رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا إن نشأ فلم يسجد ومنعهم أن يسجدوا (١) .
وجاء في سنن البيهقي أيِضا (عن زر أن عمارا - رضى الله عنه - قرأ على المنبر ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] يوم الجمعة ثم نزل فسجد) (٢) .
والله أعلم بالحق والصواب.
[المطلب السادس الدعاء]
المطلب السادس
الدعاء وقد ورد من الأحاديث في الدعاء في خصوصية الخطبة: «عن عمارة بن رويبة: "أنه رأى بشر بن مروان رافعا يِديِه فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بأصبعه المسبحة» (٣) .
وعن سهل بن سعد ﵁ قال: «ما رأيت رسول الله ﷺ شاهرا يديه قط يدعو على منبره ولا على
стр. 37
غيره، ولكن رأيته يقول هكذا وأشار بالسبابة وعقد الوسطى بالإبهام» .
قال البيهقي: (والقصد من الحديثين إثبات الدعاء في الخطبة، ثم فيِه من السنة أن لا يرفع حال الدعاء في الخطبة ويقتصر على أن يشير بأصبعه) (١) .
وثابت عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ «أنه مد يديه ودعا، وذلك حيِن استسقى في خطبة الجمعة» .
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: «أصابَت الناس سنة على عهد النبي ﷺ فبينما النبي ﷺ يخطب في يوم الجمعة قَام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال، فادع لنا، فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة - فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم يِنزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته ﷺ فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد وبعد الغد والذي يِليه حتى الجمعة الأخرى وقام ذلك الأعرابي - أو قال غيره - فقال: يا رسول الله تهدم البناء، وغرق المال، فادع
стр. 38
الله لنا، فرفع يديه فقال: اللهم حوالينا لا علينا، فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت وصارت المدينة مثل الجوبة وسال الوادي قناة شهر، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود» (١) .
وللأحاديثِ السابقة اتَفقَ فقهاء المذاهب الأربعة على مشروعية الدعاء للمسلمين والمسلمات أثناء الخطبة في الجمعة، لكنهم اختلفوا في حكمه هل هو واجب أو سنة؟ .
فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه سنة في الخطبة وهو قول عند الشافعيِة.
جاء في بدائع الصنائع في سياق ذكره لسنن الخطبة " ويدعو للمؤمنين والمؤمنات " (٢) .
وجاء في الشرح الكبير " وندب ثناء على الله وصلاة على نبيه وأمر بتقوى ودعاء بمغفرة وقراءة من القرآن (٣) .
وفي كشاف القناع: " ويسن أن " يدعو للمسلمين "لأن الدعاء لهم مسنون في غير الخطبة ففيِها أولى " (٤) .
стр. 39
وفي قول آخر للشافعية: إنه واجب أو ركن فلا تصح الخطبة إلا به واختاره النووي في المجموع وقال: (وهو الصحيح المختار) (١) .
وجاء في روضة الطالبين عند ذكره أركان الخطبة " الرابع: الدعاء للمؤمنين وهو ركن على الصحيح، والثاني لا يجب " (٢) .
[المطلب السابع كلام الخطيب مع الناس]
المطلب السابع
كلام الخطيب مع الناس الأصل أنه لا ينبغي للإمام أن يتكلم بكلام خارج عن إطار الخطبة، لأن الخطبة في مقام الصلاة، لكن جمهور الفقهاء أباحوا له الكلام إذا كان لجلب مصلحة أو دفع مضرة كإصلاح خطأ أو بيان حكم أو غير ذلك، وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ في مواقع مختلفة وكذلك بعض صحابته الكرام أذكر منها ما يلي: -
١ - من ذلك أن الرسول ﷺ لما رأى رجلا لم يصل ركعتين وهو يخطب أمره بالركعتين، فقد جاء في
стр. 40
الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال: «جاء رجل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا: قم فاركع» (١) .
وفي لفظ آخر ورد ذكر الرجل الداخل: (عن جابر بن عبد الله قال: «جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجلس فقال له: يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما، ثم قال: إذا جاء أَحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما» ) (٢) .
٢ - ومن ذلك أيضا أن الرسول ﷺ لما رأى رجلا يتخطى رقاب الناس منعه من ذلك وهو يخطب.
جاء في سنن أبي داود: عن أبي الزاهرية قال: «كنا مع عبد الله بن بسر صاحب النبي ﷺ يوم الجمعة فجاء رجل يتخطى رقاب الناس فقال عبد الله بن بسر: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال له النبي ﷺ : " اجلس فقد آذيت» (٣) .
стр. 41
وفي رواية لابن ماجه: عن جابر بن عبد الله «أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجعل يتخطى الناس، فقال رسول الله ﷺ : " اجلس فقد آذيت وأنيت» (١) .
٣ - ومن ذلك أيضا «أنه ﷺ رأى عبد الله بن مسعود جالسا على باب المسجد وهو يخطب وأمره أن يدنو منه» .
جاء في سنن أبي داود عن جابر قال: «لما استوى رسول الله ﷺ يوم الجمعة قال: " اجلسوا" فسمع ابن مسعود فجلس على باب المسجد فرآه رسول الله ﷺ فقال: تعال يا عبد الله بن مسعود» (٢) .
وفي رواية في السنن الكبرى للبيهقي: عن عطاء بن أبي رباح قال: «أبصر النبي ﷺ عبد الله بن مسعود خارجا من المسجد والنبي ﷺ يخطب فقال: " تعال يا عبد الله بن مسعود» (٣) .
стр. 42
٤ - ومن ذلك أيضا أن الرسول الله ﷺ رأى رجلا واقفا في الشمس وهو يخطب فأمره أن يتحول إلى الظل.
جاء في السنن «عن قيس بن حازم قال: قام أبي في الشمس والنبي ﷺ يخطب فأمر به فقرب إلى الظل» (١) .
وفي لفظ آخر في السنن أيضا: عن قيس عن أبيه: «أنه جاء رجل ورسول الله ﷺ يخطب فقام في الشمس فأمر به فحول إلى الظل» (٢) .
٥ - وما روي «عن أبي زرعة قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب قال: فقلت يا رسول الله، رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه؟ قال: فأقبل على رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتي بكرسي حسبت قوائمه حديدا قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ وجعل يعلمني مما علمه الله ثم أتى خطبته فأتم آخرها» (٣) .
стр. 43
٦ - وما روي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: «خطبنا رسول الله ﷺ فأقبل الحسن والحسين ﵄ عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان فنزل فأخذهما فصعد بهما المنبر ثم قال: صدق الله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] (الأنفال: ٢٨) ثم أخذ في الخطبة» (١) .
(لفظ أبي داود) .
٧ - ومن ذلك ما روي عن أبي هريرة قال: «بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان فعرض به عمر: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت , فقال عمر: والوضوء أيضا ألم تسمعوا رسول الله ﷺ يقول: إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل» (٢) .
стр. 44
ولهذه الأحاديث والآثار وغيرها كره العلماء للخطيب أن يتكلم في أثناء الخطبة إلا لمصلحة فيجوز حينئذ.
جاء في بدائع الصنائع: (ويكره للخطيب أن يتكلم في حالة الخطبة، ولو فعل لا تفسد الخطبة، لأنها ليست بصلاة فلا يفسدها كلام الناس، لكنه يكره لأنها شرعت منظومة كالآذان، والكلام يقطع النظم إلا إذا كان الكلام أمرا بالمعروف فلا يكره (١) .
وجاء في الشرح الكبير: (وجاز نهي خطيب أو أمر إنسان لغا أو فعل ما لا يليق كقوله: لا تتكلم أو أنصت يا فلان حال خطبته) (٢) .
وجاء في مغني المحتاج بعد بيان الخلاف في حكم كلام الخطيب أثناء الخطبة: (والخلاف في كلام لا يتعلق به غرض مهم ناجز، أما إذ رأى أعمى يقع في بئر أو عقربًا تدب على إنسان فأنذره أو علَّم إنسانا شيئا من الخير أو نهاه عن منكر فهذا ليس بحرام قطعا بل قد يجب عليه) (٣) .
стр. 45
وجاء في المغني: (ولا يحرم الكلام على الخطيب ولا على من سأله الخطيب «لأن النبي ﷺ سأل سليكا الداخل وهو يخطب (أصليت؟) وقال: لا» (١) .
[المطلب الثامن الترتيب والمولاة بين أجزاء الخطبة]
المطلب الثامن
الترتيب والمولاة بين أجزاء الخطبة أولا: حكم الترتيب بين أركان الخطبة: استحب جمهور الشافعية والحنابلة الترتيب بين أركان الخطبة، فيبدأ بالحمد لما رُوي عن أبي هريرة ﵁: «كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم» ، ثم يُثني بالصلاة على رسول الله ﷺ ، ويُثلّث بالموعظة ثم يربع بقراءة آية، وإن نكس بأن قدم غير الحمد أجزأه، وعللوا ذلك: بأن المقصود حصل بدون الترتيبِ إذ المقصود الوعظ وهو حاصل، ولأنه لم يرد نص في اشتراط الترتيب.
وهناك وجه آخر للشافعية، وقول عند الحنابلة باشتراط ذلك (٢) .
стр. 46
جاء في مغني المحتاج " قلت: الأصح أن ترتيب الأركان ليس بشرط - والله أعلم - " لحصول المقصود بدونه، لأن المقصود الوعظ وهو حاصل، ولم يرد نص في اشتراط الترتيب، وهذا هو المنصوص عليه في الأم والمبسوط وجزم به أكثر العراقيين بل هو سنة " (١) .
وجاء في الإنصاف "ويستحب أن يبدأ بالحمد ويُثني بالصلاة على النبي ﷺ ويثلث بالموعظة ويربع بقراءة آية على الصحيح من المذهب، جزم به في الكافي وغيره، وقدمه في الفروع وغيره.
وقيل: يجب تَرتيب ذلك، وأطلقهما الزركشي وابن تَمِيم والرعاية والتلخيص والبلغة، لكن حكاهما احتمالين فيهما) (٢) .
ثانيا: حكم الموالاة بين أجزاء الخطبة: اختلف العلماء في حكم الموالاة بين أجزاء الخطبة على قولين:
стр. 47
١ - أن الموالاة شرط، وهو أصح الوجهين عند الشافعية ورأي الحنابلة، فلا يجوز أن يِفصل بعضها من بعض بكلام طويل أو سكوتَ طويل.
جاء في مغني المحتاج: " والأظهر اشتراط الموالاة بين أركانها وبين الخطبتين وبينهما وبين الصلاة للاتباع، ولأن لها أثرًا ظاهرًا في استمالة القلوب، والخطبة والصلاة شبيهتان بصلاة الجمع " (١) .
وقال ابن قدامة في المغني: " فصل: والموالاة شرط في صحة الخطبة فإن فصل بعضها ببعض بكلام طويل أو سكوت طويل أو شيء غير ذلك يقطع الموالاة التي استأنفها، والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة، وكذا يشترط الموالاة بين الخطبة والصلاة، وإن احتاج إلى الطهارة تطهر وبنى على خطبته ما لم يطل الفصل " (٢) .
٢ - أن الموالاة غير مشروطة بل هي مستحبة وهو وجه آخر للشافعية (٣) هذا ملخص ما ذكره العلماء في حكم الترتيب
стр. 48
والموالاة بين أركان الخطبة والأفضل للخطيب التزام ذلك خروجًا من خالف من أوجبهما، ولأن ترك ذلك قد يؤدي في الغالب إلى اختلال نظم الخطبتين وعدم انسجامهما - والله أعلم - بالحق والصواب.
[المطلب التاسع ترجيحات لبعض العلماء في حكم أجزاء الخطبة]
المطلب التاسع
ترجيحات لبعض العلماء في حكم أجزاء الخطبة إن أجزاء الخطبة السابق بيانها، مما اختلف فيه الفقهاء اختلافًا كبيرًا، وقد عقدت هذا المبحث لذكر نصوص لبعض العلماء المحققين.
١ - في الاختيارات الفقهية لابن تيمية لعلاء الدين البعلي: "ولا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت، بل لابد من مسمى الخطبة عرفًا ولا تحصل باختصار يفوت به المقصود، ويجب في الخطبة أن يشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأوجب أبو العباس في موضوع آخر الشهادتين، وتردد في وجوب الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة. وقال في موضوع آخر: ويحتمل وهو الأشبه أن الصلاة عليه ﷺ فيها واجبة، ولا تجب مفردة لقول عمر وعلى - رضى الله عنهما: " الدعاء موقوف بيِن السماء والأرض حتى تصلي على نبيِك ﷺ "، وتقدم الصلاة عليه ﷺ على
стр. 49
الدعاء لوجوب تقديمه على النفس، وأما الأمر بالتقوى، فالواجب إما معنى ذلك وهو الأشبه من أن يقال: الواجب لفظ التقوى ومن أوجب لفظ التقوى فقد يحتج بأنها جاءت بهذا اللفظ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] وليست كلمة أجمع لما أمر الله به من كلمة التقوى " (١) .
[المبحث الثاني ضوابط وقواعد لموضوعات خطبة الجمعة]
[المطلب الأول حسن اختيار الموضوع]
المبحث الثاني
ضوابط وقواعد لموضوعات خطبة الجمعة المطلب الأول
حسن اختيار الموضوع إن موضوع الخطبة هو لبها وروحها، وبحسب الموضوع يكون أثر الخطبة، والخطيب الذي يقدر سامعيه ويحترمهم ويقدر أوقاتهم ويضن بها أن تضيِع في غير فائدة يحرص غاية الحرص على موضوع الخطبة ويجتهد غاية الاجتهاد في أن يكون موضوعها نافعا للناس ويتبدى فقه الخطيب وحسن اختياره للموضوعات في الملامح التالية:
стр. 50
١ - استحضار الهدف: إن من فقه الخطيب أن يِكون مستحضرًا الهدف الذي يريِد أن يتوصل إليِه بخطبته ويكون ذلك الهدف مشروعًا، وبحسب ذلك الصف يِبني خطبته وينظم عقدها، ويكون مقتنعًا بذلك الهدف فيكون اختياره للموضوع تابعًا من صلاحيته للعرض على الناس ومقدار النفع المتوقع لهم منه، لا أن يكون ناتجًا عن اندفاع عاطفي أو رغبة في إرضاء جمهور الناس إذ صار ذلك هم بعض الخطباء - شعروا أو لم يشعروا - فهم يهتمون بطرح ما يرضي الناس وما يرغبون فيه، فيكون المؤثر في الخطيب الناس بينما المفترض العكس، ويمكن أن يِكون هناك نوعان من الأهداف:
أ - أهداف بعيدة المدى: بحيث يِجعل الخطيب في الحي أو البلدة أو القرية مجموعة من الأهداف يسعى لتحقيقها في حيِه أو بلدته فيرسم معالم للتغيير الذي ينشده وطرائق لمعالجات الواقع في مجتمعه مراعيًا في ذلك الموازنة من جلب المصالح ودرء المفاسد، ويِكون وضع هذه الأهداف في ضوء دراسته للبيئة التي يعيش فيها.
стр. 51
ب - الأهداف الخاصة بكل خطبة: بحيث يكون الخطيِب قاصدا لأهداف يِريد تحقيقها وغايات وأغراض يريد الوصول إليها (١) .
٢ - أن تكون الخطبة صادرة من شعور قلبي صادق: إن أحسن الخطب وأفضلها وأكثرها نفعا وفائدة ما كان صادرا من شعور الخطيب وإحساسه بأهمية الموضوع وبمقدار حاجة الناس إليِه، فالداعية رحيم بالناس مشفق عليم كأنه النذير العريان لأنه ينذر الناس ما هم مقدمون عليه من العذاب، وهذا ما يفسر لنا تأثير النبي ﷺ في الخطبة إذا ذكر الساعة، ففي حديث جابر بن عبد الله ﵄ في الكلام عن خطبة النبي ﷺ : «وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه نذير جيش، يقول: صبحكم ومساكم. . . .» (٢) .
стр. 52
٢ - اختيار الوقت المناسب للموضوع: إن من المداخل الجيدة للموضوعات الخطابية يوم الجمعة أن يكون السياق الزمني داعيا لها وإذا استغل الخطيب ذلك الظرف كان لخطبته أثر كبير، مثال ذلك: -
لو كانت الأمة في حالة خوف وفي خضم أمر عظيم دهمها فركنت إلى القوى المادية، فخطب الخطيب عن التوكل على الله وأهميته، وأن اتخاذ الأسباب لا ينافي ذلك لوقع الموضوعُ في نفوسهم موقعه ولرسخ في الأذهان ورد الناس إلى الموقف الرشيد.
ومن مراعاة الوقت أن يختار لكل موسم ما يصلح له، فلرمضان من الخصائص ما ليس لغيره من الشهور، وفيه من الوظائف الشرعية ما ليس في غيره فتكون الخطب في جمعة مراعية للظرف، وليس من الحكمة في شيء أن يخطب الإنساِن بعد نهاية الظرف المناسب للموضوع عن الموضوع (فقد خطب أحد الخطباء في إحدى عواصم الدول الإسلامية عن ليِلة القدر يوم الثلاثين من رمضان وليس هناك أمل بإدراك هذه الليلة) (١) .
стр. 53
وإن فاعلية الخطبة في نفوس السامعيِن تزداد إذا قرن موضوعها بشيء من الواقع الذي يعيشونه فيستخدم الأحداث التي تقع وسيلة لإيصال الحقائق التي يريدها.
٤ - التركيز على الأساسيات والقضايا الكلية: ومن فقه الاختيِار التركيز على الأساسيات والقضايا الكلية، وعدم تضخيم الجزئيات على حساب الكليات الأصول، قال ابن القيم ﵀ "وكذلك كانت خطبته ﷺ إنما هي تقرير لأصول الإيمان من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، وذكر الجنة والنار وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته وما أعد لأعدائه وأهل معصيته، فيملأ القلوب من خطبته إيمانًا وتوحيدًا ومعرفة بالله وأيامه، لا كخطب غيره التي إنما تفيد أمورا مشتركة بين الخلائق، وهي النوح على الحياة والتخويف بالموت، فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيِمانًا بالله، ولا توحيدًا له، ولا معرفة خاصة به، ولا تذكيرًا بأيامه، ولا بعثًا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة غير أنهم يموتون وتقسم أموالهم ويبلي الترابُ أجسادَهم فيا ليت شعري
стр. 54
أي إيمان حصل بهذا؟ وأي توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به؟ (١) .
ومع أن هناك بعض الجزئيات أو الفروع التي قَد يرى الخطيب وجوب بيِانها للناس، إلا أنه لابد من التأكيد على ربط تلك الجزئية بالكليات العامة، وهذا الربط له أثره في بيان حكم الأمر والنهي والحض على الالتزام بالأمر، واجتناب النهي، وإذا جعل الخطيب مدخله إلى الجزئيات أمورا كلية كان ذلك أدعى لقبول القول.
مثال ذلك: تكلم خطيب عن حلق اللحية وحرمة ذلك بالنصوص، ونقل أقوال أهل العلم، وتكلم آخر عن نفس الموضوع جاعلًا المدخل من خلال قضيتين:
الأولى: وجوب تعظيم السنة والتزام أمر النبي ﷺ .
الثانية: حرمة التشبه بالكفار، وعزة المسلم بمظهره ودينه وشعائره الظاهرة، ودلف إلى موضوع اللحية بعد أن أصل هذين الموضوعين فكان لخطبة الثاني من الأثر والقبول ما ليس لخطبة الأول.
стр. 55
وهذا الربط موجود في النصوص ذاتها فالنبي ﷺ يقول في أمر اللحية: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى وخالفوا المجوس» (١) . فأكد على موضوع المنع من التشبه.
٥ - الحرص على عدم التكرار إلا لحاجة: ينزع بعض الخطباء إلى تكرار خطبهم كل سنة، ميلا إلى الدعة ورغبة عن البحث والاطلاع " فيقع أسيرًا لبضعة مواضيع قد تكون هامة وقد لا تكون، ليطلع بها علينا كل أسبوع مما يحدث الملل لدى الجمهور الذي يعاني من تكرار الخطب التي لا جديد فيها، ويؤدي إلى إهدار قيمة هذا المنبر الخطير " (٢) .
وهذه الظاهرة وإن كانت قلت وخصوصًا في المدن والحواضر الكبرى إلى إهدار أن لها وجهين لا زالا باقيين:
الأول: تكرار الخطبة الثانية: إذ يلتزم البعض خطبة واحدة محفوظة لا تتغير ولا تتبدل طوال العام وفوق هذا لم يرد في السنة فهو أيضًا أخذ لوقت
стр. 56
الناس بدون فائدة، بل يسمعون كلامًا حفظوه لكثرة ترداده (١) .
نعم من المشروع أن يذكر في خطبه بعض الجمل الجامعة التي كان يكررها النبي ﷺ مثل قوله: «فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» (٢) .
ولكن ذلك لما تحويِه هذه الجمل من الوصايا الجامعة الشاملة وأما ترديِد غيرها مما لم ترد به السنة فغير محمود.
الثانية: تكرار الخطب في المناسبات: ففي رمضان يخطب الخطيبِ في الأول عن البشارة برمضان، ثم يِثُني بالكلام عن أحكام الصيام، ثم يثُلّث بالكلام عن العشر الأواخر وفضلها ويختم بالكلام عن أحكام صدقة الفطر، وكل ذلك خير ولكن يمكن أن يِنوع الإنسان بين السنين فيخطب مثلًا عن القرآن ورمضان، وعن غزوات الرسول في رمضان، وعن استثمار رمضان في إصلاح الذات، وعن استثمار رمضان في إصلاح الآخرين، فيُنوع في خطبه ليتحقق بذلك استفادة
стр. 57
الناس، خصوصًا أنهم يسمعون الكلام عن الأحكام من خلال أحاديث بعد صلاة العصر في المساجد.
٦ - التبكير بالاختيار: إن الخطيب إذا بكر في الاختيِار كان ذلك أدعى لضبط الموضوع إذا يصبح همًا للخطيب طوال الأسبوع، يبحث عن مراجعه، ويدون بعض الملاحظات عنه، ويستفهم، ويسأل أهل العلم عن جوانبه المستغلقة، فيخرج الموضوع وقد تم نضجه واستوى على سوقه.
ويزداد الأمر جودة إذا كان الخطيب قد وضع سلمًا لأولويات ما يخطب عنه، وحرص على إيجاد دفتر ملاحظات خاص يدون فيه ما يأتي على باله من موضوعات يراها جديرة بالطرح ويُدون مع تدوين العنوانات جملة من مراجع، وما كتب فيه من كتب مقالات.
٧ - الشمولية: إن الإسلام دين شامل ينظم الحياة كلها، وهذا الشمول سمة من سماته الرئيِسة، وخطيب الجمعة حين يِختار موضوعاته للناس يِجب أن يراعي هذه السمة فلا يكون موغلا في بيان جانب من الجوانب يركز عليه ويغفل ما سواه.
стр. 58
إن الناس يحتاجون إلى بيان أمور الاعتقاد، ويحتاجون إلى تعليِم الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية، كما يِحتاجون للوعظ والرقائق، بل وإلى بيان أحوال الأمم السابقة وما جرى بيِنهم وبيِن أنبيائهم واستخلاص عبر تلك الأحداث ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] (١) .
والله ساق قصصهم في القران الكريم ليِكون في ذلك العبرة والذكرى للمؤمنين، وأمر رسول الله ﷺ أن يذكر الناس بأيام الله فقال: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] (٢) .
ومن الملاحظ أن الخطيب قد يِكون متخصصا في أمر أو مهتما بأمر فيركز عليه، كأن يكون متخصصا في الفقه فتكون خطبه كلها فقهية، أو واعظا فتكون جل خطبه عن المنكرات، وقَد تكون نفسه مائلة إلى جانب فيركز عليه، فتجد من الخطباء من هو دائم الترهيب والتخويِف ومن هو دائم الترغيب، ومن حكمة الخطيب أن يجمع في خطبة بين الترغيبِ والترهيب وبين التعليم والوعظ وببن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
стр. 59
[المطلب الثاني حسن الإعداد]
المطلب الثاني
حسن الإعداد إن الخطيب الذي يِقدر العمل الذي يقوم به، هو ذلك الرجل الذي يعتني بما يقول ويحضر لما يقول، ويمكن أن أجمل مراحل العمل في إعداد الخطبة في:
أولا: القراءة في الموضوع: بعد اختيار الموضوع الذي يود الخطيب طرحه يحسن به أن يقرأ ما كتب عن الموضوع، أو بعض ما كتب، فمن شأن تلك القراءة أن تثري الخطبة وتجعل الخطيب ملما بجوانب الموضوع، إذ ليس الأمر قاصرا على مجرد الخطبة بل ربما سئل عن جوانب من الموضوع.
ثانيا: جمع النصوص: إن الخطيبِ حين يخطب عن موضوع إنما يِريد بيان حكم الله فيه، أو يِريد بيان ما أعد الله لأوليِائه وما أعد لأعدائه، أو يريد بيان صفات الله أو أسمائه، أو غير هذه الموضوعات التي قيامها على معرفة ما قال الله وقال رسوله.
ويبدأ الخطيب بجمع الآيات القرآنية الكريمة المتعلقة بهذا الموضوع، ويِستعيِن على ذلك بالمعجم المفهرس لألفاظ القرآن
стр. 60
الكريم، فمثلًا إذا أراد أن يخطب عن التقوى رجع إلى المعجم ليستخرج الآيِات الدائرة حول هذا الموضوع.
وإذ أراد أن يخطب عن العدل رجع إلى المعجم مادة عدل ومادة قسط ليعرف الآيات الدائرة حول موضوع العدل ثم يجمع الأحاديث النبوية المتعلقة بالموضوع، ويستعين أيضًا بالمعجم المفهرس لألفاظ الحديث، ويمكن أيضًا أن يرجع إلى شرح السنة للبغوي وجامع الأصول لابن الأثير.
ولا يعني جمع هذه النصوص أن يذكرها كلها في الخطبة ولكن اطلاعه علبها يجعله ملمًا بأطراف الموضوع ليِطرحه من الجهة الأكثر تأثيرًا في نفوس الناس.
ثالثا: الرجوع إلى أقوال أهل العلم: وتبدأ هذه المرحلة بالرجوع إلى أقوال المفسرين للآيات التي اختارها الخطيب، والتي تعالج الموضوع الذي يطرحه، ثم الرجوع إلى شراح الحديث أيضًا.
وبعد ذلك يراجع كتب أهل العلم في مظان الموضوع الذي يطرحه، فعلى سبيل المثال إذا كان الموضوع عقديِا رجع إلى كتب العقيدة، واستفاد من فهارس تلك الكتب لاهتداء لما يريد،
стр. 61
وإذا كان الموضوع فقهيا رجع إلى كتب الفقه. وإذا كان الموضوع في الآداب رجع إلى كتب الآداب.
وقد يِكون في الموضوع كتاب مفرد فإن كان فذلك أفضل وأنفع للخطيب.
ثم إذا كان الموضوع عن ظاهرة معاصرة حسن بالخطيب أن يراجع كلام المعاصرين، ويذكر بعض الإحصائيات التي تزيد الموضوع ثراء والسامع إقناعا.
رابعا: ضم الموضوع في نسق واحد: وبعد مرحلة الجمع هذه يضم الخطيبِ زبدة ما جمع في نسق واحد، فيضع مخططا للأفكار التي يريد طرحها، ويكتب خطبته بناء على هذا المخطط ويِراعي تسلسل الأفكار، وترابط الجمل والعبارات.
[المطلب الثالث وحدة الموضوع وترابطه]
المطلب الثالث
وحدة الموضوع وترابطه أولا: وحدة الموضوع: إن مما يساعد على الفهم لما يُقال في خطبة الجمعة توحيد الفكرة التي يِدور عليها موضوع الخطبة إذ من الملاحظ الظاهرة: أن بعض الخطباء يجعلون الخطبة مسحا لجملة من الموضوعات
стр. 62
وهذا خطأ إلا في المناسبات العامة التي يِراد فيها التذكير كالأعياد وخطبة عرفة ونحوها، وتعدد موضوعات الخطبة والاستطرادات الكثيرة فيها بالخروج من موضوع إلى موضوع له عدة مساوئ من ضمنها:
١ - تشتيت ذهن السامع وجعله في حيرة من أمره، فلا يستطيع التركيز في الفهم فيخرج بدون فائدة واضحة قيمة مما سمع.
٢ - ازدحام الموضوعات في ذهن السامع وكثرتها بحيث يُنسي بعضها بعضًا.
٣ - أن من شأن الخطبة التي تَعالج فيها موضوعات عدة أن تكون المعالجة لما يطرح فيها معالجة سطحية مسحية عاجلة لا تضع كما يقال (النقاط على الحروف) فتوجد إشكالات في ذهن السامع لا يجد إجابة لها بعكس التركيِز على فكرة أو موضوع، فمن شأن ذلك أن يِجعل الخطيب يوفي الموضع حقه (١) وسأمثل على ذلك بموضوع العلم، فمما يحتويِه الكلام عن العلم:
بيان منزلة العلم وفضله.
بيان العلم الممدوح المذموم.
стр. 63
ثواب طلب العلم.
منزلة العلم.
آداب طالب العلم ٠٠٠إلخ.
والتكلم عن موضوع العلم من جميع جوانبه والخلط بينها في خطبة واحدة لا يحقق الفائدة المرجوة التي يحققها توحيد الفكرة والتركيز.
ثانيا: ترابط أجزاء الخطبة: إن تنافر جزئيات الخطبة ينفر السامع، وترابطها يربط على قلب السامع وعقله فيتحقق له الفن، ومما يحقق ذلك الترابط ما يلي:
١ - أن يقسم الخطيب الخطبة بشكل منظم فإذا طرح القضية التي لها جوانب عدة فصلها بحسب تلك الجوانب ورقمها فيقول: الجانب الأول. . . . الجانب الثاني. . . وهلم جرا.
وإذا استدل بجملة أدلة رقمها فقال: الدليل الأول. . الدليل الثاني. . .
٢ - أن تكون الخطبة متسلسلة تسلسلا علميا يسهل على الناس الفهم، فإذا تكلم الخطيب عن ظاهرة اجتماعية شخصها قبل بيان الحكم لا أن يبين الحرمة قبل بيِان المحرم.
стр. 64
٣ - أن ينتقل من الحقائق المعلومة عن الجميع إلى ما يريد الحديث عنه، ولا يطيِل الوقوف عند ما يِتفق عليه الناس، فإذا تكلم عن الموت فإنه لا يحتاج إلى مزيد كلام حول أن الموت واقعُ لا محالة، ولكنه يحتاج إلى حث الناس على العمل لما بعد الموت، فتذكيرهم به إنما هو من أجل الحث على العمل.
٤ - أن يِجعل الموضوع الطويل مقسمًا على جُمع متعددة ليعالج الموضوع من جميع جوانبه، ولا يكون ذلك إلا للموضوعات التي لابد من علاج جميع جوانبها والتي تَكتسب أهمية خاصة.
[المطلب الرابع تخفيف الخطبة وتقصيرها]
المطلب الرابع
تخفيف الخطبة وتقصيرها اتفق الفقهاء على استحباب تخفيف الخطبة وعدم الإطالة فيها، فقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة سأسرد بعضها بعد قليل - إن شاء الله تعالى - لأن المقصود من الخطبة إفادة السامعين وتذكيرهم، ولا شك أن الإطالة في الكلام تجعل بعضه ينسي بعضًا، وتجعل السامع يمل منه بل تنُفر الناس من حضور الخطبة، ولكن المقصود والمطلوب في ذلك اختصار غير مخل وغير ممحق للمعني.
стр. 65
ومن الأحاديث الواردة في ذلك: - ما جاء في صحيح مسلم «عن جابر بن سمرة قال: " كنت أصلى مع رسول الله ﷺ فكانت صلاته وخطبته قصدًا» (١) .
- وما جاء في صحيح مسلم أيضَاَ عن واصل بن حيان قال: «قال أبو وائل: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ فلما نزل قلنا يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفست، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وإن من البيان سحرا» (٢) . لفظ مسلم " والمئنة والعلامة.
- وما أخرجه أبو داود عن عمار بن ياسر، قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بإقصار الخطب» (٣) وما أخرج أيضًا أبو داود في سننه عن جابر بن سمرة الوائلي قال:
стр. 66
«كان رسول الله صلى عليه وسلم لا يطيل الموعظة يوم الجمعة إنما هن كلمات يسيرات» (١) .
-ما رواه النسائي عن عبد الله بن أبي أوفى يِقول: «كان رسول الله ﷺ يكثر الذكر ويقل اللغو ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة» (٢) .
- وما روي عن جابر بن سمرة قال: «كان النبي ﷺ يخطب قائما ثم يِجلس ثم يقوم فيقرأ آيِات ويذكر الله وكانت خطبته قصدًا وصلاته قصدًا» (٣) .
١ - نصوص المذاهب في ذلك:
في المذهب الحنفي: جاء في بدائع الصنائع في سياق ذكر سنن الخطبة " ومنها أن لا يُطول الخطبة لأن النبي ﷺ أمر بتقصير الخطب، وعن عمر -رضى الله عنه - أنه قال: " طولوا الصلاة وأقصروا الخطبة ".
стр. 67
وقال ابن مسعود: " طول الصلاة وقصر الخطبة من فقه الرجل "، أي إن هذا مما يستدل به على فقه الرجل " (١) .
وفي المذهب المالكي: جاء في الشرح الكبير في سياق بيان سنن الخطبة (وتقصيرهما، والثانية أقصر من الأولى) (٢) .
وفى المذهب الشافعي: قال النووي في المجموع: "ويستحب تقصير الخطبة للحديث المذكور وحتى لا يملوها، قال أصحابنا: ويكون قصرها معتدلا، ولا يِبالغ بحيث يمحقها " (٣) .
في المذهب الحنبلي: جاء في كشاف القناع "ويُسن (أن يقصر الخطبة) لما روى مسلم عن عمار مرفوعًا: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة فقهه فأطيلوا الصلاة وقصروا الخطبة» ، ويسن كون الخطبة الثانية أقصر من الخطبة الأولى كالإقامة مع الآذان) (٤) .
стр. 68
[المطلب الخامس مراعاة القدرة]
المطلب الخامس
مراعاة القدرة أولا: مراعاة قدرة الخطيب على البيان: إن العلم درجات ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] (١) والله قد أمر نبيه أن يسأله أن يزيده علما فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] (٢) وليس الخطيب قادرًا على كل الموضوعات التَي يرد طرحها إما لقلة علمه في الجملة وإما لقلة علمه في موضوع معين، فإذا رأى الخطيب من نفسه ذلك فعليه ألا يتكلم في موضوع هو غير قادر على بيانه وتوضيحه أو غير عالم بجوانبه التي يجب طرحها على الناس.
وحين يوجد ذلك - وهو موجود خصوصا في القرى - فلعل الخطيب أن يستعين بكتاب فيه خطب لعالم موثوق فيِخطب بما فيِه، ولا أن ينشئ كلاما في موضوع لا يحسن هو الكلام فيه والله عز
стр. 69
وجل يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] (١) هذا إذا لم يكن ثمة قادر على الخطابة، وإلا فالقادر أحق بالخطابة.
ثانيًا: مراعاة قدرة الناس على الفهم: إن الناس تتباين عقولهم، وتختلف فهومهم، فهم على درجات في الفهم، والخطيِب يخاطب أناسا كثرا، فكان واجبا عليه مراعاة قدرة الناس على فهم ما يقول لئلا يصير ذلك القول فتنة لهم، مثال ذلك: تكليم الناس في دقائق العلوم وصعاب المسائل التي لاتصل إليها أفهامهم ولا تدركها عقولهم، كمن يحدث عوام الناس بدقائق المسائل في القضاء والقدر وهي مسائل لا يصلح ذكرها لعوام الناس ولا يدركها إلا خواصهم وقد عد الإمام الشاطبي تكليم الناس في هذه الدقائق من باب البدعة الإضافية فقال: "ومن ذلك التحدث مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل مغزاه فإنه من باب وضع الحكمة في غير موضعها " (٢) .
وقد جاء النهي عن ذلك في جملة أحاديث منها:
стр. 70
١ - عن معاوية بن أبي سفيان - رضى الله عنه - عن النبي ﷺ : «أنه نهى عن الأغلوطات» (١) قال الإمام الأوزاعي: " هي صعاب المسائل أو شرار المسائل (٢) .
٢ - وعن علي بن أبي طالب - رضى الله عنه - قال: " حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله " (٣) .
فنهى عن تحديت الناس بما لا يِعقلون حتى لا يؤدي ذلك إلى تكذيب الله ورسوله ﷺ .
وقد جعل الإمام البخاري هذا الأثر عن علي في ترجمة باب قال فيِه: " باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا " (٤) .
٣ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبضعهم فتنة " (٥) .
стр. 71
إن تحديت الناس بما لا يعقلون ولا يدركون يؤدي إلى نتائج سيئة منها:
١ -أن يفهم السامع الكلام على غير وجهه فيفتن بأحد أمرين:
أ - التكذيب بالحق.
ب - العمل بالباطل.
قال ابن وهب ﵀ في الكلام عن قول ابن مسعود السابق ". . . إلا كان لبعضهم فتنة "، وذلك أن يتأولوه غير تأويله، ويحملوه على غير وجهه " (١) .
وقال الإمام الذهبي: " ينبغي للمحدث ألا يِشهر الأحاديث التي يتشبث بها أعداء السنة من الجهمية. . وأهل الأهواء والأحاديث التي فيها صفات لم تثبت، فإنك لن تحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم، فلا تكتم العلم الذي هو علم ولا تبذله للجهلة الذين يشغبون عليِك أو الذيِن يفهمون منه ما يضرهم" (٢) .
وهذه المسألة تتعلق بحالات لأنها الأصل، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " أما أن يكون الكتاب والسنة نهى عن
стр. 72
معرفة المسائل التي يِدخل فيما يستحق أن يكون من أصول الدين فهذا لا يكون اللهم إلا أن ننهى عن بعض ذلك في بعض الأحوال مثل مخاطبة شخص بما يعجز عنه فهمه فيضل " (١) وذكر قول ابن مسعود، وقول علي ﵄.
٢ - ألا يِفهم السامع شيئًا من المتكلم، وهذا وإن كان أسلم من الأول إلا أنه ينافي مقصود الخطبة بتعليم الناس ما ينفعهم وفهمهم لذلك، فهو لم يعط الحكمة حقها من الصون، ولم يؤد الأمانة والبلاغ (٢) .
والخطيِب العالم الرباني يبدأ بالتدرج مع الناس فيربيهم على صغار العلم قبل كباره، ويبدأهم بالأهم قبل المهم، فعن ابن عباس ﵄ أنه قال في تفسير قول الله ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] (٣) وكونوا ربانيين حكماء فقهاء (٤) .
стр. 73
وقال البخاري ﵀: " ويقال الرباني الذي يِربي الناس بصغار العلم قبل كباره "، وقال الحافظ بن حجر ﵀: والمراد بصغار العلم: ما وضح من مسائله، وبكباره: ما دق منها، وقيل: يعلمهم جزيئاته قبل كليِاته، أو فروعه قبل أصوله أو مقدماته قبل مقاصده " (١) .
وأختم بذكر كلام نفيسِ للإمام الشاطبي ﵀ متعلق بهذا الموضوع حيِث يقول في بيِان ضابط ما ينشر وما لا ينشر " أنك تعرض مسألتك على الشريِعة فإن صحت في ميزانها فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها، إما على العموم إن كانت مما تقبله العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية " (٢) .
стр. 74
[المطلب السادس مراعاة الأحوال]
المطلب السادس
مراعاة الأحوال إن من الحكمة المأمور بها في قول الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] (١) . مراعاة الحال والمقام.
والأحوال التي يِحسن بالخطيب مراعاتها كثيرة، ولكني أذكر ضربين دالين على ما عداهما.
١ - مراعاة أحوال الأمة العامة: إن الأمة تمر بأحوال مختلفة كل حال تستدعى من الخطابة ما يناسبها، فإن حالة الحرب تستدَعي من التركيز على موضوعات معينة ما لا يستدعيه حال السلم، فيركز الخطيبِ على الصبر، وجمع الكلمة، والجهاد، والتوكل على الله، وعدم الركون للكافرين.
كما أن حال الأمن والرغد تستدعي التذكير بالنعم والأمر بالشكر والتحذير من كفران النعم، وبيان قصص السابقين الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار.
٢ - مراعاة حال المصلين في المسجد: إن المساجد يختلف روادها باعتبارات كثيرة وعليه فإن المسجد الذي يرتاده مدرسو الجامعات غير الذي يرتاده طلابها،
стр. 75
والمسجد الذي يرتاده العمال غير المثقفين غير الذي يرتاده المتعلمون، والمسجد الذي يرتاده الزراع غير المسجد الذي يرتاده الصناع.
فمن الحكمة أن يِختار الخطيبِ من الموضوعات ما يتناسب مع المصلين، بل قد يكون موضوع واحد يُعالج من أوجه عدة بحسب حال المصلين، فالزكاة يركز فيها عند المزارعين على زكاة الزروع والثمار، وعند التجار على زكاة الأثمان وعروض التجارة وهكذا.
[المطلب السابع حسن النقد وجمال النصح]
المطلب السابع
حسن النقد وجمال النصح إن الناس تقع منهم أخطاء، ويقع بعضهم في منكرات يراها الخطيب، فينصح عن طريق المنبر ويبين الحق، وهنا يجب أن ينبه إلى جملة ضوابط حتى يِؤدى النصح ثمرته ولا المنصوص إلى التمادي على الخطأ فمن تلك الضوابط:
الضابط الأول: الإخلاص لله ، وأن يكون هدف الناصح الإصلاح فالنية أصل جميع الأعمال، وبحسبها يكون ثواب