[مقدمة]
موضوعات خطبة الجمعة إعداد الشيخ عبد الرحمن بن معلى اللويحق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده: أما بعد:
إن لخطبة الجمعة - لو قَدرت قدرها - أثرًا وخطرًا عظيما فبها يِمكن أن تحدث تبدلات وَتحولات في الأمة، وعن طريقها يمكن أن يصلح فئام من الناس، إذ الشارع الحكيم لا يِشرع أمرًا إلا لحكم وغايات، ومقاصد وأهداف، بيد أن العباد ببعدهم عن الالتزام بالشرع يفوتون على أنفسهم تحقيق تلك المصالح.
وإذا أريد لخطبة الجمعة أن تقع موقعها، وتؤثر الأثر المنشود فلابد من الاهتمام بأمور أولاها بالعناية موضوع الخطبة فهو روحها، فكم من خطيب بليغ، متوقد العاطفة، يتكلم بضروب من الكلام لا يِستفاد منها، لأنه لم يعتن بموضوعها.
وقد كان حقيقًا بأهل العلم أن يتدارسوا ويؤصلوا قواعد وضوابط ما يقال في خطبة الجمعة، ويجعلوا ذلك في سياق عام لدراسة كل ما يخص الأئمة والخطباء والمسجد.
وقد جعلت هذا البحث في مبحثين وخاتمة.
стр. 3
المبحث الأول عنوانه: سيِاق الخطبة وأجزاؤها وفيه تسعة مطالب:
المطلب الأول: السلام.
المطلب الثاني: الحمد والثناء.
المطلب الثالث: الصلاة على النبي ﷺ والشهادة له بالرسالة.
المطلب الرابع: الوصية بتقوى الله تعالى.
المطلب الخامس: قراءة القرآن الكريم في الخطبة.
المطلب السادس: الدعاء.
المطلب السابع: كلام الخطيب مع الناس.
المطلب الثامن: التَرتيب والموالاة بين أجزاء الخطبة.
المطلب التاسع: ترجيحات لبعض العلماء في حكم أجزاء الخطبةَ.
والمبحث الثاني وعنوانه: ضوابط وقواعد لموضوعات خطبة الجمعة، وفيه عشرة مطالب.
المطلب الأول: حسن اختيار الموضوع.
المطلب الثاني: حسن الإعداد.
[المبحث الأول سياق الخطبة وأجزاؤها]
[المطلب الأول السلام]
المبحث الأول
سياق الخطبة وأجزاؤها المطلب الأول
السلام سلام الخطيب على الناس قبل الخطبة: يشرع لكل داخل على قوم أن يسلم بتحية الإسلام: " السلام عليكم ورحمة الله وبركاتَه " وهذا من الأخلاق الحميدةَ التي دعا إليها الإسلام، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ٢٧] (١) ويقول سبحانه: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١] (٢) .
والخطيبِ يدخل المسجد يوم الجمعةَ والناس فيِه يِنتظرون، فكان مشروعًا له أن يسلم عليهم، ولعلماء الأمة وفقهائها كلام في حكم السلام ومحله أجمله فيما يلي:
стр. 6
١ - الخلاف في حكم السلام: اختلف الفقهاء في حكم سلام الخطيب على قوليِن: -
القَول الأول: مشروعية سلام الخطيب على من في المسجد وبهذا القول قال المالكية (١) والشافعيِة (٢) والحنابلة (٣) .
- القَول الثَاني: إن سلام الخطيب على من في المسجد لا يجوز، وهذا قول الحنفيةَ، بل إنهم جعلوا ترك السلام من خروج الخطيب إلى الناس إلى دخوله في الصلاة سنة (٤) .
الأدلة:
أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بجملة من الأحاديث الدالة على مشروعيِة سلام الخطيب منها:
- عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان النبي ﷺ إذا صعد المنبر سَلّم» (٥) .
стр. 7
- وعن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلّم على من عنده من الجلوس، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه ثم سلّم» (١) .
- عن ابن جريج عن عطاء: «أن النبي ﷺ كان إذا صعد المنبر أقبل بوجهه على الناس فقال: السلام عليكم» (٢) .
- عن الشعبي قال: «كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس بوجهه فقال: السلام عليكم، ويحمد الله ويثني عليه، ويقرأ سورة ثم يجلس ثم يقوم فيخطب ثم ينزل وكان أبو بكر وعمر يفعلانه» (٣) .
أدلة القول الثاني: لم أجد لأصحاب القول الثاني أدلة.
٢ - الخلاف في محل السلام: اختلف القائلون بمشروعية تسليم الخطيب يوم الجمعة على الناس في محل ذلك السلام على قولين: -
القول الأول: إن الإمام يسلم حال دخوله المسجد ثم يسلّم حين يصعد المنبر ويستقبل الناس بوجهه، وهذا قول الشافعية (٤) والحنابلة (٥) .
стр. 8
ففي المغني قال ابن قدامة: "ويِستحب للإمام إذا خرج أن يسلّم على الناس ثم إذا صعد المنبر فاستقبل الحاضرين سلّم عليهم (١) .
القول الثاني: إنه يسلّم حال الدخول على الناس ويكره له التسلِيم إذا صعد المنبر، وهذا قول المالكية (٢) .
جاء في المدونة قول ابن القاسم: (وسألت مالكًا إذا صعد الإمام على المنبر يوم الجمعة هل يسلّم على الناس، قال: لا، وأنكر ذلك) (٣) .
وفى شرح منح الجليل: (و) ندب (سلام الخطيب) على الجماعة الذين في المسجد (لخروجه) على الناس للخطبة أي عنده وإن كان السلام في ذاته سنة ورده فرض كفاية، (لا) يِندب سلامه عند انتهاء (صعوده) أي الخطيب على المنبر فيكره، ولا يجب رده، لأنه معدوم شرعًا وهو كالمعدوم حساً) (٤) .
الأدلة:
أدلة القَول الأول: استَدل القائل بمشروعية السلام في الحالِين بجملة أدلة هي: -
стр. 9
١ - حديثِ جابر السابقَ ذكره.
٢ - حديث ابن عمر السابق ذكره.
٣ - مرسل الشعبي السابق ذكره.
وعللوا تكرار السلام بعد صعوده المنبر: أن الخطيب إذا صعد المنبر استدبر الناس في صعوده فكان مشروعًا له أن يسلم عليهم مرة أخرى إذا استقبلهم (١) .
تعليل القول الثاني: يعلل المالكية لقولهم بكراهة التسليم الثاني بعدم قيام الدليل عليه، ففي حاشية العدوي: " لأنه لم يرد ذلك في شيء من الروايِات الثابتة عن النبي ﷺ وإنما هو شيء محدث" (٢) .
والراجح من هذه الأقوال مشروعية السلام وتكراره في الحالين لما يلي:
١ - عمومات الأدلة الدالة على مشروعية سلام الداخل.
٢ - الأدلة النصية المذكورة في سلام النبي صلي الله عليه وسلم على الناس.
٣ - أن الخطيب عند خول المسجد يسلّم على من حوله بينما هو بعد صعوده يسلّم على الحاضرين كلهم.
стр. 10
[المطلب الثاني الحمد والثناء]
المطلب الثاني
الحمد والثناء دلت أحاديث النبي ﷺ المنقول فيها خطبه على أنه كان يبدأ بالحمد والثناء على الله ، فمن ذلك:
عن جابر بن عبد اللَه ﵄ قال: " كانت خطبة النبي ﷺ يِوم الجمعة يحمد اللَه ويثني عليه ثم يِقول على إثر ذلك وقد علا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم ( «بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين إصبعية السبابة والوسطى» ) (١) .
وفي لفظ عنه أنه قال: "كان رسول الله ﷺ يخطب الناس، ويحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: «من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وخير الحديث كتاب الله» (٢) .
стр. 11
وما روي عن الحكم بن حزن الكلفي قال: «وفدت إلى رسول الله ﷺ سابع سبعة أو تاسع تسعة، فدخلت عليِه، فقلت: يا رسول الله، زرناك فادع لنا بخير، فأمر بنا أو أمر لنا بشيء من التمر والشأن إذ ذاك دون، فأقمنا بها أيامًا شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله ﷺ فقام متوكئًا على عصى أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفِيفات طيباتَ مباركات، ثم قال» : «أيها الناس إنكم لن تطيقوا، أو لن تفعلوا كل ما أمرتم به، ولكن سددوا وأبشروا» (١) .
وقد كان الواصفون لخطبة الرسول ﷺ يذكرون سياق الخطبة بقولهم: ثم قال بعد الحمد لله والثناء.
وقد ساق البخاري جملة من تلك الأحاديِث في صحيحه: كتاب الجمعة، باب من قال في الخطبةَ بعد الثناء: أما بعد، فذكر حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ في ذكر الكسوف قالت: «فخطب الناس وحمد الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد. . .» الحديث (٢) .
стр. 12
وذكر حديث عمرو بن تغلب في قصة المال الذي وزع على الناس فأعطى النبي ﷺ رجالًا وترك رجالًا فبلغه أن الذين ترك عتبوا، قال: «فحمد الله ثم أثنى عليه ثم ساق الحديث» ، وذكر أحاديث أخرى في خطبة ﵊ يدل على أنه لم يترك التحميد والتهليل والثناء على الله بما هو أهله صدر كل خطبه من خطبه الجمعة وغيرها (١) .
بل إن الأمر ورد بالحمد والثناء في الخطبة، فقال ﵊ في حديث أبى هريرة ﵁: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أبتر» (٢) . وفي رواية (أقطع) وفي رواية (أجذم) وفي الحديث «كل خطبة ليس فيها شهادة كاليد الجذ ماء» ) (٣) .
وهذه الأحاديث دالة على مشروعية الحمد والثناء والتَشهد، ولكن العلماء اختلفوا في درجة هذه المشروعية.
ففي المذهب الحنفي: يختلف القول في ذلك.
стр. 13
فعند الإمام أبي حنيفة الحمد سنة، فلو حمد أو هلل أو سبح كفاه ذلك وأما عند أبي يوسف ومحمد فالتَحميِد واجب (١) .
ففي المبسوط: " وإذا خطب بتسبيحة واحدة أو بتهليل أو بتحميد أجزأه في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما اللَه تعالى: (لا يجزؤه حتى يكون كلامًا يسمى خطبة) (٢) وفي تبيين الحقائق (وقال أبو يوسف ومحمد لابد من ذكر طويل يسمى خطبةَ وأقله قدر التشهد إلى قوله (عبده ورسوله) يثني بها على الله تعالى ويصلي على النبي ﷺ ويِدعو للمسلمين) (٣) .
وعند المالكية: يختلف القول أيضا، فالمشهور من المذهب أنه مندوب، ففي حاشية الدسوقي: (وعلى المشهور فكل من الحمد والصلاة على النبي والقرآن مستحب) (٤) وقال بعضهم إنه شرط لصحة الخطبة فقد نقل في حاشية الدسوقي عن بعض العلماء المالكية قولهم (أقل الخطبة حمد الله والصلاة والسلام على
стр. 14
النبي ﷺ وتحذير وتبشير وقرآن) . وقال: (إن ذلك مقابل المشهور في المذهب وهو القول بأن الحمد مندوب) (١) .
وجعل الشافعيةَ التحميد ركنا وبعضهم يسميه فرضا.
ففي المذهب: " وفرضها أربعة أشياء أحدها: أن يحمد الله تعالى (٢) .
وفي روضة الطالبين: " وأركان الخطبةَ خمسة أحدها: يحمد الله تَعالى، ويتعيِن لفظ الحمد (٣) .
ومنهم من قال إنه شرط لصحة الخطبة وهو قول الحنابلةَ (٤) ففي كشاف القناع: "ومن شرط صحة كل منهما أي الخطبتين. . . (حمد الله) بلفظ الحمد لله فلا يجزئ غيره لحدثِ أبي هريرة مرفوعا (كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد دنَه فهو أجذم) رواه أبو داود، ورواه جماعة مرسلا وروى أبو داود عن ابن مسعود قال: (كان النبي ﷺ إذا تشهد قال: الحمد لله) (٥) .
стр. 15
وظاهر من هذه الأقوال أنه ليس أحد من العلماء إلا ويجد التحميد وما يتبعه من التشهد مشروعاُ في الخطبة وإن كانوا اختلفوا في درجة المشروعية.
وأما صيغة الحمد فقد أوجب العلماء صيغة الحمد دون غيرها من صيغ التعظيم والثناء ففي مغني المحتاج: "ولفظهما أي: الحمد والصلاة، متعين للاتباع، ولأنه الذي مضى عليه الناس في عصر النبي ﷺ إلى عصرنا، فلا يجزئ الشكر والثناء، ولا إله إلا الله، ولا العظمة والجلال والمدح نحو ذلك، ولا يتعين لفظ الحمد بل يجزئه بحمد الله أو أحمد الله أو لله الحمد أو الله أحمد" (١) .
وفي الإنصاف: "ومن شرط صحتهما حمد الله بلا نزاع فيقول: الحمد لله بهذا اللفظ قطع به الأصحاب منهم المجد في شرحه وابن تيمية وابن حمدان وغيرهم قال في النكث: لم أجد فيه خالفاً (٢) .
стр. 16
[المطلب الثالث الصلاة على النبي ﷺ والشهادة له بالرسالة]
المطلب الثالث
الصلاة على النبي ﷺ والشهادة له بالرسالة لقد رفع الله ذكر نبيه محمد ﷺ فما من عبادة تفتقر إلى ذكر الله كالأذان إلا كان مشروعًا أن يذكر فيها النبي ﷺ يقول تَعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ [الشرح: ٤] (١) .
وقد أمر الله عباده بالصلاة على نبيه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] (٢) .
والصلاة على النبي ﷺ , وإن كانت مشروعة بكل حال إلا أن مشروعيتها تتأكد يوم الجمعة.
فعن أوس بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : « (من أفضل أيامكم يِوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيِه الصعقة فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي. . .) » (٣) .
стр. 17
وقد اختلف فقهاء المذاهب في حكم الصلاة على النبي ﷺ فذهب أبو حنيفةَ إلى القول بسنية الصلاة على النبي ﷺ في الخطبةَ، وهذا القول هو المشهور في المذهب المالكي.
جاء في بدائع الصنائع: وأما سنن الخطبة فمنها. . ويصلي على النبي ﷺ (١) .
وقال الدردير في الشرح الكبير: " وندب ثناء على اللَه وصلاة على نبيه (٢) . وذهب الشافعية إلى أنه فرض أو ركن، ففي مغني المحتاج في بيِان أركان الخطبة: والثاني الصلاة على رسول الله ﷺ " (٣) .
والمذهب عن الحنابلة أن الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة شرط ففي الإنصاف في بيان شروط الخطبة: (ومن شرط صحتها حمد الله. . . والصلاة على النبي ﷺ : هذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب. . . وقيل لا يشترط ذكره (٤) .
стр. 18
وقال ابن قدامة: "ويحتمل أن لا تجب الصلاة على النبي ﷺ (١) .
الأدلة: ويستدل أصحاب الأقوال الثلاثة القائلون بالوجوب أو أنه شرط أو أنه ركن بجملة أدلة منها:
قوله سبحانه: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ [الشرح: ٤] (٢) روي عن مجاهد في تفسير الآية أنه قال: (لا أذكر إلا ذكرت أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله) .
قال ابن قدامة: وإذا وجب ذكر الله وجب ذكر النبي ﷺ ، لما روي في تفسير قوله تعالي: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح: ١] (٣) . ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ [الشرح: ٤] (٤) . قال: (لا أذكر إلا ذكرت معي) ولأنه موضع وجب فيه ذكر الله تعالي والثناء عليه فوجبت فيه
стр. 19
الصلاة على النبي ﷺ كالأذان والتشهد) ((١) .
وقال الشربيني: لأنها عبادة افتقرت إلى ذكر الله فافتقرت إلي ذكر رسول الله صلي الله عليه وسلم، كالأذان والصلاة) (٢) .
وما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالي: «وجعلت أمتك لا تجوز عليهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي» (٣) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : «ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا فيه ربهم ولم يصلوا على نبيهم ﷺ إلا كان ترة عليهم يوم القيامة إن شاء أخذهم الله وإن شاء عفا عنهم) » (٤) .
وأما الذين قالوا بعدم الوجوب أو الاشتراط فعللوا ذلك: بأن النبي ﷺ لم يذكر ذلك في خطبه، وعمالا بالأصل (٥) .
стр. 20
قال ابن قدامة: (ويحتمل أن لا تجب الصلاةَ على النبي ﷺ ، لأن النبي ﷺ لم يذكر ذلك في خطبه، وعملا بالأصل) (١) .
صيغة الصلاة على النبي ﷺ : وأما صيغةَ الصلاة على النبي ﷺ ، فقد قال العلماء: إنها متعينة، ففي مغني المحَتاج " ولفظهما أي الحمد والصلاة متعين للاتباع، ولأنه الذي مضى عليه الناس في عصر النبي ﷺ إلى عصرنا (٢) .
ولا يتعين لفظ اللهم صلى على محمد، بل يجزئ أصلي أو نصلي على محمد، أو أحمد أو الرسول أو النبي أو العاقب أو الحاضر أو الناشر أو النذير، ولا يكفي رحم الله محمدًا أو ﷺ وصلى الله على جبريل ونحو ذلك " المرجع السابق ١ / ٢٨٥.
والذي أراه أن يأخذ الخطيب بأفضل الصيغ في الصلاة على النبي ﷺ ، وهي الصيغة الواردة في الإبراهيميةَ.
مسألة: هل يِلزم مع الصلاة على النبي الشهادة له بالرسالة؟
стр. 21
اختلف العلماء في ذلك:
قال بعضهم: يجب ذكره بالصلاة عليه.
وقال بعضهم: يجب ذكره إما بالصلاة وإما بالتشهد، قال شيخ الإسلام وهو اختيِار جدي أبي البركات (١) .
قال المرداوي: فالواجب عنده - يعني المجد - ذكر الرسول لا لفظ الصلاة (٢) .
وقد صوب شيخ الإسلام أن ذكره بالتشهد هو الواجب ثم يتَبع ذلك الصلاة عليه ﷺ فقال: "والصواب أن ذكره بالتشهد هو الواجب لدلالة هذا الحديث، ولأن الشهادة إيِمان به، والصلاة عليه دعاء له، وأيِن هذا من هذا، والتشهد في الصلاة لابد فيه من الشهادة له في الأول والأخير، وأما الصلاة عليه فشرعتَ مع الدعاء (٣) .
ولعل قَول ابن تيِمية ﵀ أرجع الأقوال، فإن الأحاديث الواردة فيها ذكر النبي ﷺ في خطبةَ
стр. 22
الحاجة ونحوها يرد فيها لفظ الشهادةَ ثم يصلي على النبي ﷺ فإنه لابد من الصلاة والسلام عليه إذا ذكر، فالشهادة هي الأصل والصلاة تَبع فإن الشهادة بها يصير الإنسان مسلمًا وهي الأصل، وفي السنن عن النبي ﷺ قال: « (ليس كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء) » (١) ويشهد لذلك ما رواه أبو داود عن ابن مسعود ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان إذا تشهد قال: الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصمها فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئًا» (٢) .
стр. 23
[المطلب الرابع الوصية بتقوى الله تعالى]
المطلب الرابع
الوصية بتقوى الله تعالى إن المسلم في حاجةَ دومًا إلى التذكير والإرشاد، ولذلك أمر الله سبحانه رسوله الكريم بتذكير الناس ليِنتفعوا، قَال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] (١) ولعل من المقاصد الشرعية للخطبة يوم الجمعة الموعظة وجمع المسلمين في مكان واحد كل أسبوع ليسمعوا كلام الله فتَحيا قلوبهم بالإيِمان وتندفع نفوسهم إلى الخير.
والوصيِة بتقوى الله مشروعة في الخطبة عند المذاهب الفقهية دل على ذلك جملة نصوص منها:
١ - ما جاء في سنن أبي داود: عن جابر بن سمرة قال: «كان لرسول الله ﷺ خطبتان كان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس» (٢) .
٢ - وفي لفظ آخر: عن جابر بن سمرة قال: «كانت صلاة رسول الله ﷺ قصدًا وخطبته قصدًا يِقرأ
стр. 24
آيِاتَ من القرآن ويذكر الناس» (١) ولأن المقصود من الخطبة هو الوعظ والتذكير (٢) .
ولكن الفقهاء اختلفوا في حكمها على قولين:
- فذهب أبو حنيفة إلى أن الوعظ والتذكير سنة، وهو المشهور في المذهب المالكي جاء في بدائع الصنائع في سياق ذكر سنن الخطبةَ: "ويعظ ويذكر " (٣) .
وجاء في الشرح الكبير (وندب ثناء على الله وصلاة على نبيه وأمر بتقوى ودعاء بمغفرة وقَراءة شيء من القران) (٤) .
أما الشافعية فالوصية بتقوى الله عندهم ركن أو فرض وجعلها الحنابلةَ شرطا.
- ففي المجموع: ساق النووي أركان الخطبة فقال: "الثالث: الوصية بتقوى الله تعالى " (٥) .
وجاء في الإنصاف: (والوصية
стр. 25
بتقى الله) يعني يشترط في الخطبتين الوصية بتقوى الله، وهو المذهب، وعليه أكثر الأصحاب وقطع به كثير (١) .
وهل هي واجبة في الخطبة الأولى أو الثانية:
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: يرى الحنفية أن الوعظ والتذكير المسنون في الخطبة الأولى , وفي الخطبة الثانية يحل دعاء للمؤمنين والمؤمنات محله ولا يعظ في الثانية.
جاء في حاشية بن عابدين في سياق ذكر سنن الخطبة: (والعظة والتذكير والقراءة قال في التجنيس: والثانية كالأولى إلا أنه يدعو للمسلمين مكان الوعظ) (٢) .
أما الشافعية فيرون أن الوصية بتقوى الله تعالى ركن في الخطبتين بمعنى أنه لابد من الوعظ والتذكير في كلتا الخطبتين وهذا هو المذهب عند الحنابلة إلا أنهم يرونها شرطا.
قال صاحب مغني المحتاج بعد ذكر ثلاثة أركان من أركان الخطبة، وهي الحمد والصلاة على رسول الله ﷺ ، والوصية بتقوى الله، قال: (وهذه الثلاثة) الأركان المذكورة
стр. 26
(أركان في) كل من (الخطبتين) لاتباع السلف والخلف، ولأن كل خطبة منفصلة عن الأخرى (١) .
وجاء في المبدع في سياق ذكر شروط صحة الخطبتين: (والوصية بتقوى الله تعالى، أنه المقصود) (٢) .
وقيل: الوصية بتقوى الله شرط في الخطبة الثانية فقط، وهو راوية عند الحنابلة , قال المرداوي: " وهو ظاهر كلام الخرقي فإنه قال في الثانية: ولم يقل في الأولى ووعظ " (٣) .
صيغة الوصية بتقوى الله: يرى الشافعية على الصحيح في مذهبهم أنه لا يتعين لفظ الوصية بتقوى الله إنما الواجب على الخطيب أن يأتي بما يدل على الموعظة طويلا كان أو قصيرا كأطيعوا الله وراقبوه.
جاء في روضة الطالبين: " وهل يتعين لفظ الوصية قال إمام الحرمين: ولا خلاف أنه لا يكفي الاقتصار على التحذير من الاغترار بالدنيا وزخارفها، فإن ذلك قد يتواصى به منكر الشرائع بل لا بد من
стр. 27
الحمل على طاعة الله والمنع من المعاصي، ولا يجب في الموعظة كلام طويل بل لو قال: أطيعوا الله كفى (١) .
وهناك وجه آخر عند الشافعيةَ: أنه يتَعين لفظ الوصية بتقوى الله قياسا على الحمد والصلاة (٢) .
وقال النووي بعد ذكر هذا الوجه: "وهذا ضعيف أو باطل، لأن لفظ الحمد والصلاة تعبدنا به في مواضع، وأما لفظ الوصيِة فلم يرد نص بالأمر به ولا بتعينه " (٣) .
وعند الحنابلة أيضا لا يتعين لفظ الوصية بتقوى الله، وأقلها: اتَقوا الله، وأطيعوا الله، ونحوه (٤) .
وذكر بعض الحنابلة أن الوعظ لابد أن يشتمل على ما يحرك القلوب ويدفعها إلى الخير. جاء في المبدع: " وذكر أبو المعالي والشيخ تَقي الدين: ولا يكفي ذكر الموت وذم الدنيا، ولا بد أن يحرك القلوب ويبعث بها إلى الخير، فلو اقتصر على أطيعوا الله
стр. 28
واجتنبوا معاصيه فالأظهر لا يكفي وإن كان فيه وصية، لأنه لابد من اسم الخطبة عرفا " (١) .
ويظهر مما سبق أن الأفضل أن يأتي الخطيب بوعظ وتذكير يشتمل على تقوى الله ويأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر أو غير ذلك مما يسمى وعظا عرفا، وإنما الخلاف بين العلماء في القدر المجزئ.
[المطلب الخامس قراءة القرآن الكريم في الخطبة]
المطلب الخامس
قراءة القرآن الكريم في الخطبة أولا: حكم قراءة القرآن في الخطبة: دلت الأحاديث على مشروعية قراءة القرآن في الخطبة فمن ذلك:
عن صفوان بن يعلى عن أبيه أنه «سمع النبي ﷺ يقرأ على المنبر ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧] » (٢) .
стр. 29
وعن عمرة بنت عبد الرحمن عن أخت لها قالت: «أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] من في رسول الله ﷺ يِوم الجمعةَ وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعهَ» ، (١) .
«وعن بنت الحارثة بن النعمان قالت: ما حفظت (ق) إلا من في رسول الله ﷺ يخطب بها كل جمعة، وقالت: وكان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحدا» (٢) .
وعن جابر بن سمرة رضى الله عنه، قال: «كان لرسول الله ﷺ خطبتان كان يجلس بينهما يِقرأ القرآن ويِذكر الناس» (٣) .
عن ابن جريج عن عبد اللَه بن أبي بكر «إن النبي ﷺ قرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] وهو على المنبر فلما بلغ السجدة التَي فيها نزل فسجد - فسجد الناس معه» (٤) . وقد اختَلف الفقهاء
стр. 30
في حكم قراءة القرآن في الخطبة على أقوال عدة: فذهب أبو حنيفة إلى أنها سنة في الخطبة الأولى والثانيةَ.
جاء في بدائع الصنائع في سياق ذكر سنن الخطبة: ويتلو آيِات من القرآن، وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري يستحب أن يقرأ الخطيب في خطبته: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] ثم القعدة بين الخطبتين سنة عندنا وكذلك القراءة في الخطبة) (١) .
وهو أيضًا سنة عند المالكية على المشهور عندهم، قال الدسوقي في حاشيتَه: " وعلى المشهور فكل من الحمد والصلاة على النبي ﷺ والقرآن مستحب) (٢) .
وذهب الشافعيِة على الصحيح من مذهبهم إلى الوجوب.
قال الإمام الشافعي: فلا تتم الخطبتان إلا أن يقرأ في إحداهما آية فأكثر، والذي أحب أن يقرأ بـ (ق) في الخطبةَ الأولى، كما
стр. 31
روي عن رسول الله ﷺ ، لا يقصر عنها وما قرأ أجزأه إن شاء الله " الشافعي، الأم ١ / ٢٦٣.
وقال النووي: " الصحيح المنصوص في الأم تجب في إحداهما أيِتهما شاء. . . والمذهب عند الأصحاب أنها تجب في إحداهما لا بعينها " (١) وفي مذهب الشافعية أوجه أخرى ذكرها النووي في المجموع.
وجعل الحنابلة: القراءة شرطا، قال البهوتي في سياق ذكر شروطه صحة الخطبتيِن: وقراءة آية كاملة لقول جابر: كان ﷺ يِقرأ آيات ويِذكر الناس , رواه مسلم " (٢) .
وفي الإنصاف للمرداوي: " الصحيح من المذهب أنه يشترط لصحة الخطبتين قراءة آية مطلقا في كل خطبة نص عليه أكثر الأصحاب، لأنها بدل من ركعتين " (٣) .
وفي المذهب روايات أخرى ذكرها المرداوى في الإنصاف، وعلى كل حال فالقراءة مشروعة.
стр. 32
الأدلة: علل القائلون بأن قَراءة القرآن سنة: بأن الله تعالى أمر بالذكر مطلقًا عن قيد القعدة والقراءة فلا تجعل شرطًا بخبر الواحد، لأنه يصيِر ناسخا لحكم الكتاب، وأنه لا يصلح ناسخا له، ولكن يصلح مكملا له.
وردوا على استدلال الآخرين بالسنة بقولهم: إن قدر ما ثبت بالكتَاب يكون فرضا، وما ثبت بخبر الواحد يِكون سنة عملا بهما بقدر الإمكان (١) .
واستدل القائلون بالوجوب بمجمل الأحاديث السابق ذكرها وعللوا ذلك أيِضا بأن الخطبتين أقيمتا مقام ركعتين، والخطبة فرض، فوجبت فيها القراءة كالصلاة (٢) .
ونلاحظ مما سبق أن قراءة القرآن في الخطبة مشروعة عند جميع المذاهب، وإنما ورد الخلاف في درجة هذه المشروعية هل هي سنة أم واجبة، لكن ينبغي على الخطيب أن يقرأ آية فأكثر في الخطبتَين خروجا من الخلاف واحتياطا للعبادة لأن الأمر إذ دار بين الوجوب والاستحباب فالاحتياط الإتيان به، والله أعلم.
ثانيا: مشروعية السجدة إذا قرأ الإمام آية السجدة في الخطبة: عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه (قرأ يوم الجمعة على المنبر
стр. 33
بسورة النمل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيِها الناس إنما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه ولم يسجد عمر ﵁ .
وزاد نافع عن ابن عمر ﵄ (إن الله لم يفرض السجود إلا إن شاء) (١) . (لفظ البخاري) .
عن ابن جريج عن عبد الله بن أبي بكر «أن النبي ﷺ قرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] وهو على المنبر فلما بلغ السجدة التي فيها نزل فسجد فسجد الناس معه» (٢) .
عن أبي سعيد الخدري أنه قال: «خطبنا رسول الله ﷺ يِوما فقرأ ﷺ فلما مر بالسجدة نزل فسجد وسجدنا معه، وقرأها مرة أخرى، فلما بلغ السجدة تيِسرنا للسجود فلما رآنا قال: إنما هي توبة نبي ولكني أراكم قد استعددتم للسجود فنزل فسجد وسجدنا معه» (٣) .
стр. 34
وقد اختلف الفقهاء إذا قَرأ الخطيب آيةَ السجدة أثَناء خطبته، فهل ينزل من المنبر ويِسجد سجدة التلاوة أو يستمر في خطبته ولا ينزل , على أقَوال:
فذهب الحنفية إلى وجوب سجدة التلاوةَ، فإذا قرأ الخطيب آية السجدة فإنه ينزل ويسجد معه السامعون، ويجوز له أن يؤخر ذلك إلى أي وقت شاء، لأنه واجب على التراخي.
جاء في بدائع الصنائع في سياق بيان حكم سجود التلاوةَ داخل الصلاة وخارجها:
فأما خارج الصلاة فإنها تجب على سبيل التراخي في دون الفور عند عامة أهل الأصول، لأن دلائل الوجوب مطلقة عند تعيين الوقت فتجب في جزء من الوقت غير معين، ويتعين ذلك بتعيينه فعلا، وإنما يتضيق عليِه الوجوب في آخر عمره كما في سائر الواجبات الموسعة، وأما في الصلاة فإنها تجب على سبيل التضييق.
وذهب المالكية إلى أنه يكره قراءة آية السجدة أثناء الخطبة، ويكره له السجود إن قرأها.
وعللوا ذلك بأنه يخل بنظامها، جاء في الشرح الكبير: (وإن قرأها في فرض سجد) ولو بوقت نهي، لأنها تابعة حيِنئذ
стр. 35
للفرض. (لا) إن قرأها في خطبة فلا يسجد أي يكره) (١) وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يجوز له إن قَرأ السجدة أن ينزل فيسجد وإن أمكن السجود على المنبر سجد عليه، وإن ترك السجود فلا حرج عليه.
جاء في روضة الطالبين: " ولو قرأ آية سجدةَ نزل وسجد، فلو كان المنبر عاليا لو نزل لطال الفصل لم ينزل، لكن يسجد عليه إن أمكنه، وإلا ترك السجود" (٢) .
وقال ابن قدامة في المغني " فصل: وإن قرأ السجدة في أثناء الخطبة فإن شاء نزل فسجد، وإن أمكن السجود على المنبر سجد عليه وإن ترك السجود فلا حرج، فعله عمر وتركه" (٣) .
ولعل الراجح في هذه المسألة القول الأخير، وهو جواز فعل السجدة وتركها، وقد أخرج مالك أثرًا أن عمر بن الخطاب قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة، فنزل فسجد وسجد الناس معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود، فقال على
стр. 36
رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا إن نشأ فلم يسجد ومنعهم أن يسجدوا (١) .
وجاء في سنن البيهقي أيِضا (عن زر أن عمارا - رضى الله عنه - قرأ على المنبر ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] يوم الجمعة ثم نزل فسجد) (٢) .
والله أعلم بالحق والصواب.
[المطلب السادس الدعاء]
المطلب السادس
الدعاء وقد ورد من الأحاديث في الدعاء في خصوصية الخطبة: «عن عمارة بن رويبة: "أنه رأى بشر بن مروان رافعا يِديِه فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بأصبعه المسبحة» (٣) .
وعن سهل بن سعد ﵁ قال: «ما رأيت رسول الله ﷺ شاهرا يديه قط يدعو على منبره ولا على
стр. 37
غيره، ولكن رأيته يقول هكذا وأشار بالسبابة وعقد الوسطى بالإبهام» .
قال البيهقي: (والقصد من الحديثين إثبات الدعاء في الخطبة، ثم فيِه من السنة أن لا يرفع حال الدعاء في الخطبة ويقتصر على أن يشير بأصبعه) (١) .
وثابت عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ «أنه مد يديه ودعا، وذلك حيِن استسقى في خطبة الجمعة» .
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «أصابَت الناس سنة على عهد النبي ﷺ فبينما النبي ﷺ يخطب في يوم الجمعة قَام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال، فادع لنا، فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة - فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم يِنزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته ﷺ فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد وبعد الغد والذي يِليه حتى الجمعة الأخرى وقام ذلك الأعرابي - أو قال غيره - فقال: يا رسول الله تهدم البناء، وغرق المال، فادع
стр. 38
الله لنا، فرفع يديه فقال: اللهم حوالينا لا علينا، فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت وصارت المدينة مثل الجوبة وسال الوادي قناة شهر، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود» (١) .
وللأحاديثِ السابقة اتَفقَ فقهاء المذاهب الأربعة على مشروعية الدعاء للمسلمين والمسلمات أثناء الخطبة في الجمعة، لكنهم اختلفوا في حكمه هل هو واجب أو سنة؟ .
فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه سنة في الخطبة وهو قول عند الشافعيِة.
جاء في بدائع الصنائع في سياق ذكره لسنن الخطبة " ويدعو للمؤمنين والمؤمنات " (٢) .
وجاء في الشرح الكبير " وندب ثناء على الله وصلاة على نبيه وأمر بتقوى ودعاء بمغفرة وقراءة من القرآن (٣) .
وفي كشاف القناع: " ويسن أن " يدعو للمسلمين "لأن الدعاء لهم مسنون في غير الخطبة ففيِها أولى " (٤) .
стр. 39
وفي قول آخر للشافعية: إنه واجب أو ركن فلا تصح الخطبة إلا به واختاره النووي في المجموع وقال: (وهو الصحيح المختار) (١) .
وجاء في روضة الطالبين عند ذكره أركان الخطبة " الرابع: الدعاء للمؤمنين وهو ركن على الصحيح، والثاني لا يجب " (٢) .
[المطلب السابع كلام الخطيب مع الناس]
المطلب السابع
كلام الخطيب مع الناس الأصل أنه لا ينبغي للإمام أن يتكلم بكلام خارج عن إطار الخطبة، لأن الخطبة في مقام الصلاة، لكن جمهور الفقهاء أباحوا له الكلام إذا كان لجلب مصلحة أو دفع مضرة كإصلاح خطأ أو بيان حكم أو غير ذلك، وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ في مواقع مختلفة وكذلك بعض صحابته الكرام أذكر منها ما يلي: -
١ - من ذلك أن الرسول ﷺ لما رأى رجلا لم يصل ركعتين وهو يخطب أمره بالركعتين، فقد جاء في
стр. 40
الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال: «جاء رجل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا: قم فاركع» (١) .
وفي لفظ آخر ورد ذكر الرجل الداخل: (عن جابر بن عبد الله قال: «جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجلس فقال له: يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما، ثم قال: إذا جاء أَحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما» ) (٢) .
٢ - ومن ذلك أيضا أن الرسول ﷺ لما رأى رجلا يتخطى رقاب الناس منعه من ذلك وهو يخطب.
جاء في سنن أبي داود: عن أبي الزاهرية قال: «كنا مع عبد الله بن بسر صاحب النبي ﷺ يوم الجمعة فجاء رجل يتخطى رقاب الناس فقال عبد الله بن بسر: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال له النبي ﷺ : " اجلس فقد آذيت» (٣) .