لخطبة الجمعة لما تختص به من خصائص، وتتميز به من مزايا تحتم على الخطيب أن يكون على مستوى هذه المكانة، وتلك الأهمية ليؤتي جهده أكله، ويثمر الثمرات المرجوة. إن خطبة الجمعة تتميز بمزايا، وتختص بخصائص لا تتوفر في أي نوع من أنواع الخطب الأخرى، حيث إنها تمثل شعيرة من شعائر الإسلام، وتتم في جو مهيب خاشع تتهيأ فيه النفوس للتلقي والاستماع، ويشعر المسلم فيه أنه في

стр. 3

صلاة وطاعة لله جل وعلا، كما أنها تتميز بوجوب الإنصات إلى الخطيب. وعدم التشاغل عنه، مما يفردها عن سائر الخطب، والمحاضرات، والندوات التي لا ينطبق عليها الحكم الشرعي نفسه. وتتميز خطبة الجمعة أيضا بالاستمرارية والتكرار في كل أسبوع، ففي العام الواحد يستمع المصلي لاثنتين وخمسين خطبة، وهذا يمثل مساقا دراسيا متكاملا، فإذا أحسن إعداده كانت آثاره جليلة، وثمراته عظيمة. وتتميز خطبة الجمعة إلى جانب ذلك بتنوع الحاضرين إليها، وباختلاف مستوياتهم وطبقاتهم العلمية، والاجتماعية، فإن الخطيب في خطبة الجمعة يخاطب جميع فئات المجتمع، ولا يختص الحضور على فئة دون أخرى، وهذا التنوع يعني تذليل العقبات التي تحول دون تنفيذ طرائق الإصلاح الاجتماعية، فإن العامل وصاحب العمل، والطالب والمعلم، والموظف والرئيس كلهم يخاطبون في آن واحد، ويوضعون أمام مسؤولياتهم، فلا تخاطب فئة منهم في غياب الفئة الأخرى، ولا تحمل المسئولية على فئة منهم دون الأخرى. ومن هنا كانت الكتابة في موضوع خطبة الجمعة ودورها في الأمة على جانب كبير من الأهمية، وتدعو إليه الحاجة الملحة. لذا فقد رأيت الكتابة في هذا الموضوع الجليل خطره العظيم أثره، مشاركة في الارتقاء بمستوى الخطبة، وإحياء لدورها في الأمة، ونهوضا بمستوى الخطيب، وإبرازا لدوره في إيقاظ الهمم، وشحذ العزائم، في تبصير المسلمين بحقائق دينهم، وعقيدتهم، ومكايد عدوهم، ومما يجب عليهم، وما لا يسعهم جهله. وقد قسمت هذا الكتاب إلى أربعة فصول رئيسية: الفصل الأول: مقومات الخطبة المؤثرة، ويشتمل هذا القسم على المباحث التالية: ١ - قصر الخطبة وأثر ذلك.

стр. 4

٢ - اشتمال الخطبة على الآيات القرآنية، والأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ . ٣ - اشتمالها على ضرب المثل من التاريخ، ومن واقع المخاطبين. ٤ - اختيار موضوع الخطبة وأثر ذلك. ٥ - اشتمالها على الأسلوب الحسن، وذلك يتمثل في الآتي: (أ) تجنب التخصيص في الخطاب غالبا وأثر ذلك. (ب) تجنب التجريح سواء للهيئات أم الجماعات أم الأشخاص. (ج) تجنب المبالغة والتهويل في الخطاب. (د) تجنب أسلوب التيئيس وما يولد الإحباط عند المخاطبين. ٦ - اشتمال الخطبة على العظة، والحث على التقوى، وما يرقق القلوب ويقوي الإيمان واليقين في النفوس. الفصل الثاني: مقومات الخطيب المؤثر، وفيه المباحث الآتية: ١ - الإخلاص وصدق اللهجة وأثر ذلك. ٢ - سيرة الخطيب وأخلاقه وأثر ذلك. ٣ - علمه وثقافته. ٤ - لغته وفصاحته. ٥ - نبرة صوته وحركة يده. ٦ - حسن مظهره الخارجي. ٧ - تثبته من المعلومات، والأخبار، والأحكام التي يلقيها للناس. ٨ - حسن عرضه وخطابه للناس. ٩ - تجنبه للتقعر والتكلف، والتقليد في الكلام والحركة. ١٠ - إعداده للخطبة سواء أكان مرتجلا للخطبة أم لا. ١١ - تقويمه لكل خطبة من خطبه.

стр. 5

الفصل الثالث: المخاطبون، وفيه المباحث التالية: ١ - مستواهم من حيث السن والعمل والعرف. ٢ - أمراضهم الاجتماعية، وحسن معالجتها. ٣ - أمراض القلوب وحسن معالجتها. وبناء الثقة بينهم وبين الخطيب بمخالطتهم وتحسس مشكلاتهم، ومشاركتهم في همومهم وتطلعاتهم، والتواضع لهم. ورصد انفعالاتهم بالخطبة، ومتابعة تقويم ذلك، وتلمس آثار الخطبة في سلوكهم وعاداتهم وعلاقاتهم المختلفة. الفصل الرابع: أثر الخطبة في تربية الأمة، وفيه مبحثان: ١ - خصائص خطبة الجمعة. ٢ - بروز آثارها في الواقع. خاتمة: وتتضمن خلاصة الكتاب وبعض التوصيات والمقترحات. والله تعالى أسأل أن يجعل هذا الكتاب من العلم النافع لكاتبه، وقارئه، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، مبرءا من كل شرك أو رياء، إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم. وكتبه عبد الغني أحمد مزهر

стр. 6

[الفصل الأول مقومات الخطبة المؤثرة] [المبحث الأولى قصر الخطبة وطولها] الفصل الأول مقومات الخطبة المؤثرة

стр. 7

المبحث الأول قصر الخطبة وطولها إن الخطبة المؤثرة ينبغي أن تتصف بصفات، وتشتمل على مقومات، ومنها قصر الخطبة، غير أننا لا نستطيع أن نحكم على الخطبة بالجودة والتأثير لمجرد كونها قصيرة وحسب، أو نحكم عليها بالفشل لكونها طويلة فحسب، فإن قصر الخطبة وطولها أمر تحدده عوامل كثيرة، وتدعو إليه أسباب متنوعة، وربما وصفت الخطبة بأنها جامعة مؤثرة مستوفية لموضوعها، مع كونها قصيرة لم تتجاوز دقائق معدودة، وربما وصفت بذلك مع كونها طويلة تجاوزت الوقت المعتاد لمثلها، وإن من العوامل التي تتحكم في وقت الخطبة طولا وقصرا: - طبيعة الموضوع الذي يتناوله الخطيب، وأهميته بالنسبة للمخاطبين، وكونه مما يحتاج إلى البسط والإيضاح، أو يكفي فيه الاختصار والإيجاز. - ومن العوامل كذلك سعة المسجد أو ضيقه، وكثرة المصلين أو قلتهم، وكذلك ما يطرأ على الناس من أحوال عامة تؤدي إلى اضطراب نفوسهم، واشتغال أذهانهم وعقولهم، وما يستجد من أحداث لها آثار على عقيدة المسلمين، أو أخلاقهم أو أمنهم واستقرارهم. فالخطبة وقت النوازل والكوارث والأحداث الجسام تختلف عنها في الأحوال المعتادة، والخطبة في مسجد السوق تختلف عنها في مسجد الحي إذ ينبغي أن يعطي لهؤلاء من الوقت ما يناسبهم. والخطبة وقت الحرب والدعوة إلى الجهاد تختلف عنها وقت السلم، وهكذا فإن لظرف الزمان والمكان دورا واضحا في تحديد الحاجة إلى الطول، أو الحاجة إلى القصر في الخطبة، غير أننا نقول: إن الرسول ﷺ قد رغب في قصر الخطبة وطول الصلاة بجعله ذلك علامة على فقه الخطيب.

стр. 8

روى مسلم في صحيحه عن واصل بن حيان قال: قال أبو وائل - وهو شقيق بن سلمة - خطبنا عمار ﵁ فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست- أي: أطلت- فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته، مئنة - أي: علامة- من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحرا» (١) . فقد أرشد النبي ﷺ إلى خصلتين عظيمتين إذا وجدتا في الخطيب تمكن من حسن الخطاب، وقوة التأثير، وهما: الفقه والعلم الشرعي الذي يمكنه من أداء الصلاة على وجهها قراءة، وخشوعا، وأحكاما، وأداء الخطبة على وجهها، ثم البيان والفصاحة التي تمكنه من جوده الخطاب، ورصانة الأسلوب، وسلامة التعبير، لتقع الخطبة موقعها من النفوس. إن مراعاة الأحوال المختلفة للمخاطبين، ثم القصد - أي: الاعتدال والتوسط - هو الأفضل بوجه عام، وذلك لأن الطول يفضي في الغالب إلى السآمة والملل بالنسبة للسامعين، وقد يؤخرهم عن بعض أعمالهم، ويشغلهم عن قضاء بعض حاجاتهم، وقد نبه الرسول ﷺ إلى فضل ذلك بالصلاة التي هي أجل شأنا، وأعظم قدرا من الخطبة، فقال: «يا أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة» (٢) . وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان معاذ بن جبل ﵁ يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يرجع فيؤم قومه، فصلى العشاء فقرأ بالبقرة، فانصرف الرجل، فكأن معاذا تناول منه، فبلغ النبي ﷺ فقال: " فتان، فتان، فتان " (ثلاث مرار) أو قال: "فاتنا، فاتنا، فاتنا" وأمره بسورتين من

стр. 9

أواسط المفصل.» (١) . وعن جابر ﵁ أنه قال: «اقرأ والشمس وضحاها، والضحى، والليل إذا يغشى، وسبح اسم ربك الأعلى» (٢) . وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن منهم الضعيف، والسقيم، والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء» (٣) . ومع أمره ﷺ لمعاذ بالقراءة بأواسط المفصل، إلا أنه كان يؤم الصحابة فيطيل في بعض الأحيان، ويسمع صراخ الصبي وهو يريد أن يطول في صلاته، فيتجوز في صلاته كراهية أن يشق على أمه (٤) . واختيار مسلك التوسط والاعتدال في الخطبة يمنع أن تكون الخطبة قصيرة قصرا مخلا بموضوعها، حائلا دون تحقيق الفائدة والثمرة المرجوة منها، ويمنع كذلك من طروء السآمة والملل على نفوس المصلين مع إعطاء الموضوع حقه في التفصيل والبيان. وقد نبه الرسول ﷺ بقوله: «فإن خلفه الضعيف، والكبير، وذا الحاجة» إلى تنوع الحاضرين إلى الصلاة، واختلاف طاقتهم وقوتهم، ففيهم الشاب، وفيهم الشيخ الكبير، وفيهم المتفرغ من الشواغل، وفيهم العامل وذو الحاجة، فعلى الإمام أدن يراعي هذا التنوع والاختلاف في قدرات الناس. والحاضرون إلى صلاة الجمعة وخطبتها هم كذلك تتعدد مشاربهم وثقافاتهم فعلى الخطيب أن يتنبه لذلك ويعطيه حقه. عن جابر بن سمرة ﵁ قال: «كنت أصلي مع النبي ﷺ ،

стр. 10

فكانت صلاته قصدا، وخطبته قصدا» (١) . والقصد والاعتدال نهج إسلامي أصيل، حث عليه الرسول ﷺ في الأمور كلها، بل جعله جزءا. من أجزاء النبوة. روى الترمذي من طريق عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «السمت الحسن، والتؤدة، والاقتصاد، جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة» (٢) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن ينجي أحدا منكم عمله، فقالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته. سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا» (٣) . ومن المعلوم أن خطبة الجمعة هي غير المحاضرة، أو الندوة، أو الدرس الذي يتطلب البسط والشرح غالبا، والوقوف عند أهم العناصر والأفكار والاستعانة بكثير من التكرار الذي يساعد على تثبيت المعلومة عند السامعين، وتقريبها. وكلما كان الخطيب أوسع فقها، وأدق فهما، وأرحب ثقافة، وأملك لناصية البيان والفصاحة، كانت خطبته موجزة بليغة عظيمة الواقع على قلوب المخاطبين، ولا يخفى أنه قد تدعو الحاجة أحيانا إلى الإطالة في الخطبة، وذلك لأمور تعرض، أو أحداث تقع، فليس ثمة ما يمنع ذلك، وعلى الخطيب أن يكون لبقا، ذا فراسة في وجوه المصلين ومعرفة تعابيرها، فيراعي أحوالهم في

стр. 11

الخطبة والصلاة، بحيث لا يشق عليهم فيوقعهم في الضيق والحرج، وأن يعتذر لهم في لطف قبل أن يبتدئ الخطبة أو في نهايتها، وأنه ما لجأ إلى الإطالة إلا لخطورة الموضوع الذي يتناوله، والمهم أن قصر الخطبة وإطالة الصلاة هي الحالة الفضلى إذا تمكن الخطيب من الإتيان بمعاني الخطبة أو أفكارها ضمن ذلك، وإلا فالتوسط والقصد مع مراعاة أحوال المصلين والظروف العامة التي تحيط بهم. قال الشيخ عبد الله البسام: " إن قصر الخطبة، وإطالة الصلاة دليل على فقه الخطيب والإمام، فإنه استطاع أن يأتي بمعاني الخطبة بألفاظ قليلة، وبوقفة قصيرة، أما تشقيق الكلام وتطويله فهو دليل على العي والعجز عن الإبانة، فخير الكلام ما قل ودل " (١) . والجمعة ليست مهرجانا للخطابة وإبراز القدرة على البيان والفصاحة، بل كلمات قليلة تشتمل على التذكرة، والعظة، والتبصرة بالواقع، وترقيق القلوب وزيادة الإيمان.

стр. 12

[المبحث الثاني اشتمال الخطبة على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية] [المطلب الأول اشتمال الخطبة على الآيات القرآنية] المبحث الثاني اشتمال الخطبة على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المطلب الأول اشتمال الخطبة على الآيات القرآنية مهما ملك الخطيب من أسباب البيان، وبلاغة الخطاب، ومهما كانت قوة عباراته وجزالة أسلوبه، فلن يصل إلى درجة تأثير القرآن في القلوب، وقرعه للعقول، وأين كلام البشر من كلام الله تعالى؟!! ولذا كان جديرا بالخطيب أن يضمن خطبته الآيات القرآنية التي تزين خطبته، وتجلي حجته، وتجعله ينطق بالحق، فإن الاستشهاد بالآية، وتلاوتها في الوقت المناسب والموضع المناسب، إقامة للحجة، وبيان وبرهان يأخذ بمجامع القلوب، ويشنف الأسماع، ويقرع العقول. ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر: ٧١] قال ابن كثير: ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] أي: يقيمون عليكم الحجج والبراهين على صحة ما دعوكم إليه (١) . وإن أظلم الظلمة من يعرض عن آيات الله تعالى بعد أن تتلى عليه، ويذكر بها فيولي مستكبرا كأن لم يسمعها، قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [الكهف: ٥٧] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] (٢) قال الحافظ ابن كثير ﵀: " أي: لا أظلم ممن ذكره الله بآياته، وبينها له

стр. 13

ووضحها، ثم بعد ذلك تركها وجحدها، وأعرض عنها وتناساها كأنه لا يعرفها، قال قتادة: " إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرر" (١) . وقد كان رسول الله ﷺ في كثير من الأحيان يجعل خطبته أو جلها تلاوة سورة من القرآن لما يشتمل عليه من ابتداء الخلق والبعث، والحساب، والجنة، والنا ر، والترغيب والترهيب. أخرج مسلم في صحيحه عن عمرة بنت عبد الرحمن رحمها الله عن أخت لها كانت أكبر منها قالت: «أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] من في رسول الله ﷺ يوم الجمعة، وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة» . وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان ﵂ قالت: «لقد كان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحدا سنتين أو سنة وبعض السنة، وما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس» . وعن صفوان بن يعلى عن أبيه ﵁: «أنه سمع النبي ﷺ يقرأ على المنبر ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧] » (٢) . الزخرف-٧٧. قال النووي ﵀ في شرحه: " فيه القراءة في الخطبة، وهي مشروعة بلا خلاف، واختلفوا في وجوبها، والصحيح عندنا وجوبها، وأقلها آية " (٣) . قال الشيخ عبد الله البسام: " وفيه مشروعية قراءة شيء من القرآن في الخطبة، وهي واجبة عند بعض العلماء، ومنهم الحنابلة، فلا بد من قراءة آية من كتاب الله، وفيه استحباب ترديد المواعظ لتذكير الناس في الخطبة، وأنفع

стр. 14

ما يوعظ به العامة والعصاة هو ذكر الموت والبعث والجزاء " (١) . ومما ينبغي التنبيه له عند الاستشهاد بالآيات القرآنية في الخطبة ونحوها ما يلي: ١ - الحذر من الخطأ في تلاوة الآية، فإن هذا مما يعيب الخطيب، ويفسد عليه جمال أفكاره، وأهمية موضوعه، ويصرف السامع عن التأثر بالخطبة إلى التصحيح والنقد، وتتبع الأخطاء، فينبغي على الخطيب حفظ الآيات التي يستشهد بها في الخطبة حفظا دقيقا وسليما، فإن لم يتيسر له ذلك فلتكن مكتوبة يرجع إليها عند الحاجة، حتى ولو كان مرتجلا لخطبته ارتجالا. ٢ - الحذر من قراءة الآية بقراءة غير معروفة ولا مشهورة لدى السامعين، وإن كانت قراءة سبعية، فهذا من شأنه أن يشوش أذهان السامعين، ويصرفهم عن تدبر المعنى إلى الوقوف عند اللفظ، ومن كان محدثا للناس فليحدثهم بما يعرفون، وليترك ما ينكرون. قال علي ﵁: " حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله " (٢) . فإن أحب الخطيب أن يلفت النظر إلى معنى يكون في قراءة دون أخرى فلينبه إلى أن ذلك في قراءة " فلان " وهي قراءة سبعية. ٣ - الحذر من الاستشهاد بالآية في غير موضعها، وإنزالها على غير واقعها، والتكلف في حمل الآية على حادثة معينة، أو على جماعة معينة، أو واقع معين مما يعد من التحريف، وتحميل الألفاظ فوق ما تحتمل، وعلى ذلك فلا بد من الاطلاع على تفسير الآيات من كتب التفسير المعتمدة، فلا أقل من أن يطلع على تفسير واحد من هذه التفاسير حتى يكون على علم

стр. 15

بفهم السلف للآيات وتأويلها، مما يقيه من التأويلات الباطلة، والأقوال الواهية في ذلك، وليحذر من الاعتماد على تفاسير المبتدعين، من الباطنية والصوفية، والرافضة ونحوهم. ٤ - الحذر من إقحام الآيات المتشابهة أو المحتملة المعاني في مواطن الخلاف بين المذاهب، والجماعات الإسلامية، وجعلها نصا قاطعا في الرد على بعضها، أو نصا له فيما يذهب إليه من رأي، وإنما حسبه في ذلك أن يبرز دلالة الآية القرآنية كما فهمها سلف الأمة، وليكن دور الخطبة هو جمع الأمة وتأليف القلوب على منهج علماء الأمة وسلفها، لا في تفتيت صفها، وتمزيق وحدتها، وهذا يتطلب سعة صدر وحكمة. ٥ - الحذر من إقحام الآيات في مجال المخترعات الحديثة أو الصناعات والوسائل العلمية المستجدة ما لم يكن ذلك نصا أو معنى راجحا مرضيا من العلماء الأخيار، فإن ولوج ذلك الباب لا يخلو من التكلف والتعسف في لي النصوص وتحميلها ما لا تحتمل من المعاني، وهذا باب يستهوي كثيرا من الخطباء رغبة في التميز، وإعجاب الناس بسعة علمه، وثقافته، ودقة نظره، واستنباطه للطائف المعرفة، وهو أمر محفوف بالمخاطر، ربما فتح الباب للتأويلات الفاسدة، والتجرؤ على الخوض في أمور من العلم لا يحسنها. ٦ - الحذر أيضا من التكلف في تطويع الآيات للمناسبات المختلفة سواء أكانت مناسبات عامة أو خاصة. قال الأستاذ نذير مكتبي: " إن من أقبح ما يقع فيه كثير من الوعاظ والخطباء إساءة قراءة النص القرآني، وعدم الاهتمام بأحكام التجويد وآداب الترتيل، فنجد أحدهم يتلو الآية أو الآيتين كأي كلام آخر غير القرآن، فلا يبالي بأي خطأ يعتري قراءته، إن رفع أو خفض أو غير أو بدل، أو أخرج الحرف من غير مخرجه، ولا ضير على الخطيب إذا لم يستوثق من متانة حفظه للشاهد القرآني

стр. 16

أن يكتبه على ورقة، ويقرؤه منها على الناس. . . وليس ثمة عيب في الخطبة إذا لم يستظهر الخطيب الآيات التي يوردها في خطبته. إذا قرأ الخطيب نصا قرآنيا، وكان فيه كلمة أو أكثر خفي معناها، فمن المستحسن بالخطيب أن يفسر معاني تلك الكلمات بأسلوب حكيم لا يخرج النص عن كونه شاهدا، حتى لا يبقى السامع في غموض عن إدراك المعنى المراد من السياق (١) . إن كتاب الله تعالى هو الشفاء، وهو الدواء الناجع لكل أمراض الأمة، وعللها، ولكن الدواء إذا وقع في يد متطبب لا يحسن الطب فإنه ربما كان ضره أكبر من نفعه، ومن هنا فإن الفرق الضالة والمبتدعة ترتكز في مناهجها ومسالكها المبتدعة على التأويل الفاسد لكلام الله . [المطلب الثاني اشتمال الخطبة على الأحاديث النبوية] المطلب الثاني اشتمال الخطبة على الأحاديث النبوية لا يقل الاستشهاد بالحديث النبوي أهمية عن الاستشهاد بالقرآن، فإن السنة شارحة للكتاب العزيز، مفصلة ومبينة لمجمله، مخصصة لعامه، ولا يستغني الخطيب عن دعم رأيه، وتقوية حجته بحديث النبي المعصوم ﷺ ، لكن عليه أن يراعي الأمور التالية عند الاستشهاد بالحديث النبوي: ١ - تجنب ذكر الأحاديث الموضوعة، والواهية، فإنه لا خير فيها، ولا نور عليها، بل إن ذكرها وحملها وتبليغها إلى الناس له دور خطير في نشر العقائد الفاسدة، والبدع والضلالات، لا سيما وأن العامة لا تمحيص ولا تثبت لديهم، فسرعان ما تنتشر مثل هذه الأمور فيما بينها لتعلقها بالغرائب، مع الاستهانة بما يترتب عليها من مفاسد. ولا يعفى الخطيب من التبعة أن يكون حسن النية سليم القصد، هدفه التأثير في القلوب، والترغيب في الإصلاح فإن الغاية المشروعة لا تسوغ الوسيلة

стр. 17

المحرمة، وقد وقع قوم من جهلة العباد والمتنسكة في هذه الخطيئة حيث زعموا أنهم يكذبون لرسول الله ﷺ لا عليه، ويكذبون للإصلاح لا للإفساد، ويكذبون حسبة للخير كما فعل نوح بن أبي مريم، وهو الذي وضع الأحاديث في فضائل القرآن سورة سورة (١) . قال النووي ﵀ في التقريب: " والواضعون أقسام: أعظمهم ضررا قوم ينسبون إلى الزهد وضعوه حسبة ". قال السيوطي ﵀: " أي احتسابا للأجر عند الله تعالى في زعمهم الفاسد، فقبلت موضوعاتهم ثقة بهم وركونا إليهم، لما نسب إليهم من الزهد والصلاح "، ولهذا قال يحيى القطان (١٩٨هـ) : " ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير ". ومن أمثلة ما وضع حسبة ما رواه الحاكم بسنده إلى أبي عمار المروزي أنه قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم (١٧٣هـ) " من أين لك عن عكرمة، عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة " (٢) . ٢ - تجنب الأحاديث الضعيفة؛ لأن في الصحيح غنية عن الضعيف، ولا يخفى ما في نشر الأحاديث الضعيفة من آثار سيئة على الأمة في عقيدتها وفي سلوكها، فكم من حديث ضعيف أو واه، تناقله الناس محتجين به اعتمادا على إيراد الخطيب له، وكم من عادة تشبث بها الناس كان مستندها حديثا ضعيفا. إن الخطب إذا لم يكن من أهل العلم فعليه أن يرجع إلى كتب الحديث التي

стр. 18

تقتصر على الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخاري، وصحيح مسلم، أو الرجوع إلى الكتب المعتمدة التي تكون الأحاديث فيها مخرجة تخريجا علميا. ٣ - تجنب التحريف في المعنى والتكلف في حمل الحديث على غير ما يحتمله معناه لتقوية رأي، أو مذهب، أو جماعة، أو نصرة فئة على فئة، فإن بعض الخطباء يبالغ في مثل هذا فيشعر السامعين أن الحديث إنما ورد في بيان قوة هذا الرأي، أو في بيان فساد تلك الجماعة بعينها. قال ابن القيم ﵀ في إيضاح هذا المعنى: " أن يفهم عن الرسول ﷺ مراده من غير غلو ولا تقصير، فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عن مراده، وما قصده من الهدى والبيان، وقد حصل بإهمال ذلك والعدل عنه من الضلال، والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله، بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد، فيتفق سوء الفهم في بعض الأشياء من المتبوع مع حسن قصده، وسوء القصد من التابع في محنة الدين وأهله. وهل أوقع القدرية، والمرجئة، والخوارج، والمعتزلة، والجهمية، وسائر طوائف أهل البدع إلا سوء الفهم عن الله ورسوله، حتى صار الدين بأيدي أكثر الناس هو موجب هذه الأفهام، والذي فهمه الصحابة ومن بعدهم عن الله ورسوله فمهجور لا يلتفت إليه، ولا يرفع هؤلاء به رأسا " (١) . ومما ينبغي التنبيه إليه في هذا المجال، الحذر من التساهل في رواية الأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال، والترغيب والترهيب والمواعظ دون بيان لحالها، وعدم مراعاة للضوابط والشروط التي وضعها العلماء لرواية الضعيف في فضائل الأعمال، وكذلك ما يكثر لدى بعض الخطباء من إيراد الحديث الواهي مع

стр. 19

تصحيح معناه، فيقولون حديث ضعيف لكن معناه صحيح، وربما كان الحديث ضعيفا جدا أو موضوعا، وهذا تساهل ومجازفة ينبغي الحذر منها، وعدم التهاون فيها. فإن هذا يفتح باب التساهل في رواية الأحاديث الواهية، والموضوعة، وتناقلها، وتداولها بين العامة، مع نوع من التأييد لها بحجة صحة معناها، وليعلم الخطيب أن كثيرا من الناس ينقل عنه، يصحح ما صحح ويضعف ما ضعف، ويحتج بما أورد، وإن هذا العلم دين، ثم ليحذر من التساهل في ذكر المنامات والرؤى والقصص الواقعية، أو القصص التي لم تقع في زماننا، والحكايات والمواقف المختلفة، فلا يذكرها حتى يتفحصها ويقلبها ويمحصها، ويدرس الآثار التي يمكن أن تنعكس على الناس من جرائها في اعتقادهم، وتصوراتهم وأخلاقهم، ولا يكن همه لفت أنظار الناس، ونيل إعجابهم بهذا الإغراب مهما كانت نتائجه وآثاره.

стр. 20

[المبحث الثالث اشتمال الخطبة على الأمثال والأشعار والقصص] [المطلب الأول اشتمال الخطبة على ضرب الأمثال] المبحث الثالث اشتمال الخطبة على الأمثال والأشعار والقصص المطلب الأول اشتمال الخطبة على ضرب الأمثال المراد بضرب المثل هنا سوق الصور، والقصص، والوقائع المتشابهة، ليستدل بالحاضر على الغائب، وبالمحسوس على غير المحسوس، أو بالمحسوس من الصور الوقائع على نظائرها وأشباهها، والمقصود من ضرب المثل تقريب الأمر للمخاطب، وترسيخه في ذهنه لتحصل العبرة والعظة من ذلك (١) . ولذا نجد أن القرآن الكريم أكثر من ضرب الأمثال، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨] (٢) . وقال جل وعلا في تمثيل الحق والباطل: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧] (٣) . وضرب الله تعالى المثل بالعنكبوت، والبعوضة، والذباب، وغير ذلك، وكل أمثال القرآن عظيمة مؤثرة، تأخذ بالقلوب، وتهز النفوس، وتجسد المعاني في صور ماثلة للعيان كأن المرء يحسها ويلمسها بيده. والخطيب لا يستغني في خطبته عن ضرب الأمثال لما فيها من قوة التصوير والتأثير، ولذلك كانت الأمثال حكمة العرب في الجاهلية والإسلام، وبها كانت تعارض كلامها فتبلغ بها ما حاولت فيها بكناية من غير تصريح، فيجتمع لها

стр. 21

بذلك ثلاث خلال: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه (١) . وليحذر الخطيب في هذا من الإكثار من الأمثال الشعبية، أو ذكر الأمثال الساقطة والمبتذلة، وما يشتمل على سوء أدب، أو إيذاء للأسماع، فإن ذلك سيئ الأثر على النفوس، وربما أدى إلى تثبيت وتأكيد مفاهيم اجتماعية خاطئة، أو مخالفة للشرع، ويكون الخطيب بذكرها أحد المروجين والناشرين لها، ولذلك فإن العلماء ذكروا لضرب المثل شروطا أربعة: الأول: أن تكون روايته خالية من كل تعقيد ليفضي المقصود منه إلى ذهن السامع. الثاني: أن لا يكون مسهبا مملا. الثالث: أن يهيج السامع بطلاوته، ويفكه فكره بجزل كلامه، وابتكار معانيه، ويضبط عقله في فهم الرواية المختلفة، وفض مشكلها. الرابع: أن يورد بصورة محتملة أي: مقبولة سواء من جهة اللفظ أم من جهة المعنى (٢) . ولا ريب أن من أكثر الأمثال تأثيرا في نفوس. السامعين ما كان منتزعا من واقعهم لصيقا بعادتهم، سائرا في حياتهم معبرا عن مشكلاتهم. [المطلب الثاني الاستشهاد بالشعر] المطلب الثاني الاستشهاد بالشعر ومما يزين الخطبة، ويزيد من التأثر بها لدى السامع استشهاد الخطيب بالشعر، إن الشعر في موضعه يشد السامع ويلهب عاطفته، ويحرك نفسه، وفي الحديث الصحيح عن أبي بن كعب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن من الشعر لحكمة» (٣) .

стр. 22

ومن أول أغراض الشعر أن يكون في المواعظ، والأمثال، والآداب، والأخلاق، والحث على الجهاد أو الإنفاق، أو خلال الخير المتنوعة، وكذلك ما يرقق القلوب من شعر الزهد، والقناعة، والتذكير بالآخرة والجزاء. ولهذا فإن الصحابة ﵃ استشهدوا بالشعر في مواطن مختلفة، في موطن العظة، وفي مقام الجهاد، فقد تمثلت عائشة ﵂ بالشعر عند مرض أبيها " وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق عباد بن عباد، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن جده علقمة بن وقاص، قال: إن عائشة ﵂ قالت: حضرت أبي ﵁ وهو يموت، وأنا جالسة عند رأسه، فأخذته فتمثلت ببيت من الشعر: من لا يزال دمعه مقنعا ... فإنه لا بد مرة مدفوق قالت: فرفع رأسه فقال: يا بنية ليس كذلك، ولكن كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] وأخرج من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن البهي قال: لما أن ثقل أبو بكر ﵁ جاءت عائشة ﵂ فتمثلت بهذا البيت: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر فكشف عن وجهه وقال ﵁: ليس كذلك، ولكن قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] (١) . وتمثلت ببيتي متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكا عند وفاة أخيها عبد الرحمن: وكنا كندماني جذيمة برهة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول فراق لم نبت ليلة معا وأخرج أحمد عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا

стр. 23

استراب الخبر تمثل بعجز بيت طرفة " ويأتيك بالأخبار من لم تزود » (١) وثبت أنه تمثل ﷺ بالشعر في مناسبات أخرى، كحفر الخندق (٢) ويوم حنين (٣) أما خطباء الصحابة ﵃ ومن بعدهم مشاهير الخطباء فإن تمثلهم واستشهادهم بالشعر في خطبهم كثير يصعب حصره، قال ابن حجر عند الكلام على إنشاد النبي ﷺ الشعر يوم الخندق: وفي الحديث جواز قول الشعر وأنواعه. خصوصا الرجز في الحرب. . . لما فيه من تحريك الهمم، وتشجيع النفوس، وتحريكها على معالجه الأمور الصعبة (٤) . [المطلب الثالث الاستشهاد بالقصة في الخطبة] المطلب الثالث الاستشهاد بالقصة في الخطبة القصة القرآنية: تعددت القصص في القرآنية الكريم، وتعددت أغراضها وفوائدها، إذ فيها تثبيت لفؤاد النبي ﷺ ، وموعظة وذكرى للمؤمنين، وعبرة لأولي الألباب، أو نجد القرآن يوجه الرسول ﷺ إلى أن يتخذ القصة مسلكا من مسالك نشر دعوته، ووسيلة يستخدمها في توجيه الناس، فيأمره بمخاطبة الناس عبر قص قصص الأولين

стр. 24

عليهم، حتى يكون لهم في آثار السابقين عبرة وهدى وموعظة حسنة، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] (١) . وقال رسول الله ﷺ : «بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (٢) . فأذن ﷺ في الحديث عن بني إسرائيل، ومن ذلك إيراد قصصهم وأخبارهم لما فيها من العبرة والعظة، على أن يخلو ذلك من الخرافات والأساطير، والإسرائيليات الموغلة في الأوهام المخالفة لشريعة الإسلام الواضحة الكذب، ولا يكون ذلك أيضا مجالا لتصديقهم أو تكذيبهم، أو الإعجاب بهم، إنما القصد استخلاص العبرة. قال ابن كثير ﵀: " وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: «وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» فيما قد يجوزه، فأما فيما تحيله العقول، ويحكم فيه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل " (٣) . ومما يؤسف له حقا أن المنابر تكاد تخلو من التذكير بما قصه القرآن الكريم من القصص، مع عظم العبرة، وقوة الموعظة فيها، فإن الخطيب البارع يستطيع أن ينزلها على واقع المخاطبين مع الإيجاز والتوجيه لتغدو أحداثها كأنما هي واقعة بينهم، ماثلة أمام أعينهم، ومهما كانت القصة طويلة، فإنه يستطيع أن يخلص إلى زبدتها وخلاصتها بأسلوب بليغ وجيز، وبأداء فصيح لا يتجاوز في زمنه دقائق معدودة، بل ربما رأى أن الأفضل توزيعها على أكثر من خطبة، مع ربط بواقع الناس والتحذير من نقمة الله تعالى وأليم عقابه، وشدة بطشه، وبيان سنته في المكذبين والمعرضين الغافلين، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا﴾ [فاطر: ٤٣]

стр. 25

إن الخطيب البليغ، والداعية الموفق لا ينبغي له أن يغفل عن هذه الذخيرة الجليلة من بيان ما يذكر به، فإن التذكير بالقصة تذكير بالقرآن، وقوة بيانه، وبلاغة عرضه للأحداث، وعواقب الأعمال دون أدنى شائبة من ضعف الحوار أو طروء الخيال، أو عدم مطابقة الواقع. قال تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧] وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧] إن من خصائص القصة القرآنية أنها صالحة للاعتبار والاستشهاد في كل زمان، ولا عجب فهي جزء من هذا القرآن الذي هو موعظة دائمة، ورسالة خالدة لا تنفد خزائنه، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد. نموذج: فخذ مثلا من القصة القرآنية قصة "أصحاب الجنة" الذين غرهم المال، وغيرهم الجشع والطمع، فمنعوا حق المساكين الذين كان والدهم يوصله إليهم، فلقد كان للمساكين نصيب من العطاء عندما كان صاحب تلك الجنة حيا، ثم لما مات تآمر أبناؤه فيما بينهم واستكثروا ما ينقطع لهؤلاء المساكين من مالهم، فاتفقوا على أن يقطعوا الثمر في وقت مبكر من النهار حيث يأمنون تعرض المساكين لهم في هذا الوقت الباكر. وأقسموا اليمين على ذلك دون استثناء، فباتوا على كيد وغدوا على حرد، وإذا بطائف من الله تعالى يطوف عليها شجرة شجرة، وثمرة ثمرة، فلا يبقي منها باقية، فكأنه سبقهم إليها من صرمها وأتى على ثمارها كلها. فانظر كيف قوبل مكرهم وشدة تعميتهم وتبييتهم لسوء النية بهذا الانتقام الإلهي السريع ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ [يونس: ٢١] ثم تخلص القصة إلى العبرة العظيمة: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٣٣]

стр. 26

ألا ترى أن القصة في أحداثها وعبرتها تصلح أن تكون تذكارا صارخا في كل جيل لأولئك الذين بطروا نعمة الله، وبدلوها جحودا وكنودا، وما نقموا إلا أن أغناهم الله ووسع عليهم من فضله، وبسط لهم الرزق، فأمسكت أيديهم، وشحت قلوبهم، ومنعوا حق الله عباد الله، وأخفوا الشر ومنعوا الخير. إنه نموذج من الكنود البشري المتكرر، تصلح له هذه التذكرة القرآنية في كل عصر، وهكذا كل القصص القرآني، فإنه يصلح أن يكون عظة بليغة وتذكرة حالة إذا أحسن ربطه بالواقع، بأسلوب موجز، وعرض محكم. واقع الآخرين: ومما يحسن الاستشهاد به في الخطبة، وتنويه الخطيب به بين الحين والحين ما يزخر به واقع غير المسلمين من تناقضات، وما يعصف به من فساد وموبقات، وآثار مدمرة في المجالات الصحية، والاجتماعية، والاقتصادية، تتمثل في الأمراض الجنسية الفتاكة، وجرائم القتل، والاغتصاب، والسرقة، وترويج المخدرات، وتفكك الأسرة، والروابط الاجتماعية، وغير ذلك مما يصلح أن تكون كل جزئية منه مدارا لمضمون خطبة، ومحورا للتوجيه والتذكير، واستخلاص العبر، ولكن ليحذر الخطيب في هذا المجال من التهويل والمبالغة، والإفراط في وصف تلك المجتمعات، والاعتماد في استقاء المعلومات، والإحصائيات على مصادر غير موثوق بها، أو جهات غير معتمدة. وليكن قصده بيان عظمة الإسلام ونعمته، وسلامة المجتمع الإسلامي من أمراض الانحراف والشذوذ، والإيدز، وغير ذلك مما تعاني منه المجتمعات الكافرة والخارجة على دين الله تعالى المتمردة على شرائعه، وليست مهمة الخطبة إيصال المعلومات الجديدة للناس، بقدر ما هي تفعيل للسامعين، وتحريك لنفوسهم ثم الانتقال بهم من حال التأثر إلى التغير والإصلاح.

стр. 27

الاستشهاد بالقصة: لا يخفى أن اشتمال الخطبة على ضرب المثل، وحكاية القصة من الواقع الاجتماعي للمخاطبين، له أثر كبير في شد انتباههم، وتحريك عاطفتهم، ولكن لا يتأتى للخطيب هذا الصيد المؤثر إلا بصلته بالمجتمع والناس بفئاتهم المختلفة، ولا يكفي أن يجلس في بيته، وينزوي في مسجده ينتظر أن يأتوه بأسئلتهم وقضاياهم الاجتماعية المتعددة، وبقدر صلة الخطيب الاجتماعية، وعلاقاته المتنوعة يحصل لديه العديد من الحوادث الواقعية، والقصص التي تصلح أن يضمنها بعض خطبه لما فيها من الفوائد، والعبر، وعوامل التأثير على الناس، فإن هذه القصص والحوادث تتميز بما يلي: ١ - أنها من واقع الناس، فليست خيالية، ولا هي من نسج الأوهام والخرافات، وبالتالي فإن ما فيه عبرة وعظة من هذه القصص الوقائع، يصلح للاقتداء والتطبيق، فلا تصف في جملة المثاليات التي يصعب تحقيقها، فإن بعض الناس إذا دعي إلى بعض القيم، والأخلاق الإسلامية، تذرع بأنها مثاليات لا تتحقق في الواقع، أو أنه لا يمكن فعلها في عصرنا، فذكر الخطيب لشيء من هذه القصص والأحداث والوقائع يزيل التصور الخاطئ في المجال العملي التطبيقي. ٢ - أن ذكر مثل هذه القصص الوقائع، وتلمس الحلول للمشكلات يوجد حركة اجتماعيه، ومحاورات، وربما ألفت لجان لمتابعة هذه المشكلات ومعالجتها، إذ يتكون لدى الكثير من المصلحين الحماس لمناقشة هذه القضايا بعد أن كانوا يتهيبون ذلك. ٣ - إيجاد قدر كبير من الغيرة، والتفاعل، والمشاعر الجماعية، والشجاعة الأدبية، عند كثير من الناس، مما يوقظ المشاعر، والتفكير الجماعي. فإن من الظواهر المرضية السقيمة التي تفشت في كثير من المجتمعات أن

стр. 28

يعيش الإنسان لنفسه وحسب، لا يبالي بمشكلات الآخرين، بل لا يبالي لمشكلات جيرانه، وإخوانه، والأقربين منه، وربما اعتقد أن الأمر لا يعنيه، وتركه من حسن إسلامه، وبذلك ضاقت مساحة الإصلاح في المجتمع وتقلصت وظيفة الأمر بالمعروف والتناصح والتعاون على البر والتقوى، واتسعت مساحة الصمت، وعدم إنكار المنكر، والتهيب من المناصحة والتذكير. غير أن الخطيب عندما يتعرض لذكر مثل هذه القصص، والأحداث، والوقائع ينبغي أن يتنبه إلى أمور مهمة حتى لا يكون لذلك آثار سيئه، وانعكاسات ضارة تفسد بدل أن تصلح، ومن هذه الأمور: أ- التثبت الشديد، والتوثق الأكيد من وقوع القصة أو الحادثة، ولا يكفي أن يسمعها من بعض المصادر أو من بعض الأشخاص الذين لا يعرف مدى ضبطهم وإتقانهم، وحرصهم على التثبت من الأخبار، فإن مخالفة بعض هذه الأخبار والحوادث للواقع، أو مجانبة بعض تفصيلاتها للحقيقة من شأنه أن يزلزل ثقة الناس بأخباره ونقوله، مما ينعكس على خطبه، ودروسه، ومواعظه. إن التثبت من النقل والأخبار منهج إسلامي أصيل يجب أن يراعيه المسلم في علاقاته المختلفة، وعلى الأخص الخطباء، والدعاة، والوعاظ، لأن دائرة النشر لديهم أوسع من غيرهم، والجمهور المتلقي منهم أكبر من غيرهم. إن الخطيب، أو الداعية ليس " قرص أسطوانة " أو " شريطا " يسجل عليه الناس شائعاتهم، ومقولاتهم، وقصصهم كيف كانت، لتعميمها من خلاله على الناس فلا يصح أن يقبل الخبر على علاته، ولا يقبله من كل من دب ودرج، فيجمع في كلامه بين الأروى والنعام، بل يجب عليه أن يتحرى فلا يقبل الخبر إلا من الثقة، الضابط المأمون، والدليل لهذا الأصل وهذا المنهج الإسلامي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] قال ابن جرير رحمه القه: قول الله

стр. 29

تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] أمهلوا حتى تعرفوا صحته لا تعجلوا بقوله، وكذلك معنى فتثبتوا (١) . وقال أبو حيان ﵀: أمر يقتضي أن لا يعتمد على كلام الفاسق، ولا يبنى عليه حكم (٢) . قال ابن كثير ﵀: يأمر تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له، لئلا يحكم بقوله فيكون الحاكم قد اقتفى وراءه، وقد نهى الله من اتباع سبيل المفسدين، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقبلها آخرون لأنا إنما أمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق، وهذا ليس بمحقق الفسق لأنه مجهول الحال (٣) . وواضح من كلام العلماء أن الراوي لا يحذر من خبره لفسقه فقط، بل إن الأمر يقتضي ذلك أيضا في حال كثرة الخطأ، وكثرة الوهم، وعدم الضبط، لذلك قد يوصف الثقة عند المحدثين بالوهم، وإنما خص الفاسق بالذكر لأن خبره قد يكون أشد عماء وأعظم خطرا من غيره، والحذر لا يعني تمدد أثر الشك ليصبح هو الأصل في كل خبر، ويصبح التشكيك في كل مخبر هو الأصل. " ومدلول الآية عام، وهو يتضمن مبدأ التمحيص والتثبت من خبر الفاسق، فأما الصالح فيؤخذ بخبره، لأن هذا هو الأصل في الجماعة المؤمنة، وخبر الفاسق استثناء، والأخذ بخبر الصالح جزء من منهج التثبت لأنه أحد مصادره، أما الشك المطلق في جميع المصادر، وفي جميع الأخبار فهو مخالف لأصل الثقة المفروض بين الجماعة المؤمنة (٤) . ب- تنقية هذه القصص الوقائع وتمحيصها، ليصل إلى ما يصلح منها لأن

стр. 30

يذكره في الخطبة لاشتماله على العبرة والعظة، ولكونه مناسبا للوسط الذي يعيش فيه المخاطبون، ولا تنبو عنه أسماعهم، أو تمجه عقولهم. ج- الحذر من التصريح بذكر أشخاص القصة، أو بعضهم، أو مكانها، أو بلدها إذا كان ذلك يؤذي بعض المخاطبين بل يحكيها على وجه التعميم، لأن المقصود هو التوجيه لا التجريح، والموعظة لا التسلية، وربما لا يصلح حتى التعريض في بعض الأحيان، كأن تقع القصة في قرية، أو بلدة من البلدات الصغيرة، فإن التعريض حينئذ يكون كالتصريح، لأن القصة معلومة لدى الجميع، أما في مجال الخير فلا بأس من ذكر الأشخاص أحيانا مع مراعاة أدب المدح في الإسلام.

стр. 31

[المبحث الرابع تحديد موضوع الخطبة وإعدادها] [المطلب الأول تحديد الموضوع] المبحث الرابع تحديد موضوع الخطبة وإعدادها إن من مهام الخطيب الجليلة، ومسؤولياته الجسيمة، أن يحسن اختيار موضوع الخطبة، فلا تكون تكرارا لخطب سابقة، ولا تكون بعيدة في معالجتها، غريبة في مضمونها، عقيمة عن الفائدة، خالية عن الموعظة. إن أفضل الخطب أصدقها لهجة، وأنفعها موضوعا، وأسلسها أسلوبا، يستطيع الخطيب من خلالها أن يوصل فكرته للناس بأوضح عبارة، ومن أقصر طريق. وحتى تستكمل الخطبة عناصر التأثير، ومقومات النجاح لا بد من مراعاة الأمور التالية: المطلب الأول تحديد الموضوع ينبغي أن يكون موضوع الخطبة واضحا لدى الخطيب كل الوضوح حتى يتسنى الإعداد المسبق له، ومما لا يخفى على الخطيب أن موضوع الخطب يتغير من آن لآخر، ومن وسط لآخر، ومن مناسبة لأخرى، فعليه أن يراعي هذه الأمور حتى لا يكون كلامه في " الفائت "، أو خطبته مكررة وموضوعه مقتولا قد فرغ منه عشرات الخطباء. وعلى الخطيب عند اختياره الموضوع أن يضع نصب عينيه أمورا ثلاثة أساسية: (١) . ١ - الجمهور المستمع، وليحدث الناس بما يعرفونه، وما لا يصطدم بعقولهم، وليراع مستواهم الثقافي والاجتماعي، ولا يهمل التفاوت في المستويات بين الناس، وعليه أن يراعي هذا التفاوت لكي يختار الأسلوب المناسب للوسط الذي يخاطبه، والموضوع المناسب لذلك. ٢ - الوقت: فعليه أن يراعي الوقت المناسب لجمهوره، المناسب لموضوعه

стр. 32

حتى يتم له إكمال الموضوع، وعدم إملال الجمهور المخاطب. ٣ - المناسبة: فالمناسبة لها أثر كبير في تحديد المنطلق الرئيس لموضوع الخطبة، لذا فلا يصح من الخطيب أن يغفل شأن المناسبة عند تحديد موضوع خطبته، وليعلم أن المناسبات متغيرة، وليحذر من الاستمرار في المناسبات الثابتة سنويا أو شهريا على الخطب المكتوبة لكل مناسبة، فإن هذه الخطب وإن استوفت الكلام على المناسبة لكنها أغفلت ربطها بالواقع الحالي الذي يعيشه المخاطبون، والذي يهمهم بالدرجة الأولى معالجته. لذا يجب مراعاة ما يلي: - أ- تحديد موضوع الخطبة: إن تحديد موضوع الخطبة يجعل الخطيب واثقا مما سيقول، واعيا لما سيقول محددا الأسلوب المطرح والخطاب الذي ينبغي أن يختاره لذلك، وعندما يأتي الخطيب للمسجد يجب أن يكون مستحضرا لأهمية الموضوع وأثره الكبير في تلمس وحاجة الأمة لطرح مثله من الموضوعات حتى يعطيه ما يستوجب من الحماسة والتأثر، وإن هذه القناعة بأهميته تهبه القدر الكافي من الشجاعة في مناقشته، وحرارة التفاعل معه، ونقله بهذه القوة وهذه الحرارة إلى المخاطبين، وليكن ملما بجوانب الموضوع، مطلعا على مشكلاته، مهيئا للأسئلة التي قد تطرح حوله، لئلا يفاجأ ببعض الشبهات فيضيق صدره ولا ينطلق لسانه. ب- تحديد الهدف: لا بد للخطيب أن يقصد هدفا معينا محددا بالذات من خطبته، وهذا يجعله لا يصعد المنبر بصورة تلقائية رتيبة ليقول ما يخطر على باله، وقد يكون له هدف قريب "مرحلي " وهدف بعيد " نهائي ". وخطبة الجمعة هدفها النهائي الموعظة، وتربية الأمة، واستئنافها لحياة العزة والكرامة في ظل الإسلام عقيدة وشريعة، فلا يجوز أن يغيب هذا عن بال الخطيب، ولا يصح الإخلال به.

стр. 33

وأما الهدف القريب فقد يكون بإيصال فكرة محددة، كفكرة أن العبادة حق لله تعالى وحده على جميع العباد، أو أن التشريع تحليلا وتحريما حق الله تعالى وحده وأن له تعالى حق الطاعة فلا طاعة لغيره، كائنا من كان في معصيته سبحانه. وقد تكون الفكرة في تجلية مفهوم إسلامي اختلط عند كثير من الناس، أو في توضيح حكم شرعي تهاون فيه كثير من الناس إلى غير ذلك. وليكن الخطيب حكيما في ترتيب الأمور، إما بحسب أهميتها، وإما بحسب الظرف المناسب للبدء ببعضها دون بعض، ولا ضير عليه في التقديم والتأخير إذا كان ذلك ضمن خطة شاملة، وتسلسل في إيصال هذه الأفكار وتوضيحها للناس واحدة بعد الأخرى. وإذا كان ذلك ضمن الهدف النهائي الذي يخطط ويعمل من أجل الوصول إليه، وعلى ضوء تحديد الهدف، فإن الخطيب يستطيع أن يقوم أداءه بين حين وآخر، ويحكم بالتالي على مدى نجاحه في تحقيق هدفه، وإلى أي قدر استطاع أن يصل من الهدف الذي يصبو إليه. وغياب الهدف من خطبة الجمعة جعل بعض الخطباء يقف على المنبر منطفئ الحماسة، فاتر الهمة، وكأنه يلقي درسا معتادا على الناس منبتر الصلة عما قبله وعما بعده، فيفقد بهذا قوة تأثيره، وشدة انجذاب المخاطبين إليه، بل ربما أصاب الكثير منهم الملل، وقد يرى الخطيب بعض الحضور وهو نائم دون أن يكترث لذلك، وكأنه شيء مألوف لا غرابة فيه. ج- تحديد مدة الخطبة: على ضوء تحديد موضوع الخطبة، وتحديد الهدف الذي يرمي إليه الخطيب يستطيع أن يحدد المدة المناسبة لهذه الخطبة، بحيث لا تتجاوز القدر المقبول، ويستوفي الكلام فيها على الموضوع، وخير الخطب في هذا الشأن ما كانت وافية

стр. 34

الموضوع، واضحة الفكرة تؤدى في وقت قصير، فليست مملة في طولها، ولا مخلة في موضوعها، فإن البلاغة هي البلوغ إلى المعنى دون أن يطيل سفر الكلام. [المطلب الثاني إعداد الخطبة] المطلب الثاني إعداد الخطبة ومن الأمور التي تساعد الخطيب على إعداد الخطبة واختيار الموضوعات المؤثرة: ١ - أصول الشريعة، وأحكام الإسلام من عبادات ومعاملات وآداب إسلامية. ٢ - مخالفات الناس في مجال العقيدة والعبادة، والمعاملات، والعلاقات الاجتماعية، وبيان العقيدة الصحيحة والخلق الرفيع الذي ينبغي أن يتحلى به المسلم. ٣ - الأحداث اليومية والأخبار التي يسمعها. ٤ - الأحداث التاريخية. ٥ - ما يقرؤه من الصحف والمجلات. ٦ - ما قرأ من الكتب والمؤلفات. ٧ - مشاهداته في أسفاره ورحلاته، وعجائب مرئياته. ٨ - مسائل الناس ومشكلاتهم التي يسألونه عنها ويطلبون رأيه فيها. وينبغي أن يقيد ذلك ويدونه، حتى لا يفلت منه، فآفة العلم النسيان. وبعد أن يقوم الخطيب بتحديد موضوع الخطبة، والهدف الذي يرمي إليه، يقوم بإعداد أفكار الخطبة وعناصرها، والإعداد من الأمور الضرورية في مجال الخطبة، حتى من كان يملك القدرة على الارتجال، فإنه لا يستغني عن الإعداد المسبق ولو في نفسه، وإلا فإنه يعد غير مقدر لمهمة الخطابة، وغير محترم لفكرته، غير آبه بجمهوره.

стр. 35

إن إعداد الخطبة له فوائد متعددة تنعكس على الخطبة نفسها، وعلى الخطيب وعلى الجمهور المخاطب مما يكون له آثار واضحة على مدى قبول الناس وتأثرهم مما يسمعون، ومن هذه الفوائد: ١ - ترتيب الأفكار والعناصر بحيث لا تكون مبعثرة لا ترابط بينها، الأمر الذي يؤدي إلى تشويش السامعين، وتنافر أذهانهم، وعدم تركيزهم على الموضوع الأساسي للخطبة. ٢ - إعطاء عناصر الخطبة وأفكارها ما تستحقه من البيان والإيضاح، بشكل متوازن دون أن يطغى فيها عنصر على آخر، حيث إن بعض الخطباء أحيانا يطيل الكلام حول فكرة واحدة على حساب الأفكار الأخرى، وبذا لا يوصل كل ما يريد إلى الناس بصورة متكاملة شاملة لجوانب الموضوع. ٣ - ظهور الخطيب بمظهر المستعد للخطبة، المتأهب لها، وما عدا ذلك يعني أن يظهر الخطيب أمام الجمع بمظهر المجازف الذي لم يعد القول، وهذا فيه اعتداد بالنفس واستهانة بالحاضرين، وتبجح بعدم الاهتمام ودعوى أن خاطره أسرع من خواطر الناس، وهذه كلها صفات لا ترتضيها الجماعات، ولقد يعسر على المرتجل تفكيرا وتعبيرا أن يعالج الموضوع، وأن يصل منه إلى نتيجة، فهو كساع إلى الهيجا بغير سلاح، أو كهائم لا يعرف وجهته، ولا المسالك إليها: ويرتجل الكلام وليس فيه ... سوى الهذيان من حشو الخطيب لذا كان كثير من البلغاء القدامى يعدون خطبهم ويهذبونها، ويتمرنون على إلقائها (١) . ٤ - نضوج الفكرة، وعمقها، وتخلص الأسلوب من التكرار الكثير، واختيار الألفاظ والتراكيب القوية التي تبرز المعاني في أثواب جذابة، فرب معنى جميل

стр. 36

صرف الناس عن التأمل فيه، ضعف الألفاظ، ورداءة الأسلوب، وسوء التعبير. الإعداد ليس ضعفا: وربما ظن بعض الخطباء أن إعداد الخطبة كتابة دليل على الضعف وعدم التمكن من الخطابة (١) وهذا ظن ليس في محله، فقد بينا أهمية الإعداد، وفوائده. وإذا أردنا تجلية هذه الحقيقة فلنتصور نموذجين لخطيبين: أحدهما لا تنقصه الحماسة وقوة الطرح، وإثارة المشاعر، لكنه لم يعد الخطبة ولا أخذ لها أهبتها، لا من حيث الموضوع، ولا من حيث الأفكار والعناصر الأساسية، فبدت عليه السطحية، وعدم النضج وإعادة بعض الأفكار من خطبه القديمة، مما قلل من أثر خطبته ومن قيمتها العلمية أو التربوية، فلم يخرج المخاطبون من هذه الخطبة إلا بصدق العاطفة وقوة الصوت، وكلمة من هنا وفائدة من هناك، وهذا وحده غير كاف ولا مقنع للمخاطبين، ولا يؤدي إلى الأثر المطلوب من خطبة الجمعة، والهدف الأساسي منها هو تربية الأمة، والأخذ بقيادها إلى معاقد العزة والقوة والقدوة. أما الخطيب الثاني فيتصف بالصفات نفسها من حيث العاطفة، وجزالة الأسلوب، وقوة التعبير، وهو بالإضافة إلى ذلك يتناول في خطبته موضوعا محددا، بأفكار وعناصر محددة يضرب لها الأمثال، ويسوق لها الصور الواقعية. إننا لا نملك إلا أن نحكم للخطيب الثاني بالنجاح، وأن خطبته أوقع في النفوس، وأكثر أثرا، وأعظم فائدة من الخطبة الأولى. وخلاصة القول أن الإعداد هو الذي ينتج الأفكار الناضجة، والمعاني المتناسقة، والألفاظ المناسبة المنمقة الموحية، والسبك الرائع المعجب، والأداء القوي المشرق، والنفس الطويل الموقظ.

стр. 37

فموضوع الخطبة لا يستطيع الخطيب أن يقدمه كامل الأفكار، متزن المعاني، بديع الألفاظ، رائع التعبير إلا بعد إعداد سابق، حيث يخلو الخطيب بمعارفه ومطالعاته فيختار منها ما يناسب موضوع الخطبة، ويرتبه، ويرصفه رصفا محكما كلبنات البناء الواحد، ويتخير العبارات المناسبة التي تمنح خطبته جمالا وتأثيرا. وظاهرة الإعداد ليست دليلا على ضعف الخطيب، وضمور قدرته الخطابية، بل نجد في الإعداد دليلا على مدى اعتداد الخطيب بموضوع خطبته، واهتمامه بجمهوره الذي ينتظر منه النفع، ويستهدف الفائدة، إذ لو ارتجل خطبته، ولم يعد أفكارها ومعانيها لجاءت قليلة الزاد، عاجزة عن معالجة الموضوع بصورة محكمة في كافة جوانبه، مما يؤدي إلى انتزاع ثقة الجمهور به (١) . [تقسيم الخطبة] تقسيم الخطبة: الخطبة الجيدة تبدأ بمقدمة مناسبة تضع الموضوع في إطاره الصحيح، وتساعد المستمع على الفهم والاستيعاب. ثم تتناول نقاط الموضوع الرئيسة بدقة، مع عرض لخلاصة أخيرة تنتهي في الزمن المحدد (٢) . وللجمعة خطبتان كما هو معلوم، لذا فإن الخطيب يستطيع أن يوزع الأفكار الرئيسة للموضوع على الخطبتين دون أن يحاصره الوقت، أو يمل السامعين، وليس من السنة ما يفعله بعض الخطباء من قصر الخطبة الثانية على الصلاة على النبي ﷺ ، والدعاء فقط، فالخطبة الثانية ينبغي أن يكون لها صلة بالخطبة الأولى، أو فيها استكمال للنقاط التي طرحت فيها، أو استكمال للموضوع بنقاط وأفكار جديدة. المقدمة: ومما له أثر في شد انتباه المخاطبين، أن يقدم للخطبة بمقدمة تسترعي انتباههم

стр. 38

وتوقظ مشاعرهم، ويستحسن في هذه المقدمة أن تكون: ١ - قصيرة موجزة. ٢ - قوية واضحة. ٣ - متعلقة بموضوع الخطبة. ٤ - مشوقة. وقد تكون هذه المقدمة على شكل سؤال يوجهه إلى المخاطبين، ثم يكون جوابه في أثناء الخطبة، فإن السؤال يثير الرغبة لمعرفة الجواب، ويوقظ انتباه السامع، لذا كان النبي ﷺ يبدأ حديثه أحيانا بالسؤال، ومن ذلك: ١ - قوله ﷺ : «أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ تقوى الله، وحسن الخلق، أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس النار؟ الأجوفان: الفم والفرج» (١) . ٢ - وقوله ﷺ : «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره. . .» الحديث (٢) . ٣ - وعن أبي ذر ﵁ قال: " خرج علينا رسول الله ﷺ قال: «أتدرون أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ قال قائل: الصلاة والزكاة، وقال قائل: الجهاد، قال النبي ﷺ : إن أحب الأعمال إلى الله تعالى الحب في الله، والبغض في الله» (٣) . ٤ - قوله ﷺ : «أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. . .» الحديث (٤) .

стр. 39

وقد تكرر هذا في حديث النبي ﷺ ، بل إنه من أساليب القرآن العظيم، وقد يبدأ الخطيب هذه المقدمة بخبر موجز مثير، وقد يبدؤها في كلمات موجزة، إما بقصة من التاريخ، أو من الواقع، أو يبدؤها بآية، أو حديث أو حكمة، أو ما شابه ذلك مما يكون فاتحة لموضوعه، ومنبها لأذهان السامعين إليه، وينبغي أن يحذر الرتابة في هذا المجال حيث تكون خطبه ذات مقدمة واحدة معروفة لدى سامعيه، بل عليه أن يلون ويجدد ويغير في طريقة تناوله للموضوع، وفي أسلوب استهلاله للخطبة. وليعلم أن شدة إصغاء السامعين إليه، وانجذابهم، وتفاعلهم معه ليس لحسن تقدمته وحسب، بل لا بد من توفر مجموعة أمور تتعلق بإخلاصه، وحسن سيرته، وعلمه، وأدبه، وفصاحته. . . وغير ذلك. ومما ينبغي أن يتنبه له أيضا أن خطبة الجمعة تختلف عن خطبة النكاح، أو عن خطبة الصلح، أو المحاضرة، أو نحو ذلك من الدروس والندوات، وغيرها. قال ابن المقفع: "وليكن صدر كلامك دليلا على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته " كأنه يقول: " فرق بين صدر خطبة النكاح، وخطبة العيد، وخطبة الصلح، وخطبة التواهب، حتى يكون لكل فن من ذلك صدر يدل على عجزه " فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناك ولا يشير إلى مغزاك، وإلى العمود الذي قصدت، والغرض الذي إليه نزعت. فقيل له: فإن مل المستمع الإطالة التي ذكرت أنها أحق بذلك الموضع، قال: إذا أعطيت كل مقام حقه، وقمت بالذي يجب من سياسة الكلام، وأرضيت من يعرف حقوق ذلك، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو، فإنهما لا يرضيان بشيء، فأما الجاهل فلست منه، وليس منك، ورضا جميع الناس شيء لا ينال (١) .

стр. 40

وخلاصة القول في هذا الباب أن " المقدمة أول ما يطرق الأسماع من الخطبة، فإن كانت جيدة أصغى السامعون، وتأهبوا لما بعدها، وتفتحت نفوسهم للخطيب، وإلا كانت نذيرا بفشله وتفاهة أثره " (١) . فليجتهد الخطيب في تحضير المقدمة، والتمهيد للموضوع جهده، أما التزام بعض الخطباء بخطبة الحاجة الواردة عن النبي ﷺ في بداية كل خطبة فليس بلازم، وليست السنة كذلك، فإن النبي ﷺ لم يلتزم به في كل خطبة، فهذه خطبة الوداع أشهر خطبه ﷺ وأكثرها مستمعين لم ينقل أنه بدأها بخطبة الحاجة، عن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ خطب الناس في حجة الوداع فقال: " إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم، فاحذروه. . .» الحديث " (٢) . قال ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان هديه ﷺ في خطبه: «كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه» وفي لفظ: «يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: " من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله» . وكان يقول في خطبته بعد التحميد والثناء والتشهد: " أما بعد " (٣) . إذا فالسنة أن يبدأ بحمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله، ثم يصلي على النبي ﷺ ، وأحيانا يبدأ بخطبة الحاجة، ويبدأ بغيرها من الحمد والثناء والصلاة على النبي ﷺ أحيانا أخرى.
следующие страницы →