← Тафсир

Тафсир · id 31076

التفسير الموضوعي 1 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (264 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

متوسطًا بين الإجلال والإذلال، وذلك هو أن الولاية المثبتة للقسم الأول تكون منفيةً عن هذا القسم، إلّا أنهم يكونون بحيث لو استنصروا المؤمنين واستعانوا بهم نصروهم وأعانوهم. إن واجب المسلمين اليوم أن يهبوا لنصرة إخوانهم المستضعفين، فهذا أمر واجب لا يحل لهم تركه، فإن نصرة المستضعفين أمر واجب على إخوانهم، فالله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة: ٣٨، ٣٩). هذا والله أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 212

الدرس: ١٨ الجريمة في القرآن الكريم: أنواعها، وعلاجها .

стр. 213

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن عشر (الجريمة في القرآن الكريم: أنواعها، وعلاجها) تعريف الجريمة، وبيان أصلها، وأنواعها، وطرق إثباتها الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد: فلا ريبَ أن الجريمة شر مستطير، ومعصية لله ورسوله، وإثم بَيِّن، وخطيئة وانحراف عن الطريق المستقيم، وهذه عبارات ورد أكثرها في القرآن الكريم، نرى من الفائدة التمييز بينها في الاستعمال، وكيف يقتلع الإسلام الشر من نفوس الناس، وكيف يفرَّق بينه وبين الضرر، وبين الخير والنفع، وإن كانت هذه التعبيرات تتلاقى في معانيها الشرعية مع المعاني اللغوية التي استمر عليها العُرف اللغوي، فلا يكاد الناس يختلفون في أنَّ معنى الجريمة: الفعل الذي يستوجب عقابًا أو يوجب مَلامًا. ولكن يجب أن نبيّن معنى ذلك، وأصل الاشتقاق اللغوي، وارتباطه بالمعنى الشرعي في هذه الكلمات: أصل كلمة جريمة: من جرم بمعنى: كَسَب وقطَعَ، ويظهر أنّ هذه الكلمة خُصِّصَت منذ القديم للكسب المكروه غير المستحسن، ولذلك كانت كلمة جَرَم، ويراد منها الحمل على الفعل حملًا آثمًا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ (هود: ٨٩) أي: لا يحملنَّكم حملًا آثمًا شقاقي في منازعتكم لي، على أن ينزل بكم عذاب شديد، مثل ما نزل بمَنْ سبقوكم ممن شاقوا وخالفوا أنبياءهم. ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٨) أي: لا يحملنَّكم حملًا آثمًا بغضكم لقوم على ألّا تعدلوا معهم، ولذلك يصح أن نطلق كلمة الجريمة على ارتكاب كلِّ ما هو

стр. 214

مخالف للحق والعدل والطريق المستقيم. واشتُقَّ من ذلك المعنى: إجرام وأجرموا، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ (المطففين: ٢٩) وقال تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُون﴾ (المرسلات: ٤٦) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُر﴾ (القمر: ٤٧). ومن هذا البيان يتبيّن أنّ الجريمة في معناها اللغوي تنتهي إلى أنها فِعْل الأمر الذي لا يستحسن ويُستهجن فيه، لا يحاول تركه مَن لا يرضَى بتركه، وذلك ليتحقق معنى الوصف؛ إذ أنّ معنى الوصف يقتضي الاستمرارَ، وإذا كانت كل أوامر الشريعة في ذاتها مستحسنة بمقتضى حكم الشارع، وبمقتضى اتفاقها مع العقل السليم، فعصيان الله تعالى يعدّ جريمةً، وكذلك ارتكاب ما نهى الله ﵎ عنه يُعدّ جريمة، وذلك أنه غير مستحسن بمقتضى حكم الشارع للنهي، وبمقتضى حكم العقل؛ لأنّ العقل السليم تتفق قضاياه مع قضايا الشرع الإسلامي. وعلى ذلك نستطيع أن نقول: إنّ الجريمة فِعْل ما نهى الله عنه، وعصيان ما أمر الله به، أو بعبارة أعم: عصيان ما أمر الله به بحكم الشرع الشريف، والكسب الخبيث جريمة؛ إذ هو من معانيها، وإن تعريف الجريمة على هذا النحو يكون مرادفًا لتعريف الفقهاء لها؛ لأنها محظورات شرعية زجر الله عنها بحدٍّ أو تعزير. أنواع الجرائم الخلقية: الجرائم الخلقية نوعان: ١ - جرائم يجري عليها الإثبات، وفي شأنها أن تفسد الجماعات، وهذه الجرائم وضعت لها العقوبات الزاجرة الرادعة في الدنيا، وهي التي يطبقها القضاء؛ كجريمة السرقة.

стр. 215

٢ - جرائم أخرى خلقية لا يجري عليها الإثبات: كالغيبة والنميمة والنفاق والحسد، وغير ذلك من الجرائم الخلقية التي لا يمكن أن تثبت بين يدي القضاء، فإنّ لها عقوبتها الأخروية. ومن هذه النواحي وغيرها من النواحي، تتصل الشريعة بالضمير الإنساني المتدين، والمسلم المتدين يحس بأنه في رقابة من الله سبحانه، وأنه محاسب على ما يفعل، والله مراقبه على ما ينوي أن يفعل، كما قال ﷺ : ((إنما الأعمالُ بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نَوَى)) رواه مسلم ورواه البخاري. طرق إثبات الجريمة: الجرائم تختلف طرق إثباتها نظرًا لحساستها، فهي مثلًا في الحدود: تشترط الشريعة لكل جريمة شروطًا معينةً، تعظَّم بعِظمها، والمهم هنا الحديث عن طريق الإثبات، وهي عديدة منها: الاعتراف: قال تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك: ١١). وللاعتراف شروط: أ- أن يكون من نفس المتهم. ب- أن يكون صريحًا. جـ- أن يكون المتهم مميزًا غير مكرَه. د- أن يكون الاعتراف أمام القاضي. والآية السابقة تُشير لهذه الشروط، فالمعترضون هم المتهمون، والاعتراف صراحةً، وهم في سن التمييز؛ لأنهم أدركوا تمييزهم في الدنيا، فقالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك: ١٠)، واعترافهم أمام جهة قضائية وهو الله.

стр. 216

الطريق الثاني للإثبات وهو: الاعتماد على القرائن: قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (يوسف: ٢٦ - ٢٨). وذلك أنه قضى على المرأة بقرينة شق القميص من الخلف، فذلك دليل على إعراض يوسفَ وجَذْب المرأة له، والشريعة لم ترد حقًّا، ولم تنبذ شهادةَ الفاسق، بل أمرتنا أن نتثبتَ منها، معتمدين على القرائن، ومن القرائن الاعتمادُ على الخط المكتوب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (البقرة: ٢٨٢)، وذلك أنّ الله علّل الكتابة بأنها أعدلُ وأبعد عن الارتياب، وما ذلك إلا أنه يعتمد عليها. ومن طرق الإثبات شهادة الشهود، والقاضي بصير يمكنه أن يتبيّن صدق المدَّعي أو كذبه، قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُم﴾ (محمد: ٣٠) وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (الحجر: ٧٥). علاج الجريمة العقوبة في القرآن: للحفاظ على مصلحة الجماعة شرَع الله العقاب، وهو إمّا دنيوي يكفي لعلاج المذنب، وإمّا أخروي يردَع مَن تحدّثه نفسُه بالإجرام، أو يوقِع على مَنْ فَلَت من عقاب الدنيا، ونصّ القرآن الكريمُ على بعض العقوبات، وعلى المسلمين تنفيذُها، وخطّط أصولًا للتعازير، وعليهم أن ينظِّموها، وليست قيمة النظام بما يحلّل ويحرّم فقط، بل بإسعاد الجماعة، والعقاب في القرآن لا لمجرّد مخالفة، أمر الشارع مجردًا عن مصلحة الجماعة، بل لهما معًا، والغرض من العقوبة في القرآن. أنها قبل الفعل زواجر بعده.

стр. 217

فالعقوبة لتأديب المجرم وإصلاحه وزجر غيره، وهي لحاجة الجماعة، ولا مانعَ من قبول اقتراح أيّ عقوبات، ما دامت تصلح وتؤدي الغرض، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٩). والعقوبة في القرآن تقوم على مبدأين: ١ - منع الجريمة حمايةً للمجتمع. ٢ - إصلاح حال المجرم رعايةً للفرد. وقد نهج القرآن مذهبًا مستقيمًا، فلم يتربّص للناس ليوقع عليهم العذاب، بل يتمشّى مع أحاسيسهم، ويفرق بين الهفوة والجريمة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود: ١١٤)، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (النساء: ٣١). أساس حق العقاب: وأساس حق العقاب في القرآن: ١ - التعاقد القائم بين الفرد والجماعة، لا يظلمهم ولا يظلمون، قال تعالى: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٧٩). ٢ - الضرورة والمنفعة، فالعقاب ضرورة لا غنى للبشر عنه، وهو منفعة؛ حيث يقصد منه ردّ الحقوق وتعليل الجرائم، والقرآن الكريم فيه قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾. ٣ - الاعتبار الأدبي والعدالة المطلقة: فلا بُدّ أن يأخذ كلٌّ حقه في عدالة مطلقة، ولا بُدّ من عدم مجافاة العقاب الآداب العامة مهما كان، فَهَتْك العرض لا

стр. 218

يناسب قصاصًا بهتك العرض، وإنما يناسبه لون آخر من العقاب، ومن استقرأ العقوبات في القرآن الكريم يلاحظ أنّ كل عقوبة فيه لها غرض محدد يتناسب مع الجريمة، ولا يهمل النظر إلى المجرم إلّا في الجرائم الخطيرة؛ الحدود والقصاص، فإن بشاعة ما ارتكب لا يبقي له عذرًا. والسمات التي قررها القرآن الكريم في علاج العقوبة تتسم بالسمات التالية: ١ - إرهاب الغير: حتى لا يقدِمَ على مثل الجريمة التي يعاقَب عليها غيره، فاللصّ الذي يرى قطع يد لصٍّ آخر، لا أظن أن يبقى للإجرام مكان في ذهنه. ٢ - توفير الطمأنينة للجماعة وحمايتها، فهي تحدُّ من طغيان المجرم، وتجعله أضعف مِمَّا كان قبل، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ (المائدة: ٣٣). ٣ - الدفاع الذي يتنازل عنه الأفراد للجماعة، فما من سلطان للجماعة إلّا من قوة الأفراد الذين يتنازلون عن بعضها لحسابِ الجماعة، فكل فرد يُطالِب بحمايته، ويتنازل عن شيء للجماعة، فإذا وقعت عقوبة القطع مثلًا على فرد، فقد وقَعَ عليه ما يطالب به الجماعة لو كان هو المسروق منه، فهي عقوبة دفاعية لا استبدادية. المنفعة والكفاية: فالعقاب عقاب، وليس هَوْلًا أو ترويحًا، فما قيمة لونٍ من العقاب لا ينفع ولا يفيد، بل يغري ويشجع؟ ٥ - العدالة كمًّا وكيفًا: فلا تضخَّم العقوبة لجريمة تافهة، ولا تقلّل العقوبة لفعل فاضح. ٦ - التأديب والإصلاح: ومعاونته لاسترداد مكانته، فالجلد مثلًا: لا يعوقه عن الرجوع لحالته الطبيعية بعد قليل. ٧ - استئصال المجرم: كما في عقوبة القتل.

стр. 219

وإذا كان المجمع القانوني الدولي يرى أنّ العقوبة الصالحة هي التي تكافح الجريمة، فيكفينا هذا شهادة للقرآن الكريمة الذي قضى على الجريمة بما شرعه من عقاب، واستبدل بالسوط أمانًا. شروط العقوبة: يجب أن تتوافر في كل عقوبة الشروط الآتية: ١ - أن تكون شرعية نصّ عليها من كتاب أو سنة أو إجماع، أو نصت عليها السلطة مراعاة للمصلحة، وعدم التعارض مع النصِّ، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (المائدة: ٤٩). ٢ - أن تكون العقوبة عامّة في الحدود، يستوي فيها سائر الناس، لا فرق بين شريف ووضيع، وذي حصانة وغيره، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٨). وفي الحديث ((لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها)) البخاري شرح (فتح الباري). ٣ - أن تكون العقوبة شخصية، لا تقع إلّا على الجاني، قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الإسراء: ١٥). ٤ - أن تكون كافية للتأديب والإصلاح والزجر، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: ٢)، وذلك أنّ مائة جلدة كافية لتأديب الزاني الأعزب، وكافية كذلك لإصلاحه، وأن عدم

стр. 220

الرأفة في توقيع ذلك العذاب عليه، وشهود طائفة من المؤمنين وهو يوقّع عليه ذلك الحدّ، لا زاجران قويان لكلِّ من تحدثه نفسه بهذه الفاحشة الممقوتة. ٥ - أن تكون العقوبة مناسبة للجريمة، ولمن توقَّع عليه في جرائم التعازير، قال تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (النساء: ١٢٣)، وذلك أنّه ربط الجزاء بالعمل، فيعظّم الجزاء بعظم العمل، ويقلّ بضآلة العمل. ٦ - أن تكون العقوبة عادلة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (النحل: ١٢٦)، فالعقوبة لا بُدّ أن تكون عادلة، فلا تشدّد لأمر تافه، ولا تقلّل في جريمة بشعة. أنواع العقوبات في الشريعة العقوبات في الشريعة الإسلامية نوعان: ١ - عقوبة مقدّرة، وهي التي أوجبت حقًّا لله وحقًّا للعباد، مثل: حد الزنا وشرب الخمر والسرقة وغير ذلك. ٢ - عقوبة غير مقدّرة، وهو ما يسمّى بالتعزير، فإنه يكون في كل معصية لا حدَّ فيها ولا كفارة، أو سقط أحد الشروط الموجبة لإقامة الحدّ، أو التي لم تأتِ الشريعة فيه بنوع معين، ولا قدر محدود من العقوبات، وإنما تُرِكَ أمره إلى رأي الحاكم حسب المصلحة التي يراها. والصحيح أنه يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، ويجوز أن يقدِّر فيه الحاكم عقوبة الحبس، إذا رأى أنّ المصلحة في ذلك.

стр. 221

حد الزنا: قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: ٢). هذا إذا كان الزاني بكرًا لم يتزوج، أما إذا تزوّج فحدُّه الرجم، ويثبت هذا بأربعة شهود من الرجال، أو بالإقرار بأنه زنى. حد القذف: عقوبة القذف الجلد ثمانون جلدة، ولا توقّع العقوبة إلّا حين يكون القذْف كذبًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النور: ٤، ٥). ولا شَكَّ أن القاذفَ يبغي بكذبه إيلامَ المقذوف نفسيًّا، وإسقاط الناس للمقذوف من حساباتهم، فلا حرج أنْ عوقِبَ القاذف بالألم البدني، والتحقير الأبدي بإسقاط شهادته، وبالتالي تسقط قيادته، ثم وصفه بالفسق، إلّا أن تاب وأصلح ما أفسده باقترافه. بعد ذلك الخمر: مصدر تحريمها القرآن، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة: ٩٠) وقد ثبتت العقوبة عليها بالسنّة، ففي الحديث: ((كان يجاء بشارب الخمر فيقول النبي ﷺ : اضربوه، فمنّا الضارب بيده، ومنّا الضارب بثوبه، ومنا الضارب بنعله)) البخاري. أمّا تقدير تلك العقوبة: فقد ثبتت بالإجماع عند قوم، أو بقول الصحابي عند

стр. 222

قوم، ففي الأثر: "أنّ عمر استشار أصحابه في شارب الخمر، فقال علي ﵁: "أنه إذا شرب سكر، وإن سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد الفِرية ثمانون جلدة". ويرى الشافعي أنّ أربعين حدًّا، وأربعين تعزيرًا، ويرى البعض أن العقوبة تعزيرية تخضع للمصلحة. والعلاقة بين عقوبة شرب الخمر والجريمة هي المقابلة بين اللذة والألم، فلمّا كان الباعث على الشرب إشباع لذة غير مشروعة، فقد عُوقِبَ عليها بالألم المشروع وهو الجلد. بعد ذلك السرقة: عقوبتها القطع، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٨)، وعقوبة السرقة تكون لمَنْ أخذ المال في خَفَاء في حرز مثله، والمال يكون في حدود عشرة دراهم أو ربع دينار، ويكون السارق بالغًا عاقلًا، وليس هناك له شبهة في هذا المال، فعقوبة السارق القطع، وذلك أنّ السارق يبتغي الزيادةَ من كسب غيره الذي جدَّ للحصول عليه، فعوقب بالقطع الذي ينقص كسبه ويضيّق رزقه، وإنه لعقاب بنقيض ما كان يبتغيه، فلما طلب الزيادة بغير حقٍّ عوقب بالنقصان بحقٍّ، وكان علي ﵁ يقطع نصف الرجل اليسرى، وغيره يقطعه كله، أمّا في المرة الأولى فتقطع يده اليمنى. بعد ذلك الحرابة، وعقوبتها: أ- القتل. ب- الصلب. ج- قطع اليد والرجل. د- النفي من الأرض.

стр. 223

الروابط بين العقوبة والجريمة، وتعليل ذلك: قاطع الطريق عندما يعتدي على غيره بالقتل فقط، إنما يفعل ذلك مدفوعًا بتنازع البقاء وتغلُّب الأنانية، فهو يحرص على عدم مزاحمة القتيل له في الأرض الواسعة، وكأنه يريد أن ينفرد بالكون وحده، هذا الذي يدفع بتنازع البقاء يعاقب بقطع بقائه من الوجود، أو بنقيض ما كان يبتغيه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٣، ٣٤). عقوبة الصلب: عقوبة لمن سرق وقتل، وقد سرق طغيانًا على غيره، وقتل اعتداءً على غيره، فيعاقب بالصلب بعد الموت كما قال الشافعي وأحمد؛ لينزجر غيره، أو يصلب قبل الموت كما قال أبو حنيفة ومالك؛ ليزداد ألمه جزاءً على ذلك الاعتداء الصارخ، وهو ميت لا محالة بعد الصلب جزاءً وفاقًا. قطع اليد والرجل: لأنّ نجاة قاطع الطريق ربما تشجعه وتشجّع غيرَه، وجريمته مزدوجة، فهو مخيف للمارة، وهو كذلك سارق، فكان العقاب عليه مضاعفًا، تقطع يدُه التي تقَوّى بها على السرقة، ورجله التي خطى بها لقطع السبيل. عقوبة النفي: وهي تكون لمن وقف يقطع السبيل ولم يسرق ولم يقتل، فكان عمله هذا دليلًا على ابتغائه الشهرة الباطلة الزائفة، فإذا نُفِيَ من الأرض بالحبس -كما قال أبو

стр. 224

حنيفة- فقد تحطّم ما كان يبتغيه من شهرة، وهي عقوبة غير محددة المدة، حتى يظهر صلاح حاله. حد الردة: الردة تقع بالقول أو بالفعل أو الاعتقاد، فَمَن سبّ الله أو أحدَ رسله -عليهم الصلاة والسلام- أو سجَدَ لغير الله، أو وضع القرآنَ في القاذورات، أو شكك في نص القرآن، أو فيما هو معلوم من الدين بالضرورة، أو اعتقد حِلّ ما حرّم اللهُ، فهو مرتَد حلال الدم، وكذلك من يقوم بترويج أقوال الكفار والمشركين والملاحدة، التي هي ضدّ الدين وتعاليمه، ومعتقدًا صحتها، بأن حكاها للاستشهاد. والمرأة المرتدة حكمها في ذلك كالرجل عند جمهور الفقهاء؛ لما روي عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ لما أرسله إلى اليمن قال له: ((أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد وإلّا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلّا فاضرب عنقها)) وعن جابر ﵁: ((أن امرأة يقال لها: أم مروان، ارتدت، فأمر النبي ﷺ بأن يعرض عليها الإسلام، فإن تابت وإلّا قتلت، فأبت أن تسلم فقُتِلَت)) أخرجه الدارقطني والبيهقي. وروي أنّ أبا بكر ﵁ استتاب امرأة يُقَال لها: أم قرفة، كفرت بعد إسلامها فلم تتب فقتلها، وذلك خلافًا لما ذهب إليه أبو حنيفة ﵁ أنّ المرأة إذا ارتدت لا تُقْتل، ولكن تحبس، وتخرج كل يوم فتستتاب، ويُعرَض عليها الإسلام، وتظل هكذا حتى تعود إلى الإسلام أو تموت. وهذه العقوبة بالنسبة للمرتد تعتبر إجراءً وقائيًّا؛ لكي لا يتخذ الدين مهزلة، يدخل فيه الإنسان متى شاء، ثم يخرج منه متى أراد، أو استخفافًا بالله وبرسوله وبالمجتمع المسلم، والمرتد عن الإسلام طائعًا مختارًا تُعرَض عليه التوبة، ويمهَل

стр. 225

ثلاثة أيام ليراجع فيها نفسه، وتزال شبهته، وتقام له خلالها الأدلة والبراهين التي من شأنها أن تعِد الإيمان إلى قلبه، وتذهب عنه وساوس الشيطان، فإن اقتنع وعاد إلى الإسلام وتاب، وإلى الله أناب، قبلت توبته، وسقط عنه الحد، وإن أصرّ على الردة، وصمّم على التمسك بما انتقل إليه، أقيم عليه حد الردة، وهذا القتل ضربًا بالسيف؛ لما روي عن ابن عباس ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: ((من بدل دينه، فاقتلوه)) البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى لابن عباس: ((مَن خالف دينه دين الإسلام، فاضربوا عنقه)) الطبراني. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((من بدل دينه، فاقتلوه)) البخاري ومسلم، وفي رواية أخرى لابن عباس ((من خالف دينه دين الإسلام فاضربوا عنقه)) الطبراني، وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كُفر بعد إيمان، وزنًا بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس)). والمرتد لا يغسَّل، ولا يصلَّى عليه، ولا يدفَن في مقابر المسلمين، ويمنع من التصرف في مآله حال رِدته، وتقضى عليه ديونُه، وينفق منه عليه وعلى عياله، فإن أسلم رجع إليه مالُه، وإن مات مرتدًّا فصار ماله فيئًا فور موته. جناية البغي: أولًا: البغي عقوبته القتال؛ لأنه يقوّض نظامَ الحكم، على أنه لا يُبدأ به إلّا بعد إظهار عناده، وأيضًا النصح، قال تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات: ٩).

стр. 226

القصاص: لقد قرر القرآن الكريم أنّ القصاص هو الحياة الآمنةُ، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (البقرة: ١٧٩)، وقال تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (المائدة: ٤٥)، ولقد برهن الواقع الذي لا يستطيع أحدٌ إنكارَه، أنّ للقصاص حكمًا عديدةً، وفوائدَ جمّةً، فكم سُفِكَت دماء باسم الثأر، وكم اشتد العداء إلى حدِّ الحرب، لكن بالقصاص قد شفي صدور الحانقين، وأغناهم عن مؤنة لا يعرفون مداها، ثم هو بعد ذلك تقدير لقيمة الفرد المفقود، فقد كان عضوًا في مجتمعه، فمن قتله يقتل. ومن الحِكم التي يتضمنها القصاص: ارتكاب الجرائم واقتلاعها من أذهانهم، وكلٌّ يعلم أن عصبي المزاج يكون هادئًا حين يعلم أن خَصمه أقوى منه، فالقصاص مقابلة بالمثل ممن يملك القوة، والقصاص حقّ الفرد، فللمجني عليه أو أوليائه العفوُ عنه ببدل أو بغير بدل، ومن دقائق القرآن أن عمم القصاص، فهو في النفس وفيما عَدَا النفس، قال تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاص﴾ (المائدة: ٤٥). هذا وبالله التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 227

الدرس: ١٩ النظام المالي في القرآن الكريم .

стр. 228

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع عشر (النظام المالي في القرآن الكريم) مكانة المال، وقواعد الميراث فى الإسلام الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعدُ: أولًا: مكانة المال: إنّ المالَ هو قِوام الحياة من غير شكّ، فيه يتبادل الأحياء المرافق والمنافع، ويتعاونون على قضاء المطالب والحاجات، وهو يعَدّ زينةَ الحياة الدنيا كما قرّر القرآنُ، قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف: ٤٦) وقد تناولت الشريعة الإسلامية شئونَ الأموال والتنظيم والتوجيه في أبواب مختلفة، تناولتها في باب العبادات حين فرضت الزكاة، وهي اسم لجزءٍ من المال يخرجه الغنيّ من ماله إلى إخوانه الفقراء، وإلى إقامة المصالح العامة التي تتوقف عليها حياة الجماعة في أصلها وانتظامها. وبالزكاة يطهر المجتمع بقدر الإمكان من عدوّ الإنسان القاهر وهو الفقر، وتتوثّق عُرَى الألفة والمحبة بين الأغنياء والفقراء، وتسري بينهم روحُ التراحم والتعاونِ، ويتبادلون الإحساس والشعورَ، وتناولت الشريعة الإسلامية شئون الأموال في باب ما يسمّى "بالأحوال الشخصية"؛ حين قرّرت الميراث، ذلك المبدأ الإسلامي الذي يعمل على تفتيت الثروات، والربط بين الأقارب بعضهم ببعض، وبين الأجيال سابقها ولاحقها، فلا يُحرم الأبناء من جهود الآباء. وقد بنت الشريعة هذا الميراث على قواعد في غاية العدل والحكمة، وتولّى الله في كتابه تنظيم أنصبته وتوزيعها بنفسه.

стр. 229

قواعد الميراث في الإسلام: بني الاستحقاق في نظر الشريعة الإسلامية على الأمور التالية: أولًا: بُنِيَ على علاقتيْ القرابة الزوجية، والقرابة تشمل قرابة الولادة -يعني: الآباء والأبناء- وتشمل قرابة الإخوة بجهاتها الثلاث: للأب والأم معًا، وللأب فقط، وللأم فقط، والزوجية تشمل الزوج والزوجةَ، وهذه أسباب الميراث. ثانيًا: وبُنِيَ الميراث أيضًا على الاستحقاق في الميراث، يعني: على إلغاء صفات الذكورة والأنوثة، والصغر والكبر، في أصل الاستحقاق، فكان الميراث للصغير والكبير، والذكر والأنثى، جعل لهم حقًّا في الميراث. ثالثًا: وبُنِيَ الميراث على أنّ الآباء والأبناء، أعني: الأصول والفروع، لا يسقطون في أصل الاستحقاق بحالٍ ما، وإن كان يؤثّر عليهم وجود غيرهم في كمية النصيب. رابعًا: وبني الميراث على أنه لا إرثَ للإخوة والأخوات مع وجود الأبوين، وإن كانوا ينزلون بنصيب الأم من الثلث إلى السدس. خامسًا: وبُني استحقاق الميراث على أنه متى اجتمع في الوارثين ذكورًا وإناثًا، أخذ الذَّكَرُ ضعف الأنثى، وكذلك جعل النبي ﷺ الوصيةَ بأن تكون في حدود الثلث. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: ((قلتُ: يا رسول الله، أوصي بمالي كله؟ قال: لا، قلت: فالشطر؟ قال: لا، قلت: الثلث؟ قال: فالثلث، والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالةً يتكفَّفون الناس في أيديهم)) أي: بأيديهم، أو سألوا بأكفّهم، أخرجه البخاري.

стр. 230

أيضًا التركة: يرى الإسلام أن التركة التي يقسمها الوارثون على هذه المبادئ هي الباقي من ممتلكات مورِّثهم بعد قضاء ديونه، وتنفيذ وصاياه، ويرى الإسلام أيضًا أن الوصية بشيء لا تجوز لمن ليس في حاجةٍ إليها، وكذلك لا تجوز إذا كان فيها إضرار بالورثة. عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "الإضرارُ في الوصية من الكبائر" حديث موقوف، أخرجه الدارقطني والعقيلي والطبري وفي الدين والوصية الضارّة يقول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ (النساء: ١٢). مصادر التوريث في القرآن الكريم: هذا وقد بين القرآن الكريم في سورة النساء أنصباء الأبناء والوالدين والزوجين والإخوة، في آيات ثلاث: - قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: ١١). - وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (النساء: ١٢).

стр. 231

- وقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (النساء: ١٧٦). الحكمة في التوريث وفي ابتنائه على هذه الأسس: في الإسلام كثير من المبادئ والتشريعات التي تهدم على الرأسماليين الطغيان المالي، كما تهدم على المقابلين لهم الفوضى، فهو وسط لا طغيانَ ولا فوضَى، وقد كان في ابتناء التوريث في الإسلام على هذه الأسس حكمة يجب تقديرها في حياة الرجل والمرأة، وفي حياة الأسرة، وفي حياة الجماعة. ففي حياة الرجل والمرأة نظر الإسلام إلى أنّ أعباء المرأة في حياتها، ونفقة أولادها، وتكاليف زواجها، محمولةٌ عن كاهلها، وموضوعةٌ على الرجل، فكان من العدل بينهما أن يكون الرجل في كمية الاستحقاق على ضِعفها؛ ليتمكّن الرجل من القيام بأعباء حياتها وحياته وحياة الأولاد، وكان إعطاؤها النصف مجرد احتياط للوقاية مما تصير إليه، وتقع فيه من مصدر الإنفاق عليها. أمّا الحكمة في حياة الأسرة: فقد نظر الإسلام إلى توزيع التركة على أرباب القرابة والزوجية يضاعف إخلاصَ القلوب، ويربط بعضها ببعض، ويجعل كلًّا منهما شديد الحرص على خير الأخير، الذي يعود نفعه بالميراث عليهم جميعًا، وإذا ما خصّ فريق معين بالميراث دون غيره تنافرت القلوب وتفككت الأسرة. وأما الحكمة في حياة الجماعة في توزيع الميراث: فقد اتقى الإسلام بالتوريث ونظامه خطرين اجتماعيين عظيمين:

стр. 232

أحدهما: تكدس الأموال في يدٍ واحدةٍ، وهو من عناصر الطُّغيان المالي الذي يثير في الجماعة حربَ الطبقات. ثانيهما: حِرمان جميع أفراد الأسرة من جهود الآباء والأبناء والأزواج والأقارب الذين يرتبط بعضهم ببعض صلات الدم والقرابة والتعاون، وبذلك تُصرف التركة إلى هؤلاء المترابطين المتعاونين، فلا تصرف إلى شخص معين، فيكون الطغيان المالي، ولا تصرف إلى الدولة فيكون حرمان الجميع من جهود الآباء والأبناء والأزواج والأقارب، وهو معنًى لا يقل أثره السيئ في الجماعة إن لم يزد عن أثر الطغيان المالي، فكلاهما شرّ في الجماعة، وكلاهما طغيان وحرمان، والحياة لا تصلح مع واحد منهما. أيضًا نظَّم الإسلام شئون المال، وبيّن أنّ المال المباح يأتي عن طريق التجارة والزراعة والصناعة، أمر الإسلام بتحصيل المال عن طريق التجارة، وبالرحلة اليمنية والشامية اللتين يسّرهما الله لقريش في تجارتها، يمنُّ عليهم ويذكرهم بفضله ونعمته، قال تعالى: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (قريش: ١ - ٤) وأمر الإسلام أيضًا بتحصيل المال عن طريق الزراعة التي بها حياة الأرض واستثمارها، وفي لفت الأنظار إلى نعمة الله بإعداد الأرض للزراعة، يقول الله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ (عبس: ٢٤ - ٣٢). وأمر الإسلام بتحصيل المال عن طريق الصناعة، والصناعة أقوى العُمد التي تقوم عليها الحضارات، وفي القرآن الكريم إشارة إلى جملةٍ من الصناعات التي

стр. 233

لا بُدّ منها في الحياة، ففي القرآن الكريم إشارة إلى صناعة الحديد، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (الحديد: ٢٥). وأشار القرآن الكريم إلى صناعة الملابس، قال تعالى: ﴿قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ (الأعراف: ٢٦)، وأشار القرآن الكريمُ إلى صناعة القصور والمباني، قال تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ (النمل: ٤٤). وهكذا يجد المتتبع لإيحاءاتِ القرآن الكريم كثيرًا من التنويه بشأن الصناعات على اختلاف أنواعها، أمَرَ القرآن الكريم بتحصيل الأموال عن هذه الطرق الثلاث -الزراعية والتجارية والصناعية- وسمّى طلبها ابتغاءَ فضل الله، وقد بلغت عناية القرآن بالأموال بعد أن طلب السعي في تحصيلها بمجرّد الفراغ من أداء العبادة الأسبوعية المفروضة وهي صلاة الجمعة، وأنه لم يأمر بالانصراف عن تحصيلها إلّا لخصوص هذه العبادة، فيقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (الجمعة: ٩) ثم يقول تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (الجمعة: ١٠) ويقول تعالى في تحصيل المال بوجه عام: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك: ١٥). ولقد أمر القرآن الكريم بالانتفاع بالأموال، فنهى عن الإسراف فيها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: ٦٧) وجعل الإصراف فيها والبخل بها عن الحقوق والواجبات مما يوقع في الحسرة والمَلامة، قال تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (الإسراء: ٢٩).

стр. 234

والقرآن -كما طلب السعي في تحصيل الأموال، وطلب الاعتدال في صرفها- نَهَى عن تحصيلها بالطرق التي لا خيرَ للناس فيها، وفيها الشر والفساد، ونهى عن تحصيلها بطريق الربا الذي يؤخَذ استغلالًَا لحاجة الضعيف المحتاج، ونهى عن تحصيلها أيضًا بطريق السرقة، والانتهاب، والتسول، الذي يزعزع الأمن والاستقرار، وأمر بتحصيلها بطريق التجارة الحلال، ونهى عن تحصيلها بطريق التجارة فيما يفسد العقل والصحة؛ كالخمر والخنزير، ونهى عن تحصيلها بطريق الميسر، والرقص، وبيع الأعراض، من كل ما يفسد الأخلاق ويعبث بالإنسانية، ونهى عن تحصيلها بطريق الرِّشوة؛ التي تذهب بالحقوق والكفايات، وفي هذا وأمثاله يقول القرآن الكريم: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٨٨). وعناية الله بالأموال شِرْعة قديمة، لم يخص بها جيلًا دون جيلٍ، ولا رسالةً دون رسالةٍ، وقد قصّ علينا القرآن الكريم أنّ الله عاقب بعضَ خلقه، الذين عتوا عن أمره في الأرض، وأكلوا أموال الناس بالباطل، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ (النساء: ١٦٠، ١٦١). الاستغلال الاقتصادي لجماعة المسلمين والإسلام حينما طلب تحصيل الأموال بالزراعة والصناعة والتجارة نظر إلى أنّ حاجة المجتمع المادية تتوقف عليها كلها، فإنه كما يحتاج إلى الزراعة في الحصول على المواد الغذائية التي تنبتها الأرض، يحتاج إلى الصناعات المختلفة في شئونها المتعددة؛ في ملابسه، وفي آلات الزراعة، وتنظيم الطرق، في حفر الأنهار، ومد السكك الحديدية، في حفظ كِيان الدولة، وما إلى ذلك مما لا سبيلَ إليه إلّا

стр. 235

بالصناعات، ويحتاج أيضًا إلى تبادل الأعيان، والمواد الغذائية، والمصنوعات مع الأقاليم التي ليست فيها زراعة ولا صناعةٌ، ولا تَسعد أمة لا تسدُّ حاجتها بنفسها. وإذن لا بُدّ من الاحتفاظ بالزراعة والتجارة والصناعة. ولا ريب أنّ هذه الطرق الثلاثة -الزراعة، والتجارة، والصناعة- وهي الطرق الطبيعية لتحصيل الأموال، عُمُد الاقتصاد القومي لكلّ أمة تريد أن تحيا حياة استقلالية، رشيدة عزيزة. من الضروري العمل على تركيزها في البلاد، ثم العمل على تنسيقها تنسيقًا يحقق للأمة هدفها الذي يوجبها الإسلام عليها، والذي يجب أن تحصل عليه وتحتفظ به وتنميه؛ صونًا لكيانها واستقلالها في سلطانها وإدارتها، وإذا كان من قضايا العقل والدين أنّ ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب، وكانت الحياة متوقفة على هذه العُمُد الثلاثة، كانت هذه العمد الثلاثة واجبة، وكان تنسيقها على الوجه الذي يحقق خيرها واجبًا. تحصيل المال عن طريق الإنفاق في سبيل الله: لقد حارب الإسلام في النفوس خِصال الشح والإسراف والترف، وعمِلَ على تطهير الجماعة منها، وأعدّ النفوس للبذل والعطاء في القيام بحق الله وحق الناس، وكان له في ذلك من أساليب الترغيب في البذل والترهيب من البخل، ما يملأ قلب المؤمن بمبدأ التضحية، وأنها سبيل الله في الحياة الطيبة التي تكفل للفرد والجماعة سعادة الدنيا والآخرة. وإنّ أول ما يطالبنا من تلك الأساليب في القرآن الكريم هو أننا لا نكاد نجد فيه ذكرًا للإيمان بالله إلّا مقرونًا بالإنفاق في سبيله، وإطعام البائس الفقير، فسورة البقرة تبدأ ببيان أوصاف المتقين الذين ينتفعون بالقرآن وهديه، ويكون منها:

стр. 236

﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: ٢)، ثم تعرض السورة لأصول البرّ الذي يطلبه الله من العباد، ويكون منها بعد الإيمان، قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: ١٧٧) ويجعل ذلك من دلائل الصدق في الإيمان والتقوى. وسورة الأنفال تذكر مقومات الإيمان، ويكون منها بعد وجَل القلوب من ذكر الله، وزيادة الإيمان بآياته، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الأنفال: ٣) وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الأنفال: ٤) وترى سورة النساء وسورة الحجرات تذكرانِ الإيمانَ ولا تذكران معه سوى الإنفاقِ في سبيل الله، قال تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ (النساء: ٣٩)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات: ١٥). هذا أسلوب يضع الإنفاق في سبيل الله في مستوى الإيمان، وإذا قلّبنا صفحات القرآن الكريم لم نجده أطلق عنوان العقبة التي تحول بين الإنسان وسعادته على شيء سوى إطعام الفقير والمسكين، كما أنه لم يجعل عدمَ التحريض على شيء من تكاليفه علامة على التكذيب بيوم البعث والجزاء، وعلامة على الصدق في الصلاة وإقامتها، سوى إطعام المسكين، قال تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ (البلد: ١١ - ١٨).

стр. 237

وفي سورة الماعون، يقول الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (الماعون: ١ - ٧). وهذا أسلوب يضع الإنفاق في سبيل الله، وإطعام الفقير المحتاج، موضع العقبة والحاجز الذي لا بد من اقتحامه؛ ليصِلَ الإنسانُ إلى سعادته، إنْ لم يكن بنفسه فبحضّ القادرين عليه، وإرشادهم إليه، وقد قصّ الله علينا بعد ذلك أنّ المجرمين سيسجِّلون على أنفسهم في الجواب حين يسألون يوم الدين، قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ (المدثر: ٢٤) سيسجلون مع التكذيب بيوم الدين والخَوْض في الباطل إهمالَ حق الفقير والمسكين، قال تعالى حكايةً عنهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (المدثر: ٤٣ - ٤٦). هذه بعض أساليب القرآن في مكانة الإنفاق في سبيل الله، وفي الترهيب من البخل بحق الفقير والمسكين. وأما أساليب الترغيب في الإنفاق، فحسبنا أن نقرأ فيها الآيات الواردة في سورة البقرة، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (البقرة: ٢٤٥) وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ٢٦١، ٢٦٢) وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: ٢٦٥).

стр. 238

فهذه مكانة الإنفاق في سبيل الله، وهذه عدة الله الصادقة لمن يجود بماله في سبيله، وهي -كما ترى- مكانةٌ وعزة لم يحظَ بها شيء من التكاليف الإلهية سوى الإنفاق، فالصلاة على مكانتها في الدين، وعلى أنها الركن الذي يلي الإيمان، لا تقع عند الله موقعها، إلّا إذا دفعت بصاحبها إلى القيام بحق الفقير والمسكين، وكذلك الصوم والحج، لا تجد لهما في ترغيب القرآن وترهيبه مثل ما وجدناه للإنفاق في سبيل الله. وتحقيقًا لانتفاع الجميع بالمال، وتطهيرًا للنفوس من بواعث الأثرة فيها، حارب الإسلام في المالكين لها والقائمين عليها خلق الشح، الذي يمنع من البذل والإنفاق، كما حارب السَّفَه الذي يودي بالمال في غير وجوه النفع وإقامة المصالح، يقول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: ٩) والبخل وليد الشح، يقول الله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (آل عمران: ١٨٠) ويقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (النساء: ٣٧) ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (التوبة: ٣٤، ٣٥). ثم أرشد القرآن إلى أنّ البخل بالمال عن أداء الواجبات وإقامة المصالح إلقاءٌ بالنفس في التهلكة، قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: ١٩٥). هذا وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 239

الدرس: ٢٠ المعاملات في القرآن الكريم .

стр. 240

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العشرون (المعاملات في القرآن الكريم) البيوع الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: لقد عرضت شريعة الإسلام إلى الجوانب التي تتعلّق بشئون الأموال ومعاملاتها، ذلك هو جانب النظم التي تبنى عليها المبادلات المالية، وفيها أحكام البيع والإجارة، وبيان ما يجوز بيعه وإجارته، وما لا يجوز بيعه ولا إجارته، وتشمل طرق استثمار الأموال والمضاربة والشركة، وأحكام الأمانات، وطرق الاستيثاق في الديون، وغير ذلك مما يجري بين الناس، ويحتاجون إلى ضبطه في انتظام حياتهم وحفظ حقوقهم ومصالحهم. والمعاملات المالية عمدتها في الإسلام وأساسها الارتباطُ بالالتزام، والوفاء بالحقوق، وعدم أكل أموال الناس بالباطل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: ١)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (النساء: ٢٩). وفي طرق الاستيثاق يقول الله -جلّ شأنُه-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٨٢).

стр. 241

من أول هذه المعاملات في درسنا البيوع: البيع مبادلة المال بالمال، تملكًا وتمليكًا، واشتقاقه من الباع؛ لأنّ كل واحدٍ من المتبايعين يمد باعه للأخذ والإعطاء، ويحتمل أن كلّ واحد منهما كان يبايع صاحبه، أي: يصافحه عند البيع، ولذلك سمّي البيع صفقة. والبيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع: - أمّا الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (البقرة: ٢٧٥)، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (البقرة: ٢٨٢)، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٢٩)، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (البقرة: ١٩٨). وروى البخاري عن ابن عباس قال: "كانت عكاظ ومَجِنّة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فلمّا كان الإسلام تأثّموا فيه -أي: تحرجوا فيه- فنزل قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ". (البقرة: ١٩٨) يعني: في مواسم الحج. - وأمّا الدليل من السنة: فهو قول النبي ﷺ : ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقَا)) متفق عليه. ويروي رفاعة أنّه: ((خرج مع النبي ﷺ إلى المصلّى، فرأى الناس يتبايعون، فقال: يا معشر التجار، فاستجابوا للرسول ﷺ ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارًا، إلا مَنْ بَرّ وصدَقَ)) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروى أبو سعيد عن النبي ﷺ أنه قال: ((التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء)) قال الترمذي: هذا حديث حسن. وأخرجه الدارمي. وأحاديث كثيرة سوى هذه.

стр. 242

- وأجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة، والحكمة تقتضيه؛ لأن حاجة الإنسان تتعلّق بما في يدي صاحبه، وصاحبه لا يبذله، أي: لا يبذله المال بغير عوض، ففي شرع البيع وتجويزه شَرَع طريقًا إلى وصول كلّ واحد منهما إلى غرضه، ودفع حاجته. أركان عقد البيع: ١ - العاقدان: وهما البائع والمشتري. ٢ - المعقود عليه: وهو الثمن والمثمّن. ٣ - صيغة العقد: وينعقد البيع بكلّ قولٍ أو فعل يرَدّ أو يدل على إرادة البيع والشراء، وللبيع صيغتان: أ- الصيغة القولية: وتسمّى الإيجاب. ب- والقبول الصيغة الفعلية، وتسمّى المعاطاة. شروط البيع: لا يكون البيع صحيحًا حتى تتوفّرَ فيه سبعة شروط، متى فُقِدَ منها شرطٌ صار البيع باطلًا، وهذه الشروط هي كالتالي: ١ - التراضي بين المتبايعين. ٢ - أن يكون العاقد جائزَ التصرف. ٣ - أن تكون العين مباحةَ النفع من غير حاجة. ٤ - أن يكون البيع من مالك، أو مَن يقوم مقامه. ٥ - أن يكون المبيعُ مقدورًا على تسليمه.

стр. 243

٦ - أن يكون المبيعُ معلومًا برؤية أو وصفٍ منضبطٍ. ٧ - أن يكون الثمنُ معلومًا. هذه هي شروط البيع. آدابُ البيع والشراء: من آداب البيع والشراء جملة أمور؛ منها: ١ - ألّا يعرضَ ثمنًا على البائع ليفسخَ البيع في فترة الاختيار، وهذا بخلاف المزايدات قبل استقرار الثمن؛ ليتمّ الاختبار الحر، ويتفرعوا الوقت له. قال ﷺ : ((لا يسم المسلم على سوم أخيه)) الحديث رواه مسلم. ومعنى هذا: أنّ البائع والمشتري يتراضيان بثمن معين، ويقع الركون فيه، فيجيء آخر فيدفع للمالك أكثر أو مثله. ٢ - ألّا يبيع على بيع أخيه؛ كأن يعرض على المشتري في فترة الاختيار فسخَ البيع مقابل بيع ما هو أجود أو أرخص؛ ليتم الاختيار الحرّ. قال ﷺ : ((لا يبع بعضكم على بيع بعض)) رواه مسلم. معنى هذا: أنْ يتراضَى البائع والمشتري على ثمن سلعة، فيقول آخر: أنا أبيعك مثلها بأقلّ من هذا الثمن. ٣ - ألّا يروّج للسلعة بالكذب وبما ليس فيها، وبالقسم بالله باطلًا، وبالتضليل والغَش والغدر؛ كأن يدّعي كذبًا أنه اشتراها بثمنٍ معين، أو دفع له ثمنًا معينًا. عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ أنّ رجلًا أقام سلعة في السوق، فحلف بالله: لقد أُعطِيَ فيها ما لم يعطَ؛ ليوقع فيها رجلًا من المسلمين، فنزل قول تعالى:

стр. 244

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران: ٧٧)، وقال ﷺ : ((مَن حلَفَ على يمين وهو فيها فاجرٌ؛ ليقطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبانُ)) الحديث رواه البخاري. ٤ - أن تكون مواصفات السلعة وثمنها معلومةً لدعاوي المتابعين. ٥ - على البائع أن يبيّن عيوبَ السلعة وثمنها، ولا يحاول إخفاءها؛ حتى تنتفي كل جهالة أو غموض أو غش في السلع وفي النقود، ويقدم المشتري على الشراء عن ثقة، ويتجنّب التخاصم. قال ﷺ : ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقَا، فإن صدقَا البيعان، بُورك لهما في بيعهما، وإن كذباَ وكتماَ في نفسه أن يربحا ربحًا، ويمحقا بركة بيعهما)) رواه مسلم، وقال ﷺ : ((مَن باع بيعًا لم يبينه لم يزل في مقت الله، ولم تزل الملائكة تلعنه)) (سنن ابن ماجه). ٦ - على المشتري وعلى البائع التحلي بالسماحة والرفق في المعاملة، وأن يكون المشتري جادًّا في الشراء، فلا يتعب البائعَ بهدف التسليةِ وقضاء الوقتِ. أيضًا ألّا يبيع البائع ما لا يملك، ولا يبيع البائع السلعة قبل حيازتها. على المشتري أن يحذر النجش، وهو أن يزيد ثمن السلعة، ولا يريد شراءها بهدف تربيح التاجر على حساب العمل، قال ﷺ : ((لا تناجشوا)) رواه البخاري ومسلم. ٧ - على البائع ألّا يبيع مسروقًا أو مغتصبًا؛ لأن البائع يكون بذلك مشتركًا في الإثم مع السارق. أيضًا من ضمن هذه الشروط: على البائع قالة نادم، بمعنى: أن يقبل البائع إرجاعَ السلعة بعد بيعها لحاجة المشتري إلى المال، أو اكتشاف أنه غير محتاج لها وندمه على الشراء، فَمِن حسن

стр. 245

المعاملة الشرعية أن يقبل التاجر السلعة من المشتري النادم، وله من الله تعالى في هذا الفعل الأجر والمثوبة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أقال مسلمًا ببيعته أقال الله عثرتَه يوم القيامة)) رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان. الإجارة والرهن ثانيًا: الإجارة: اشتقاق الإجارة من الأجر وهو العوض، قال تعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (الكهف: ٧٧)، ومنه سمي الثواب أجرًا؛ لأن الله تعالى يعوّض العبد به على طاعته، أو يعطيه الصبر على مصيبته. مشروعية الإجارة: الأصل في جواز الإجارة الكتاب والسنة والإجماع: - أمّا الكتاب: فهو قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (الطلاق: ٦)، وقال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ (القصص: ٢٦، ٢٧). وروى ابن ماجه في سننه عن عتبة بن الندر قال: كنّا عند رسول الله ﷺ فقرأ: ﴿طَس﴾ (النمل: ١) حتى إذا بلغ قصة موسى قال: ((إنّ موسى ﵇ آجرَ نفسَه ثماني حجج أو عشرًا على عِفّة فرجه، وطعام بطنه)) قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (الكهف: ٧٧)

стр. 246

هذا يدل على جواز أخذ الأجر على إقامته. وأمّا السنة: فثبت ((أنّ رسول الله ﷺ ، وأبا بكر استأجرَا رجلًا من بني الدَّيْل هاديًا خريتًا)) والخريت: الماهر بالهداية، هذا الحديث أخرجه البخاري. وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: ((قال الله : ثلاثة أنا خَصمهم يوم القيامة: رجل أعطَى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفَى منه ولم يوفّه أجره)). والأخبار في هذا كثيرة. وأجمع أهل العلم في كلّ عصر وكل مصر على جواز الإجارة، إلّا ما يُحكى عن عبد الرحمن بن الأصم أنّه قال: لا يجوز ذلك؛ لأنه غرر، يعني: أنه يعقد على منافع لم تخلق، وهذا غَلَط لا يمنع انعقاد الإجماع الذي سبق في الأعصار، وصار في الأمصار، والعبرة أيضًا دالة عليها، فإن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان، فلمّا جاز العقد على الأعيان وجب أن تجوز الإجارة على المنافع، ولا يخفى ما بالناس من الحاجة إلى ذلك، فإنه ليس لكل أحد دار يملكها، ولا يقدر كل مسافر على بعير أو دابة يملكها، ولا يلزم أصحاب الأملاك إسكانهم وحملهم تطوعًا. وكذلك أصحاب الصنايع يعملون بأجر، ولا يمكن عمل ذلك كل أحد، ولا يجد متطوعًا به، فلا بد من الإجارة لذلك، بل ذلك مما جعله الله طريقًا للرزق، حتى إنّ أكثر المكاسب بالصنائع، وما ذكره من الغرر لا يلتفت إليه، مع ما ذكرنا من الحاجة، فإن العقد على المنافع لا يمكن بعد وجودها؛ لأنها تتلف بمضي الساعات، فلا بد من العقد عليها قبل وجودها؛ كالسلم في الأعيان.

стр. 247

الإجارة نوع من البيع: والإجارة نوع من البيع؛ لأنها تمليكٌ من كل واحد منهما لصاحبه، فهي بيع المنافع، والمنافع بمنزلة الأعيان؛ لأنه يصح تمليكها في حال الحياة وبعد الموت، وتضمن باليد والائتلاف، ويكون عوضها عَيْنًا ودَيْنًا، وإنما اختصت باسم كما اختص بعض البيوع باسم؛ كالصرف والسّلَم، إذا ثبت هذا فإنها تنعقد بلفظ الإجارة والقِراء؛ لأنهما موضوعان لها. وهل الإجارة تنعقد بلفظ البيع؟ فيه وجهان: أحدهما: تنعقد به؛ لأنها بيع، فانعقدت بلفظه كالصرف. والثاني: لا تنعقد به؛ لأن فيها معنًى خاصًّا، فافتقرت إلى لفظ يدل على ذلك المعنى؛ ولأن الإجارة تضاف إلى العين التي يضاف إليها البيع إضافة واحدة، فاحتيج إلى لفظٍ يعرف ويفرّق بينهما؛ كالعقود المتباينة؛ ولأنه عقد يخالف البيعَ في الحكم والاسم، فأشبه النكاح، ولا تصح الإجارة إلّا من جائز التصرف؛ لأنه عقد تمليك في الحياة، فأشبه البيع، وإذا وقعت الإجارة على مدة معلومة بأجرة معلومة، فقد ملك المستأجر المنافع، وملكت عليه الأجر كاملةً في وقت العقد، إلّا أن يشترط أجلًا. الرهن: الرهن في اللغة: الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن، أي: راكد، ونعمة راهنة: أي: ثابتة دائمة، وقيل: هو من الحبس، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: ٣٨)، والرهن في الشرع: المال الذي يجعل وثيقة بالدَّيْن؛ ليستوفى من ثمنه إن تعذّر استيفاؤه ممن هو عليه.

стр. 248

مشروعية الرهن: الرهن جائز بالكتاب والسنة والإجماع: - أمّا الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (البقرة: ٢٨٣)، والرهان جمع رهن، والرهن جمع الجمع. قاله الفراء في (معاني القرآن). وقال الزجاج: يحتمل أن يكون جمع رهن. - وأمّا مشروعية الرهن بالسنة: فروت عائشة ﵂: ((أن رسول الله ﷺ اشترى طعامًا من يهودي ورهنه درعه)) متفق عليه. أخرجه البخاري وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه والإمام أحمد في (المسند). وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)) رواه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: ((لا يغلق الرهن)) أخرجه ابن ماجه والإمام مالك والبيهقي. وأما الإجماع: فأجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة. الرهن في الحضر: يجوز الرهن في الحضر كما يجوز في السفر، قال ابن المنذر: لا نعلم أن أحدًا يخالف في ذلك إلّا مجاهدًا، قال: ليس الرهن إلّا في السفر؛ لأن الله تعالى شَرط السفر في الرهن، بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (البقرة: ٢٨٣).

стр. 249

يقول ابن قدامة: ولنا أنّ النبي ﷺ اشترى من يهودي طعامًا ورهنه درعه وكان بالمدينة؛ ولأنها وثيقة تجوز في السفر فجازت في الحضر؛ كالضمان، فأما ذكر السفر فإنه خرج مخرج الغالب؛ لكون الكاتب يعدَم في السفر غالبًا، ولهذا لم يشترط عدم الكاتب، وهو مذكور معه أيضًا. حكم الرهن: والرهن غير واجب، لا نعلم فيه مخالفًا؛ لأنه وثيقة بالدَّين، فلم يجب كالضمان والكفاية، وقول الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (البقرة: ٢٨٣) إرشاد لنا لا إيجاب علينا؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (البقرة: ٢٨٣)؛ ولأنه أُمِرَ به عند إعواذ الكتابة، يعني: الحاجة إلى الكتابة، والكتابة غير واجبة، فكذلك بدلها يكون غير واجب. ولا يخلو الرهن من أحوال: أحدها: أن يقع بعد الحق، فيصح بالإجماع؛ لأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به، فجاز أخذها به. الحال الثاني: أن يقع الرهن مع العقد الموجب للدّين. ما الحكم إذا تعدّى المرتهن في الرهن: إذا تعدى المرتهن في الرهن أو فرّط في الحفظ في الرهن الذي عنده حتى يتلف، فإنه يضمن، وأما إن تلف من غير تعدٍّ منه ولا تفريط فلا ضمانَ عليه، وهو من مال الراهن. عن سعيد بن المسيب أنّ رسول الله ﷺ قال: ((لا يغلق الرهن، لصاحبه غنمُه، وعليه غرمه)). وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 250

الدرس: ٢١ الربا: أنواعه، وضرره على المجتمع .
следующие страницы →