Полный текст (264 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
هـ- الله عَلِم أزلًا أهل الجنة وأهل النار:
لقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار، جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ (الأنفال: ٧٥). وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (الأحزاب: ٤٠). فالله تعالى موصوف بأنه بكل شيء عليم أزلًا وأبدًا، لم يتقدم علمه بالأشياء جهالة. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (مريم: ٦٤).
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ((كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة فنكس رأسه، فجعل ينكث بمخصرته ثم قال: ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها الجنة والنار، إلا وقد كُتبت شقية أو سعيد. قال: فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة. ثم قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (الليل: ٥ - ١٠))). وهذا الحديث في البخاري رقم ١٣٦٢، ومسلم رقم ٢٦٤٧ وأبو داود ٤٦٩٤.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 37
الدرس: ٤ الإيمان بالقدر (٢) .
стр. 38
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع
(الإيمان بالقدر (٢))
أصل القدر، والنزاع بين الناس في القدر، وحكم التكذيب به
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعد:
أ- أصل القدر:
أصل القدر سر الله في خلقه، وهو كونه أوجد وأفنى وأفقر وأغنى وأمات وأحيى وأضل وهدى. قال علي ﵁: "القدر سر الله". فالقدر سر الله في خلقه، لم يُطلع على ذلك ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلًا، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة إلى الخذلان ومُسَلِّم للحرمان، وكذلك أيضًا هو سلم الحرمان ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر من أنامه ونهاهم عن مراده، كما قال تعالى في كتابه: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٣).
فمن سأل لما فعل فقد رَدَّ حكم الكتاب، ومن ردَّ حكم الكتاب كان من الكافرين. انظر (شرح العقيدة الطحاوية) ص ٣٢٠ مؤسسة الرسالة.
ب- النزاع بين الناس في مسألة القدر: هذا النزاع مشهور، والذي عليه أهل السنة والجماعة أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله تعالى خالق أفعال العباد. قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: ٤٩). وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان: ٢). وأن الله تعالى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه ولا يرضاه ويحبه، فيشاؤه كونًا ولا يرضاه دينًا.
وخالف في ذلك القدرية والمعتزلة، وزعموا أن الله شاء الإيمان من الكافر، ولكن الكافر شاء الكفر، فَروا إلى هذا لئلا يقولوا: شاء الكفر من الكافر وعذَّبه عليه.
ولكن صاروا كالمستجير من الرمضاء بالنار، فإنهم هربوا من شيء فوقعوا فيما هو شر منه، فإنه يلزمهم أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله، فإن الله قد شاء الإيمان منه على قولهم، والكافر شاء الكفر، فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة
стр. 39
الله تعالى، وهذا من أقبح الاعتقاد، وهو قول لا دليل عليه، بل هو مخالف للدليل.
جـ- التكذيب بالقدر شرك:
عن ابن عباس ﵄ "أن رجلًا قدم علينا يكذب بالقدر فقال: دلوني عليه، وهو يومئذٍ أعمى فقالوا له: ما تصنع به؟ فقال: والذي نفسي بيده لئن استمكنت منه لأعضنَّ أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته بيدي لأدفنها؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: وكأني بنساء بني فهد يطفن بالخزرج، تصطك ألياتهنّ مشركات، وهذا أول شرك في الإسلام، والذي نفسي بيده لا ينتهي بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يُقدّر الخير، كما أَخرجوا من أن يقدر الشر". شرح (أصول اعتقاد أهل السنة) جزء ٤ ٦٢٥ وإسناده ضعيف.
وهذا يوافق قوله: "القدر نظام التوحيد، فمن وحّد الله وكذّب بالقدر نقض تكذيبه توحيده".
وروى عمر بن الهيثم قال: "خرجنا في سفينة وصحبنا فيها قدري ومجوسي، فقال القدري للمجوسي: أسلم. قال المجوسي: حتى يريد الله، فقال القدري: إن الله يريد ولكن الشيطان لا يريد. قال المجوسي: أراد الله وأراد الشيطان فكان ما أراد الشيطان، هذا شيطان قوي، وفي رواية أنه قال: فأنا مع أقواهما".
ووقف أعرابي على حلقة فيها عمرو بن عبيد فقال: "يا هؤلاء إن ناقتي سُرقت فادعوا الله أن يردّها علي، فقال عمرو بن عبيد: اللهم إنك لم ترد أن تُسرق ناقته فسُرقت فارددها عليه، فقال الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك. قال: ولِم؟ قال: أخاف كما أراد ألا تُسرق فسُرقت، أن يريد ردّها فلا تردّ".
وقال رجل لأبي عصام القسطلاني: "أرأيت إن منعني الهدى وأوردني الضلال
стр. 40
ثم عذبني، أيكون منصفًا؟ فقال له أبو عصام: إن يكن الهدى شيئًا هو له، فله أن يعطيه من يشاء ويمنعه من يشاء".
وأما الأدلة من الكتاب والسنة في أن أفعال العباد لله تعالى فقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين﴾ (السجدة: ١٣). وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِين﴾ (يونس: ٩٩). وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين﴾ (التكوير: ٢٩). وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (الإنسان: ٣٠). وقال تعالى: ﴿مَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾ (الأنعام: ٣٩). وقال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ (الأنعام: ١٢٥).
ومنشأ الضلال من التسوية بين المشيئة والإرادة وبين المحبة والرضا، فسوّى بينهم الجبرية والقدرية، ثم اختلفوا فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره فيكون محبوبًا مرضيًّا. وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية لله، فليست مقدرة ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه.
وقد دلَّ على الفرق بين المشيئة والمحبة الكتاب والسنة والنظرة الصحيحة.
أما نصوص المشيئة والإرادة من الكتاب فقد تقدم ذكر بعضها، وأما نصوص المحبة والرضا فقال تعالى: ﴿وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَاد﴾ (البقرة: ٢٠٥). وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ (الزمر: ٧). وقال تعالى عقيب ما نهى عنه من الشرك والظلم والفواحش والكبر: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (الإسراء: ٣٨).
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)) أخرجه البخاري حديث رقم ١٤٧٧، ومسلم حديث
стр. 41
رقم ١٥٩٣. وفي المسند: ((إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته)) أخرجه أحمد، الجزء الثاني ١٠٨ من طريق قتيبة بن سعيد.
وكان من دعائه ﷺ : ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك)).
فتأمَّل ذكر استعاذته بصفة الرضا من صفة السخط، وبفعل المعافاة من فعل العقوبة، فالأول للصفة، والثاني لأثرها المترتب عليها، ثم ربط ذلك كله بذاته سبحانه، وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره.
فما أعوذ به أعوذ منه واقع بمشيئتك وإرادتك، وما أعوذ به من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك، إن شئت أن ترضى من عبدك وتعافيه، وإن شئت أن تغضب عليه وتعاقبه، فإعاذتي مما أكره ومنعه أن يحل بي هو بمشيئتك أيضًا، فالمحبوب والمكروه كله بقضائك ومشيئتك.
فعياذي بك منك، وعياذي بحولك وقوتك ورحمتك مما يكون بحولك وقوتك وعدلك وحكمتك، فلا أستعيذ بغيرك من غيرك، ولا أستعيذ بك من شيء صادر عن غير مشيئتك، بل هو منك، فلا يُعلم ما في هذه الكلمات من التوحيد والمعارف والعبودية إلا الراسخون في العلم بالله، ومعرفته، ومعرفة عبوديته.
فإن قيل: كيف يُريد الله أمرًا ولا يرضاه ولا يحبه، وكيف يشاؤه ويُكوّنه، وكيف يجتمع إرادته له وبغضه وكراهته؟
قيل: هذا السؤال هو الذي افترق الناس لأجله فرقًا، وتباينت طرقهم وأقوالهم.
стр. 42
أنواع المراد من الله
المراد نوعان: مراد لنفسه ومراد لغيره، فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته، وما فيه من الخير فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد. والمراد لغيره قد لا يكون مقصودًا للمريد، ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته، وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده فهو مكروه له، من حيث نفسه وذاته، مراد له من حيث إفضائه وإيصاله إلى مراده، فيجتمع فيه الأمران: بغضه وإرادته، فلا يتنافيان لاختلاف متعلقهما.
وهذا كالدواء الكريه، إذا علم المتناول له أن فيه شفاءَه، وقطع العضو المتآكل إذا علم أن في قطعه بقاء جسده، وكقطع المسافة الشاقة إذا علم أنها توصل إلى مراده ومحبوبه، بل العاقل يكتفي في إيثار هذا المكروه وإرادته بالظن الغالب، وإن خفيت عنه عاقبته، فكيف بمن لا يخفى عليه خافية، فهو سبحانه يكره الشيء، ولا ينافي ذلك إرادته لأجل غيره، وكونه سببًا إلى هو أحب إليه من فوته.
ذلك أنه خلق إبليس الذي هو مادة لفساد الأديان والأعمال والاعتقادات والإرادات، وهو سبب لشقاوة كثير من العباد، وعملهم بما يغضب الرب ﵎، وهو الساعي في في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه، ومع هذا فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب ﵎، ترتبت على خلقه، ووجودها أحب إليه من عدمها؛ منها: أنها تظهر للعباد قدرة الرب تعالى على خلق المتضادات المتقابلات، فخلق هذه الذات التي هي أخبث الذوات وشرها، وهي سبب كل شر، في مقابلة ذات جبريل التي هي من أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها، وهي مادة كل خير، فتبارك خالق هذا وهذا.
كما ظهرت قدرته في خلق الليل والنهار، والداء والدواء، والحياة والموت، والحسن والقبيح، والخير والشر، وذلك من أدلّ دليل على كمال قدرته وعزته
стр. 43
وملكه وسلطانه، فإنه خلق هذه المتضادات وقابل بعضها ببعض، وجعلها محالّ تصرفه وتدبيره، فخلو الوجود من بعضها بالكلية تعطيل لحكمته، وكمال تصرفه، وتدبير مملكته.
ومنها ظهور آثار أسمائه القهرية. مثل: القهار، المنتقم، العدل، الضار، الشديد العقاب، السريع الحساب، ذي البطش الشديد، والخافض والمذل، فإن هذه الأسماء والأفعال كمال لا بد من وجود متعلقها، ولو كان الجن والإنس على طبيعة الملائكة لم يظهر أثر هذه الأسماء.
ومنها ظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وستره، وتجاوزه عن حقه، وعتقه لمن شاء من عبيده.
فلولا خلق ما يكره من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء -لتعطلت هذه الحكم والفوائد، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا بقوله: ((لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم)) صحيح مسلم، حديث رقم ٢٧٤٨، والترمذي حديث رقم ٣٥٣٩، وذلك بلفظ: ((لولا أنكم لا تذنبون لخلق الله خلقًا يذنبون فيغفر لهم)).
ومنها ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة، فإنه الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء مواضعها، ويُنزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه، ولا ينزله في غير منزلته التي يقتضيها كمال علمه وحكمته وخبرته، فهو أعلم حيث يجعل رسالاته، وأعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره على انتهائها إليه، وأعلم بمن لا يصلح لذلك، فلو قَدر عدم الأسباب المكروهة لتعطلت حكم كثيرة، ولفاتت مصالح عديدة، ولو عُطلت تلك الأسباب -لما فيها من الشر- لتعطل الخير الذي هو أعظم من الشر، الذي في تلك الأسباب، وهذا كالشمس والمطر والرياح، التي فيها من المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها من الشر.
стр. 44
من هذه الفوائد لخلق إبليس، لو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها، مِن الموالاة لله سبحانه والمعاداة فيه، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الصبر ومخالفة الهوى، وإيثار محاب الله تعالى، وعبودية التوبة والاستغفار، وعبودية الاستعاذة بالله أن يجيره من عدوه، ويعصمه من كيده وأذاه ... إلى غير ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن إدراكها.
فإن قيل: هل كان يمكن وجود تلك الحكم بدون هذه الأسباب؟ هذا سؤال فاسد، وهو فرض وجود الملزوم بدون لازمه، كفرض وجود الابن بدون الأب، والحركة بدون المتحرك، والتوبة بدون التائب.
فإن قيل: إذا كانت هذه الأسباب مرادة لما تفضي إليه من الحكم، فهل تكون مرضية محبوبة من هذا الوجه، أم هي مسخوطة من جميع الوجوه؟ قيل: هذا السؤال يرد على وجهين:
أحدهما: مِن جهة الرب تعالى، وهل يكون محبًا لها من جهة إفضالها إلى محبوبه، وإن كان يبغضها لذاتها.
والثاني: مِن جهة العبد، وهو أنه هل يسوغ له الرضا بها من تلك الجهة أيضًا، فهذا سؤال له شأن.
إرادة الله سبحانه في الكون، ومسألة الاحتجاج بالقدر
كل ما يحدث في الكون فهو بإرادته سبحانه: وهذا ردٌّ لقول القدرية والمعتزلة؛ فإنهم زعموا أن الله أراد الإيمان من الناس كلهم، والكافر أراد الكفر. وقولهم فاسد مردود لمخالفته الكتاب والسنة والمعقول الصحيح، وهؤلاء سُمّوا قدرية لإنكارهم القدر، وكذلك تسمى الجبرية المحتجون بالقدر قدرية أيضًا، والتسمية على الطائفة الأولى أغلب.
стр. 45
أما أهل السنة فيقولون: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدرًا، فهو لا يُحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها، بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها، وهذا قول السلف قاطبة فيقولون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال: والله لأفعلنَّ كذا إن شاء الله، لم يحنث إذا لم يفعله وإن كان واجبًا أو مستحبًّا، ولو قال: إن أَحب الله حنث إذا كان واجبًا أو مستحبًّا.
والمحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة قدرية كونية خَلقية، وإرادة دينية أمرية شرعية. فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضا، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ (الأنعام: ١٢٥). وقوله تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾ (هود: ٣٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد﴾ (البقرة: ٢٥٣).
وأما الإرادة الدينية الشرعية الأمرية كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: ١٨٥). وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيم﴾ (النساء: ٢٦). وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء: ٢٧، ٢٨).
وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ (المائدة: ٦). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب: ٣٣). فهذه الإرادة هي المذكورة في مثل قول الناس لمن يفعل القبائح: هذا يفعل ما لا يريده الله، أي: لا يحبه ولا يرضاه ولا يأمر به.
стр. 46
وأما الإرادة الكونية فهي الإرادة المذكورة في قول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، والفرق ثابت بين إرادة المريد أن يفعل، وبين إرادته من غيره أن يفعل، فإذا أراد الفاعل أن يفعل فعلًا فهذه الإرادة المعلقة بفعله، وإذا أراد من غيره أن يفعل فعلًا فهذه الإرادة لفعل الغير، وكلا النوعين معقول للناس، والأمر يستلزم الإرادة الثانية دون الأولى. فالله تعالى إذا أمر العباد بأمر فقد يريد إعانة المأمور على ما أَمر به، وقد لا يريد ذلك، وإذا كان مريدًا منه فَعله.
وتحقيق هذا مما يبيّن فصل النزاع في أمر الله تعالى هل هو مستلزم لإرادته أم لا؟ فهو سبحانه أمر الخلق على ألسن رسله ﵈ بما ينفعهم، ونهاهم عما يضرهم، ولكن منهم من أراد أن يَخلق فعله، فأراد سبحانه أن يَخلق ذلك الفعل ويجعله فاعلًا له، ومنهم من لم يرد أن يخلق فعله، فجهة خلقه سبحانه لأفعال العباد وغيرها من المخلوقات، غير جهة أمره للعبد على وجه البيان لما هو مصلحة للعبد، أو مفسدة.
وهو سبحانه إذا أمر فرعون وأبا لهب وغيرهما بالإيمان، كان قد بيّن لهم ما ينفعهم ويصلحهم إذا فعلوه، ولا يلزم إذا أمرهم أن يعينهم، بل قد يكون في خلقه لهم ذلك الفعل وإعانتهم عليه وجه مفسدة، من حيث هو فعل له، فإنه يخلق ما يخلق لحكمة، ولا يلزم إذا كان الفعل المأمور به مصلحة للمأمور إذا فعله، أن يكون مصلحة للآمر إذا فعله هو، أو جعل المأمور فاعلًا، فأين جهة الخلق من جهة الأمر.
فالواحد من الناس يأمر غيره وينهاه، مريدًا لنصحه ومبينًا لما ينفعه، وإن كان مع ذلك لا يريد أن يعينه على ذلك الفعل؛ إذ ليس كل ما كان مصلحتي في أن آمر به غيري وأنصحه يكون مصلحتي في أن أعاونه أنا عليه، بل قد تكون مصلحتي
стр. 47
إرادة ما يضادّه، فجهة أمره لغيره نصحًا غير جهة فعله لنفسه، وإذا أمكن الفرق في حق المخلوقين، فهو في حق الله أولى بالإمكان.
والقدرية تضرب مثلًا بمن أمر غيره بأمر، فإنه لا بدّ أن يفعل ما يكون المأمور أقرب إلى فعله، كالبِشر والطلاقة وتهيئة المساند والمقاعد ونحو ذلك. فيقال لهم: هذا يكون على وجهين:
أحدهما: أن تكون مصلحة الأمر تعود إلى الآمر، كأمر الملك جنده بما يؤيد ملكه، وأمر السيد عبده بما يُصلح ملكه، وأمر الإنسان شركاءه بما يصلح الأمر المشترك بينهما، ونحو ذلك.
الثاني: أن يكون الآمر يرى الإعانة للمأمور مصلحة له، كالأمر بالمعروف، وإذا أعان المأمور على البر والتقوى، فإنه قد علم أن الله يثيبه على إعانته على الطاعة، وأنه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه؛ فأما إذا قُدِّر أن الآمر إنما أمر المأمور لمصلحة المأمور، لا لنفع يعود على الآمر من فعل المأمور كالناصح المشير، وقُدِّر أنه إذا أعانه لم يكن ذلك مصلحة للآمر، وأن في حصول مصلحة المأمور مضرة على الآمر.
مثل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى وقال لموسى: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِين﴾ (القصص: ٢٠). فهذا مصلحته في أن يأمر موسى ﵇ بالخروج، لا في أن يُعينه على ذلك؛ إذ لو أعانه لضره قومه، ومثل هذا كثير.
وإذا قيل: إن الله تعالى أمر العباد بما يصلحهم، لم يلزم من ذلك أن يعينهم على ما أمرهم به، لا سيما وعند القدرية لا يقدر أن يعين أحدًا على ما به يصير فاعلًا، وإذا عللت أفعاله بالحكمة فهي ثابتة في نفس الأمر، وإن كنا نحن لا نعلمها، فلا يلزم إذا كان في نفس الأمر له حكمة في الأمر.
стр. 48
يعني: فلا يلزم إذا كان في نفس الآمر له حكمة في الأمر أن يكون في الإعانة على فعل المأمور به حكمة، بل قد تكون الحكمة تقتضي ألا يعينه على ذلك، فإنه إذا أمكن في المخلوق أن يكون مقتضى الحكمة والمصلحة أن يأمر بأمر لمصلحة المأمور، وأن تكون الحكمة والمصلحة للآمر ألا يعينه على ذلك، فإنكار ذلك في حق الرب أولى وأحرى.
والمقصود أنه يمكن في حق المخلوق الحكيم أن يأمر غيره بأمر ولا يعينه عليه، فالخالق أولى لإمكان ذلك في حقه مع حكمته، فمَن أمره وأعانه على فعل المأمور؛ كان ذلك المأمور به قد تعلق به خلقه وأمره نشأةً خُلقًا ومحبة، فكان مرادًا بجهة الخلق ومرادًا بجهة الأمر، ومن لم يعنه على فعل المأمور كان ذلك المأمور قد تعلق به أمره، ولم يتعلق به خُلقه؛ لعدم الحكمة المقتضية لتعلق الخلق به، ولحصول الحكمة المقتضية لخلق ضده، وخَلق أحد الضدين ينافي خلق الضد الآخر.
فإن خلق المرض الذي يحصل به ذلّ العبد لربه ودعاؤه وتوبته، وتكفير خطاياه، ويرقّ به قلبه، ويذهب عنه الكبرياء والعظمة والعدوان، يُضادّ خلق الصحة التي لا تحصل معها هذه المصالح، ولذلك خلق ظلم الظالم الذي يحصل به للمظلوم مِن جنس ما يحصل بالمرض، يضادّ خَلق عدله الذي لا يحصل به هذه المصالح، وإن كانت مصلحته هو في أن يَعدل.
وتفصيل حكمة الله في خلقه وأمره يعجز عن معرفتها عقول البشر، والقدرية دخلوا في التعليل على طريقة فاسدة، مثَّلوا الله فيها بخلقه، ولم يثبتوا حكمة تعود إليه.
احتجاج آدم على موسى ﵇ بالقدر:
قال آدم لموسى: "أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن أُخلق بأربعين عامًا؟! " وشهد النبي ﷺ أن آدم حَجَّ موسى، أي: غلبه بالحجة. هذا الحديث عن أبي هريرة في البخاري حديث رقم ٣٤٠٩، ومسلم حديث رقم ٢٦٥٢.
стр. 49
ماذا يقول أهل السنة في احتجاج آدم بالقدر؟
هذا الحديث تلقاه أهل السنة بالقبول والسمع والطاعة؛ لصحته عن رسول الله ﷺ ، ولا يتلقاه أهل السنة بالرّدّ والتكذيب كما فعلت القدرية، ولا أيضًا يتلقاه أهل السنة بالتأويلات الباردة، بل الصحيح أن آدم لم يحتجّ بالقضاء والقدر على الذَّنب، وهو كان أعلم بربه وذنبه، بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يَحتج بالقدر، فإنه باطل.
وموسى ﵇ كان أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم ﵇ على ذنب قد تاب منه، وتاب الله عليه، واجتباه وهداه، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة، فاحتج آدم ﵇ بالقدر على المصيبة لا على الخطيئة.
فإن القدر يُحتجّ به عند المصائب لا عند المعايب، وهذا المعنى أحسن ما قيل في الحديث، فما قُدِّر من المصائب يجب الاستسلام له، فإنه من تمام الرضا بالله ربًّا، وأما الذنوب فليس للعبد أن يُذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب، فيتوب من المعايب ويصبر على المصائب.
قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ (غافر: ٥٥). وقال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ (آل عمران: ١٢٠).
وأما قول إبليس: ﴿رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ (الحجر: ٤٠) إنما ذُمَّ على احتجاجه بالقدر، لا على اعترافه بالقدر وإثباته له، ألم تسمع قول نوح ﵇: ﴿وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ (هود: ٣٤). ولقد أحسن القائل:
فما شئت كان وإن لم أشأ ... وما شئت إن لم تشأ لم يكن
وعن وهب بن منبه أنه قال: "نظرت في القدر فتحيَّرت، ثم نظرت فيه فتحيرت، ووجدت أعلم الناس بالقدر أكفَّهم عنه، وأجهل الناس بالقدر أنطقهم فيه".
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 50
الدرس: ٥ الإيمان بالقدر (٣) .
стр. 51
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الخامس
(الإيمان بالقدر (٣))
الإضلال والهداية
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعد:
فأول ما نتحدث في هذا الدرس نتحدث عن قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء﴾ (المدثر: ٣١).
المعتزلة يقولون: الهُدى من الله بيان طريق الصواب، والإضلال تسمية العبد ضالًّا، أو حكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه، وهذا مبني على أصلهم الفاسد أن أفعال العباد مخلوقة لهم!.
والدليل على أن الله يهدي مَن يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل مَن يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا، الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ (القصص: ٥٦).
ولو كان الهدى بيان الطريق لما صح هذا النفي عن نبيه ﷺ لأنه ﷺ بين الطريق لمن أحب وأبغض، والدليل أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (السجدة: ١٣) وقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء﴾ (المدثر: ٣١).
ولو كان الهدى من الله البيان، وهو عام في كل نفس لما صح التقييد بالمشيئة، وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِين﴾ (الصافات: ٥٧) وقوله تعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾ (الأنعام: ٣٩) الناس جميعًا يتقلبون في مشيئة الله بين فضله وعَدْله، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ (التغابن: ٢) فَمَن هداه إلى الإيمان فبفضله وله الحمد، ومن أضله فبعدله وله الحمد.
الله لا رادَّ لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره، فلا يرد قضاء الله راد، ولا يؤخر حكمه مؤخر، ولا يغلب أمره غالب، بل الله الواحد القهار.
стр. 52
الإيمان بالقدر لا ينافي الاكتساب
لقد ظنَّ بعضُ الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب، وأن الأمور إذا كانت مقدرة فلا حاجةَ إلى الأسباب، وهذا فاسد، فإن الاكتساب منه فرض ومنه مستحب ومنه مباح ومنه مكروه ومنه حرام، وقد كان النبي ﷺ أفضلَ المتوكلين يلبس لَأْمة الحرب، ويمشي في الأسواق للاكتساب حتى قال الكافرون: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ (الفرقان: ٧).
ولهذا نجد كثيرًا ممن يرى أن الاكتساب ينافي التوكل يرزقون على يد من يعطيهم، إما صدقة وإما هدية.
وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْن﴾ (الرحمن: ٢٩) قال البغوي: قال مقاتل: نزلت في اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئًا. قال المفسرون: من شأنه أنه يحيي ويميت ويرزق، ويعز قومًا ويذل آخرين، ويشفي مريضًا، ويفك عانيًا، ويفرِّج مكروبًا، ويجيب داعيًا، ويعطي سائلًا، ويغفر ذنبًا، إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلق ما يشاء.
أما حديث رسول الله ﷺ : ((وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه)) فمعناه أن المقدور كائن لا محالة.
ولقد أحسن القائل:
ما قضى الله كائنًا لا محالة ... والشقي الجهول من لام حاله
والقائل الآخر:
اقنع بما ترزق يا ذا الفتى ... فليس ينسى ربنا نمله
стр. 53
إن أقبل الدهر فقم قائمًا ... وإن تولى مدبرًا نم له
والإنسان ينبغي أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرًا محكمًا مبرمًا ليس فيه ناقض ولا معقب ولا مزيل، ولا مغير ولا محول، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، والرسول ﷺ قال: ((قَدَّرَ الله مقاديرَ الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشُه على الماء)) فيعلم أن الله قد علم أن الأشياء تصير موجودة لأوقاتها على ما اقتضته حكمته البالغة، فكان كما علم، فإن حصول المخلوقات على ما فيها من غرائب الحكم لا يُتصور إيجادها إلا من عالِم قد سبق علمه على إيجادها، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير﴾ (المُلك: ١٤).
وأنكر غلاة المعتزلة أن الله كان عالمًا في الأزل، وقالوا: إن الله تعالى لا يعلم أفعال العباد حتى يفعلون -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا- قال الإمام الشافعي ﵀: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خُصِموا، وإن أنكروا كفروا. فالله تعالى يعلم أن هذا مستطيع يفعل ما استطاعه فيثيبه، وهذا مستطيع لا يفعل ما استطاعه فيعذبه، فإنما يعذبه لأنه لا يفعل مع القدرة، وقد علم الله ذلك منه، ومن لا يستطيع لا يأمره ولا يعذبه على ما لم يستطع.
وإذا قيل: فيلزم أن يكون العبد قادرًا على تغيير علم الله؛ لأن الله علم أنه لا يفعل، فإن قدر على الفعل قدر على تغيير علم الله:
قيل: هذه مغلطة، وذلك أن مجرد قدرته على الفعل لا تستلزم تغيير العلم، وإنما يظن من يظن تغيير العلم إذا وقع الفعل، ولو وقع الفعل لَكَان المعلوم وقوعه لا عدم وقوعه، فيمتنع أن يحصل وقوع الفعل مع علم الله بعدم وقوعه، بل إِنْ وقَعَ كان الله قد علم أنه يقع، وإن لم يقع كان الله قد علم أنه لا يقع، ونحن لا
стр. 54
نعلم علمَ الله إلا بما يظهر، وعلمُ الله مطابق للواقع، فيمتنع أن يقع شيء يستلزم تغيير العلم، بل أي شيء وقع كان هو المعلوم.
والعبد الذي لم يفعل لم يأتِ بما يغير العلم، بل هو قادر على فعل لم يقع، ولو وقع لكان الله قد علم أنه يقع لا أنه لا يقع، وإذا قيل: فمع عدم وقوعه يعلم الله أنه لا يقع، فلو قدر العبد على وقوعه قدر على تغيير العلم، قيل: ليس الأمر كذلك، بل العبد يقدر على وقوعه وهو لم يوقعه، ولو أوقعه لم يكن المعلوم إلا وقوعه، فمقدور العبد إذا وقع لم يكن المعلوم إلا وقوعه، وهؤلاء فرضوا وقوعه مع العلم بعدم وقوعه، وهو فرض محال، وذلك بمنزلة مَن يقول: افرض وقوعه مع عدم وقوعه، وهو جَمْع بين النقيضين.
فإن قيل: فإذا كان وقوعه مع علم الرب بعدم وقوعه محالًا لم يكن مقدورًا:
قيل: لفظ المحال مجمل، وهذا ليس محالًا لعدم استطاعته له، ولا لعجزه عنه ولا لامتناعه في نفسه، بل هو ممكن مقدور مستطاع، ولكن إذا وقع كان الله عالمًا بأنه سيقع، وإذا لم يقع كان عالمًا بأنه لا يقع، فإذا فرض وقوعه مع انتفاء لازم الوقوع صار محالًا من جهة إثبات الملزوم بدون لازمه، وكل الأِشياء بهذا الاعتبار هي محال.
ومما يلزم هؤلاء ألا يبقى أحد قادرًا على شيء لا الرب ولا الخلق، فإن الرب إذا علم من نفسه أنه سيفعل كذا لا يلزم من علمه ذلك انتفاء قدرته على تركه، وكذلك إذا علم من نفسه أنه لا يفعله لا يلزم منه انتفاء قدرته على فعله، فكذلك ما قدره من أفعال عباده، والله تعالى أعلم.
فإذن ينبغي على الإنسان أن يؤمن بالقدر، وقد بين ذلك الرسول ﷺ في جواب السائل عن الإيمان: ((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ... )).
стр. 55
وقال ﷺ في آخر الحديث: ((يا عمر، أتدري مَن السائل؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)) رواه مسلم في باب الإيمان.
ولا يتم التوحيد والاعتراف بالربوبية إلا بالإيمان بصفاته تعالى، فإن من زعم خالقًا غير الله فقد أشرك، فكيف بمن يزعم أن كل أحد يخلق فعله؟! ولهذا كانت القدرية مجوس هذه الأمة. عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "القدرية مجوسُ هذه الأمة، إن مَرِضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم" أخرجه أبو داود في السنة باب القدر.
وروى أبو داود أيضًا عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل أمة مجوسٌ، ومجوسُ هذه الأمة الذين يقولون: لا قدرَ، من مات منهم فلا تَشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، وهم شيعة الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال" وروى أبو داود أيضًا عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تجالسوا أهلَ القدر ولا تفاتحوهم" أخرجه أبو داود.
وروى الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "صِنفان من بني آدم ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية" أخرجه الترمذي في القدر، باب ما جاء في القدريين.
لكن كل أحاديث القدرية المرفوعة ضعيفة، وإنما يصح الموقوف منها، فعن ابن عباس ﵄ أنه قال: "القدر نظام التوحيد، فَمَن وحد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيدَه". هذا في (شرح السنة)، وكذلك أحمد في (السنة).
وهذا لأن الإيمان بالقدر يتضمن الإيمان بعلم الله القديم، وما أظهر من علمه بخطابه وكتابه مقادير الخلائق، وقد ضل في هذا الموضع خلائق من المشركين والصابئين والفلاسفة، وغيرهم ممن ينكر علمه بالجزئيات أو بغير ذلك، فإن ذلك
стр. 56
كله مما يدخل في التكذيب بالقدر، وأما قدرة الله على كل شيء فهو الذي يكذب به القدرية جملة حيث جعلوه لم يخلق أفعال العباد، فأخرجوها عن قدرته وخلقه، والقدر الذي لا ريب في دلالة الكتاب والسنة والإجماع عليه وأن الذي جحدوه هم القدرية المحضة بلا نزاع، هو ما قدره الله من مقادير العباد.
وعامة ما يؤخذ من كلام الصحابة والأئمة في ذم القدرية يعني به هؤلاء، كقول ابن عمر ﵄ لما قيل له: يزعمون أنه لا قدرَ، وأن الأمر أُنف -أي: مستأنف- قال: "أخبرهم أني منهم بريء، وأنهم مني برءاء".
والقدر الذي هو التقدير المطابق للعلم يتضمن أصولًا عظيمة:
أحدها: أنه عالم بالأمور المقدرة قبل كونها، فيثبت علمه القديم، وفي ذلك الرد على من ينكر علمه القديم.
الثاني: أن التقدير يتضمن مقادير المخلوقات، ومقاديرها هي صفاتها المعينة المختصة بها، فإن الله قد جعل لكل شيء قدرًا، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان: ٢) فالخلق يتضمن التقدير تقدير الشيء في نفسه بأن يجعل له قدر، وتقديره قبل وجوده، فإذا كان قد كتب لكل مخلوق قدره الذي يخصه في كميته وكيفيته كان ذلك أبلغ في العلم بالأمور الجزئية المعينة خلافًا لمن أنكر ذلك، وقال: إنه يعلم الكليات دون الجزئيات، فالقدر يتضمن العلم القديم والعلم بالجزئيات.
الثالث: أنه يتضمن أنه أخبر بذلك وأظهره قبل وجود المخلوقات إخبارًا مفصلًا، فيقتضي أنه يمكن أن يعلم العباد الأمور قبل وجودها علمًا مفصلًا، فيدل ذلك بطريق التنبيه على أن الخالق أولى بهذا العلم فإنه إذا كان يعلم عباده بذلك، فكيف لا يعلمه هو!
الرابع: أنه يتضمن أنه مختار لما يفعل، محدث له بمشيئته وإرادته ليس لازمًا لذاته.
стр. 57
الخامس: أنه يدل على حدوث هذا المقدور، وأنه كان بعد أن لم يكن، فإنه يقدره ثم يخلقه.
فالإنسان الذي ينكر القدر قلبه سقيم، فالقلب له حياة وموت، ومرض وشفاء، وذلك أعظم مما للبدن، قال تعالى: ﴿أَومَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ (الأنعام: ١٢٢) أي: كان ميتًا بالكفر فأحييناه بالإيمان، فالقلب الصحيح الحي إذا عرض عليه الباطل والقبائح نفر منها بطبعه وأبغضها، ولم يلتفت إليها، بخلاف القلب الذي مات، فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: "هلك مَن لم يكن له قلب يعرف به المعروف والمنكر". أخرجه الطبراني في (الكبير).
فالقلب المريض بالشهوة فإنه أيضًا في حكم الذي قد مات؛ لأنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه، ومرض القلب نوعان: مرض شهوة، ومرض شبهة، وأردأهما مرض الشبهة، وأردأ الشبه ما كان من أمر القدر، وقد يمرض القلب ويشتد مرضه ولا يعرف به صاحبه لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها، بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته، وعلامة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح، ولا يوجعه جهله بالحق وعقائده الباطلة، فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه، وتألم بجهله بالحق بحسب حياته.
القدر خيره خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى
نأتي بعد ذلك إلى جزئية أخرى إلى أن القدرخيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى:
يدل على هذا قوله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾ (التوبة: ٥١) وقال تعالى: ﴿إِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (النساء: ٧٨) وقوله تعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ (النساء: ٧٩) الآية.
стр. 58
فإن قيل: كيف الجمع بين قوله: ﴿كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ﴾ وبين قوله: ﴿فَمِن نَّفْسِكَ﴾؟
قيل: قوله: ﴿كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ﴾ الخصب والجدب، والنصر والهزيمة كلها من عند الله، قوله: ﴿فَمِن نَّفْسِكَ﴾ أي: ما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك؛ عقوبةً لك، كما قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (الشورى: ٣٠) يدل على ذلك ما رُوي عن ابن عباس ﵄ أنه قرأ: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ "وأنا كتبتها عليك".
والمراد بالحسنة هنا النعمة، وبالسيئة البلية، وقد قيل: الحسنة الطاعة، والسيئة المعصية، وقيل: الحسنة ما أصابه يوم بدر، والسيئة ما أصابه يوم أحد، لكن القول الأول الذي هو المراد بالحسنة النعمة، وبالسيئة البلية، هذا القول شامل لمعنى القول الثالث والمعنى الثاني هو الحسنة ما أصابه يوم بدر والسيئة ما أصابه يوم أحد ليس مرادًا دون الأول قطعًا.
لكن لا منافاة بين أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه، مع أن الجميع مقدر، فإن المعصية الثانية قد تكون عقوبة الأولى، فتكون من سيئات الجزاء، مع أنها من سيئات العمل، والحسنة الثانية قد تكون من ثواب الأولى، كما دل على ذلك الكتاب والسنة.
وليس للقدرية أن يحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمِن نَّفْسِكَ﴾ فإنهم يقولون: إن فعل العبد حسنة كان أو سيئة فهو منه لا من الله، والقرآن قد فرق بينهما، وهم لا يفرقون، ولأنه قال تعالى: ﴿كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ﴾ فجعل الحسناتِ من عند الله، كما جعل السيئات من عند الله، وهم لا يقولون بذلك في الأعمال، بل في الجزاء، وقوله بعد هذا ما أصابك من حسنة ومن سيئة مثل قوله: وإن تصبهم حسنة وإن تصبهم سيئة.
стр. 59
وفرق سبحانه بين الحسنات التي هي النعم، وبين السيئات التي هي المصائب، فجعل هذه من الله وهذه من نفس الإنسان؛ لأن الحسنة مضافة إلى الله إذ هو أحسن بها من كل وجه، فما من وجه من وجوهها إلا وهو يقتضي الإضافة إليه، وأما السيئة فهو إنما يخلقها لحكمة، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه، فإن الرب لا يفعل سيئة قط، بل فعله كله حسن وخير.
ولهذا كان النبي ﷺ يقول في الاستفتاح: ((والخير كله بيديك، والشر ليس إليك)) أخرجه مسلم. أي فإنك لا تخلق شرًّا محضًا، بل كل ما تخلقه ففيه حكمة هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس، فهذا شر جزئي إضافي، فأما شر كلي أو شر مطلق، فالرب منزه عنه، وهذا هو الشر الذي ليس إليه، ولهذا لا يضاف الشر إليه مفردًا قط، بل إما أن يدخل في عموم المخلوقات كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الزُّمَر: ٦٢) وقوله: ﴿كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ﴾.
وإما أن يضاف إلى السبب كقوله: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَق﴾ (الفَلَق: ٢) وإما أن يحذف فاعله كقول الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ (الجن: ١٠) وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة، بل لله من الرحمة والحكمة ما لم يقدر قدره إلا الله، وليس إذا وقع في المخلوقات ما هو شر جزئي بالإضافة يكون شرًّا كليًّا عامًّا، بل الأمور العامة الكلية لا تكون إلا خيرًا ومصلحة للعباد، كالمطر العام وكإرسال رسول عام.
وهذا مما يقتضي أنه لا يجوز أن يؤيد كذابًا عليه بالمعجزات التي أيد به الصادقين، فإن هذا شر عام للناس يضلهم، فيفسد عليهم دينهم ودنياهم وأخراهم، وليس هذا كالملك الظالم والعدو، فإن الملك الظالم لا بد أن يدفع الله به من الشر أكثر
стр. 60
من ظلمه، وقد قيل: ستون سنة لإمام ظالم خير من ليلة واحدة بلا إمام.
وإذا قدر كثرة ظلمه فذلك خير في الدين كالمصائب تكون كفارةً لذنوبهم ويثابون على الصبر عليه، ويرجعون فيه إلى الله ويستغفرونه ويتوبون إليه، وكذلك ما يسلط عليهم من العدو، ولهذا قد يمكن الله كثيرًا من الملوك الظالمين مدةً، وأما المتنبئون الكذابون فلا يطيل تمكينهم، بل لا بد أن يهلكهم؛ لأن فسادهم عام في الدين والدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيل * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِين * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِين﴾ (الحاقة: ٤٤ - ٤٦).
وفي قوله: ﴿فَمِن نَّفْسِكَ﴾ من الفوائد: أن العبد لا يطمئن إلى نفسه ولا يسكن إليها، فإن الشر كامن فيها، لا يجيء إلا منها، ولا يشتغل بملام الناس ولا ذمهم إذا أساءوا إليه، فإن ذلك من السيئات التي أصابته، وهي إنما أصابته بذنوبه، فيرجع إلى الذنوب ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات أعماله، ويسأل الله أن يعينه على طاعته، فبذلك يحصل له كل خير، ويندفع عنه كل شر، ولهذا كان أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ (الفاتحة: ٦ - ٧) فإنه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته، فلم يصبه شر لا في الدنيا ولا في الآخرة.
لكن الذنوب هي لوازم نفس الإنسان، وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة، وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الطعام والشراب، ليس كما يقوله بعض المفسرين: إنه قد هداه فلماذا يسأل الهدى، وأن المراد التثبيت أو مزيد الهداية؟ بل العبد محتاج إلى أن يعلمه الله ما يفعله من تفاصيل أحواله، وإلى ما يتركه من تفاصيل الأمور في كل يوم، وإلى أن يلهمه أن يعمل ذلك، فإنه لا يكفي مجرد علمه إن لم يجعله مريدًا للعمل بما يعلمه وإلا كان العلم حجة عليه ولم يكن مهتديًا.
стр. 61
والعبد محتاج إلى أن يجعله الله قادرًا على العمل بتلك الإرادة الصالحة، فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم، وما لا نريد فعله تهاونًا وكسلًا مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه، وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك، وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصله فأمر يفوت الحصر.
ونحن محتاجون إلى الهداية التامة، فمن كملت له هذه الأمور كان سؤال سؤال تثبيت، وهي آخر الرتب، وبعد ذلك كله هداية أخرى، وهي الهداية إلى طريق الجنة الآخرة، ولهذا كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة لفرط حاجتهم إليه، فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى هذا الدعاء، فيجب أن يعلم أن الله بفضل رحمته جعل هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير المانعة من الشر، فقد بين القرآن أن السيئات من النفس وإن كانت بقدر الله، وأن الحسنات كلها من الله تعالى.
وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يشكر سبحانه وأن يستغفره العبد من ذنوبه، وألا يتوكل إلا عليه وحده، فلا يأتي بالحسنات إلا هو، فأوجب ذلك توحيده والتوكل عليه، والشكر له وحده، والاستغفار من الذنوب.
تقدير آجال الخلائق، وتفسير كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله "
نأتي بعد ذلك إلى نقطة أخرى وهي: أن الله قدر آجال الخلائق، بحيث إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون:
قال تعالى: ﴿إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُون﴾ (يونس: ٤٩) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إلَّا بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾ (آل عمران: ١٤٥) وفي (صحيح مسلم) عن عبد الله مسعود قال: ((قالت أم حبيبة زوج النبي ﷺ : اللهم أمتعني بزوجي رسول الله وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، قال: فقال
стр. 62
النبي ﷺ : قد سألتِ الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئًا قبل حله، ولن يؤخر شيئًا عن حله، ولو كنتِ سألت اللهَ أن يعيذك من عذاب في النار وعذاب في القبر كان خيرًا وأفضلَ)) الحديث في مسلم في القدر، باب بيان أن الآجال والأرزاق لا تزيد ولا تنقص عما سبق به القدر.
فالمقتول ميت بأجله، فعلم الله تعالى وقدر وقضى أن هذا يموت بسبب المرض، وهذا بسبب القتل، وهذا بسبب الهدم، وهذا بالحرق، وهذا بالغرق، إلى غير ذلك من الأسباب، والله سبحانه خلق الموت والحياة، وخلق سبب الموت والحياة. وعند المعتزلة المقتول مقطوع عليه أجله، ولو لم يقتل لعاش إلى أجله فكان له أجلان، وهذا باطل؛ لأنه لا يليق أن ينسب إلى الله تعالى أنه جعل له أجلًا يعلم أنه لا يعيش إليه ألبتة، أو يجعل أجله أحد الأمرين، كفعل الجاهل بالعواقب، ووجوب القصاص والضمان على القاتل، لارتكابه المنهي عنه ومباشرته السبب المحظور.
وعلى هذا يخرج قوله ﷺ : ((صلة الرحم تزيد في العمر)) أي: هي سبب طول العمر، وقد قدر الله أن هذا يصل رحمه، فيعيش بهذا السبب إلى هذه الغاية، ولولا ذلك السبب لم يصل إلى هذه الغاية، ولكن قدر هذا السبب وقضاه، وكذلك قدر أن هذا يقطع رحمه فيعيش إلى كذا كما حدث ذلك عند الحديث في القتل وعدمه.
فإن قيل: هل يلزم من تأثير صلة الرحم في زيادة العمر ونقصانه تأثير الدعاء في ذلك أم لا؟
الجواب: أن ذلك غير لازم لقوله ﷺ لأم حبيبة ﵂: ((قد سألت الله تعالى لآجال مضروبة)) الحديث. فعلم أن الأعمار مقدرة لم يشرع الدعاء بتغييرها
стр. 63
بخلاف النجاة من عذاب الآخرة، فإن الدعاء مشروع له، نافع فيه، ألا ترى أن الدعاء بتغيير العمر لما تضمن النفع الأخروي، شرع كما في الدعاء الذي رواه النسائي من حديث عمار بن ياسر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي)) حديث صحيح، أخرجه النسائي.
ويؤيد هذا ما رواه الحاكم في صحيحه من حديث ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ : ((لا يرد القدر إلا الدعاءُ، ولا يزيد في العمر إلا البِر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه)) أخرجه أحمد في (المسند).
وفي الحديث رد على من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر وقال: ((إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل)). أخرجه البخاري.
والدعاء يكون مشروعًا نافعًا في بعض الأشياء دون بعض، وكذلك هو، ولهذا لا يحب الله المعتدين في الدعاء، وكان الإمام أحمد ﵀ يكره أن يُدعى له بطول العمر، ويقول: هذا أمر قد فرغ منه.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (فاطر: ١١) فقد قيل في الضمير المذكور في قوله تعالى: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ إنه بمنزلة قولهم: عندي درهم ونصفه؛ أي: ونصف درهم آخر، فيكون المعنى: ولا ينقص من عمر معمر آخر، وقيل: الزيادة والنقصان في الصحف التي في أيدي الملائكة، وحمل قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاب * يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب﴾ (الرعد: ٣٨ - ٣٩) على أن المحو والإثبات من الصحف التي
стр. 64
في أيدي الملائكة، وأن قوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب﴾ اللوح المحفوظ.
ويدل على هذا الوجه سياق الآية، وهو قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاب﴾ ثم قال: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ﴾ أي: من ذلك الكتاب: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب﴾ أي: أصله، وهو اللوح المحفوظ، وقيل: يمحو الله ما يشاء من الشرائع وينسخه، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، والسياق أدل على هذا الوجه من الوجه الأول، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلَّا بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاب﴾ (الرعد: ٣٨) فأخبر تعالى أن الرسول لا يأتي بالآيات من قبل نفسه، بل من عند الله، ثم قال: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاب * يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ﴾ (الرعد: ٣٨ - ٣٩).
أي: أن الشرائع لها أجل وغاية تنتهي إليها ثم تنسخ بالشريعة الأخرى، فينسخ الله ما يشاء من الشرائع عند انقضاء الأجل، ويثبت ما يشاء، وفي الآية أقوال أخرى، والله أعلم بالصواب.
نأتي بعد ذلك إلى نقطة أخرى عن تفسير كلمة: "لا حول ولا قوة إلا بالله":
هذا دليل على إثبات القدر، الله لا يكلف العباد إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، والله يعلم أن عباده يطيقون فوق ما كلفهم، لكنه سبحانه يريد بعباده اليسرَ والتخفيفَ، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: ١٨٥) قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ (النساء: ٢٨) وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: ٧٨) فلو زاد فيما كلفنا به لأطقناه، لكنه تفضل علينا ورحمنا وخفف عنا، ولم يجعل علينا في الدين من
стр. 65
حرج، والله أجرى كل شيء في كونه بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره، يريد بقضائه القضاء الكوني لا الشرعي، فإن القضاء يكون كونيًّا وشرعيًّا.
فالقضاء الكوني ففي قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (فصلت: ١٢) والقضاء الديني الشرعي، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ ألَّا تَعْبُدُواْ إلَّا إِيَّاهُ﴾ (الإسراء: ٢٣) وكذلك الإرادة قد تكون كونية ودينية -وهذه قد سبق ذكرها- والأمر أيضًا يكون كونيًّا، ويكون شرعيًّا، فالأمر الكوني ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾ (يس: ٨٢) وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: ١٦) والأمر الشرعي ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل: ٩٠) وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (النساء: ٥٨).
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 66
الدرس: ٦ الإيمان بالبعث (١) .
стр. 67
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس
(الإيمان بالبعث (١))
الإيمان بالبعث، وذم المكذبين بالمعاد
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فالإيمان بالبعث دل عليه: الكتاب والسنة والعقل، والفطرة السليمة:
فأخبر -الله عنه في كتابه العزيز، وأقام الدليل عليه، ورد على منكريه في غالب سور القرآن الكريم، وذلك أن الأنبياء ﵈ كلهم متفقون على الإيمان بالآخرة، فإن الإقرار بالرب عام في بني آدم، وهو فطري، كلهم يقر بربوبيته إلا مَن عاند كفرعونَ، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منكريه كثيرون.
وسيدنا محمد ﷺ لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، كما قال ﷺ هذا الحديث أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة.
وكان ﷺ هو الحاشر المقفَّى، روى هذا الحديث الترمذي في (الشمائل) من حديث حذيفة بن اليمان.
لما كان منكرو البعث كثيرين بيّن تفصيلَ الآخرة بيانًا وافيًا، ولهذا ظن طائفة من المتفلسفة ونحوهم أنه ﷺ لم يخفِ شيئًا من أمر اليوم الآخر، وظنوا أنه لم يفصح بمعاد الأبدان إلا سيدنا محمد ﷺ وجعلوا هذا حجة لهم في أنه من باب التخييل.
إذن رسالة سيدنا محمد ﷺ بينت تفصيل الآخرة بيانًا لا يوجد فيه شيء من كُتُب الأنبياء، والقرآن الكريم بين معادَ النفس عند الموت، ومعادَ البدن عند القيامة الكبرى في غير موضع. وهؤلاء الكافرون ينكرون القيامة الكبرى، وينكرون معاد الأبدان، ويقول مَن يقول منهم: إنه لم يخبر به إلا محمد ﷺ عن طريق التخييل، وهذا كذب.
стр. 68
القيامة الكبرى معروفة عند الأنبياء مَن لدن آدمَ إلى نوح ﵇ إلى إبراهيمَ وموسى وعيسى وغيرهم ﵈ وقد أخبر الله بها من حين أُهبِطَ آدمُ، فقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين﴾ (الأعراف: ٢٤) قال: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُون﴾ (الأعراف: ٢٥) ولما قال إبليس اللعين: ﴿رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِين * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُوم﴾ (ص: ٧٩ - ٨١).
وأما نوح ﵇ فقال: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ (نوح: ١٧ - ١٨). وقال إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّين﴾ (الشعراء: ٨٢) إلى آخر القصة، وقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَاب﴾ (إبراهيم: ٤١) وقال تعالى: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ (البقرة: ٢٦٠).
وأما موسى ﵇ فقال الله لما ناجاه موسى ﵇ قال سبحانه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ (طه: ١٥ - ١٦).
بل مؤمن آل فرعون كان يعلم المعاد -يعني: كان يعلم البعث- وإنما آمَن بموسى، قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَاد * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد﴾ (غافر: ٣٢ - ٣٣) إذًا مؤمن آل فرعون كان يعلم البعث، ولذا آمن بموسى ﵇ وقال أيضًا: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَار﴾ (غافر: ٣٩).
وقال سبحانه: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب﴾ (غافر: ٤٦) وقال موسى ﵇: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (الأعراف: ١٥٦) وقد
стр. 69
أخبر الله في قصة البقرة في قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ (البقرة: ٧٣).
وقد أخبر الله تعالى أنه أرسل الرسل مبشرين ومنذرين في آيات من القرآن، وأخبر عن أهل النار أنهم إذا قال لهم خزنتها: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِين﴾ (الزُّمَر: ٧١) وهذا اعتراف من أصناف الكفار الداخلين جهنم أن الرسل أنذرتهم لقاءَ يومهم هذا، فجميع الرسل أنذروا بما أَنذر به خاتمهم وهو سيدنا محمدٌ ﷺ أنذروا قومهم من عقوبات المذنبين في الدنيا والآخرة.
فعامة سور القرآن الكريم التي ذكر فيها الوعد والوعيد يذكر ذلك فيها في الدنيا والآخرة، وأمر الله نبيه أن يقسم بذاته على المعاد، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ (سبأ: ٣) وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِين﴾ (يونس: ٥٣) وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير﴾ (التغابن: ٧).
وأخبر عن اقتراب اليوم الآخر أو عن اقتراب الساعة فقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَر﴾ (القمر: ١) وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُون﴾ (الأنبياء: ١) وقال تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع * لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِع﴾ (المعارج: ١ - ٢) إلى أن قال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (المعارج: ٦ - ٧).
ذم المكذبين بالمعاد -أي: بالبعث-:
لقد ذم الله المكذبين بالبعث، قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِين﴾ (يونس: ٤٥) وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيد﴾ (الشورى: ١٨) وقال تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ
стр. 70
مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُون﴾ (النمل: ٦٦) وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ (النحل: ٣٨) إلى أن قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِين﴾ (النحل: ٣٩).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُون﴾ (غافر: ٥٩) وقال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا * ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إلَّا كُفُورًا﴾ (الإسراء: ٩٧ - ٩٩) وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إلَّا قَلِيلا﴾ (الإسراء: ٤٩ - ٥٢).
الرد على منكري البعث
تأملات فيما أجيب به المنكرون للبعث عن كل سؤال سألوه:
تأمل ما أجيب به هؤلاء المنكرون للبعث عن كل سؤال على التفصيل! فإنهم قالوا أولًا: ﴿وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ فقيل لهم في جواب هذا السؤال:
إن كنتم لا تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب، فهلا كنتم خلقًا لا يفنيه الموت كالحجارة والحديد، وما هو أكبر في صدوركم من ذلك؟ فإن قلتم: كنا خلقًا
стр. 71
على هذه الصفة التي لا تقبل البقاء، فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم خلقًا جديدًا؟
وللحجة تقرير آخر، وهو: لو كنتم من حجارة أو حديد أو خلق أكبر منهما، فإنه قادر على أن يفنيكم ويحيل ذواتِكم وينقلها من حال إلى حال، ومن يقدر على هذا التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة، فما الذي يعجزه فيما دونها؟
ثم أخبر أنهم يسألون سؤالًا آخر بقولهم: ﴿مَن يُعِيدُنَا﴾ إذا استحالت أجسادنا وفنيت، فأجابهم بقوله: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
فلما أخذتم الحجة ولزمهم حكمها، انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون بها بعلل المنقطع، وهو قولهم: ﴿مَتَى هُوَ﴾ متى يكون اليوم الآخر؟ فأجيبوا بقوله: ﴿عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيم * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيم * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا، فإذا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُون * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيم * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ (يس: ٧٩ - ٨٣).
فلو أراد أو طلب أو قصد أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان، أن يأتي بأحسنَ من هذه الحجة أو بمثلها في ألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز ووضع الأدلة، وصحة البرهان، لما قدر على أن يأتي بمثل ذلك، فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده ملحد اقتضى جوابًا، فكان في قوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ما وفى بالجواب، وأقام الحجة، وأزال الشبهة، فأكد سبحانه الحجة بقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فاحتج بالبدء على الإعادة، وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى؛ إذ كل عاقل يعلم علمًا ضروريًّا أن مَن قدَرَ على هذه قدر على
стр. 72
الأخرى؛ يعني: من قدر على البدء قدر على الإعادة، وأنه لو كان عاجزًا عن الثانية، لكان عن الأولى أعجز وأعجز، ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه وعلمه بتفاصيل خلقه أتبع ذلك بقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ فهو عليم بتفاصيل الخلق الأول وجزئياته ومواده وصورته، فكذلك الثاني -أي: فكذلك الإعادة- فإذا كان تام العلم كامل القدرة، كيف يتعذر عليه أن يحيى العظام وهي رميم!.
ثم أكد الأمر بحجة قاهرة وبرهان ظاهر يتضمن جوابًا عن سؤال ملحد آخر، يقول: العظام إذا صارت رميمًا عادت طبيعتها باردة يابسة، والحياة لا بد أن تكون مادتها وطبيعتها حارة رطبة بما يدل على أمر البعث، ففيه الدليل والجواب معًا، فقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فإذا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُون﴾ فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة، فالذي يخرج الشيء من ضده وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها، ولا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما أنكره الملحد من إحياء العظام وهي رميم.
ثم أكد سبحانه هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم على الأيسر الأصغر، فإن كل عاقل يعلم أن من قدر على الشيء العظيم الجليل، فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر، فمن قدر على حمل قنطار، فهو على حمل أوقية أشد اقتدارًا، فقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ (يس: ٨١) فأخبر أن الذي أبدع السماوات والأرض على جلالتهما، وعظم شأنهما، وكِبر أجسامهما، وسعتهما، وعجيب خلقهما، أقدر على أن يحيي عظامًا قد صارت رميمًا، فيردها إلى حالتها الأولى، كما قال في موضع آخر: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون﴾ (غافر: ٥٧).
стр. 73
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (الأحقاف: ٣٣) ثم أكد سبحانه ذلك وبينه ببيان آخر، وهو أنه ليس فعله بمنزلة غيره الذي يفعل بالآلات والكُلفة والتعب والمشقة، ولا يمكنه الاستقلال بالفعل، بل لا بد معه من آلة ومُعين، بل يكفي في خلقه؛ أي: في خلق الله لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته وقوله للمكوَّن: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ فإذا هو كائن كما شاء وأراد.
ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده، فيتصرف فيه بفعله، قال تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ (يس: ٨٣) ومن هذا قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (القيامة: ٣٦ - ٤٠).
فاحتج سبحانه على أنه لا يترك الإنسان مهملًا عن الأمر والنهي والثواب والعقاب، وأن حكمته وقدرته تأبى ذلك أشدَّ الإباء، كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُون﴾ (المؤمنون: ١١٥).
فإن من نقله من النطفة إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم شَقَّ سمعه وبصرَه وركَّبَ فيه: الحواس والقوى والعظام والمنافع والأعصابَ، والرباطات التي هي أشده، وأحكم خلقه غاية الإحكام، وأخرجه على هذا الشكل والصورة التي هي أتم الصور وأحسن الأشكال، كيف يعجز عن إعادته وإنشائه مرةً ثانيةً؟ أم كيف تقتضي حكمته وعنايته به أن يتركه سدًى؟ فلا يليق ذلك بحكمته، ولا تعجز عنه قدرته، فانظر إلى هذا الاحتجاج العجيب بالقول الوجيز الذي لا يكون أوجز منه، والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه، ومأخذه القريب الذي لا تقع الظنون على أقربَ منه.
стр. 74
وكم في القرآن من مثل هذا الاحتجاج كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾!! (الحج: ٥) إلى أن قال ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُور﴾ (الحج: ٧) وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِين﴾ (المؤمنون: ١٢) إلى أن قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُون﴾ (المؤمنون: ١٦).
وذكر تعالى قصة أصحاب الكهف، وكيف أبقاهم موتى ثلاثمائة سنة، شمسية، وهي ثلاثمائة وتسع سنين قمرية، وقال فيها سبحانه ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ (الكهف: ٢١).
جزاء الأعمال في الآخرة، وإثبات العرض والحساب يوم القيامة
جزاء الأعمال في الآخرة، وأن الناس في الآخرة يجزون بأعمالهم في الدنيا:
قال تعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّين﴾ (الفاتحة: ٤) وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِين﴾ (النور: ٢٥) والدين الجزاء، يقال: كما تدين تدان، أي: كما تجازي تُجازَى، وقال تعالى: ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ (السجدة: ١٧) وقوله تعالى: ﴿جَزَاء وِفَاقًا﴾ (النبأ: ٢٦) وقوله تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُون﴾ (الأنعام: ١٦٠) وقال تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُون * وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون﴾ (النمل: ٨٩ - ٩٠) وقال تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ (القصص: ٨٤) وأمثال ذلك.
وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه من حديث أبي ذر الغفاري ﵁: ((يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فَمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه)) أخرجه مسلم في البر والصلة، باب تحريم الظلم.
стр. 75
العرض والحساب يوم القيامة:
العرض والحساب يوم القيامة دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فمن الآيات القرآنية قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَة * وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَة * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَة﴾ (الحاقة: ١٥ - ١٨) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيه * فأما مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وأما مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِه * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُور * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ (الانشقاق: ٦ - ١٥).
وقال تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (الكهف: ٤٨) وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: ٤٩) وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار﴾ (إبراهيم: ٤٨) إلى آخر السورة. وقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ (غافر: ١٥) الآية، إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَاب﴾ (غافر: ١٧) وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُون﴾ (البقرة: ٢٨١).
وروى البخاري ﵀ في صحيحه، عن عائشةَ أن النبي ﷺ قال: ((ليس أحدٌ يُحاسَب يوم القيامة إلا هلك، فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ (الانشقاق: ٧ - ٨) فقال رسول الله ﷺ : وإنما ذلك العرضُ وليس أحد يناقَشُ الحسابَ يوم القيامة إلا عُذِّبَ)) الحديث أخرجه البخاري ومسلم. .
يعني: أنه لو ناقش الله الحسابَ لعبيده لعذبهم، وهو غير ظالم لهم، لكنه تعالى يعفو ويصفح.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
следующие страницы →