← Тафсир

Тафсир · id 31076

التفسير الموضوعي 1 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (264 стр.). Показаны 246–264 · переход к 251.

стр. 246

هذا يدل على جواز أخذ الأجر على إقامته. وأمّا السنة: فثبت ((أنّ رسول الله ﷺ ، وأبا بكر استأجرَا رجلًا من بني الدَّيْل هاديًا خريتًا)) والخريت: الماهر بالهداية، هذا الحديث أخرجه البخاري. وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: ((قال الله : ثلاثة أنا خَصمهم يوم القيامة: رجل أعطَى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفَى منه ولم يوفّه أجره)). والأخبار في هذا كثيرة. وأجمع أهل العلم في كلّ عصر وكل مصر على جواز الإجارة، إلّا ما يُحكى عن عبد الرحمن بن الأصم أنّه قال: لا يجوز ذلك؛ لأنه غرر، يعني: أنه يعقد على منافع لم تخلق، وهذا غَلَط لا يمنع انعقاد الإجماع الذي سبق في الأعصار، وصار في الأمصار، والعبرة أيضًا دالة عليها، فإن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان، فلمّا جاز العقد على الأعيان وجب أن تجوز الإجارة على المنافع، ولا يخفى ما بالناس من الحاجة إلى ذلك، فإنه ليس لكل أحد دار يملكها، ولا يقدر كل مسافر على بعير أو دابة يملكها، ولا يلزم أصحاب الأملاك إسكانهم وحملهم تطوعًا. وكذلك أصحاب الصنايع يعملون بأجر، ولا يمكن عمل ذلك كل أحد، ولا يجد متطوعًا به، فلا بد من الإجارة لذلك، بل ذلك مما جعله الله طريقًا للرزق، حتى إنّ أكثر المكاسب بالصنائع، وما ذكره من الغرر لا يلتفت إليه، مع ما ذكرنا من الحاجة، فإن العقد على المنافع لا يمكن بعد وجودها؛ لأنها تتلف بمضي الساعات، فلا بد من العقد عليها قبل وجودها؛ كالسلم في الأعيان.

стр. 247

الإجارة نوع من البيع: والإجارة نوع من البيع؛ لأنها تمليكٌ من كل واحد منهما لصاحبه، فهي بيع المنافع، والمنافع بمنزلة الأعيان؛ لأنه يصح تمليكها في حال الحياة وبعد الموت، وتضمن باليد والائتلاف، ويكون عوضها عَيْنًا ودَيْنًا، وإنما اختصت باسم كما اختص بعض البيوع باسم؛ كالصرف والسّلَم، إذا ثبت هذا فإنها تنعقد بلفظ الإجارة والقِراء؛ لأنهما موضوعان لها. وهل الإجارة تنعقد بلفظ البيع؟ فيه وجهان: أحدهما: تنعقد به؛ لأنها بيع، فانعقدت بلفظه كالصرف. والثاني: لا تنعقد به؛ لأن فيها معنًى خاصًّا، فافتقرت إلى لفظ يدل على ذلك المعنى؛ ولأن الإجارة تضاف إلى العين التي يضاف إليها البيع إضافة واحدة، فاحتيج إلى لفظٍ يعرف ويفرّق بينهما؛ كالعقود المتباينة؛ ولأنه عقد يخالف البيعَ في الحكم والاسم، فأشبه النكاح، ولا تصح الإجارة إلّا من جائز التصرف؛ لأنه عقد تمليك في الحياة، فأشبه البيع، وإذا وقعت الإجارة على مدة معلومة بأجرة معلومة، فقد ملك المستأجر المنافع، وملكت عليه الأجر كاملةً في وقت العقد، إلّا أن يشترط أجلًا. الرهن: الرهن في اللغة: الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن، أي: راكد، ونعمة راهنة: أي: ثابتة دائمة، وقيل: هو من الحبس، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: ٣٨)، والرهن في الشرع: المال الذي يجعل وثيقة بالدَّيْن؛ ليستوفى من ثمنه إن تعذّر استيفاؤه ممن هو عليه.

стр. 248

مشروعية الرهن: الرهن جائز بالكتاب والسنة والإجماع: - أمّا الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (البقرة: ٢٨٣)، والرهان جمع رهن، والرهن جمع الجمع. قاله الفراء في (معاني القرآن). وقال الزجاج: يحتمل أن يكون جمع رهن. - وأمّا مشروعية الرهن بالسنة: فروت عائشة ﵂: ((أن رسول الله ﷺ اشترى طعامًا من يهودي ورهنه درعه)) متفق عليه. أخرجه البخاري وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه والإمام أحمد في (المسند). وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: ((لا يغلق الرهن)) أخرجه ابن ماجه والإمام مالك والبيهقي. وأما الإجماع: فأجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة. الرهن في الحضر: يجوز الرهن في الحضر كما يجوز في السفر، قال ابن المنذر: لا نعلم أن أحدًا يخالف في ذلك إلّا مجاهدًا، قال: ليس الرهن إلّا في السفر؛ لأن الله تعالى شَرط السفر في الرهن، بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (البقرة: ٢٨٣).

стр. 249

يقول ابن قدامة: ولنا أنّ النبي ﷺ اشترى من يهودي طعامًا ورهنه درعه وكان بالمدينة؛ ولأنها وثيقة تجوز في السفر فجازت في الحضر؛ كالضمان، فأما ذكر السفر فإنه خرج مخرج الغالب؛ لكون الكاتب يعدَم في السفر غالبًا، ولهذا لم يشترط عدم الكاتب، وهو مذكور معه أيضًا. حكم الرهن: والرهن غير واجب، لا نعلم فيه مخالفًا؛ لأنه وثيقة بالدَّين، فلم يجب كالضمان والكفاية، وقول الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (البقرة: ٢٨٣) إرشاد لنا لا إيجاب علينا؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (البقرة: ٢٨٣)؛ ولأنه أُمِرَ به عند إعواذ الكتابة، يعني: الحاجة إلى الكتابة، والكتابة غير واجبة، فكذلك بدلها يكون غير واجب. ولا يخلو الرهن من أحوال: أحدها: أن يقع بعد الحق، فيصح بالإجماع؛ لأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به، فجاز أخذها به. الحال الثاني: أن يقع الرهن مع العقد الموجب للدّين. ما الحكم إذا تعدّى المرتهن في الرهن: إذا تعدى المرتهن في الرهن أو فرّط في الحفظ في الرهن الذي عنده حتى يتلف، فإنه يضمن، وأما إن تلف من غير تعدٍّ منه ولا تفريط فلا ضمانَ عليه، وهو من مال الراهن. عن سعيد بن المسيب أنّ رسول الله ﷺ قال: ((لا يغلق الرهن، لصاحبه غنمُه، وعليه غرمه)). وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 250

الدرس: ٢١ الربا: أنواعه، وضرره على المجتمع .

стр. 251

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الحادي والعشرون (الربا: أنواعه، وضرره على المجتمع) تعريف الربا، وبيان الأدوار التي مر بها تحريمه، ومشروعية التحريم الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: أولًا: تعريف الربا لغةً وشرعًا: الربا في اللغة الزيادة مطلقًا، يقال: ربا الشيء يربو، إذا زاد، ومنه قوله تعالى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (الحج: ٥) أي: زادت، وفي الشرع: زيادة يأخذها المقرِض من المستقرِض مقابل الأجل. حكمة مشروعية تحريم الربا: إذا كان من غير المعقول في الإسلام وموقفه هكذا من مبدأ التعاون، أن يباح للغني أن يقبض يده عن معونة أخيه الفقير، أو عن المساهمة في إقامة المصالح العامة، فمن غير المعقول بوجه أبعد وأشد أن يُباح له شد الخناق على رقبة أخيه الفقير، أو دولته الفقيرة المحتاجة، فيفرض عليه أو عليها في مقابلة المعونة الواجبة دراهم معدودة، يردها إليه أخوه الفقير المحتاج، أو دولته الفقيرة المحتاجة، زيادة على رأس ماله الذي أقرضه إياهم؛ سدًّا للحاجة، أو إقامة للمصلحة. ومن هنا حرّم الإسلام -إبقاءً على هذه المبادئ الإنسانية، تحريمًا قاطعًا- أن يتخذ الغني حاجة أخيه الفقير، أو دولته المحتاجة، فرصة لاكتساب المال عن هذا الطريق، الذي لا خير فيه للمجتمع ولا للأفراد، والذي يجعل الغني في تربص دائم لحاجة المحتاجين، يستغلها في زيادة ماله دون عمل يحقق به نسبته إلى المجتمع، وجزأيته في بنائه، والذي ينزع من قلبه الشعور بالوحدة ومعاني الرحمة والعطف، التي هي من خصائص الإنسان الفاضل، قال تعالى:

стр. 252

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (البقرة: ٢٧٥) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩) وهذا هو الأصلُ في تحريم الإسلام على أهله المعاملة المعروفة باسم الربا. ولقد جاء الإسلام وقلوب الناس فارغة من معاني الرحمة والتعاون، يأكل قويّهم ضعيفهم، ويستغل غنيهم فقيرَهم، ولا فضلَ للغني سوى أنه ذو مال، ولا ذنبَ للفقير سوى أن ظروف حياته لم تهيئ له مواد الغنى وسبلَ الكسب. وفي هذا الجو المظلم تفتق بشع الأغنياء عن هذه المعاملة، وتغاضوا ممن يباينونهم بقرض أو ثمن في مقابلة تأجيل القضاء زيادة عن رءوس أموالهم، واتخذوا ذلك سبيلًا لجمع الأموال وتكديسها من دماء المحتاجين، وبذلك نشأت الرأسمالية الطاغية، فمزّقت الإنسانية، وجعلت أفرادها أشبه بحيوان الغاب، الغني يطمع فيفترس الفقير، والفقير يحقد فيفترس الغني، ولكلٍّ سلاحه الذي يقتل به أخاه. جاء الإسلام والناس على هذا الوضع السيئ، فأفرغ جهده في القضاء على منابع الشر، وأخذ بمبادئه الحكيمة يزيل الحواجز التي قطعت ما بين الناس من صلات التراحم والتعاون والبر والإحسان، وأخذ يبني المجتمع بناءً واحدًا، متماسك اللبنات، متضامّ الوحدات، وكان أول ما اتخذه من ذلك من الناحية الإيجابية الحثُّ على التعاون والتراحم، وأخذ القادر بيد الضعيف، ووصل ما قطعوا من صلات، ثم كان تحذيره الشديد فيما يختص بالناحية السلبية؛ فحرّم الربا بعد أن حرّم الشح والبخلَ بحق الفقير والمسكين، ولإظهار ما بين الناحيتين من تفاوت قابل القرآن الكريم في كثير من آياته بينهما، ووضع أمام الأبصار صورةً مضيئةً،

стр. 253

هي صورة التراحم المطلوبة، وبجانبها صورة مظلمة، هي صورة الاستغلال الممقوتة؛ كي يمعن الناظرون للآثار الطيبة لصورة التراحم والآثار السيئة لصورة الاستغلال، فيكون لهم من هذا الوضع ما يردهم عن احترام صورة الاستغلال إلى احترام صورة التراحم، وبذلك تتحقق إنسانيتهم الفاضلة، ويسيرون في الحياة بخطوات متزنة في البناء والتشييد، فينعمون بالحياة، وتنعم بهم الحياة. ومن هنا لا نكاد نجد آية من آيات التحذير عن مبادئ الاستغلال إلّا وبجانبها آية أو آيات تُعلي من شأن البذل والمعونة والتراحم، وإن شئتَ فاقرأ قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٦١) إلى الآية: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٨٠). واقرأ من: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٣٠) إلى الآية: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٤). واقرأ من قول الله تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (الروم: ٣٨، ٣٩). اقرأ هذا كله بعين البصيرة، وتدبره بروح الإيمان الصادق، تعرف الهدف الذي لأجله حرّم القرآن الربا وأكل أموال الناس بالباطل، وسد أبوابه، وأحكم السد على أهله وأتباعه، وتعرف أنه هدف يتصل اتصالًا وثيقًا ببناءِ المجتمع بناءً متينًا، تتفاعل وَحداته بإحساس واحد واتجاه واحد وغاية واحدة، وليس غير هذا المجتمع يريد الله .

стр. 254

الأدوار التي مرّ بها تحريم الربا: من المستحسن أن نذكر هنا الأدوار التي مرّ بها تحريم الربا؛ حتى ندركَ سِر التشريع الإسلامي في معالجته للأمراض الاجتماعية. فمن المعلوم أن التشريع الإسلامي صار بسنة التدرج في تقرير الأحكام. ولقد مر تحريم الربا بأربعة أدوار، كما حدث في تحريم الخمر، وذلك تمشيًا مع قاعدة التدرج: الدور الأول: نزل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (الروم: ٣٩) وهذه الآية الكريمة نزلت في مكةَ، وهي -كما يظهر- ليس فيها ما يُشير إلى تحريم الربا، وإنما فيها إشارة إلى بغض الله للربا، وأن الربا ليس له ثواب عند الله. الدور الثاني: نزل قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء: ١٦٠، ١٦١) وهذه الآية مدنية، وهي درس قصّه الله علينا من سيرة اليهود، الذين حرّم الله عليهم الربا فأكلوه، واستحقوا عليه اللعنة والغضب، وهو تحريم بالتلويح لا بالتصريح؛ لأنه حكاية عن جرائم اليهود، وليس فيه ما يدل دلالة قطعية على أن الربا محرّم على المسلمين، وهذا نظير الدور الثاني في تحريم الخمر من قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (البقرة: ٢١٩) حيث كان التحريم فيه بالتلويح لا بالتصريح. الدور الثالث: نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (آل عمران: ١٣٠) هذه الآية مدنية، وفيها تحريم للربا صريح، لكنه

стр. 255

تحريم جزئي لا كلي؛ لأنه تحريم لنوع من الربا الذي يستحق الربا الفاحش، وهو الربا الذي بلغ في الشناعة والقبح الذروة العليا، وبلغ في الإجرام النهاية العظمى؛ حيث كان الدَّيْن فيه يتزايد حتى يصبح أضعافًا مضاعفة، يضعف عن سداده كاهل المستدين، الذي استدان لحاجته وضرورته، وهو يشبه تحريم الخمر في المرحلة الثالثة؛ حيث كان التحريم جزئيًّا لا كليًّا في أوقات الصلاة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (النساء: ٤٣). الدور الرابع: وفي هذا الدور الأخير نزل التحريم الكلي القاطع، الذي لا يفرّق فيه القرآن بين قليل أو كثير، والذي تدل النصوص الكريمةُ على أنه قد كُتِمَ فيه التشريع السماوي بالنسبة إلى حكم الربا، فقد نزَلَ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٧٨ - ٢٨٠). وهذه الآيات الكريمة التي كانت المرحلة النهائية في تحريم الربا، تشبه المرحلة النهائية في تحريم الخمر في المرحلة الرابعة منه؛ حيث حرّمت الخمر تحريمًا قاطعًا جازمًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة: ٩٠). وبهذا البيانِ يتضح لنا سر التشريع الإسلامي في معالجة الأمراض الاجتماعية التي كان عليها العرب في الجاهلية، بالسير بهم في طريق التدرج.

стр. 256

الربا المحرّم في الشريعة الإسلامية الربا الذي حرّمه الإسلام نوعان: ربا النسيئة وربا الفضل. ربا النسيئة: هو الزيادة في الدَّيْن في مقابل الأجل؛ كأن يقول المدين للدائن: أخرني في السداد وأزدك كذا وكذا في الشهر أو في العام، أو يقول الدائن إذا حان الأجل: إمّا أن تدفع وإمّا أن تزيد، وأكثر ما كان يقع في الجاهلية من صور الربا الدَّيْن لأجل مشروط بالزيادة. قال ابن جرير الطبري ﵀: "إن الرجل في الجاهلية يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه، فيقول الذي عليه الدين: أخر عني دينك وأزيدك على مالك، فيفعلان ذلك، فذلك هو الربا أضعافًا مضاعفةً، فنهاهم الله في إسلامهم عنه". وهذا النوع من الربا هو المستعمل الآن في البنوك والمصارف المالية؛ حيث يأخذون نسبة معينة في المائة؛ كخمسة أو عشرة في المائة، ويدفعون الأموال إلى الشركات والأفراد. أمَّا النوع الثاني من الربا: ربا الفضل: وهو مبادلة الجنس بجنسه مع الزيادة، متقابضين في المجلس، أو غير متقابضين، يعني: سواء كان البيع معجلًا أو مؤجلًا، ما دام فيه زيادة، قال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فَمَن زاد أو استزاد فقد أَرْبَى، الآخذ والمعطي فيه سواء)) رواه مسلم. والقاعدة الفقهية في هذا التعامل هي أنه إذا اتحد الجنسان حرم الزيادة، والنَّساء إذا اختلف الجنسان حلّ التفاضل دون النساء.

стр. 257

وتوضيحًا لهذه القاعدة الفقهية نقول: إذا أردنا مبادلة عين بعين؛ كزيت بزيت، أو قمح بقمح، أو عنب بعنب، أو تمر بتمر، حرُمَت الزيادة مطلقًا، ولا تعتبر الجودة والرداءة هنا، وإذا اختلفت الأجناس؛ كقمح بشعير، أو زيت بتمر مثلًا، جاءت الزيادة فيه بشرط القبض، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلّا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض -أي: لا تزيدوا بعضها على بعض، بأن يعطي الرجل الجرام بجرامين مثلًا- ولا تبيعوا الورِق بالورِق -يعني: الفضة بالفضة- إلّا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز)) رواه البخاري ومسلم. والناجز معناه المعجَّل، فلا يصحّ أن يبيع الرجل سبيكةً من الذهب بسبيكة أخرى أكثر منها أو أقل وزنًا، معجلًا ولا مؤجلًا. والحديث يدل على اعتبار أمرين عند اتحاد الجنس في الأموال الربوية: أحدهما: تحريم التفاضل. الثاني: تحريم النساء. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((جاء بلال إلى رسول الله ﷺ بتمر برميّ -نوع من التمر أصفر مدوّر، وهو أجود أنواعه- فقال له رسول الله ﷺ : من أين هذا؟ قال بلال: كان عندنا تمر رديء، فبِعت منه صاعين بصاع؛ ليطعم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : أوه -وهي كلمة تقال عند التوجع- فقال له الرسول ﷺ : عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردتَ أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتريه)) رواه البخاري ومسلم. والحكمة في تحريم هذا النوع من التعامل منع الغبن والشعور بالظلم، فيقول صاحب التمر الجيد مثلًا في نفسه: ظلمني المشتري؛ إذ أخذ مني الصاع

стр. 258

بصاعين، مع أن صاعي من التمر يساوي أكثر من صاعين، وربما يقول المشتري: إن صاع البائع أقلّ من الصاعين اللذين دفعتهما له ثمنًا لتمره، فلا يقع التراضي الذي هو ركن من أركان البيع، ويحلّ محله الخصام والمشاحنة، والإسلام -كما عرفنا- حريص كل الحرص على المحافظة التامة على الإخاء والصفاء بين أفراد الأمة الإسلامية. هل يباح الربا القليل؟ وما المراد من قوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (آل عمران: ١٣٠)؟ ذهب بعض ضعفاءِ الإيمانِ من مسلمي هذا العصر، إلى أنّ الربا المحرم إنما هو الربا الفاحش، الذي تكون النسبة فيه مرتفعة، ويقصد منه استغلال حاجة الناس، أمّا الربا القليل الذي لا تتجاوز نسبته اثنين أو ثلاثة في المائة فإنه غير محرّم، ويحتجون على دعواهم الباطلة بأن الله ﵎ إنما حرّم الربا إذا كان فاحشًا؛ حيث قال ﵎: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (آل عمران: ١٣٠) فالنهي إنما جاء مشروطًا ومقيدًا بهذا القيد، وهو كونه مضاعفًا أضعافًا كثيرة، فإذا لم يكن كذلك، وكانت النسبة فيه يسيرة، فلا وجهَ لتحريمه. وللجواب على ذلك يقول الصابوني في كتابه (روائع البيان في تفسير آيات الأحكام): أولًا: إن قوله تعالى: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ليس قيدًا ولا شرطًا، وإنما هو لبيان الواقع الذي كان التعامل عليه أيام الجاهلية كما يتضح من سبب النزول، وللتشنيع عليهم بأنّ في هذه المعاملة ظلمًا صارخًا، وعدوانًا مبينًا؛ حيث كانوا يأخذون الربا مضاعفًا أضعافًا كثيرةً، فلقد ورد في سبب نزول هذه الآية: كان

стр. 259

العباس وخالد بن الوليد شريكين في الجاهلية، يسلفان في الربا إلى ناس من ثقيف، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فقال النبي ﷺ : ((ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، وأول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب)) رواه الواحدي عن السدي. ثانيًا: إنّ المسلمين قد أجمعوا على تحريم الربا قليله وكثيره، فهذا القول يعتبر خروجًا عن الإجماع، كما لا يخلو عن جَهْل بأصول الشريعة الغرّاء، فإن قليل الربا يدعو إلى كثيره، فالإسلام حين يحرّم الشيء يحرمه كليًّا؛ أخذًا بقاعدة سَدِّ الذرائع؛ لأنه لو أباح القليل منه لجرّ ذلك إلى الكثير منه، والربا كالخمر في الحرمة، فهل يقول مسلم عاقل: إن القليل من الخمر حلال؟! ثالثًا: نقول لهؤلاء الجهلة من أنصاف المتعلمين: أتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، فلماذا تحتجون بهذه الآية على دعواكم الباطلة، ولا تقرءون قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥) وقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٨) وقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (البقرة: ٢٧٦). هل في هذه الآيات ما يفيد الربا بالقليل أو الكثير، أم اللفظ مطلق؟ وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لعن الله آكل الربا وموكله، وشاهديه، وكاتبه)) صحيح أخرجه مسلم. فالربا محرم بجميع أنواعه من نصوص قطعية، والقليل والكثير في الحرمة سواء، وصدق الله حيث يقول: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (البقرة: ٢٧٦).

стр. 260

الربا جريمة اجتماعية خطيرة قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٧٥ - ٢٨١). يقول ابن كثير: لمّا ذكر تعالى الأبرار المؤدّين النفقات، المخرجين الزكوات، المتفضلين بالبر والصلات لذوي الحاجات والقرابات، في جميع الأحوال والأوقات، شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل، وأنواع الشبهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم، وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلّا كما يقوم المصروع حال صرعه، وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قيامًا منكرًا. وقال ابن عباس: "آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا يخلق" رواه ابن أبي حاتم.

стр. 261

روى البخاري عن سمرة بن جندب في حديث المنام الطويل: ((فأتينا على نَهر حسبتُ أنه كان يقول أحمرَ مثل الدم، وإذا في النهر رجل سايح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جُمِعَ عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السايح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع الحجارة عنده، فيفغر له فاه، فيلقمه حجرًا)) صحيح أخرج البخاري وغيره. وهؤلاء أكلة الربا، جوزوا بذلك؛ لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه، ذلك بأنهم قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ قياسًا منهم للربا على البيع؛ لأن المشركين لا يعترفون بمشروعيته، بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن، ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع، وإنما قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ أي: نظيره، فلما حرِّم هذا وأبيح هذا، وهذا اعتراض منهم على الشرع، أي: هذا مثل هذا، وقد أحِلّ هذا وحرّم هذا، وقد رد الله على اعتراضهم هذا بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. ومن بلغه نهي الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه، فله ما سلف؛ لقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ (المائدة: ٩٥) وكما قال النبي ﷺ يوم فتح مكة: ((وكلّ ربًا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربًا أضع رب االعباس)) هذا الحديث له شاهد من حديث جابر أخرجه مسلم. ومن عاد إلى الربا ففعله بعد بلوغه نهي الله عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحُجة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، ثم يخبر الله تعالى أنّه يذهب الربا بالكلية من يدي صاحبه، أو يُحرمه بركة ماله، فلا ينتفع به، بل يعذبه به في الدنيا، ويعاقبه عليه يوم القيامة.

стр. 262

أمّا الصدقات فإنّ الله يزيدها ويبارك فيها، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَن تصدق بعدل تمرةٍ مِن كَسْب طيب، ولا يقبل الله إلّا الطيبَ، فإنّ الله يتقبّلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فَلوَّه، حتى يكون مثل الجبل)) صحيح أخرجه البخاري وأخرجه مسلم وأحمد. والله سبحانه لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل، وهو المرابي؛ لأنه لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من التكسّب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم، يأكل أموال الناس بالباطل. ثم قال تعالى مادحًا للمؤمنين بربهم، مخبرًا أنهم آمنون يوم القيامة من التبعات، وأنهم آمنون، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ثم يأمر الله عباده أن يخافوه، وأن يتركوا ما لهم على الناس من الزيادة على رءوس الأموال بعد هذا الإنذار، فإن كان مقيمًا على الربا لا ينزع عنه، فحقٌّ على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه، فإن تبتم أيها المرابون فلكم ما أعطيتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه، ثم يأمر الله تعالى عباده بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، وبيّن لهم الخير لهم في أن يتركوا رأس المال بالكلية، ويضعوه عن المدين. ثم أمرهم أن يخافوا يومًا يرجعون فيه إلى الله قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. هذه الآيات الكريمة ترشد إلى أن الربا جريمة اجتماعية ودينية خطيرة. ثانيًا: الربا من الكبائر التي يستحق صاحبها عذاب النار، القليل من الربا والكثير

стр. 263

في الحرمة سواء، على المؤمن أن يقف عند حدود الشرع باجتناب ما حرّم الله عليه، السلاح الذي يعصم المسلم من المخالفات إنّما هو تقوى الله . أضرار الربا: أولًا: ضرر الربا من الناحية النفسية: فإنه يولّد في الإنسان حب الأثرة والأنانية، فلا يعرف إلّا نفسه، ولا يهمه إلّا مصلحته ونفعه، وبذلك تنعدم روحُ التضحية والإيثار، وتنعدم معاني حب الخير للأفراد والجماعات، وتحل محلها حب الذات، والأثرة، والأنانية، وتتلافى الروابط الأخوية بين الإنسان وأخيه الإنسان، فيغدو الإنسان المرابي وحشًا مفترسًا لا يهمه من الحياة إلّا جمع المال وامتصاص دماء الناس، واستلاب ما في أيديهم، ويصبح ذئبًا ضاريًا في صورة إنسان وديع، وهكذا تنعدم معاني الخير والنبل في نفوس الناس، ويحل محلها الجشع والطمع. ضرر الربا من الناحية الاجتماعية: أمّا ضرر الربا من الناحية الاجتماعية: فإنّه يولّد العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع، ويدعو إلى تفكيك الروابط الإنسانية والاجتماعية بين طبقات الناس، ويقضي على كل مظاهر الشفقة والحنان والتعاون والإحسان في نفوس البشر، بل إنه ليزرع في القلب الحسد والبغضاء، ويدمّر قواعد المحبّة والإخاء، ومن المقطوع به أنّ الشخص الذي لا تَسكن قلبه الشفقة والرحمةُ، ولا يعرف معنًى للأخوة الإنسانية، سوف يعدم كلَّ احترام أو عطف من أبناء مجتمعه، وتكون النظرة إليه نظرةَ ازدراء واحتقارٍ، وكفى المرابي مقتًا وهوانًا أنه عدوّ لمجتمعه ولأبناء وطنه،

стр. 264

بل إنه عدو للإنسانية؛ لأنه يمتص دماء البشر عن طريق استغلال حاجتهم واضطرارهم. ضرر الربا من الناحية الاقتصادية: أمّا ضرر الربا من الناحية الاقتصادية: فهو ظاهر كل الظهور؛ لأنه يقسّم الناس إلى طبقتين: - طبقة مترفة تعيش على النعيم والرفاهية، والتمتع بعرق جبين الآخرين. - وطبقة معدَمة تعيش على الفاقة والحاجة، والبؤس والحرمان. وبذلك ينشأ الصراع بين هاتين الطبقتين، وقد ثبت أن الربا أعظم عامل من عوامل تضخّم الثروات وتكدسها في أيدي فئة قليلة من البشر، وأنه سبب البلاء الذي حلّ بالأمم والجماعات؛ حيث كثرت المِحَن والفتن، وازدادت الثورات الداخلية، ولا ننسى ما نعيشه في هذه الأيام من أزمة مالية أحاطت بالعالم كله، سببها التعامل بالربا، ولقد سبق في الناس قول الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾. وبهذا نكون قد شرحنا دروس التفسير الموضوعي في هذه المادة، وأدعو الله أن ينتفع الطلاب بها، وأن يسيروا على ضوئها في قضايا التفسير الموضوعي. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.