صرف الناس عن التأمل فيه، ضعف الألفاظ، ورداءة الأسلوب، وسوء التعبير.
الإعداد ليس ضعفا: وربما ظن بعض الخطباء أن إعداد الخطبة كتابة دليل على الضعف وعدم التمكن من الخطابة (١) وهذا ظن ليس في محله، فقد بينا أهمية الإعداد، وفوائده.
وإذا أردنا تجلية هذه الحقيقة فلنتصور نموذجين لخطيبين:
أحدهما لا تنقصه الحماسة وقوة الطرح، وإثارة المشاعر، لكنه لم يعد الخطبة ولا أخذ لها أهبتها، لا من حيث الموضوع، ولا من حيث الأفكار والعناصر الأساسية، فبدت عليه السطحية، وعدم النضج وإعادة بعض الأفكار من خطبه القديمة، مما قلل من أثر خطبته ومن قيمتها العلمية أو التربوية، فلم يخرج المخاطبون من هذه الخطبة إلا بصدق العاطفة وقوة الصوت، وكلمة من هنا وفائدة من هناك، وهذا وحده غير كاف ولا مقنع للمخاطبين، ولا يؤدي إلى الأثر المطلوب من خطبة الجمعة، والهدف الأساسي منها هو تربية الأمة، والأخذ بقيادها إلى معاقد العزة والقوة والقدوة.
أما الخطيب الثاني فيتصف بالصفات نفسها من حيث العاطفة، وجزالة الأسلوب، وقوة التعبير، وهو بالإضافة إلى ذلك يتناول في خطبته موضوعا محددا، بأفكار وعناصر محددة يضرب لها الأمثال، ويسوق لها الصور الواقعية.
إننا لا نملك إلا أن نحكم للخطيب الثاني بالنجاح، وأن خطبته أوقع في النفوس، وأكثر أثرا، وأعظم فائدة من الخطبة الأولى.
وخلاصة القول أن الإعداد هو الذي ينتج الأفكار الناضجة، والمعاني المتناسقة، والألفاظ المناسبة المنمقة الموحية، والسبك الرائع المعجب، والأداء القوي المشرق، والنفس الطويل الموقظ.
стр. 37
فموضوع الخطبة لا يستطيع الخطيب أن يقدمه كامل الأفكار، متزن المعاني، بديع الألفاظ، رائع التعبير إلا بعد إعداد سابق، حيث يخلو الخطيب بمعارفه ومطالعاته فيختار منها ما يناسب موضوع الخطبة، ويرتبه، ويرصفه رصفا محكما كلبنات البناء الواحد، ويتخير العبارات المناسبة التي تمنح خطبته جمالا وتأثيرا.
وظاهرة الإعداد ليست دليلا على ضعف الخطيب، وضمور قدرته الخطابية، بل نجد في الإعداد دليلا على مدى اعتداد الخطيب بموضوع خطبته، واهتمامه بجمهوره الذي ينتظر منه النفع، ويستهدف الفائدة، إذ لو ارتجل خطبته، ولم يعد أفكارها ومعانيها لجاءت قليلة الزاد، عاجزة عن معالجة الموضوع بصورة محكمة في كافة جوانبه، مما يؤدي إلى انتزاع ثقة الجمهور به (١) .
[تقسيم الخطبة]
تقسيم الخطبة: الخطبة الجيدة تبدأ بمقدمة مناسبة تضع الموضوع في إطاره الصحيح، وتساعد المستمع على الفهم والاستيعاب. ثم تتناول نقاط الموضوع الرئيسة بدقة، مع عرض لخلاصة أخيرة تنتهي في الزمن المحدد (٢) .
وللجمعة خطبتان كما هو معلوم، لذا فإن الخطيب يستطيع أن يوزع الأفكار الرئيسة للموضوع على الخطبتين دون أن يحاصره الوقت، أو يمل السامعين، وليس من السنة ما يفعله بعض الخطباء من قصر الخطبة الثانية على الصلاة على النبي ﷺ ، والدعاء فقط، فالخطبة الثانية ينبغي أن يكون لها صلة بالخطبة الأولى، أو فيها استكمال للنقاط التي طرحت فيها، أو استكمال للموضوع بنقاط وأفكار جديدة.
المقدمة: ومما له أثر في شد انتباه المخاطبين، أن يقدم للخطبة بمقدمة تسترعي انتباههم
стр. 38
وتوقظ مشاعرهم، ويستحسن في هذه المقدمة أن تكون:
١ - قصيرة موجزة.
٢ - قوية واضحة.
٣ - متعلقة بموضوع الخطبة.
٤ - مشوقة.
وقد تكون هذه المقدمة على شكل سؤال يوجهه إلى المخاطبين، ثم يكون جوابه في أثناء الخطبة، فإن السؤال يثير الرغبة لمعرفة الجواب، ويوقظ انتباه السامع، لذا كان النبي ﷺ يبدأ حديثه أحيانا بالسؤال، ومن ذلك:
١ - قوله ﷺ : «أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ تقوى الله، وحسن الخلق، أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس النار؟ الأجوفان: الفم والفرج» (١) .
٢ - وقوله ﷺ : «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره. . .» الحديث (٢) .
٣ - وعن أبي ذر ﵁ قال: " خرج علينا رسول الله ﷺ قال: «أتدرون أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ قال قائل: الصلاة والزكاة، وقال قائل: الجهاد، قال النبي ﷺ : إن أحب الأعمال إلى الله تعالى الحب في الله، والبغض في الله» (٣) .
٤ - قوله ﷺ : «أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. . .» الحديث (٤) .
стр. 39
وقد تكرر هذا في حديث النبي ﷺ ، بل إنه من أساليب القرآن العظيم، وقد يبدأ الخطيب هذه المقدمة بخبر موجز مثير، وقد يبدؤها في كلمات موجزة، إما بقصة من التاريخ، أو من الواقع، أو يبدؤها بآية، أو حديث أو حكمة، أو ما شابه ذلك مما يكون فاتحة لموضوعه، ومنبها لأذهان السامعين إليه، وينبغي أن يحذر الرتابة في هذا المجال حيث تكون خطبه ذات مقدمة واحدة معروفة لدى سامعيه، بل عليه أن يلون ويجدد ويغير في طريقة تناوله للموضوع، وفي أسلوب استهلاله للخطبة.
وليعلم أن شدة إصغاء السامعين إليه، وانجذابهم، وتفاعلهم معه ليس لحسن تقدمته وحسب، بل لا بد من توفر مجموعة أمور تتعلق بإخلاصه، وحسن سيرته، وعلمه، وأدبه، وفصاحته. . . وغير ذلك.
ومما ينبغي أن يتنبه له أيضا أن خطبة الجمعة تختلف عن خطبة النكاح، أو عن خطبة الصلح، أو المحاضرة، أو نحو ذلك من الدروس والندوات، وغيرها.
قال ابن المقفع: "وليكن صدر كلامك دليلا على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته " كأنه يقول: " فرق بين صدر خطبة النكاح، وخطبة العيد، وخطبة الصلح، وخطبة التواهب، حتى يكون لكل فن من ذلك صدر يدل على عجزه " فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناك ولا يشير إلى مغزاك، وإلى العمود الذي قصدت، والغرض الذي إليه نزعت.
فقيل له: فإن مل المستمع الإطالة التي ذكرت أنها أحق بذلك الموضع، قال: إذا أعطيت كل مقام حقه، وقمت بالذي يجب من سياسة الكلام، وأرضيت من يعرف حقوق ذلك، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو، فإنهما لا يرضيان بشيء، فأما الجاهل فلست منه، وليس منك، ورضا جميع الناس شيء لا ينال (١) .
стр. 40
وخلاصة القول في هذا الباب أن " المقدمة أول ما يطرق الأسماع من الخطبة، فإن كانت جيدة أصغى السامعون، وتأهبوا لما بعدها، وتفتحت نفوسهم للخطيب، وإلا كانت نذيرا بفشله وتفاهة أثره " (١) .
فليجتهد الخطيب في تحضير المقدمة، والتمهيد للموضوع جهده، أما التزام بعض الخطباء بخطبة الحاجة الواردة عن النبي ﷺ في بداية كل خطبة فليس بلازم، وليست السنة كذلك، فإن النبي ﷺ لم يلتزم به في كل خطبة، فهذه خطبة الوداع أشهر خطبه ﷺ وأكثرها مستمعين لم ينقل أنه بدأها بخطبة الحاجة، عن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ خطب الناس في حجة الوداع فقال: " إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم، فاحذروه. . .» الحديث " (٢) .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان هديه ﷺ في خطبه: «كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه» وفي لفظ: «يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: " من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله» .
وكان يقول في خطبته بعد التحميد والثناء والتشهد: " أما بعد " (٣) .
إذا فالسنة أن يبدأ بحمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله، ثم يصلي على النبي ﷺ ، وأحيانا يبدأ بخطبة الحاجة، ويبدأ بغيرها من الحمد والثناء والصلاة على النبي ﷺ أحيانا أخرى.
стр. 41
وبعض الخطباء يستهل خطبته دائما بألفاظ معينة يلتزم بها في كل خطبة، حتى أصبحت محفوظة مكرورة لدى المصلين، تدعو إلى الملل والسأم من حين يبدأ في الخطبة.
وبعضهم يلتزم بذلك في الخطبة الثانية، فأصبحت الخطبة الثانية لديه كلمات معدودة تتكرر كل جمعة، وأصبح يحفظها الصغير والكبير ممن يؤم مسجده.
[فقرات الموضوع]
فقرات الموضوع: المقدمة بالأوصاف التي ذكرت هي المدخل إلى الموضوع الأساسي الذي يريد الخطيب أن يطرحه على المصلين بوضوح واستيفاء.
هذا الموضوع ينبغي أن تتوافر فيه صفات متعددة، حتى يكون الخطيب موفقا في اختياره، وفي مناقشته، وحتى يعطي الأثر المطلوب في نفوس المصلين، ومن هذه الصفات:
١ - مناسبة الموضوع لظرف الواقع الذي يعيشه الحاضرون. وهذه المناسبة لا شك أنها متغيرة، لكنها ينبغي أن تكون نابعة من صميم واقع الناس، متجددة بتجدد مشكلاتهم وحاجاتهم، وليس من الحكمة ما يفعله بعض الخطباء، من الجمود على مناسبات محددة طول العام بأن يضع لكل شهر خطبته أو خطبه المعدة مسبقا، أو يعتمد على كتاب في خطب العام لا يكاد يخرج عنه، وكأنه يخاطب الناس من خارج عصره بلغة غير لغتهم، وبهم غير همومهم، وهذا يفقد الخطبة أثرها، ويفصل الخطيب عن جمهوره ومخاطبيه.
" فقد نلمس هذا المسلك العاجز عند فريق من الخطباء، حيث نجد أحدهم يلزم ضربا من المواضيع، لا يبرحه خلال سائر خطبه في مختلف المناسبات حيث يقيد نفسه بعدد من المواضيع يعيدها، ويكررها في كل عام غير عابئ بالمتجددات الفكرية والاجتماعية، والعلمية التي يتمخض عنها استمرار الحياة البشرية (١) .
стр. 42
٢ - أهمية الموضوع: مما يجدر بالخطيب أن يراعي الأهم فالمهم من الأمور والموضوعات، صحيح أن بعض الأمراض الاجتماعية مشتركة في كل العصور، وفي كل الأجيال، لكن يبقى لكل بيئة خصائصها، ولكل زمان معطياته، وكلما جمع الخطيب بين الأصالة والمعاصرة، وبين فقه الواقع وسعة الاطلاع كان أعظم بصيرة وأوسع تأثيرا في النفوس.
إن الخطيب الموفق يبرع في انتزاع موضوعات خطبه من المناسبات الاجتماعية في مجتمعه، أو من الأحداث والوقائع التي تمر بأمته، والخطيب البارع يستطيع أن يوجد علاقة بين موضوعه- مهما كان- وبين واقعه، ويستطيع أن يستخرج من هذا الواقع من الصور والأمثال، والقصص، ما يحقق غرضه من تبصير الناس، وتعليمهم وتثقيفهم، إن قدرة الخطيب تبرز في ربطه بين موضوع الخطبة سواء أكان موضوعا فقهيا أو وعظيا أو غيره، وبين واقع أمته وما حل بها، وعوامل نهضتها ورفعتها، وبهذا الربط يمكنه أن يضع يده على الداء، وأن يمس مشكلات مجتمعه مس الطبيب للعضو المصاب.
ولأضرب مثلا لذلك تتضح به صورة الربط، فلنفرض أن موضوع الخطبة هو الصدقة، أو فضل المتصدقين، فإن الخطيب لا يحسن به أن يعرض الآيات والأحاديث الصحيحة، وأقوال السلف في فضل الصدقة، وينهي خطبته في حين أن حيه مثلا يعاني من مشكلة فساد ذات البين، أو مشكلة التخلف عن صلاة الجماعة في صلاة الفجر والعشاء، أو انتشار بدعة معينة في حيه، أو غير ذلك من مشكلات محلية، أو على مستوى الأمة كلها، دون أن يشير إليها من قريب أو بعيد، فالخطيب يستطيع بحكمة وذكاء أن يبين عظمة الإسلام وشموله لجوانب الحياة، وأن مشكلاتنا الاجتماعية، والاقتصادية، والأخلاقية إنما هي لسبب بعدنا أو تقصيرنا في فهم ديننا، وعدم التحاكم إليه في شؤون حياتنا، ثم يتطرق إلى المشكلة بعينها، فيعرض لعلاجها على ضوء الإسلام،
стр. 43
وكل ذلك مع الالتزام بالوقت المناسب للخطبة، فإن أهمية الموضوع لا تسوغ له الإطالة المملة التي تؤدي بالمخاطبين إلى السآمة، وإلى مخالفته في أسلوب علاجه للمشكلة، وهكذا فإن الخطيب المؤثر لا يعدم أن يجد مداخل كثيرة في لمس الواقع، ومعالجة مشكلاته من خلال موضوع خطبته مهما كان طابعه، قال ابن القيم ﵀: " وكان يأمر بمقتضى الحال في خطبته " (١) .
[أهمية الموضوع]
أهمية الموضوع: إن الخطيب داعية، ولذا ينبغي أن يتمتع بقوة الملاحظة، والفقه، وسعة الأفق، وتعدد المعارف، كما أنه ينبغي أن يكون ذا بصيرة بما يناسب جمهوره من الموضوعات الأهم فالأهم، وهذه الموضوعات يجب أن تصنف حسب الأهمية، وحاجة المخاطبين وظرف المناسبة، وغير ذلك من العوامل التي تقدم بعض الموضوعات على بعض.
وأولى الموضوعات بالتقديم، وأحراها بالتبصير والتنبيه، توحيد الله تعالى، وإخلاص العبادة له، والتحذير من الشرك، بجميع أقسامه وصوره، في العبادة والطاعة، والحكم والتشريع، شركا أكبر وأصغر، فإنه لا أحوج إلى الناس من هذا، ولا أولى منه بالتقديم، وكيف يقدم على هذا الموضوع وهو المهمة الأولى لجميع رسل الله عليهم الصلاة والسلام، ولكن على الخطيب أن يكون جذابا في عرضه حكيما في طرحه، يلون من حين لآخر بين الموضوعات، ويجيد قراءة وجوه المخاطبين واستشفاف آرائهم وانطباعاتهم.
قال علي ﵁: " أف لحامل حق لا بصيرة له، إن قال أخطأ وإن أخطأ لا يدري، شغوف بما لا يدري حقيقته " فهو فتنة لمن فتن به، وكون الخطيب حاملا للحق مؤمنا به يدعو الناس إليه، لا يسوغ له أن يخاطبهم بأي لهجة، وعلى أي حال، وفي كل مناسبة، فقد أمر الله تعالى موسى وهارون أن
стр. 44
يقولا لفرعون قولا لينا لعله يذكر أو يخشى، فرعون الذي ادعى الربوبية، والألوهية، وبطش وظلم، وطغى طغيانا كبيرا، وقال تعالى مخاطبا نبيه ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]
فأمره تعالى بثلاثة أمور:
١ - العفو عنهم والتجاوز عن إساءتهم.
٢ - الاستغفار والدعاء لهم.
٣ - مشاورتهم في الأمر.
وهذا يمثل هديا عظيما وأساسا جليلا في إقامة العلاقة مع الناس، وكسب قلوبهم، وينبغي أن لا يغيب عن الخطيب بل عن كل داعية في دعوة الناس، واختلاطه بهم.
ثم إن أي موضوع يطرحه الخطيب يمكنه ببراعة أن يقيم صلة بينه وبين واقع المخاطبين، بحيث لا يكون عرضه عرضا علميا محضا، فليس كل الحاضرين في مستواهم الثقافي وفي ارتقائهم الإيماني سواء في تقبل العلم، وتفهم الحكم الشرعي.
استشارة: ومن المفيد في هذا الجانب أن يتم اختيار الموضوع في بعض الأحيان بناء على استشارة عدد من المصلين الذين يحضرون خطبه غالبا ممن يأنس منهم الغيرة والوعي والفقه، وممن لهم نظرة صائبة، وخبرة في متابعة القضايا الاجتماعية، ومعالجتها، فالخطيب بهذا الاختيار يضمن أهمية الموضوع، وقربه من الناس، واستحسان عدد كبير من الحضور لاختياره مع إشراكهم في التخطيط، وتلمس المشكلات الاجتماعية، ووسائل الإصلاح والمعالجة.
стр. 45
وهذا لا يأتي إلا بمخالطة الخطيب للناس، وحضور مجالسهم وسماع وجهات نظرهم، ومقترحاتهم، ومناقشتهم في موضوعات مختلفة، وإيجاد قدر من الثقة والتعاون بينه وبينهم.
إن كثيرا من الخطباء يشعر بالحرج والخجل من مناقشته موضوعات الخطبة، مع عدد من المصلين، ظنا منه أن هذا نوع من تزكية النفس، أو التطلع للثناء والمدح، وهذا غير صحيح إذا كانت نية الخطيب هي الوصول إلى الأكمل، والارتقاء بأسلوبه، وموضوعات خطبه لتكون أعظم أثرا، وإنما لكل امرئ ما نوى.
إن حسن الاختيار دليل على حسن التخطيط من الخطيب ومؤذن بحسن التأثير بخطبته، ومن الخطأ أن يعتمد الخطيب في هذا على قوة ذاكرته، أو سعة اطلاعه، وحسن أسلوبه، فلا يقوم بإعداد خطبته، والتحضير لها، وربما ترشح لديه الموضوع وهو في طريقه إلى المسجد، أو قبيل الخطبة بدقائق.
[الكلمة أمانة]
الكلمة أمانة: ألم يعلم أن الخطبة أمانة، والكلمة أمانة، وصعود المنبر أمانة، ووقت المصلين أمانة، والمخاطبين أمانة، فعلى الخطيب أن يستشعر عظم هذه الأمانة والمسؤولية قبل أن يصعد المنبر، وعند صعوده.
لقد أوجب الإسلام على المسلمين حضور صلاة الجمعة، والاستماع والإنصات للخطيب، وعدم التشاغل عنه بأي عمل من الأعمال، أو قول من الأقوال.
وهذا يحتم على الخطيب أن يكون على مستوى هذه المسؤولية التي أهل لها، والتي هيئ له الناس فيها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]
стр. 46
أمر تعالى في هذه الآية بالسعي إلى ذكر الله، وأمر بترك البيع، ومثله سائر الأعمال التي تشغل عن صلاة الجمعة، وهذا دليل على أن صلاة الجمعة بما يسبقها من استعداد، وترك للأعمال، وما يرافقها من خطبة، واستماع وإنصات تمثل شعيرة من شعائر الإسلام.
ووردت أحاديث كثيرة في منع الكلام والإمام يخطب، وفي الأمر بالإنصات والاستماع للخطبة.
منها ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت» (١) .
وما رواه أبو داود، وابن خزيمة في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ : «ومن لغى وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرا» (٢) .
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يحضر الجمعة ثلاثة نفر، فرجل حضرها بلغو، فذلك حظه منها، ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله، إن شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدا، فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] » [الأنعام - ١٦٠] (٣) .
قال ابن القيم في تعداد خصائص الجمعة:
стр. 47
الخاصة التاسعة: الإنصات للخطبة إذا سمعها وجوبا في أصح القولين، فإن تركه كان لاغيا، ومن لغا فلا جمعة له (١) .
هذه النصوص وغيرها تضمن للخطيب جمهورا متفرغا مستمعا منصتا، يعطيه أذنه ووعيه، فعليه أن يتقي الله تعالى، فيحفظ أمانة الكلمة، وأمانة النصيحة التي يوصلها إليه، وليكن جادا في موضوعاته ساميا في اهتماماته، وعليه أن يكون أكثر الناس إحساسا بأهمية الموضوع، والحاجة إليه بحيث يدرك فيه من يسمعه صدق اللهجة، وقوة العاطفة، وشدة التحرق لحال أمته، ويلمس فيه سعة الاطلاع والإلمام بأحوال المسلمين في العالم الإسلامي، وما ينوء به واقعهم من مشكلات، ومدى الكيد والعداوة المتربصة بهم، مع الإلمام بحال البلد الذي يعيش فيه، والحي الذي يقطنه.
وذلك دون أن يخل بالغرض الأساسي من الخطبة، وهو العظة والتوجيه، وتقوية الإيمان في القلوب، وزرع الثقة في النفوس، والتذكير بسنن الله تعالى في عباده، ومنته عليهم، والتحذير من بطشه وأخذه.
إن من الخطأ الواضح أن يظن بعض الخطباء، وخاصة المتطوعون منهم أن الخطابة كلمات تقال في دقائق معدودة ثم ينتهي الأمر، أو أنهم يتصدقون على الناس بتلاوة آية قرآنية، أو حديث نبوي، فيفسرون الآية، ويشرحون الحديث بلغة ركيكة، أو أسلوب ضعيف، ثم على الناس أن يسمعوا ويطيعوا، وعليهم أن ينصرفوا من الخطبة وقد تغيرت حياتهم وأحوالهم.
ومما ينبغي أن يعد له الخطيب العدة ما قد يطرأ من طارئ مفاجئ، كأن تحدث جلبة أو صراخ في المسجد أثناء الخطبة، أو يصرخ أحد الحضور إعجابا أو انتقادا للخطبة، أو غير ذلك. فليكن دقيق الملاحظة، سريع المعالجة، حاضر البديهة، فليس هناك طريقة محددة لعلاج مثل هذا الموقف، ولكن تدارك الأمر يفرضه ظرف الحدث، وملابساته.
стр. 48
الخاتمة: ليس كل كلام يصلح أن يكون خاتمة للخطبة، ولا كل عبارة تصلح أن تكون نهاية للكلام، بل ينبغي أن تكون الخاتمة بأقوى العبارات وأجزلها، وأعظمها أثرا فهي آخر ما يطرق آذان المخاطبين، ويعلق بأذهانهم، فيحسن في الخاتمة أن تجمع الصفات التالية (١) .
١ - قوة العبارة وقصرها.
٢ - الاختلاف في ألفاظها عما سبق في الخطبة، فلا تكون تكرارا لما تقدم.
٣ - خلوها من أي خطأ علمي، أو لغوي، فإنها تعطي الانطباع الأخير عن الخطبة.
٤ - وقوعها في قمة حماسة الناس وتأثرهم.
стр. 49
[المبحث الخامس اشتمال الخطبة على الأسلوب الحسن]
[تجنب التخصيص في الخطبة]
المبحث الخامس
اشتمال الخطبة على الأسلوب الحسن (أ) تجنب التخصيص في الخطبة: عندما يواجه الخطيب الناس ينبغي أن يوجد لديهم شعورا بأنه واحد منهم، غير متميز عنهم بفضل، وإن تميز عنهم بعلم أو ثقافة، ومن هنا عليه ألا يخصهم باللوم والنقد، وكأنه منزه عن ذلك.
ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الخطباء أسلوب التخصيص في خطبته، وأكثر ما يكون هذا مؤلما عندما يخص الخطيب إنسانا بعينه باللوم، أو بتحمل المسؤولية في مشكله معينة، وهذا من شأنه أن يكسر نفس الخصوص باللوم، أو يجعله يتخذ موقفا عدائيا من الخطيب، وربما حذا حذوه أقاربه، ومعارفه، وأنصاره، فليس من حق الخطيب أن ينصب نفسه قاضيا في قضية لم ترفع إليه، ولم يستكمل حق النظر فيها من حيث البينات والقرائن والملابسات المختلفة، ولا يكفي أن يكون قد أخبره بذلك بعض الثقات، فإن الثقة ربما وهم أو أخطأ، وربما تلقى الخبر عن غير متثبت.
والخطيب يجب أن يكون حريصا على تآلف القلوب، ووحدة الأمة، واجتماع الكلمة، وعليه أن يتجافى عن كل ما من شأنه أن يفرق وحدة المسلمين، حتى ولو كان ما يقوله حقا، فقد «قال الرسول ﷺ لمعاذ، وكان يصلي بالناس إماما ويتلو عليهم كلام الله تعالى: " أفتان أنت يا معاذ؟» وتدبر كلمة "فتان " المشتقة من الفتنة، والتي جاءت بصيغة المبالغة، فالأخوة بين المؤمنين ليست خيار مصلحة، أو مطلبا اقتصاديا، أو اجتماعيا، أو سياسيا أو جغرافيا، بل هي واجب شرعي، وفريضة إسلامية، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]
стр. 50
وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] وقال رسول الله ﷺ : «المسلم أخو المسلم» (١) .
وقال ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو. . .» الحديث " (٢) .
وكل إخلال بهذه الحقيقة إنما هو إخلال، وتقصير في فريضة، فكيف يأتي هذا التقصير من قبل الخطيب، وهو يعلم أن هذا من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، والنصوص فيها أكثر من أن تحيط بها هذه الورقات.
لذا فإن على الخطيب أن يحذر من كل سبب يؤدي إلى اهتزاز هذه الحقيقة في النفوس، وأن يجتنب كل عبارة أو فكرة تؤدي إلى زعزعتها، ومن ذلك:
١ - تخصيص شخص معين بالنقد.
٢ - تخصيص جماعة معينة بذلك.
٣ - تخصيص بلد أو جنسية معينة بالفساد وسوء الأحوال.
وهذا لا يقلل من شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يقصد به مداراة الفساد والمفسدين أيا كانوا، فمما لا يخفى أن هذه المحاذير لا تحول بين الخطيب وبين الصدع بالحق، وهتك أستار الباطل، وتعرية المفسدين دون الحاجة إلى التعيين والتخصيص.
فهدي النبي ﷺ خير الهدي، وأكمله، وأنفعه، وقد كان من هديه ﷺ عدم التخصيص إلا عندما تدعو مصلحة شرعية راجحة لذلك، ومما ورد عنه ﷺ في ذلك من الأحاديث الصحيحة:
١ - عن عائشة ﵂ قالت: «صنع رسول الله ﷺ شيئا فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخطب
стр. 51
فحمد الله ثم قال: " ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية» (١) .
٢ - عن عائشة ﵂ في قصة بريرة قالت: «ثم قام رسول الله ﷺ في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد، فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، إنما الولاء لمن أعتق» (٢) .
٣ - عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ إذا بلغه عن الرجل شيء لم يقل ما بال فلان يقول، ولكن يقول: " ما بال أقوام يقولون كذا وكذا» (٣) .
٤ - «عن الأسود بن سريع قال: أتيت رسول الله ﷺ ، وغزوت معه، فأصبت ظهر أفضل الناس يومئذ حتى قتلوا الولدان، وقال مرة: الذرية، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: " ما بال قوم جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية» . . . الحديث " (٤) .
٥ - عن أنس «أن رجلا دخل على رسول الله ﷺ عليه أثر صفرة، وكان النبي ﷺ قلما يواجه رجلا في وجهه بشيء يكرهه، فلما خرج قال: " لو أمرتم هذا أن يغسل ذراعيه» (٥) .
٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم» (٦) .
стр. 52
٧ - عن ابن عمر وأبي هريرة ﵄ أنهما قالا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين» (١) .
والأحاديث في هذا الباب كثيرة ليس هنا مجال ذكرها، وهي داله على أن هدي النبي ﷺ الحفاظ على مشاعر المسلمين، وعدم مواجهتهم باللوم، وعدم مجابهتهم بالتعنيف.
فتوسع بعض الخطباء في هذا المجال من منطلق الصدع بالحق، وعدم المداهنة فيه، لا يخلو من مخالفة لهدي النبي ﷺ في النصح، وعدم إحكام لفقه الموازنات، وترجيح المصلحة الشرعية، ودرء المفاسد.
[تجنب التجريح سواء للهيئات أم الجماعات والأحزاب أم الأشخاص]
(ب) تجنب التجريح سواء للهيئات أم الجماعات والأحزاب أم الأشخاص: ينفذ الخطيب بحسن أدبه، وقوة بيانه، وجزالة أسلوبه، ورقة عاطفته إلى قلوب الناس وأرواحهم، فيملؤها تأثرا، ومما يعين الخطيب على تحقيق مراده من التأثير إلى جانب ما ينبغي أن يتحلى به من صفات المسلم الكريمة، وخصاله النبيلة، أن يتجنب التجريح في خطبه، فإن تجريح المعينين فضح لأمرهم على رؤوس الأشهاد، ونقل لأخطائهم وعيوبهم من حال السر والستر إلى حال الفضح والعلن. والمسلم مأمور بأن يستر على أخيه المسلم، والمطلوب هنا ستر المسلم العاصي لا ستر المعصية أو التستر على الفساد، ثم الستر عليه من أجل انتشاله من معصيته، وإنقاذه من خطيئته.
فالمنكر لا ينكر بأي أسلوب كان، ولا على أي حال، ومهما كانت نتيجته، بل لإنكار المنكر آداب، وضوابط قد بينها العلماء في أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 53
إن الستر على العاصي يعني توسيع الفرصة له للأوبة إلى الحق، والرجعة إلى الله تعالى، والتوبة الصادقة من الذنب، ويعني الفسح له في المجلس حتى يجد مكانا بين الصالحين، والستر عليه يعني الصلة بينه وبين أهل الإيمان حتى لا ينفرد به الشيطان فيمعن في إضلاله.
ولئن كان الجرح مشروعا في مواطن مثل جرح الرواة لصيانة الدين، وجرح الشهود، وفي الاستشارة، ونحو ذلك مما بينه العلماء بدليله، فإن مجال الخطبة ليس من هذه المجالات، لأن الجرح في الخطبة تشهير، وإبراز لعيوب الشخص، ونشرها على الملأ، في حين أن الخطيب ينبغي أن يكون حريصا على التقويم لا على التأثيم، وعلى التغيير لا على التعيير، كما أنه ينبغي أن يلتزم بأدب الإسلام في النصح، وأن يراعي ضوابط النصيحة، ولا يجدر به أن يكون أداة لأي اتجاه سياسي، أو حزبي، أو مذهبي لا يستند إلى أصل شرعي، فيندفع إلى الطعن والتجريح بدافع التعصب دون مراعاة لآداب الإسلام وهديه.
ومن المعلوم أن من عرف بالفساد والمجاهرة بالمعاصي، والتمادي في الطغيان، فإنه لا يستحب أن يستر عليه، لكن لا يكون ردعه عن طريق التشهير به، وفضح أمره في الخطب العامة، بل ينصح، ويخوف، فإذا لم يرتدع رفع أمره إلى من له الولاية وحق الردع بالقوة.
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية: " واعتبر الشيخ تقي الدين المصلحة- أي في هجر المبتدع- وذكر أيضا أن المستتر بالمنكر، ينكر عليه ويستر عليه، فإن لم ينته فعل ما ينكف به إذا كان أنفع في الدين، وأن المظهر للمنكر يجب أن يعاقب علانية بما يردعه عن ذلك، وينبغي لأهل الخير أن يهجروه ميتا إذا كان فيه كف لأمثاله، فيتركون تشييع جنازته " أهـ.
قال: " وهذا لا ينافيه وجوب الإغضاء، فإنه لا يمنع وجوب الإنكار سرا جمعا بين المصالح " (١) .
стр. 54
وقال النووي في شرح صحيح مسلم في قوله ﷺ : «من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» وأما الستر المندوب إليه هنا فالمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم. ممن ليس معروفا بالأذى والفساد، وأما المعروف بذلك فيستحب أن لا يستر عليه، بل ترفع قضيته إلى ولي الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة، لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات، ويؤدي إلى جسارة غيره على مثل فعله، هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت، أما معصية رآه عليها، وهو يعد متلبسا فتجب المبادرة بإنكارها عليه ومنعه منها على من قدر على ذلك، ولا يحل تأخيره، فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إذا لم يترتب على ذلك مفسدة (١) .
إن على الخطيب أن يفرق بين الستر الواجب الذي يكون فيه مصلحة شرعية، وبين ما لا يكون فيه مصلحة شرعية، بل تكون فيه مفسدة، بل ربما فتح باب فتنة وشقاق، أما إذا كان الإنكار للخلاف في الرأي والاجتهاد فإنه لا يسوغ للخطيب أن يذكر اسم شخص أو جماعة معينة، فيصمها بالفساد، أو سوء النية، أو الابتداع في الدين، فإن المنابر ما شيدت للانتصار للرأي، والرد على المخالفين وتقريعهم وتجريحهم، مما يؤدي إلى نشر المنازعات والاختلافات، وتعميق النفرة، وبلبلة العامة، كما أن للآخرين منابرهم التي يقفون عليها، ويردون من فوقها، ويجرحون ويطعنون، إن بني عمك فيهم رماح.
قال العلماء: ولا إنكار فيما يسوغ فيه خلاف من الفروع على من اجتهد فيه، أو قلد مجتهدا فيه (٢) .
وكلما استغنى الخطيب في ألفاظ الجرح عن التعيين كان أولى، إلا أن تكون المصلحة الشرعية بضوابطها تقتضي هذا التعيين، كأن يكون المعين إماما في البدعة، رأسا في الضلالة يخشى على الأمة من ضلاله وبدعته، أو يكون قد
стр. 55
حصل لبدعته رواج واغتر بها بعض العامة.
قيل للإمام أحمد: الرجل يصوم ويصلي، ويعتكف، أحب إليك؟ أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف، فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، وهذا أفضل (١) .
ولا ينبغي أن يفهم أن جواز التجريح في بعض الأحوال يعني أن للخطيب أن يطلق لسانه بألفاظ السباب والشتائم، واللعنات، والكلمات النابية التي تجرح المسامع فإن المسلم يترفع عن مثل هذه الألفاظ، فليس هو بالسباب، ولا اللعان، والطعان، فإذا كان الخطيب قويا في رده، واضحا في عرضه، دامغا بحجته، أوصل الحجة إلى الناس، وأوضح الحق، وهذا هو الذي يؤثر في قلوب الناس ويملؤها قناعة وثقة، وليس السباب والشتائم.
[تجنب المبالغة والتهويل في الخطبة]
(ج) تجنب المبالغة والتهويل في الخطبة: النفوس بطبائعها تنفر من المبالغة الزائدة عن الحق، وتفر من التهويل في الكلام، فاتباع الخطيب لهذا الأسلوب من شأنه أن يهز ثقة المخاطبين به، ويفقدهم المصداقية المطلوبة للإقناع والتأثير.
إن المسلم يتمتع بثبوت قياساته للأحداث والوقائع، ودقة موازينه للأمور، ومنهجه في هذا هو الوسطية، التي تعد من خصائص هذه الشريعة، ومن خصائص هذه الأمة.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]
وإنما استحقت الأمة هذه المكرمة، وهي الشهادة على الناس بهذا المنهج الذي تتبعه، وبهذه الشريعة التي تدين بها.
стр. 56
قال الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية: وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه، غلو النصارى الذين غلوا في الترهيب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله تعالى أوسطها. أهـ (١) .
فهذا الثبوت في ميزان المسلم للأمور، وهذا الوضوح في رؤيته للواقع، جعله أهلا لأن يزن أخبار الناس، وتصوراتهم، وأنماط حياتهم المختلفة، بميزان دقيق، لا يحيف ولا يطيش، فلا يضخم الواقع فيجعله أكبر من حجمه مرات، ولا يصغره ويحقره فيجعله دون ذلك بدرجات.
(وبهذا تتحدد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها، لتعرفها، ولتشعر بضخامتها، ولتقدر دورها حق قدره، ولتستعد له استعدادا لائقا.
وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل، أو من الوسط بمعنى الاعتدال والاعتقاد، لا تغلو في التجرد الروحي، ولا في الارتكاس المادي، بلا تفريط ولا إفراط، في قصد وتناسق واعتدال. . . في التفكير والشعور، في التنظيم والتنسيق، في الارتباط والعلاقات ٠٠٠) (٢) .
[المبالغة في المدح]
ومن صور المبالغة والتهويل التي على الخطيب أن يتجنبها:
١ - المبالغة في المدح: وقد نهى الرسول ﷺ عن الإطراء، والإطراء هو المبالغة في المدح، والمبالغة في هذا تجاوز بالإنسان عن القدر الذي هو له، والمكانة التي يستحقها، وهي في مخالفة الحق لا تختلف عن ذم الإنسان، وأن ينسب إليه من النقص والعيب ما ليس فيه، ومن مساوئ المبالغة في المدح أن الشيطان يستجري المادح، ويستدرجه إلى تقديس
стр. 57
الممدوح، وربما إلى تأليهه وعبادته، كما وقع للنصارى مع عيسى ﵇، وكما وقع لطوائف من غلاة الرافضة، والمتصوفة، مع الرسول ﷺ ، أو مع آل بيته.
روى أحمد وأبو داود بإسناد جيد عن مطرف قال: قال لي أبي: «انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: " السيد الله ﵎ "، قلنا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا، فقال: "قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرنكم الشيطان» (١) .
وعن أنس ﵁ «أن ناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا، وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: " أيها الناس قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله » (٢) .
وعن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله» (٣) .
وعن أبي موسى ﵁ قال: «سمع النبي ﷺ رجلا يثني على رجل ويطريه في المدح، فقال: " أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل» (٤) .
وعن أبي بكرة ﵁ قال: «أثنى رجل على رجل عند النبي ﷺ فقال: " ويلك قطعت عنق صاحبك. . . ثلاثا " ثم قال: "من كان منكم مادحا أخاه لا محالة فليقل أحسب فلانا والله حسيبه، ولا يزكي على الله أحدا، أحسب كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه» (٥) .
وعن معاوية قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إياكم والتمادح فإنه الذبح» (٦) .
стр. 58
وقد تأدب بهذا الأدب الكريم أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من العلماء، والصالحين، المهتدين بهديه، عن أيوب أن رجلا قال لابن عمر: يا خير الناس، وابن خيرهم، فقال ابن عمر: ما أنا بخير الناس، ولا ابن خيرهم، ولكني عبد من عباد الله، أرجو الله وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه (١) .
وقال أبو عثمان الشافعي لأحمد بن حنبل: لا يزال الناس بخير ما من الله عليهم بلقائك، فقال له: لا تقل هذا يا أبا عثمان ومن أنا في الناس؟! (٢) .
وقال الخلال: أخبرني أحمد بن الحسين قال: دخلنا على أبي عبد الله فقال له شيخ من أهل خراسان: يا أبا عبد الله، الله الله، فإن الناس يحتاجون إليك وقد ذهب الناس، فإن كان الحديث لا يمكن، فمسائل، فإن الناس مضطرون إليك، فقال أبو عبد الله: إلي أنا؟ واغتم من قوله، وتنفس الصعداء، ورأيت في وجهه أثر الغم.
وقيل له: جزاك الله عن الإسلام خيرا، فقال: قيل لعمر بن عبد العزيز: جزاك الله عن الإسلام خيرا، فقال: لا بل جزى الله الإسلام عني خيرا (٣) .
فعلى الخطيب أن يكون مقتصدا في المدح، وأن لا يجاوز الأدب المشروع فيه سواء أكان الممدوح زعيما، أو قائدا، أو عالما، فليس أجمل ولا أكمل من أدب الإسلام في إنزال الناس منازلهم، وأشد ما يكون المدح إذا جاوز الحد، وكان في الوجه، فإنه لا يؤمن على الحي الفتنة، والله المستعان.
[المبالغة في الذم]
٢ - المبالغة في الذم: قال مطرف لابنه: يا بني الحسنة بين السيئتين يعني بين الإفراط والتقصير، وخير الأمور أوساطها، وشر السير الحقحقة (٤) .
стр. 59
وكما أن على الخطيب أن لا يتجاوز الحد في المدح، فإنه لا ينبغي له أن يتجاوز الحد في الذم فيكون عيابا، أو أن يدخل في دائرة الفجور في الخصومة، والمنبر لا يصلح أن يكون منصة للقذائف والتهم والسباب والشتائم، فينبغي على الخطيب أن يتجنب التجريح بالذم للمعين كما تقدم، وليكن ذمه منصبا على ذم المعصية، والهوى، وعلى غير المعينين من أهل البدع، والفساد.
[المبالغة في ذم الدنيا]
٣ - المبالغة في ذم الدنيا: من الأساليب التي يلجأ إليها بعض الخطباء المبالغة والإفراط في ذم الدنيا مما يصور الإسلام بأنه يحارب العمل، والتجديد في الوسائل، ويحذر من الغنى، ويكره للمسلم الاتساع في المكاسب، وهذا فهم خاطئ للإسلام، وإلا فكيف يحث الإسلام المسلم على الإنفاق، والبذل ويجعل يد الباذل هي العليا، ويحثه على تفريج الكربات، وعلى العمل الشريف إذا كان يذم هذا الأمر ويمقته.
إن الإسلام لا يذم الدنيا، بل يذم التكالب عليها، والغفلة بها عن الآخرة، ولا يذم المال بل يذم كسبه من الحرام، وتبذيره في الحرام، وإضاعته فيما لا يحل، ويذم الشح به، والحرص الشديد عليه، حتى يصبح المرء عبدا له، كما قال ﷺ : «تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم والقطيفة» الحديث " (١) .
قال ابن مفلح: يسن التكسب ومعرفة أحكامه حتى مع الكفاية، نص عليه، قاله في الرعاية، وقال أيضا: يباح كسب الحلال لزيادة المال والجاه، والترفه والتنعم، والتوسعة على العيال، مع سلامة الدين والعرض والمروءة، وبراءة الذمة، وقال ابن حزم: اتفقوا على أن الاتساع في المكاسب والمباني من حل إذا أدى جميع حقوق الله تعالى قبله مباح، ثم اختلفوا فمن كاره وغير كاره.
стр. 60
ويجب على من لا قوت له، ولمن تلزمه نفقته، ويقدم الكسب لعياله على كل نفل، وقد يتعين عليه لقوله ﷺ : «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت» ، وهذا الخبر رواه أبو داود، وفي مسلم معناه (١) .
ويكره ترك التكسب مع الاتكال على الناس. . . ويجب التكسب ولو بإيجار نفسه لوفاء ما عليه من دين ونذر وطاعة، وكفارة، ومؤونة تلزمه (٢) .
فعلى الخطيب حين يعرض للكلام على الدنيا، والغنى، والمال، أن يعرض موقف الإسلام من ذلك عرضا كاملا، مبينا متى تذم الدنيا، ومتى لا تذم، ثم لا تكون كل خطبة مركزة على ذم الدنيا، والمال، وعلى الترغيب في الزهد، والحث عليه، بل يعطي كل ذي حق حقه، فقد قال النبي ﷺ حين قيل له: «ذهب أهل الدثور بالأجور. .» ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤] (٣) .
وأنقل هنا كلاما نفيسا لابن الجوزي ﵀ في كتابه القيم (تلبيس إبليس) حيث قال بعد أن ذكر جملة من الأحاديث في كسب المال وحفظه: فهذه الأحاديث مخرجة في الصحاح، وهي على خلاف ما تعتقده المتصوفة من أن إكثار المال حجاب وعقوبة (٤) .
وليوازن بين المصالح بذكر الترغيب في مقامه، والترهيب في مقامه.
[التهويل في تصوير الواقع]
٤ - التهويل في تصوير الواقع، والإخبار عن الأحوال والأحداث المتعلقة بالأمة فيكبرها أحيانا مئات المرات، ويصغرها أحيانا أخرى مئات المرات، وتبرز مظاهر هذا التهويل في أمور منها:
١ - التهويل في وصف حال المسلمين ومدى ضعفهم، فيصل إلى حكم
стр. 61
قاطع بأن الأمة لا شفاء لها من أمراضها، ولا يقظة لها من رقدتها، أو يحكم على المجتمعات عامة بالكفر أو الضلال ومحاربة الإسلام، وليستحضر قول النبي ﷺ في هذا «إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم» (١) .
٢ - التهويل في وصف حال غير المسلمين، وتصوير تلك المجتمعات بأنها تخلو من أي خير، وأنها مجتمعات غاب، وأنها في غضون بضعة سنوات ستسقط وتدمر، والعدل يقتضي أن يذكر مفاسد هذه المجتمعات، وما آلت إليه دون أن يتجاوز الحقيقة في ذلك.
قال الله تعالى: ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]
٣ - التهويل في جعل بعض الأمور عليها مدار عزة الأمة، وتركها هو السبب في ذل الأمة، ولا يعني هذا إهمال هذه الأمور، وعدم الاهتمام بها، لكن يجب أن نضع الأشياء حيث وضعها الشرع، ونحكم عليها بحكمه، فللإسلام أركان، وهناك واجبات، وسنن، وآداب، ومروءات، فالجهاد ليس كقص الشارب، والصلاة ليست كإعفاء اللحية، مع أن الكل من الدين.
لكن بعض الخطباء يجعل موضوع خطبته سنة من سنن النبي ﷺ ، أو يكون موضوع خطبته حول خلق من الأخلاق الإسلامية، فيسوق كل ما يستطيع من الأدلة، والقصص والأشعار وغير ذلك، ثم يربطه ربطا غير موزون بحال الأمة، وأسباب هزائمها، وتأخرها عن ركب الأمم مما يرسخ في ذهن السامعين أن أسباب ذلك كله تنحصر في هذا الأمر بعينه، بل ربما قال ذلك صراحة.
٤ - التهويل في الربط بين الأحداث، بحيث يجعل كل مؤتمر وراءه مؤامرة، وكل خبر وراءه مكيدة، وكل جديد قصد به المكر والإفساد، وهكذا يتم الربط عشوائيا، ودون مستند بين الأحداث صغيرها وكبيرها.
стр. 62
نعم لا ينكر أن يكون المسلمون دائمي الحذر واليقظة، وأن لا يحسنوا الظن بعدوهم، وأن يكونوا على قدر كبير من الوعي بالعالم من حولهم، والنظرة الثاقبة للأساليب الخفية التي تحاك لتدمير الأخلاق، وشيوع الفساد، لكن تهويل الأمور والوسوسة بكل شيء حوله ليس من الوعي في شيء، ولا من اليقظة في شيء.
٥ - التهويل في الحكم على الأشخاص كالحكم على ظالم معين بأنه من أهل النار، أو أنه ملعون، أو أكفر من فرعون وهامان، أو الحكم لشخص معين بأنه شهيد قطعا، أو أنه يتقلب في الجنة، ونحو ذلك من الأحكام القاطعة التي تتنافى مع عقيدة المسلم وثوابته، وتتعارض مع منهج الإسلام الذي يوجب العدل في الرضا والغضب، والقصد في الحب والبغض، وأن لا يجزم لأحد بجنة أو نار إلا من ثبت فيه نص.
عن علي ﵁ أنه قال: هل تدري ما قال الأول؟ أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما (١) .
وعن عمر ﵁ قال: لا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا، فقلت: كيف ذاك؟ قال: إذا أحببت كلفت كلف الصبي، وإذا أبغضت أحببت لصاحبك التلف (٢) .
ومن هذا التهويل المبادرة إلى التكفير، والتفسيق، والتسرع في التبديع والتأثيم، والقول: والله لا يغفر الله لفلان، وفلان لا يشم رائحة الجنة، ونحو ذلك من الألفاظ والأحكام التي فيها تأل على الله تعالى، وقول عليه بغير علم، ومنه كذلك اعتماد أسلوب التهييج، والتحميس الزائد عن الحد لقضية لا تستحق مثل هذا.
стр. 63
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين، أحدهما مجتهد في العبادة، والآخر يقول: مذنب، فجعل يقول: أقصر عما أنت فيه، فيقول: خلني وربي، حتى وجده يوما على ذنب يستعظمه، فقال: أقصر، فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك أبدا، ولا يدخلك الجنة، فبعث الله إليهما ملكا، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عنده فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب، قال: اذهبوا به إلى النار» (١) . هذه نماذج من المبالغات والتهويلات التي لها آثار سيئة تنعكس على الأمة، فعلى الخطيب أن يتجنبها، ومن هذا القبيل التهويل من دور الأعداء، كالتهويل من شأن اليهود، وأنهم يملكون القدرة على كل شيء، ويملكون من الطاقات والقدرات المادية والعقلية ما ليس له حدود، وأنهم يديرون العالم كله صغيره وكبيره، ومثل هذا التهويل قد يكون لليهود أنفسهم دور في صناعته ونشره بين الناس لما يحصدون من جراء ذلك من مكاسب ومصالح.
ويحسن بنا هنا أن نذكر قصة يهود بني النضير مع النبي ﷺ ، وقد كانوا يملكون من الحصون والقلاع، والأموال ما جعل كثيرا من معاصريهم يبهر بقوتهم وحصونهم، ولا يتصور أن يغادروا هذه الحصون في يوم من الأيام.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]
стр. 64
[تجنب التيئيس وما يولد الإحباط عند المخاطبين]
(د) تجنب التيئيس وما يولد الإحباط عند المخاطبين: الخطابة من المهام القيادية في الناس، والخطيب قائد بهذا المعنى لفصيل من فصائل المجتمع يعده ويوجهه، ولا يصح أن يفت في عضده، فيملأ نفوس أفراده بالوهن واليأس، ويقتل فيهم الثقة والطموح، والتطلع إلى التغيير والإصلاح.
ولا يصح أن يخاطبهم بروح المهزوم المحبط، فإن الخطيب إذا سرت إلى نفسه روح اليأس سرت إلى مستمعيه، وإلى مجتمعه، فكان خاذلا متخاذلا، وما زال للخطباء البارعين دور كبير في إيقاظ الأمة، وفي رفع الهمم، ودرء الفتن، وكم من خطبة حولت الهزيمة إلى نصر، والضعف إلى قوة، والقلة إلى كثرة، وإنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان.
واليأس إذا استولى على فرد أحاله إلى عضو مشلول في مجتمعه لا يصنع خيرا، ولا يدفع ضرا، وإذا استولى على أمة من الأمم أحالها إلى أمة واهنة خائرة تستسهل الهوان، وتألف الذل، وتستمرئ التقليد، وتكون نهبا لأعدائها، وقصعة مباحة لآكليها.
ومن هنا فقد حذر الإسلام من اليأس، وجعله على النقيض من الإيمان فلا يلتقيان في قلب، إيمان كامل ويأس مطبق.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]
قال الطبري في تأويلها: لا يقنط من فرجه ورحمته، ويقطع رجاءه منه ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] يعني القوم الذين يجحدون قدرته على ما شاء تكوينه (١) .
فأما المؤمنون الموصولة قلوبهم بالله، الندية أرواحهم بروحه، الشاعرون بنفحاته المحيية الرخية، فإنهم لا ييئسون من روح الله، ولو أحاط بهم الكرب، واشتد بهم الضيق، وإن المؤمن لفي روح من ظلال إيمانه، وفي أنس من صلته بربه، وفي طمأنينة من ثقته بمولاه، وهو في مضايق الشدة ومخانق الكروب (٢) .
стр. 65
ومما يمنع المسلم من اليأس مهما حاصرته الخطوب، وأحدقت به وبأمته المحن الأمور التالية:
١ - الإيمان القوي بقضاء الله تعالى، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، والإيمان بالقدر خيره وشره من أركان الإيمان، وأصول العقيدة.
٢ - الثقة بوعد الله سبحانه، وبنصره لمن أطاعه، وبدفاعه عن الذين آمنوا، وهو سبحانه لا يخلف الميعاد، ولكنه يبتلي العباد.
قال جل وعلا ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]
وقال جل ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨]
وقال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]
٣ - الوعيد الشديد على اليأس، لكونه قنوطا من رحمة الله، وسوء ظن بالله جل وعلا، واستبعادا لوعد الله تعالى ونصره، وهذا إنما يتصف به الضالون لا المؤمنون، قال جل ذكره: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦]
وقال ابن عباس: أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله (١) .
قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد العاصي في حاشيته على كتاب التوحيد: " القنوط استبعاد الفرج، واليأس منه- والفرق بينهما لطيف- وسوء الظن بالله، وهو يقابل الأمن من مكر الله، وكلاهما ذنب عظيم منافيان لكمال التوحيد. . " وقال الشيخ: " القنوط بأن الله لا يغفر له، إما بكونه إذا تاب لا يقبل توبته، وأما أن يقول: نفسه لا تطاوعه على التوبة، بل هو مغلوب معها، فهو ييئس من توبة نفسه ".
стр. 66
وقال في معنى اليأس من روح الله: وذلك إساءة ظن بالله، وجهل بسعة رحمته، وجوده ومغفرته (١) .
٤ - ثمرة اليأس المرة، ونتائجه الوخيمة على الفرد خاصة، وعلى الأمة عامة، فاليأس بالنسبة للفرد قطع لأسباب الأمل، وإغلاق لأبواب التوبة في وجهه، أما بالنسبة للأمة فهو هدم لعزتها، وقطع لاتصالها بأسباب التقدم والإبداع، فعلى الخطيب أن يحذر من أسلوب التيئيس الذي يبث الوهن والخذلان في الأمة، ويقذف اليأس والإحباط في نفوس أبنائها، بل عليه أن يبث فيها روح العزة، والاستعلاء الإيماني، وعظيم الثقة بالله تعالى، والثقة بوعده وبنصره وحفظه لدينه، فإن الأمم تجري عليها سنن الله، وهذه بعض النصوص التي تبين حتمية الظهور لهذا الدين، وأنه سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، والله غالب على أمره، وله الأمر من قبل ومن بعد.
(أ) قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] وقال جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]
(ب) قال رسول الله ﷺ : «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها» (٢) .
(ج) قال رسول الله ﷺ : «لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر- أي: طين وشعر- إلا أدخله الله الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل» (٣) .
(د) عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «سئل رسول الله ﷺ : أي المدينتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﷺ : " مدينة
стр. 67
هرقل تفتح أولا، يعني القسطنطينية» (١) .
(هـ) عن عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (٢) .
(و) عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا أراد أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت» (٣) .
ومما يجنب المسلم الشعور باليأس، ويملأ نفسه ثقة وأملا بالله تعالى، ويجعله مغتنما لفرص الحياة حتى اللحظة الأخيرة منها ما روى أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها» (٤) .
وعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: " إن سمعت بالدجال قد خرج، وأنت على ودية تغرسها، فلا تعجل أن تصلحها، فإن للناس بعد ذلك عيشا " (٥) .
стр. 68
إن من مهام الخطيب أن يعمل على بعث روح العزة في الأمة، وأن المستقبل لديها، وأن الرفعة لها، والكرامة والتمكين في الأرض ما استمسكت بهذا الدين، واعتصمت بحبل الله المتين، وهذا ليس ادعاء يدعيه، ولا وهما يخدر به عقول الناس وأفكارهم بل هو الحق الذي لا ريب فيه، وهو ما شهد به كتاب الله العزيز، وسنة رسوله الكريم، ونطقت به حوادث التاريخ، وشاهد السنن الإلهية.
أما الكبوة الحاضرة، والعلة القائمة فمرض طارئ، واعتلال عارض ما يلبث أن تبل الأمة منه إن شاء الله تعالى، بالعودة الصادقة إلى دينها الحق.
[المبحث السادس اشتمال الخطبة على الموعظة والحث على التقوى وما يرقق] القلوب ويزيد الإيمان في النفوس
стр. 69
المبحث السادس
اشتمال الخطبة على الموعظة
والحث على التقوى وما يرقق القلوب ويزيد الإيمان في النفوس القصد الأول من الخطبة هو الموعظة، والتذكير بآيات الله تعالى، وآلائه، والحث على تقوى الله، والاستقامة على دينه، ومهما تعددت أساليب الخطبة ترغيبا وترهيبا، فإنها ينبغي أن لا تبتعد عن هذا الهدف العظيم، وقد اختلف العلماء في فروض الخطبة، فقال ابن قدامة ﵀: وفروض الخطبة أربعه أشياء:
الأول: حمد الله تعالى لأن جابرا قال: «كان رسول الله ﷺ يخطب الناس بحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
» الثاني: الصلاة على رسول الله ﷺ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر رسوله ﷺ كالأذان.
الثالث: الموعظة، لأن النبي ﷺ كان يعظ، وهي القصد من الخطبة فلا يجوز الإخلال بها.
الرابع: قراءة آية، لأن جابر بن سمرة قال: «كانت صلاة رسول الله ﷺ قصدا، وخطبته قصدا، يقرأ آيات من القرآن يذكر الناس» ، رواه أبو داود والترمذي (١) .
ولأن الخطبة فرض في الجمعة، فوجبت فيها القراءة، وعن أحمد ما يدل على أنه لا يشترط قراءة آية، فإنه قال: القراءة في الخطبة على المنبر، ليس فيه شيء مؤقت ما شاء قرأ (٢) .
стр. 70
وقال ابن القيم في ذكر خصائص يوم الجمعة: فيه الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله وتحميده، والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله ﷺ ، وتذكير العباد بأيامه، وتحذيرهم من بأسه ونقمته، ووصيتهم بما يقربهم إليه، وإلى جنابه، ونهيهم عما يقربهم من سخطه وناره، فهذا هو مقصود الخطبة والاجتماع لها (١) .
ثم اعلم أن الخطبة المشروعة هي ما كان يعتاده ﷺ من ترغيب الناس وترهيبهم، فهذا في الحقيقة روح الخطبة الذي لأجله شرعت، وأما اشتراط الحمد لله، والصلاة على رسول الله، أو قراءة شيء من القرآن، فجميعه خارج عن معظم المقصود من شرعية الخطبة، واتفاق مثل ذلك في خطبته ﷺ لا يدل على أنه مقصود متحتم، وشرط لازم، ولا يشك منصف أن معظم المقصود هو الوعظ. . . إذا تقرر هذا عرفت أن الوعظ في خطبة الجمعة هو الذي يساق إليه الحديث، فإذا فعله الخطيب فقد فعل الأمر المشروع، إلا أنه إذا قدم الثناء على الله وعلى رسوله، أو استطرد في وعظه بالقوارع القرآنية كان أتم وأحسن (٢) .
السياسة والفكر: يغلب على بعض الخطب وبعض الخطباء الطابع السياسي أو الفكري، أو الموضوعات الاقتصادية أو الاجتماعية المحضة، ولا شك أن هذه الأمور مهمة، وهي موضوعات تمس الواقع الإسلامي، وتهم المسلم، ولكن التزام هذه الموضوعات في خطبة الجمعة، أو جعلها هي مدار الخطبة، هو تجريد للخطبة من أهم مقاصدها، وأجل أهدافها، وبالمقابل فإن قصر الخطبة على تعليم بعض المسائل أو الأحكام الفقهية وعرضها عرضا علميا مجردا ليس هو المقصود الأهم من خطبة الجمعة التي تضم حشدا من الناس كل أسبوع.
فمنبر الجمعة ليس كرسيا جامعيا لتعليم الدراسات الفقهية، أو الاقتصادية، أو السياسية أو غيرها من الدراسات الأكاديمية، وهو في الوقت نفسه يجب أن لا
стр. 71
يكون منفصلا عن هموم الأمة، ولا مبتوتا عن نبضها، وما يصلحها في عقيدتها، وأخلاقها، وما يرفع من همتها، ويعيدها للاعتزاز بدينها قولا وعملا، حكما وتحاكما.
وعلى ذلك فإن الخطبة الجامعة المستوفية لخصال النجاح هي الخطبة التي تجمع بين التعليم والوعظ، بين الإجابة عن أسئلة الحاضر والواقع، وما يطرح على الساحة العلمية والإسلامية، وتلبية الواجبات الشرعية في ترسيخ العقيدة، وأساسيات الفقه الإسلامي، والفهم الواعي السلفي النهج للكتاب والسنة، والتحذير من الانحرافات العقدية، والسلوكية إلى جانب التحذير من مكايد العدو، وأساليب الدس والمكر التي يسلكها في تدمير الأخلاق والأسرة، والوحدة الإسلامية.
ومع كل ما يقوم به الخطيب من تنبيه وتحذير وتبصير، فإنه ينبغي أن لا يهمل دور خطبة الجمعة الأساسي من الوعظ والتذكير.
[أهمية الوعظ وأدلته من الكتاب والسنة]
وحتى يتبين لك مدى أهمية الوعظ فإنني أسوق هذه الأدلة من الكتاب والسنة:
(أ) وصف الله تعالى القرآن بأنه موعظة: ١ - قال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨]
٢ - وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧]
٣ - وقال جل ذكره: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠]
٤ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور: ٣٤]
قال الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] يعني
стр. 72
ذكرى تذكركم عقاب الله تعالى، وتخوفكم وعيده، ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] يقول: من عند ربكم لم يختلقها محمد ﷺ ، ولم يفتعلها أحد فتقولوا لا نأمن أن تكون لا صحة لها، إنما يعني بذلك جل ثناؤه القرآن، وهو الموعظة من الله (١) .
(ب) أمر النبي ﷺ بأن يعظ: ١ - قال الله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]
قال الطبري: يقول: فدعهم فلا تعاقبهم في أبدانهم وأجسامهم ولكن عظهم بتخويفك إياهم بأس الله أن يحل بهم، وعقوبته أن تنزل بدارهم، وحذرهم من مكروه ما هم عليه من الشك في أمر الله وأمر رسوله ﷺ (٢) .
٢ - وقال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]
وقد امتثل رسول الله ﷺ أمر ربه فوعظ وذكر، فعن العرباض بن سارية ﵁ قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا بوجهه فوعظ موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب» (٣) .
وعن ابن مسعود ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا» (٤) .
وعن ابن عباس ﵄ قال: «أشهد على النبي ﷺ أو قال عطاء: أشهد على ابن عباس - أن رسول الله ﷺ خرج ومعه بلال، فظن
стр. 73
أنه لم يسمع فوعظهن (أي: النساء) وأمرهن بالصدقة. . .» الحديث (١) .
(ج) أمر الله تعالى بالدعوة إليه بالحكمة " والموعظة الحسنة " والجدال بالتي هي أحسن: قال جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥] فالدعوة المكتملة في أسلوبها ووسائلها لا تستغني عن الموعظة الحسنة، لما للموعظة من تأثير على النفوس، وتحريك للقلوب والمشاعر، فلا يكفي إخبار الناس بالحق مجرد إخبار وإعلام، بل لا بد من دفعهم إلى التزامه واتباعه، والاقتناع به، وأجدى سبيل إلى ذلك أن تكون الدعوة إليه بهذه الأمور الأساسية الثلاثة:
١ - الحكمة: وهي مراعاة الحق والاعتدال في الخطاب.
٢ - الموعظة الحسنة: وهي التي تنفذ إلى شغاف القلوب ترغيبا وترهيبا.
٣ - المجادلة بالتي هي أحسن: أي دون تعسف ولا عنف أو تحامل.
وقال ابن جرير: ﴿إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] يقول: إلى شريعة ربك التي شرعها لخلقه، وهو الإسلام ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] يقول: بوحي الله الذي يوحيه إليك، وكتابه الذي نزله عليك ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] يقول: وبالعبر الجميلة التي جعلها الله حجة عليهم في كتابه وذكرهم بها في تنزيله.
﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] يقول: وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها أي تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى، ولا تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة ربك (٢) .
وقال صاحب الظلال: إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله، لا لشخص الداعي ولا لقومه، فليس للداعي من دعوته إلا أن يؤدي واجبه لله، لا فضل له يتحدث به، لا على الدعوة ولا على من يهتدون به، وأجره بعد ذلك على الله.
стр. 74
والدعوة بالحكمة، والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي بينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم، ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها.
والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها، فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة، فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه.
والموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق، وتتعمق المشاعر بلطف، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب، ولا يفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية.
وبالجدال بالتي هي أحسن، بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له وتقبيح، حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق، والنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق، حتى لا تشعر بالهزيمة (١) .
إذا مهما كان موضوع خطبة الجمعة الذي يختاره الخطيب فإنه لن يستغني أبدا عن تضمينها الوعظ والتذكير، فبذلك ينفذ الخطيب بإذن الله تعالى إلى قلوب المخاطبين، فيوقظ مشاعرهم ويبصرهم بخطورة ما هم عليه من غفلة أو انحراف.
[الوعظ بالقرآن]
الوعظ بالقرآن: لما كان القرآن موعظة من ربنا جل وعلا، فهو خير ما يعظ به، ويذكر به الخطيب، وقد كان رسول الله ﷺ ربما جعل معظم خطبته قراءة آيات من القرآن، أو قراءة سورة، أو بعض سورة.
وقد تقدم أن النبي ﷺ كان يقرأ سورة " ق " على المنبر إذا خطب الناس. قال النووي: قال العلماء: سبب اختيار " ق " أنها مشتملة على البعث والموت والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة (٢) .
стр. 75
قلت: هذه السورة العظيمة اشتملت على أمور كثيرة، فابتدأت بذكر القرآن ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] ثم ذكر البعث، ومصائر المكذبين، وما استحقوا من وعيد الله جل وعلا، ثم خلق الإنسان، وعدم خفاء شيء من وساوسه، وأقواله وأفعاله على الله تعالى، ثم ذكر مشاهد من القيامة والجنة والنار، واختتمت السورة بالأمر بالتذكير بهذا القرآن ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] وأي وعظ أعظم نفاذا إلى القلب من الوعظ بالقرآن.
وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: «كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس» (١) .
قال الطبري ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] يقول تعالى ذكره: فذكر يا محمد بهذا القرآن الذي أنزلته إليك من خاف الوعيد الذي أوعدته من عصاني وخاف أمري.
وساق بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: قالوا: «يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] » ، وعن عمرو بن قيس الملائي ﵁ قال: قالوا: «يا رسول الله لو ذكرتنا، فذكر مثله» (٢) .
ومما تقدم يتبين لنا أهمية اشتمال خطبة الجمعة على الموعظة والتذكير، واشتمالها على آيات من القرآن العظيم، خاصة الآيات التي تتضمن التذكير بلقاء الله جل وعلا، والتخويف من عقابه، والترغيب فيما عنده.
وإن لتلاوة الآيات أثرها في لمس القلوب، وجلاء الصدأ أو الرين الذي تراكم عليها، وفي هتك حجب الغفلة، وإقاظ الفطرة النقية لدى الإنسان.
ثم إن ما يورده الخطيب من آيات في خطبته ينبغي أن يكون في موضوع الخطبة، لتكون مدعمة لخطبته، مؤيدة لفكرته، إلى جانب ما تشتمل عليه من مواعظ وزواجر.