← Тафсир

Тафсир · id 31076

التفسير الموضوعي 1 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (264 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

على هذه الصفة التي لا تقبل البقاء، فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم خلقًا جديدًا؟ وللحجة تقرير آخر، وهو: لو كنتم من حجارة أو حديد أو خلق أكبر منهما، فإنه قادر على أن يفنيكم ويحيل ذواتِكم وينقلها من حال إلى حال، ومن يقدر على هذا التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة، فما الذي يعجزه فيما دونها؟ ثم أخبر أنهم يسألون سؤالًا آخر بقولهم: ﴿مَن يُعِيدُنَا﴾ إذا استحالت أجسادنا وفنيت، فأجابهم بقوله: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. فلما أخذتم الحجة ولزمهم حكمها، انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون بها بعلل المنقطع، وهو قولهم: ﴿مَتَى هُوَ﴾ متى يكون اليوم الآخر؟ فأجيبوا بقوله: ﴿عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيم * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيم * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا، فإذا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُون * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيم * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ (يس: ٧٩ - ٨٣). فلو أراد أو طلب أو قصد أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان، أن يأتي بأحسنَ من هذه الحجة أو بمثلها في ألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز ووضع الأدلة، وصحة البرهان، لما قدر على أن يأتي بمثل ذلك، فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده ملحد اقتضى جوابًا، فكان في قوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ما وفى بالجواب، وأقام الحجة، وأزال الشبهة، فأكد سبحانه الحجة بقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فاحتج بالبدء على الإعادة، وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى؛ إذ كل عاقل يعلم علمًا ضروريًّا أن مَن قدَرَ على هذه قدر على

стр. 72

الأخرى؛ يعني: من قدر على البدء قدر على الإعادة، وأنه لو كان عاجزًا عن الثانية، لكان عن الأولى أعجز وأعجز، ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه وعلمه بتفاصيل خلقه أتبع ذلك بقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ فهو عليم بتفاصيل الخلق الأول وجزئياته ومواده وصورته، فكذلك الثاني -أي: فكذلك الإعادة- فإذا كان تام العلم كامل القدرة، كيف يتعذر عليه أن يحيى العظام وهي رميم!. ثم أكد الأمر بحجة قاهرة وبرهان ظاهر يتضمن جوابًا عن سؤال ملحد آخر، يقول: العظام إذا صارت رميمًا عادت طبيعتها باردة يابسة، والحياة لا بد أن تكون مادتها وطبيعتها حارة رطبة بما يدل على أمر البعث، ففيه الدليل والجواب معًا، فقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فإذا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُون﴾ فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة، فالذي يخرج الشيء من ضده وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها، ولا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما أنكره الملحد من إحياء العظام وهي رميم. ثم أكد سبحانه هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم على الأيسر الأصغر، فإن كل عاقل يعلم أن من قدر على الشيء العظيم الجليل، فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر، فمن قدر على حمل قنطار، فهو على حمل أوقية أشد اقتدارًا، فقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ (يس: ٨١) فأخبر أن الذي أبدع السماوات والأرض على جلالتهما، وعظم شأنهما، وكِبر أجسامهما، وسعتهما، وعجيب خلقهما، أقدر على أن يحيي عظامًا قد صارت رميمًا، فيردها إلى حالتها الأولى، كما قال في موضع آخر: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون﴾ (غافر: ٥٧).

стр. 73

وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (الأحقاف: ٣٣) ثم أكد سبحانه ذلك وبينه ببيان آخر، وهو أنه ليس فعله بمنزلة غيره الذي يفعل بالآلات والكُلفة والتعب والمشقة، ولا يمكنه الاستقلال بالفعل، بل لا بد معه من آلة ومُعين، بل يكفي في خلقه؛ أي: في خلق الله لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته وقوله للمكوَّن: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ فإذا هو كائن كما شاء وأراد. ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده، فيتصرف فيه بفعله، قال تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ (يس: ٨٣) ومن هذا قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (القيامة: ٣٦ - ٤٠). فاحتج سبحانه على أنه لا يترك الإنسان مهملًا عن الأمر والنهي والثواب والعقاب، وأن حكمته وقدرته تأبى ذلك أشدَّ الإباء، كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُون﴾ (المؤمنون: ١١٥). فإن من نقله من النطفة إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم شَقَّ سمعه وبصرَه وركَّبَ فيه: الحواس والقوى والعظام والمنافع والأعصابَ، والرباطات التي هي أشده، وأحكم خلقه غاية الإحكام، وأخرجه على هذا الشكل والصورة التي هي أتم الصور وأحسن الأشكال، كيف يعجز عن إعادته وإنشائه مرةً ثانيةً؟ أم كيف تقتضي حكمته وعنايته به أن يتركه سدًى؟ فلا يليق ذلك بحكمته، ولا تعجز عنه قدرته، فانظر إلى هذا الاحتجاج العجيب بالقول الوجيز الذي لا يكون أوجز منه، والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه، ومأخذه القريب الذي لا تقع الظنون على أقربَ منه.

стр. 74

وكم في القرآن من مثل هذا الاحتجاج كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾!! (الحج: ٥) إلى أن قال ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُور﴾ (الحج: ٧) وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِين﴾ (المؤمنون: ١٢) إلى أن قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُون﴾ (المؤمنون: ١٦). وذكر تعالى قصة أصحاب الكهف، وكيف أبقاهم موتى ثلاثمائة سنة، شمسية، وهي ثلاثمائة وتسع سنين قمرية، وقال فيها سبحانه ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ (الكهف: ٢١). جزاء الأعمال في الآخرة، وإثبات العرض والحساب يوم القيامة جزاء الأعمال في الآخرة، وأن الناس في الآخرة يجزون بأعمالهم في الدنيا: قال تعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّين﴾ (الفاتحة: ٤) وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِين﴾ (النور: ٢٥) والدين الجزاء، يقال: كما تدين تدان، أي: كما تجازي تُجازَى، وقال تعالى: ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ (السجدة: ١٧) وقوله تعالى: ﴿جَزَاء وِفَاقًا﴾ (النبأ: ٢٦) وقوله تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُون﴾ (الأنعام: ١٦٠) وقال تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُون * وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون﴾ (النمل: ٨٩ - ٩٠) وقال تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ (القصص: ٨٤) وأمثال ذلك. وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه من حديث أبي ذر الغفاري ﵁: ((يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فَمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه)) أخرجه مسلم في البر والصلة، باب تحريم الظلم.

стр. 75

العرض والحساب يوم القيامة: العرض والحساب يوم القيامة دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فمن الآيات القرآنية قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَة * وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَة * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَة﴾ (الحاقة: ١٥ - ١٨) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيه * فأما مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وأما مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِه * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُور * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ (الانشقاق: ٦ - ١٥). وقال تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (الكهف: ٤٨) وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: ٤٩) وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار﴾ (إبراهيم: ٤٨) إلى آخر السورة. وقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ (غافر: ١٥) الآية، إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَاب﴾ (غافر: ١٧) وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُون﴾ (البقرة: ٢٨١). وروى البخاري ﵀ في صحيحه، عن عائشةَ أن النبي ﷺ قال: ((ليس أحدٌ يُحاسَب يوم القيامة إلا هلك، فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ (الانشقاق: ٧ - ٨) فقال رسول الله ﷺ : وإنما ذلك العرضُ وليس أحد يناقَشُ الحسابَ يوم القيامة إلا عُذِّبَ)) الحديث أخرجه البخاري ومسلم. . يعني: أنه لو ناقش الله الحسابَ لعبيده لعذبهم، وهو غير ظالم لهم، لكنه تعالى يعفو ويصفح. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 76

الدرس: ٧ الإيمان بالبعث (٢) .

стр. 77

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع (الإيمان بالبعث (٢)) معنى الورود في القرآن الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فالجزئية الأولى التي سنتناولها في هذا الدرس معنى الورود في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إلَّا وَارِدُهَا﴾ (مريم: ٧١): اختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إلَّا وَارِدُهَا﴾ ما المراد بالورود في الآية؟ الأظهر والأقوى أن المراد بالورود في الآية هو المرور على الصراط، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (مريم: ٧٢). وفي الصحيح أنه ﷺ قال: ((والذين نفسي بيده، لا يلج النارَ أحدٌ بايع تحت الشجرة -لا يلج يعني: لا يدخل- قالت حفصة: فقلت: يا رسول الله، أليس الله يقول: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال ﷺ : ألم تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾)) أخرجه مسلم من طريق ابن جريج. هذا الحديث أشار إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا يستلزم حصوله، بل يستلزم انعقاد سببه، فَمَن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه يقال: نجاه الله منهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا﴾ (هود: ٥٨) وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا﴾ (هود: ٦٦) وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا﴾ (هود: ٩٤) ولم يكن العذاب أصابهم، يعني: أن العذاب لم يصِب هؤلاء الأنبياء الذين ذكرهم الله ولكن أصاب غيرَهم، ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة لَأَصابهم ما أصاب أولئك. وكذلك حال الواردين النار، يمرون فوقها على الصراط، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيًّا، فقد بين ﷺ في حديث جابر المذكور أن الورود هو المرور على الصراط.

стр. 78

الإيمان بالميزان، وبيان حقيقته الإيمان بالميزان: الميزان يكون يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِين﴾ (الأنبياء: ٤٧) وقال تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُون﴾ (المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣). قال القرطبي في (التذكرة) قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزنُ لإظهار مقاديرها، ليكون الجزاء بحسبها، قال: وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يحتمل أن يكون المراد الموزونات، فجُمع باعتبار تنوع الأعمال الموزونة والله أعلم. انتهى كلام القرطبي. حقيقة الميزان: الذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كِفتان حِسيتان مشاهدتان، روى الإمام أحمد من حديث أبي عبد الرحمن الحبري، قال: سمعت عبد الله بنَ عمرو ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعةً وتسعين سجلًّا، كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمكَ كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب. فيقول الله له: ألك عذرًا، أو حسنةً؟ فيبهت الرجل، فيقول: لا يا رب. فيقول الله: بلَى، إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلمَ عليك اليوم. فتخرج له

стр. 79

بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فيقول: أحضِروه. فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تُظلم. قال: فتُوضَعُ السجلات في كفة، والبطاقة التي فيها الشهادة في كفة، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقةُ، ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم)) أخرج الحديث أحمد، والترمذي، وابن ماجه وسنده صحيح. و"السجل": الكتاب الكبير، "فيبهت الرجل" يعني: ينقطع ويسكت متحيرًا مدهوشًا، و"البطاقة": رقعة صغيرة يثبت فيها مقدار ما يجعل فيه إن كان عينًا فوزنه أو عدده، وإن كان متاعًا فثمنه. وفي هذا السياق فائدة جميلة، وهي أن العامل يوزن مع عمله، ويشهد له ما رواه البخاري عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: ((إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرءوا إن شئتم قول الله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (الكهف: ١٠٥))) أخرجه البخاري، ومسلم. وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود أنه كان يجتني سواكًا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفوه -يعني: تميله- فضحِكَ القوم منه، فقال رسول الله ﷺ : ((مم تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله، من دقة ساقيه. فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد)) أخرجه أحمد وأخرجه الطبراني. وقد وردت الأحاديث أيضًا بوزن الأعمال نفسها، كما في (صحيح مسلم) عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : ((الطهور شَطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزانَ)) أخرجه مسلم، والترمذي. وفي الصحيحين -وهو خاتمة كتاب البخاري- قوله ﷺ : ((كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) أخرجه البخاري ومسلم.

стр. 80

وروى الحافظ أبو بكر البيهقي عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((يُؤتَى بابن آدم يوم القيامة، فيوقف بين كِفتي الميزان، ويوكل به ملك، فإن ثقل ميزانه نادَى الملك بصوت يُسمِعُ الخلائقَ: سعِد فلان سعادةً لا يشقى بعدها أبدًا. وإن خَفَّت ميزانه نادى الملك بصوت يُسمع الخلائق: شقي فلانٌ شقاوةً لا يسعد بعدها أبدًا)) أخرجه أبو نعيم في (الحلية). فعلى هذا لا يلتفت إلى ملحد ومعاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزن الأجسام، فإن الله تعالى يقلب الأعراض أجسامًا، روى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((يؤتى بالموت كبشًا أغبر -أي: يغلب بياضُه على سوادِه- فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، فيشرئبُّون وينظرون، ويرون أن قد جاء الفرج، فيذبح ويقال: خلود لا موت)) أخرجه أحمد ورواه البخاري بمعناه، فثبت بذلك وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان. أدلة أن الجنة والنار موجودتان، وأهوال يوم القيامة الجنة والنار مخلوقتان: اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن. الأدلة من الكتاب والسنة على أن الجنة والنار مخلوقتان: الأدلة من نصوص الكتاب: قوله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين﴾ (آل عمران: ١٣٣). وقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ (الحديد: ٢١) وقوله تعالى عن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين﴾ (آل عمران: ١٣١) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلْطَّاغِينَ مَآبًا﴾ (النبأ: ٢١ - ٢٢).

стр. 81

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ (النجم: ١٣ - ١٥) وقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى، ورأى عندها جنةَ المأوى، كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن أحدَكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدُك حتى يبعثكَ الله يوم القيامة)) أخرجه مالك في (الموطأ) ومن طريقه البخاري، ومسلم، وفي (صحيح مسلم) من حديث أنس: ((وايم الذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا وبكيتم كثيرًا، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار)) أخرجه مسلم، والنسائي. معنى الاستثناء في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إلَّا مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذ﴾ (هود: ١٠٨). اختلف السلف في هذا الاستثناء، فقيل: معناه إلا مدة مكثهم في النار، وهذا يكون لمن دخل منهم إلى النار ثم أخرج منها لا لكلهم، وقيل: هو استثناء استثناه الرب ولا يفعله، كما تقول: والله لأضربنك إلى أن أرى غيرَ ذلك. وأنت لا تراه، بل تجزم بضربِه، وقيل: "إلا" في الآية بمعنى الواو، وهذا على قول بعد النحاة، وهو ضعيف، وسيبويه يجعل "إلا" بمعنى لكن، فيكون الاستثناء منقطعًا، ورجحه ابن جرير، وقال: إن الله لا خلف لوعده، وقد وصل الاستثناء بقوله تعالى: ﴿عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذ﴾. قالوا: ونظيره أن تقول: أسكنتك داري حولًا إلا ما شئت، أي: سوى ما شئت، ولكن ما شئت من الزيادة عليه. وقيل: الاستثناء لإعلامهم بأنهم مع خلودهم في مشيئة الله لا أنهم يخرجون عن مشيئته، ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه

стр. 82

لهم بالخلود، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ (الإسراء: ٨٦) وقوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ شَاء اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ﴾ (يونس: ١٦) وقوله تعالى: ﴿فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ (الشورى: ٢٤). ونظائر ذلك كثيرة في القرآن الكريم، يخبر عباده سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وقيل: إن "ما" بمعنى مَن، أي: إلا مَن شاء الله دخوله النار بذنوبه من السعداء، وقيل غير ذلك. وهذه الأقوال متقاربة، ويمكن الجمع بينها بأن يقال: أخبر سبحانه عن خلودهم في الجنة في كل وقتٍ إلا وقتًا يشاء ألا يكونوا فيها، وذلك يتناول وقت كونهم في الدنيا، وفي البرزخ، وفي موقف القيامة، وعلى الصراط، وكون بعضهم في النار مدة. وقد أكد الله خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن الكريم وأخبر أنهم ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ (الدخان: ٥٦) وهذا الاستثناء منقطع، وإذا ضممتَه إلى الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إلَّا مَا شَاء رَبُّكَ﴾ (هود: ١٠٧) تبين لك المراد من الآيتين، واستثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت، فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية، وذاك مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم فيها. والأدلة من السنة على أبدية الجنة ودوامها كثيرة: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت)) أخرجه مسلم بلفظ: ((مَن يدخل الجنةَ ينعم ولا يبأس، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه)).

стр. 83

بعد ذلك نأتي إلى قول الله تعالى الذي يفيد أبدية النار، وأن الكفار لا يخرجون منها أبدًا، قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُون * بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ (البقرة: ٨٠ - ٨١). أهوال يوم القيامة: آيات كثيرة في القرآن تبين هول ذلك اليوم، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيد * وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيد * لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيد * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيد * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيد * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيب * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيد * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ ولَكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيد * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيد * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيد * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيد﴾ (ق: ٢٠ - ٣٠). هذه الآيات تصور هول الموقف يوم القيامة حين ينفخ في الصور النفخة الثانية يوم يقوم الناس من قبورهم، وهي لحظة مخيفة، وقد قال رسول الله ﷺ : ((كيف أنعُمُ! وصاحب القرن قد التقم القرنَ، وحَنَا جبهته، وانتظر أن يؤذَن له! قالوا: يا رسول الله، وكيف نقول؟ قال ﷺ : قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل)) رواه الترمذي. في هذا الموقف العصيب تأتي النفس ومعها الكاتبان الحافظان لها في الدنيا، واحد يسوقها، والآخر يشهدُ عليها، وفي هذا الموقف العصيب يُقال له: ﴿لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيد﴾ قوي لا يحجبه حجاب، وهذا هو الموعد الذي غفلتَ عنه، وهذا هو الموقف الذي لم تحسب

стр. 84

حسابَه، وهذه هي النهاية التي كنتَ لا تتوقعها، فالآن فانظر فبصرك اليوم حديد. هنا يتقدم قرينه، وهو الشهيد والشاهد الذي يحمل سجل حياته: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيد﴾ أي ما لدي حاضر مهيأ معد، لا يحتاج إلى تهيئة أو إعداد، هنا يأتي الأمر الإلهي للملكين الحافظين: السائق والشهيد، الأمر الإلهي، قول الله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيد * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيب * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيد﴾ وذكر هذه النعوت يزيد في حرج الموقف وشدته، فهو دلالة غضب الجبار القهار في الموقف العصيب الرهيب، وهي نعوت قبيحة مستحقة لتشديد العقوبة: كفار، عنيد، مناع للخير، معتد مريب، الذي جعل مع الله إلهًا آخر. وتنتهي بتأكيد الأمر الذي لا يحتاج إلى توكيد: ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيد﴾ بيانًا لمكانه من جهنم التي بدأ الأمر بإلقائه فيها، عندئذٍ يفزع قرينه ويرتجف، ويبادر إلى إبعاد ظل التهمة عن نفسه بما أنه كان مصاحبًا له وقرينًا: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيد﴾ هنا يجيء القول الفصل، فينهي كلَّ قولٍ: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيد * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيد﴾ فالمقام ليس مقامَ اختصام، وقد سبق الوعيد محدِّدًا جزاءَ كل عمل، وكل شيء مسجل لا يبدل، ولا يجزَى أحد إلا بما هو مسجل، ولا يظلم أحد، فالمجازي هو الحكم العدل. ثم يأتي جانب مخيف من يوم الحساب: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيد﴾ إن المشهد كله مشهد حوار، فتعرض جهنم فيه في معرض الحوار، وبهذا السؤال والجواب يتجلى مشهد عجيب رهيب، هذا هو كل كفار عنيد، مناع للخير معتد مريب، هؤلاء هم كثرة تقذف في جهنم تباعًا وتتكدس ركامًا، ثم

стр. 85

تنادى جنهم: هل امتلأت واكتفيت، ولكنها تتلمظ وتتحرق وتقول في كظة الأكول: هل من مزيد، فياللهول الرهيب! إن مشهد البعث مزلزل عنيف رهيب، هو أشد رهبةً من التهويل، هو مشهد حافل بكل مرضعة ذاهلة عما أرضعت تنظر ولا ترى، تتحرك ولا تعي، وبكل حامل تسقط حملها للهول مروع ينتابها، وبالناس سكارى وما هم بسكارَى، يتبدَّى السكر في نظراتهم الذاهلة، وفي خطواتهم المترنحة، مشهد مزدحم بذلك الحشد المتماوج، تكاد العين تبصره لحظةَ التلاوة، بينما الخيال يتملاه، والهول الشاخص يذهل، فلا يكاد يبلغ أقصاه، وهو هول حي لا يقاس بالحجم والضخامة، ولكن يقاس بوقعه في النفوس الآدمية في المرضعات الذاهلات عما أرضعن، وما تذهل المرضعة عن طفلها وفي فمه ثديها إلا للهول الذي لا يدع بقية من وعي، والحوامل الملقيات حملهن، وبالناس سكارى وما هم بسكارى، يبين الله ذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيم * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيد﴾ (الحج: ٢). وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 86

الدرس: ٨ الإيمان بالبعث (٣) .

стр. 87

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن (الإيمان بالبعث (٣)) انقلاب الكون في اليوم الآخر، وصور من أحوال هذا اليوم الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: انقلاب الكون في اليوم الآخر: ذلك اليوم الآخر الذي ينقلب فيه الكون بكل ما نعهده فيه من أوضاع الانقلاب، الذي يشمل الأجرام السماوية والأرضية، والوحوش النافرة، والأنعام الأليفة، ونفوس البشر، وأوضاع الأمور حيث ينكشف كل مستور، ويعلم كل مجهول، وتقف النفس أمام ما أحضرت من الرصيد والزاد في موقف الفصل والحساب، وكل شيء من حولها عاصف، وكل شيء من حولها مقلوب، وهذه الأحداث الكونية الضخام تشير بجملتها إلى أن هذا الكون الذي نعهده -الكون المنسق الجميل الموزون الحركة، المضبوط النسبة، المتين الصنعة، المبني بأيد وإحكام- سينفرط عقد نظامه، وتتناثر أجزاءه، وتذهب عنه صفاته هذه التي يقوم بها، وينتهي إلى أجله المقدر حيث تنتهي الخلائق إلى صورة أخرى من الكون، ومن الحقائق غير ما عهدت نهائيًّا في هذا الكون المعهود. قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَت * وإذا النُّجُومُ انكَدَرَت * وإذا الْجِبَالُ سُيِّرَت * وإذا الْعِشَارُ عُطِّلَت * وإذا الْوُحُوشُ حُشِرَت * وإذا الْبِحَارُ سُجِّرَت * وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَت * وإذا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَت * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَت * وإذا الصُّحُفُ نُشِرَت * وإذا السَّمَاء كُشِطَت * وإذا الْجَحِيمُ سُعِّرَت * وإذا الْجَنَّةُ أُزْلِفَت *عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَت﴾ (التكوير: ١ - ١٤). وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَت * وإذا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَت * وإذا الْبِحَارُ فُجِّرَت * وإذا الْقُبُورُ بُعْثِرَت * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَت﴾ (الانفطار: ١ - ٥). وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّت * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّت * وإذا الأَرْضُ مُدَّت * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّت * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّت﴾ (الانشقاق: ١ - ٥). إن يوم القيامة ترتجف الأرض الثابتة ارتجافًا، وتزلزل زلزالًا، وتنقض ما في جوفها نقضًا، وتخرج ما يثقلها من أجساد ومعادن وغيرها مما حملته طويلًا،

стр. 88

وكأنها تتخفف من هذه الأثقال التي تحملها طويلًا. إنه مشهد يهز وقعَ أقدام المستمعين لهذه الصورة، كل شيء ثابت ويخيل إليهم أنهم يترنحون ويتأرجحون، والأرض من تحتهم تهتز وتمور، مشهد يخلع القلوب من كل ما تتشبث به من هذه الأرض، وتحسبه ثابتًا باقيًا، قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ (الزلزلة: ١ - ٣) إلى آخر السورة. أحوال أصحاب الجنة وأصحاب النار في الآخرة صور من أحوال الجنة والنار: حال السعداء والأشقياء يوم القيامة: قال تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُون * وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون﴾ (النمل: ٨٩ - ٩٠) في هاتين الآيتين يبين الله حال السعداء والأشقياء يوم القيامة في هذا اليوم الفزع الرهيب يكون الأمن والطمأنينة من الفزع جزاء الذين أحسنوا في الحياة الدنيا فوق ما ينالهم من ثواب هو أجزل من حسناتهم وأوفر، قال تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُون﴾ الأمن من الفزع هو وحده جزاء، وما بعده فضل من الله ومنة، ولقد خافوا الله في الدنيا، فلم يجمع عليهم خوف الدنيا وفزع الآخرة، بل أمنهم يوم يفزع من في السموات ومَن في الأرض، إلا مَن شاء الله. وقال تعالى: ﴿وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ وهو مشهد مفزع، وهم يكبون في النار على وجوههم، ويزيد عليهم التبكيت والتوبيخ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون﴾ فقد تنكبوا الهدى وأشاحوا عنه بوجوههم، فهم

стр. 89

يجزون به كبًّا لهذه الوجوه في النار، وقد أعرضت من قبل عن الحق الواضح وضوح الليل والنهار. ويراد بالحسنة في الآية الأولى الإخلاص، والمراد بالسيئة في الآية الثانية الشرك. الموازنة بين نصيب المؤمنين يوم القيامة ونصيب الكافرين: إن نصيب المؤمنين يتلقونه من يد الله في جنات تجري من تحتها الأنهار، فالله هو الذي يدخلهم، وهو إذًا نصيب كريم علوي رفيع، وهم ينالونه من بين يدي الله في علاه جزاءً على الإيمان والصلاح، متناسقًا في رفعته وكرامته مع الارتفاع المنطلق من الإيمان والصلاح، ونصيب الذين كفروا متاع وأكل، قال تعالى: ﴿كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ﴾ (محمد: ١٢) وهو تصوير ذري يذهب بكل سمات الإنسان ومعالمه، ويلقي ظلال الأكل الحيواني الشره، والمتاع الحيواني الغليظ بلا تذوق وبلا تعفف عن جميل أو قبيح. إنه المتاع الذي لا ضابط له من إرادة ولا من اختيار، ولا حارس عليه من تقوى، ولا رادع عنه من ضمير، وفي الآخرة لهم العذاب والنار مثوى لهم، إن هناك فارقًا أصيلًا في الحالة التي عليها الفريقان، وفي المنهج والسلوك سواء، فالذين آمنوا على بينة من ربهم رأوا الحق وعرفوه، واستيقنوا من مصدره واتصلوا بربهم فتلقوه عنه، وهم على يقين بما يتلقون غير مخدوعين ولا مضللين. والذين كفروا زين لهم سوء أعمالهم فرأوه حسنًا وهو سيء، ولم يروا ولم يستيقنوا، واتبعوا أهواءهم بلا ضابط يرجعون إليه، ولا أصل يقيمون عليه، ولا نور يكشف لهم الحق من الباطل، أهؤلاء كهؤلاء؟! إنهم يختلفون حالًا ومنهجًا واتجاهًا، فلا يمكن أن يتفقوا ميزانًا ولا جزاءً ولا مصيرًا.

стр. 90

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُم﴾ (محمد: ١٢) ألوان النعيم والعذاب، وصنوف المتاع والآلام للمؤمنين والكافرين: الله الذي خلق البشر أعلم بمن خلق، وأعرف مما يؤثر في قلوبهم، وما يصلح لتربيتهم ثم ما يصلح لنعيمهم ولعذابهم، والبشر صنوف، والنفوس ألوان، والطبائع شتى تلتقي كلها في فطرة الإنسان، ثم تختلف وتتنوع بحسب كل إنسان، ومن ثم فصل الله ألوان النعيم والعذاب وصنوف المتاع والآلام وفقَ علمه المطلق بالعباد. هناك ناس يصلح لتربيتهم ولاستجاشة همتهم للعمل، كما يصلح لجزائهم ويرضي نفوسهم أن يكون لهم أنهار من ماء غير آسن، أو أنهار من لبن لم يتغير طعمه أو أنهار من عسل مصفى، أو أنهار من خمر لذة للشاربين، أو صنوف من كل الثمرات، مع مغفرة من ربهم تكفل لهم النجاة من النار والمتاع بالجنات. فلهؤلاء ما يصلح لتربيتهم وما يليق لجزائهم، وهناك ناس يعبدون الله؛ لأنهم يشكرونه على نعمه التي لا يحصونها؛ أو لأنهم يحبونه ويتقربون إليه بالطاعات تقرب الحبيب للحبيب، أو أنهم يستحيون أن يراهم الله على حالة لا يحبها، ولا ينظرون وراء ذلك إلى جنة أو إلى نار، ولا إلى نعيم أو عذاب على الإطلاق، وهؤلاء يصلح لهم تربية، ويصلح لهم جزاء أن يقول لهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (مريم: ٩٦). وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ (محمد: ١٥) فهنا نوعان من الجزاء، هذه الأنهار مع كل الثمرات مع المغفرة من الله، والنوع آخر: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُم﴾ (محمد: ١٥) وهي صورة حسية عنيفة من العذاب، تتناسب مع غلظ طبيعة القوم، وهم

стр. 91

يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، فالجو جو متاع غليظ وأكل غليظ، والجزاء ماء حميم ساخن، وتقطيع للأمعاء التي كانت تحش وتلتهم الأكل كالأنعام، ولن يكون هؤلاء كهؤلاء في الجزاء، كما أنهم في الحال والمنهج ليسوا سواء. بعد ذلك نأتي إلى أصحاب الجنة وأصحاب النار: قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُون * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِؤُون * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُون * سَلاَمٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيم * وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُون * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيم * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُون * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُون * الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون * وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُون * وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُون﴾ (يس: ٥٥ - ٦٧). إن أصحاب الجنة مشغولون بما هم فيه من النعيم، ملتذون متفكهون، وإنهم لفي ظلال مستطابة، يستروحون نسيمها، وعلى آرائك متكئين في راحة ونعيم، هم وأزواجهم لهم فيها فاكهة ولهم كل ما يشاءون، وهو محقق لهم فيها كل ما يدعون، ولهم فوق اللذائذ التأهيل والتكريم سلام يتلقونه من ربهم الكريم قولًا من رب رحيم، فأما الكافرون فلا يطوي السياق موقف حسابهم، بل يعرضه، ويبرز فيه التبكيت والتنكيل، قال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُون * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيم * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُون * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُون﴾ إنهم يتلقون التحقير

стр. 92

والتذليل، قال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُون﴾ انعزلوا هكذا بعيدًا عن المؤمنين: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين﴾ ونداءه هنا: يا بني آدم. فيه من التبكيت ما فيه، وقد أخرج الشيطان أباهم من الجنة ثم هم يعبدونه وهو لهم عدو مبين. ﴿وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيم﴾ واصلوا العبادة إلي، فهذا هو الصراط المستقيم الذي يؤدي إلى رضاي، إنكم لم تحذروا عدوكم الذي أضل منكم أجيالًا كثيرة: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُون﴾ وفي نهاية هذا الموقف العصيب المهين يعلن الجزاء الأليم في تهكم وتأنيب: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُون﴾ ثم بعد ذلك يخذل المشركون بعضُهم بعضًا، وتشهد عليهم جوارحهم، وتتفكك شخصيتهم، يكذب بعضهم بعضًا، وتعود كل جارحة إلى ربها مفردةً، ويثوب كل عضو إلى بارئه مستسلمًا. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ إنه مشهد عجيب رهيب، تذهل عن تصوره القلوب، كذلك انتهى المشهد وألسنتهم معقودة، وأيديهم تتكلم، وأرجلهم تشهد على غير ما كانوا يعهدون من أمرهم، وعلى غير ما كانوا ينتظرون، ولو شاء الله لفعل بهم غير ذلك، ولأجرى عليهم من البلاء ما يريد. ويعرض الله هنا نوعين من هذا البلاء، لو شاء الله لأخذ بهما من يشاء، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُون * وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُون﴾ وهما مشهدان فيهما من البلاء قَدْرِ ما فيهما من السخرية والاستهزاء، السخرية بالمكذبين والاستهزاء بالمستهزئين الذين كانوا يقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِين﴾ فهم في المشهد الأول عميان مطموسون، ثم هم مع هذا العمى

стр. 93

يستبقون الصراط، ويتزاحمون على العبور، ويتخبطون تخبطَ العميان حين يتسابقون ويتساقطون تساقطَ العميان حين يسارعون متنافسين، فأنى يبصرون! وهم في المشهد الثاني قد جمدوا فجأةً في مكانتهم، واستحالوا تماثيلَ لا تمضي ولا تعود بعد أن كانوا منذ لحظة عميانًا يستبقون ويضربون، وإنهم ليبدون في المشهدين كالدمية وكاللعبة في حالة تثير السخرية والتحقيرَ، وقد كانوا من قبل يستخفون بالوعيد ويستهزئون. كتاب اليمين وكتاب الشمال: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيه * فأما مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وأما مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِه * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُور * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ (الانشقاق: ٦ - ١٥). في هذا الجو الخاشع الطائع يجيء النداء العلوي للإنسان، وأمامه الكون بسمائه وأرضه، مستسلمًا لربه هذا الاستسلام: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيه﴾ يا أيها الإنسان الذي خلقه ربه بإحسان، والذي ميزه بهذه الإنسانية التي تفرده في هذا الكون بخصائص من شأنها أن تجعله أن يكون أعرفَ بربه، وأطوعَ لأمره من الأرض والسماء، وقد نفخ فيه من روحه وأودعه القدرة على الاتصال به، وتلقى قبسًا من نوره، والفرح باستقبال فيوضاته، والتطهر بها، أو الارتفاع على غير حد؛ حتى يبلغ الكمال المقدر لجنسه، وآفاق هذا الكمال عالية بعيدة. ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيه﴾ أيها الإنسان إنك تقطع رحلة حياتك على الأرض كادحًا، تحمل عبئك وتجهد جهدك، وتشق طريقك لتصل

стр. 94

في النهاية إلى ربك، فإليه المرجع وإليه المآب بعد الكد والكدح والجهاد، يا أيها الإنسان إنك كادح حتى في متاعك، فأنت لا تبلغه في هذه الأرض إلا بجهد وكد، إن لم يكن جهد بدن وكد عمل، فهو جهد تفكير وكد مشاعر الواجد والمحروم سواء، إنما يختلف نوع الكدح، ولون العناء، وحقيقةُ الكدح هي المستقرةُ في حياة الإنسان، ثم النهاية في آخر المطاف إلى الله سواء. يا أيها الإنسان إنك لا تجد الراحةَ في الأرض أبدًا، إنما الراحة هنالك لمن يقدم لها بالطاعة والاستسلام، التعب واحد في الأرض، والكَدْح واحد، وإن اختلف لونه وطعمه، أما العاقبة مختلفة عندما تصل إلى ربك، فواحد إلى عناء دونه عناء الأرض، وواحد إلى نعيم يمسح على آلام الأرض كأنه لم يكن كد ولا كدح. يا أيها الإنسان الذي امتاز بخصائص الإنسان، ألا فاختَرْ لنفسك ما يليق بهذا الامتياز الذي خصك الله به، اختر لنفسك الراحة من الكدح حينما تلقاه؛ ولأن هذه اللمسة الكامنة في هذا النداء فإنه يصل بها مصير الكادحين حينما يصلنا إلى نهاية الطريق، ويلقون ربهم بعد الكدح والعناء: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾. والذي يؤتى كتابه بيمينه هو المرَضْي السعيد الذي آمَنَ وأحسنَ، فرضي الله عنه، وكتب له النجاة، وهو يُحاسب حسابًا يسيرًا، فلا يناقش ولا يدقق معه في الحساب، والذي يصور ذلك هو الآثار الواردة عن الرسول ﷺ وفيها غَنَاء، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((مَن نوُقِشَ الحساب عذِّب، قالت: قلت: أفليس قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قال: ليس ذلك بالحساب، ولكن ذلك العرض، من نُوقش الحساب يوم القيامة عذِّبَ)) أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.

стр. 95

وعنها كذلك قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بعض صلاته: ((اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا، فلما انصرفَ، قلت: يا رسول الله، ما الحساب اليسيرُ؟ قال: أن ينظرَ في كتابه، فيتجاوز له عنه، من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك)) رواه الإمام أحمد بإسناده، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، وهو صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجه. فهذا هو الحساب اليسير الذي يلقاه من يؤتَى كتابه بيمينه، الذي يؤتى كتابه بيمينه ثم ينجو وينقلب إلى أهله مسرورًا من الناجين الذين سبقوه إلى الجنة، وهو تعبير يفيد تجمع المتوافقين على الإيمان والصلاح من أهل الجنة، كل من أحب من أهله وصحبه. ويصور القرآن رجعة الناجي من الحساب إلى مجموعته المتآلفة بعد الموقف العصيب، يصور رجعته متهللًا فرحًا مسرورًا بالنجاة واللقاء في الجنان، وهو وضع يقابل وضع العذاب الهالك المأخوذ بعمله السيئ الذي يؤتى كتابه وهو كاره، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِه * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ يعني ينادي على الهلاك أن يأخذه، والإنسان حينما يكون في وضع ويتمنى الهلاك لنفسه، فلا شك أن الموضع الذي هو فيه أشد من الهلاك نفسه، وهذا تصوير لشدة العذاب الذي يلاقيه. يقول سيد قطب في (ظلال القرآن): والذي ألفناه في تعبيرات القرآن من قبل هو كتاب اليمين وكتاب الشمال، فهذه صورة جديدة صورة إعطاء الكتاب من وراء الظهر، وليس يمتنع أن يكون الذي يعطى كتابه بشماله يُعطاه كذلك من وراء ظهره، فهو هيئة الكاره والمكره الخزيان من المواجهة. يعني: لا تعارض بين قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِه﴾ وبين قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ (الحاقة: ٢٥) يعني: لا تعارض بين الصورتين،

стр. 96

فهو يأخذ الكتاب بالشمال، ويضعه وراء ظهره حتى لا يطلع عليه أحد؛ لأنه يعلم أن هذا الكتاب مليء بالمعاصي، فهو لا يريد أن يطلع الناسُ على ما عمله من أشياءَ تغضب اللهَ وهو لذلك يأخذ الكتاب بشماله، ويضع شماله وراء ظهره؛ إذًا لا تنافي بين الصورتين. يقول سيد قطب: ونحن لا ندري حقيقة الكتاب ولا كيفية إتيانه باليمين أو بالشمال أو من راء الظهر، إنما تخلص لنا حقيقة النجاة من وراء التعبير الأول الذي صورته الآية الكريمة، التي تحدثت عن ذلك في قول الله : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾، وكذلك الآية الثانية تعبر عن حقيقة الهلاك الذي بينه الله بقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِه * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ هاتان الحقيقتان المفروض أن يستيقنهما الإنسان، ويعتبر بهما، ويعتبر أيضًا بما وراء ذلك من ألوان العذاب التي ذكرها الله وكذلك ألوان النعيم التي ذكرها الله في كتابه. هذا الإنسان الذي قطع أو قضى حياته في الأرض كدحًا، وقطع طريقه إلى ربه كدحًا، لكن في المعصية والإثم والضلال، هو تعب وعمل، لكن عمله كان معصية، أما الإنسان الذي عمل في الطاعة، ومن أجل رضا ربه لا شك أنه سوف يلقَى مصيرًا غير مصير الآخر، الأول تعب، لكنه استراح، تعب في الطاعة، لكنه استراح في الآخرة. لكن الإنسان الآخر تعب في المعاصي، ووجد تعبًا أشد من التعب الذي كان يتعبه في الدنيا، هذا الإنسان العاصي الذي قضى حياته في المعصية والإثم والضلال، انظر لتصوير القرآن له بما يعانيه، هذا الإنسان يدعو الهلاك ويناديه؛ لينقذه مما هو مقدم عليه من الشقاء، يُشوَى في

стр. 97

النار: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أي: غافلًا عما وراء اللحظة الحاضرة: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُور﴾ إلى ربه ظن أنه لن يرجع إلى بارئه، والحقيقة أن ربه كان مطلعًا على أمره، محيطًا بحقيقته، عالمًا بحركاته وخطواته. منظر المتقين في الجنة، ومنظر الطاغين في النار، يعني: صورتان متقابلتان، صورة لأهل الجنة، وصورة لأهل النار: قال تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآب * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأَبْوَاب * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَاب * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَاب * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَاب * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَاد﴾ (ص: ٤٩ - ٥٤). هذه صورة المتقين في الجنة. أما صورة الطاغين في النار يقول الله سبحانه: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآب * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَاد * هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاق * وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاج * هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّار * قَالُوا بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَار * قَالُوا رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّار * وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الأَشْرَار * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَار * إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّار﴾ (ص: ٥٥ - ٦٤). إن المشهد يبدأ بمنظرين متقابلين تمام التقابل في المجموع وفي الأجزاء وفي السمات والهيئات، منظر المتقين لهم حسن مآب، ومنظر الطاغين لهم شر مآب، فأما الأولون فلهم جنات عدن مفتحة لهم الأبواب، ولهم فيها راحة الاتكاء، ومتعة الطعام والشراب، ولهم كذلك متعة الحوريات الشواب، وهن مع شبابهن

стр. 98

قاصرات الطرف، لا يتطلعن، ولا يمددن بأبصارهن، وكلهن شواب أتراب. أتراب يعني: في سن واحدة، سنهم واحد، سنهم شباب، وهو متاع دائم، ورزق من عند الله ما له من نفاد، وأما الآخرون فلهم مِهاد، لهم مكان يعيشون فيه، لكن لا راحةَ فيه، إنه جهنم فبئس المهادُ، ولهم فيه شراب ساخن، وطعام مقيت، إن ما يخرج ويسيل من أهل النار إنما هو طعامٌ لهم، ولهم صُنوف أخرى من جنس هذا العذاب. ثم يتم المشهد بمنظر ثالث حي شاخص بما فيه من حوار، فها هي ذي جماعة من أولئك الطاغين من أهل جهنم كانت في الدنيا متوادة متحابة، فهي اليوم متناكرة متنابذة، كان بعضهم يملي لبعض في الضلال، ينصر بعضهم بعضًا على الإثم والعدوان، وكان بعضهم يتعالى على المؤمنين، ويهزأ من دعوتهم ودعواهم في النعيم، كما يصنع الملأُ من قريش: ﴿أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾ (ص: ٩) قريش كانت تقول هذا، يعني: كانت لا تصدق أن سيدنا محمدًا ﷺ أرسله الله رسولًا إلى الناس، فكانوا يتكبرون على الإيمان برسالته ويقولون: ﴿أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾؟! هاهم أولاء يقتحمون النار فوجًا بعد فوج، وهاهم أولاء يقول بعضهم لبعض: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾ يعني: هذا فوج قادم للدخول في النار معكم، فماذا يكون الجواب، يكون الجواب في اندفاع وحنق يقولون لهم: ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّار﴾ لكن حينما يسمعون ذلك هل يسكتون؟ هل يسكت المشئومون؟ كلا، إنهم يردون عليهم: ﴿قَالُوا بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَار﴾ فلقد كنتم أنتم السببُ في هذا العذاب، وإذا دَعْوة فيها الحنق والضيق والانتقام من الذين هم موجودون في النار قبل هؤلاء، يتوجهون بدعوة إلى

стр. 99

ربهم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّار﴾. ثم ماذا؟ ثم هاهم أولاء يفتقدون المؤمنين، لا يجدون المؤمنين معهم في النار، الذين كانوا يتعالون عليهم في الدنيا، ويظنون بهم شرًّا، ويسخرون من دعواهم في النعيم، يسخرون منهم حينما يقولون لهم: نحن ندخل الجنة، هذا في الدنيا فكان الكفار يسخرون من كلامهم، ها هم الآن في النار لا يجدون المؤمنين معهم، فيفتقدونهم، فيتساءلون: أين هم؟ أين ذهبوا؟ لم نرهم هنا، أو يقولون: أم نراهم هنا لكن زاغت عنهم الأبصار، بينما هؤلاء الرجال الذين يتساءلون عنهم هناك في الجِنان، الرجال الذين يتساءلون عنهم أنهم لم يجدوهم في النار هم في الجنة. ويُختم هذا المشهد بتقرير واقع أهل النار: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّار﴾ فما أبعد مصيرهم عن مصير المتقين الذين كانوا يسخرون منهم، ويستكثرون اختيارَ الله لهؤلاء المؤمنين في الجنة. هذا والله أعلم.

стр. 100

الدرس: ٩ الإيمان بالرسل .

стр. 101

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع (الإيمان بالرسل) الإيمان بجميع الرسل الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (البقرة: ٢٨٥) أي: نحن مؤمنون بالرسل جميعًا، لا نفرق بينهم بأن نؤمن ببعض ونكفر ببعض، بل نؤمن بهم ونصدقهم كلهم، فإن مَن آمن ببعض وكفر ببعض كافر بالكل، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ (النساء: ١٥٠، ١٥١) فإن المعنى الذي لأجله آمن بمن آمن منهم موجود في الذي لم يؤمن به، وذلك الرسول الذي آمن به قد جاء بتصديق بقية المرسلين، فإذا لم يؤمن ببعض المرسلين كان كافرًا بمن في زعمه أنه مؤمن به؛ لأن ذلك الرسول جاء بتصديق المرسلين كلهم فكان كافرًا حقًّا، وهو يظن أنه مؤمن، فكان من الأخسرين أعمالًا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. دلائل نبوة الأنبياء دلائل نبوة الأنبياء كثيرة متنوعة: يقول صاحب (العقيدة الطحاوية): والطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر تقرير نبوة الأنبياء بالمعجزات، لكن كثير منهم لا يعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات، وقرروا ذلك بطرق مضطربة، والتزم كثير منهم إنكار خرق العادات لغير الأنبياء حتى أنكروا كراماتِ الأولياء، وكذلك أنكروا السحر وغير ذلك. ولا ريبَ أن المعجزات دليل صحيح، لكن الدليل غير محصور في المعجزات، فإن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما يعرب عنهما وتُعرف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة! وما أحسنَ ما قال حسان ﵁: لو لم يكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تأتيك بالخير وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب وغلبت الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز، فإن الرسول لا بد أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور، ولا بد أن يفعل أمورًا يبين بها صدقه، والكاذب يظهر في نفس ما يأمر به وما يخبر عنه وما يفعله ما يبين بها كذبه من وجوه كثيرة، والصادق ضده، بل كل شخصين ادعيَا أمرًا أحدهما صادق والآخر كاذب لا بد أن يظهر صدق هذا وكذب هذا ولو بعد مدةٍ؛ إذ الصدق مستلزم للبر، والكذب مستلزم للفجور، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: ((عليكم بالصدق! فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذبَ! فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا)) أخرج الحديث من حديث ابن مسعود: مسلم، وأبو داود، والبخاري في (الأدب المفرد) ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ (الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٦). .

стр. 102

فالكُهان ونحوهم وإن كانوا أحيانًا يخبرون بشيء من الغيبيات، ويكون صادقًا، فمعهم من الكذب والفجور ما يبين أن الذي يخبرون به ليس عن ملك، وليسوا بأنبياء، ولهذا لما قال النبي ﷺ لابن صياد: ((قد خبأتُ لك خبيئًا)) "فقال: الدح" يعني: الدخان، قال له النبي ﷺ : ((اخسأ، فلن تعدو قدرك)) يعني: إنما أنت كاهن. هذا الحديث أخرجه البخاري وفي (الأدب المفرد)، ومسلم. وقد قال النبي ﷺ : ((يأتيني صادق وكاذب)) أخرجه البخاري، ومسلم من حديث ابن عمر، وأخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال: لقيه -أي: ابن صياد- رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر في بعض طرق المدينة، فقال له رسول الله ﷺ : ((أتشهد أَني رسول الله؟)) فقال هو: أتشهد أني رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : ((آمنت بالله وملائكته وكتبه، ما ترى؟)) قال: أرى عرشًا على الماء. فقال رسول الله ﷺ : ((ترى عرش إبليس على البحر)) وأخرجه الترمذي. وبين الله تعالى أن الشعراء يتبعهم الغاوون، والغاوي الذي يتبع هواه وشهوته، وإن كان ذلك مضرًّا له في العاقبة، فمن عرف الرسول ﷺ وصدقه ووفاءه ومطابقةَ قوله لعمله، علِمَ علمًا يقينيًّا أنه ليس بشاعر ولا كاهن، والناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة حتى في المدعي للصناعات والمقالات، كمن يدعي الفلاحة والنساجة والكتابةَ، أو علم النحو والطب والفقه، وغير ذلك. والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لا بد أن يتصف الرسول بها، وهي أشرف العلوم، وأشرف الأعمال، فكيف يشتبه الصادق؟! ولا ريب أن المحققين على أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة قد يقترن به من القرائن ما يحصل معه العلم الضروري، كما يعرف الرجل رضا الرجل وحبه وبغضه وفرحه وحزنه، وغير

стр. 103

ذلك مما في نفسه بأمور تظهر على وجهه قد لا يمكن التعبير عنها، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ (محمد: ٣٠) ثم قال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (محمد: ٣٠) واللحن يقال على معنيين: أحدهما: الكتابة بالكلام حتى لا يفهم غير مخاطبك. والثاني: صرف الكلام من الإعراب إلى الخطابة، ويقال من الأول: لحنت بفتح الحاء، ألحن فأنا لاحن، وألحنته الكلام فلحنه أي: فهمه فهو لاحن، والثاني لحن بالكسر إذا لم يعرب، والمعنى الأول هو المراد بالآية الكريمة. قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ أي: فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم، يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول، كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: "ما سر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه". فإذا كان صدق الخبر وكذبه يعلم بما يقترن به من القرائن، فكيف بدعوى المدعي أنه رسول الله؟ كيف يخفَى صدق هذا من كذبه؟ وكيف لا يتميز الصادق في ذلك من الكاذب بوجوه من الأدلة؟ ولهذا لما كانت خديجة ﵂ تعلم من النبي ﷺ أنه الصادق البار قال لها لما جاءه الوحي: ((إني قد خشيت على نفسي، فقالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق)). أخرجه البخاري، ومسلم، فهو ﷺ لم يخف من تعمد الكذب، فهو يعلم من نفسه أنه لم يكذب، وإنما خاف أن يكون قد عرض له عارض سوء، وهو المقام الثالث، فذكرت خديجة ما ينفي هذا، وهو ما كان مجبولًا عليه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، وقد عُلم من سنة

стр. 104

الله أن من جبله على الأخلاق المحمودة، ونزهه عن الأخلاق المذمومة فإنه لا يخزيه. وكذلك قال النجاشي لما استخبرهم عما يخبر به، واستقرأهم القرآن فقرءوه عليه، قال: "إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة". أخرجه ابن هشام في (السيرة)، وأخرجه أحمد في (المسند) من حديث أم سلمة زوج النبي ﷺ . وكذلك ورقة بن نوفل لَمَّا أخبره النبي ﷺ بما رآه، وكان ورقة قد تنصَّرَ، وكان يكتب الإنجيل بالعربية، فقالت له خديجة: "أي عم، اسمَعْ من ابن أخيك ما يقول، فأخبره النبي ﷺ بما رأى، فقال -أي: ورقة بن نوفل-: هذا هو الناموس الذي كان يأتي من موسى". وكذلك هرقل ملك الروم، فإن النبي ﷺ لما كتب إليه كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام طلب من كان هناك من العرب، وكان أبو سفيان قد قدم في طائفة من قريش في تجارة إلى الشام، وسألهم عن أحوال النبي ﷺ فسأل هرقل أبا سفيان، وأمر الباقين إن كذَبَ أن يكذبوه، فصاروا بسكوتهم موافقين له في الأخبار، سأله: هل كان في آبائه من ملك؟ فقالوا: لا ليس في آبائه من ملك. قال: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فقالوا: لا. وسأله: أهو ذو نسب فيكم؟ فقالوا: نعم. وسألهم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقالوا: لا، ما جربنا عليه كذبًا. وسألهم: هل اتبعه ضعفاء الناس أم أشرافُهم؟ فذكروا أن الضعفاء اتبعوه. وسألهم: هل يزيدون أم ينقصون؟ فذكروا أنهم يزيدون. وسألهم: هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطةً له بعد أن يدخل فيه؟ فقالوا: لا. وسألهم: هل قاتلتموه؟ قالوا: نعم. وسألهم عن الحرب بينهم وبينه. فقالوا: يدال علينا مرة، وندال عليه أخرى. يعني: مرة يهزمنا ومرة نهزمه. وسألهم: هل يغدر؟ فذكروا

стр. 105

أنه لا يغدر. وسألهم: بماذا يأمركم؟ فقالوا: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة. وهذه أكثر من عشر مسائل. ثم بين لهم ما في هذه المسائل من الأدلة فقال: سألتكم هل في آبائه من ملك؟ فقلتم: لا، قلتُ: لو كان في آبائه من ملك لقلت: رجل يطلب مُلكَ أبيه، وسألتكم: هل قال هذا القول فيكم أحد قبله؟ فقلتم: لا، فقلتُ: لو قال هذا القول أحد قبله لقلت: رجل ائتم بقول قيل قبله، وسألتكم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقلتم: لا، فقلت: قد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله، وسألتكم: أضعفاء الناس يتبعونه أم أشرافهم؟ فقلتم: ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل، يعني: في أول أمرهم، ثم قال: وسألتكم: هل يزيدون أم ينقصون؟ فقلتم: بل يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتكم: هل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ فقلتم: لا، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد. وهذا من أعظم علامات الصدق والحق، فإن الكذب والباطل لا بد أن ينكشف في آخر الأمر، فيرجع عنه أصحابه، ويمتنع عنه من لم يدخل فيه، والكذب لا يروج إلا قليلًا ثم ينكشف، وسألتكم: كيف الحرب بينكم وبينه؟ فقلتم: إنها دول، وكذلك الرسل تُبتلى، وتكون العاقبة لهم، قال: وسألتكم هل يغدر؟ فقلتم: لا، وكذلك الرسل لا تَغدر. أخرجه البخاري مطولًا ومختصرًا، وكذلك أخرجه أحمد في (المسند) من حديث ابن عباس.

стр. 106

وهرقل لما كان عنده من علمه بعادة الرسل، وسنة الله فيهم أنه تارةً ينصرهم وتارةً يبتليهم، وأنهم لا يغدرون علم أن هذه علامات الرسل، وأن سنة الله في الأنبياء والمؤمنين أن يبتليهم بالسراء والضراء لينالوا درجة الشكر والصبر، كما في (الصحيح) عن النبي ﷺ أنه قال: ((والذي نفسي بيده، لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءٌ صبَرَ فكان خيرًا له)) أخرجه مسلم من حديث صهيب بن سنان الرومي، وأخرجه أحمد في (المسند) بلفظ: ((عجبت من أمر المؤمن، إن أمره كله خير)). والله تعالى قد بين في القرآن ما في إدالة -أي: غلبة العدو- عليهم يوم أحد من الحكمة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٩) وقال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُون﴾ (العنكبوت: ٢) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على سنته في خلقه، وحكمته التي بهرت العقول. وفي حديث ابن عباس المتقدم قال: وسألتكم عما يأمر به؟ فذكرتم أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، ويأمركم بالصلاة، والزكاة، والصدق، والعفاف، والصلة، وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم، وهذه صفة نبي، وقد كنت أعلم أن نبيًّا يبعث، ولم أكن أظنه منكم، ولا وددت أني أخلص إليه، ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبتُ إليه، وإن يكن ما تقولون حقًّا فسيملك موضع قدمي هاتين. وكان المخاطب بذلك أبو سفيان بن حرب، وهو حينئذٍ كافر من أشد الناس بغضًا وعداوةً للنبي ﷺ .

стр. 107

قال أبو سفيان بن حرب: "فقلت لأصحابي ونحن خروج: لقد أمِر أمْر ابن أبي كبشة" يعني: قد انتشر وذاع بين الناس، وظهرت علامات نصره وظهوره علينا، إن هرقل ليعظمه، وهرقل ملك بني الأصفر، يقول أبو سفيان: "وما زلت موقنًا بأن أمر النبي ﷺ سيظهر حتى أدخل الله عليَّ الإسلام وأنا كاره". إذن هذه علامات صدق النبي ﷺ حيث شهد له من لا يؤمن بأنه رسول، ومن لا يؤمن برسالته، وهو أبو سفيان كان ما زال على الكفر، شهد له بصدقه، وهذا يدل على أنه نبي. ومما ينبغي أن يعرف أن ما يحصل في القلب بمجموع أمور قد لا يستقل بعضها به، بل ما يحصل للإنسان من شبع وشكر، وفرح وغم بأمور مجتمعة لا يحصل ببعضها، لكن ببعضها قد يحصل بعض الأمر، وكذلك العلم بخبر من الأخبار، فإن خبر الواحد يحصل للقلب نوع ظن، ثم الآخر يقويه إلى أن ينتهي إلى العلم حتى يتزايد ويقوى، وكذلك الأدلة على الصدق والكذب ونحو ذلك، وأيضًا فإن الله سبحانه أبقى في العالم الآثار الدالةَ على ما فعله بأنبيائه والمؤمنين من الكرامة، وما فعله بمكذبيهم من العقوبة كتواتر الطوفان، وإغراق فرعون وجنوده. ولما ذكر سبحانه قصص الأنبياء نبيًّا بعد نبي في سورة الشعراء، كقصة موسى وإبراهيم ونوح ومن بعده ﵈ يقول تعالى في آخر كل قصة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الشعراء: ٦٧، ٦٨) وبالجملة فالعلم بأنه كان في الأرض من يقول: إنه رسول الله وأن قومًا اتبعوه، وأن أقوامًا خالفوه، وأن الله نصر الرسل والمؤمنين، وجعل العاقبة لهم، وعاقب أعداءهم، هو من أظهر العلوم المتواترة وأجلاها ووضحها.

стр. 108

صدق دعوة الأنبياء، وبيان أن إنكار الرسالة طعن في الرب سبحانه دلائل صدق الأنبياء ﵈ في دعواهم، وتبليغ رسالة الله إلى الناس: من هذه الدلائل أن الرسل أخبروا الأمم بما سيكون من انتصارهم، وخذلان أولئك -أي: الأعداء- وبقاء العاقبة لهم. ومنها: ما أحدثه الله لهم من نصرهم وإهلاك عدوهم إذا عرف الوجه الذي حصل عليه كغرق فرعون، وغرق قوم نوح، وبقية أحوالهم عرف صدق الرسول وصدق الرسل أجمعين ﵈. ومن هذه الدلائل أيضًا: أن من عرف ما جاء به الرسل من الشرائع وتفاصيل أحوالها تبين له أنهم أعلم بالخلق، وأنه لا يحصل مثل ذلك من كذاب جاهل، وأن فيما جاءوا به من الرحمة والمصلحة والهُدى والخير، ودلالة الخلق على ما ينفعهم، ومنع ما يضرهم ما يبين أن ادعاء الرسالة، وأن الإتيان بالشريعة من عند الله لا يصدر إلا عن راحم بار يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق. يعني: الرسل شرائعهم تدل على صدقهم في أنهم رسل من عند الله حيث إن الشريعة مصدر الخير، مصدر السعادة، مصدر الحلول لكل المشكلات، فإذن دلائل نبوة الأنبياء متنوعة وكثيرة، وأنها لا تقتصر على المعجزات فقط، نعم المعجزات إحدى الدلائل التي تدل على صدق النبي ﷺ لكن دلائل صدقهم غير محصورة في هذا المعنى.

стр. 109

بيان أن إنكار رسالة النبي ﷺ طعن في الرب ﵎: بيان ذلك أنه إذا كان سيدنا محمد ﷺ ليس بنبي صادق بل ملِك ظالم، فقد تهيأ له أن يفتري على الله ويتقول عليه، ويستمر حتى يحلل ويحرم، ويفرض الفرائض، ويشرع الشرائع، وينسخ الملل، ويضرب الرقاب، ويقتل أتباع الرسل وهم أهل الحق، ويسبي نساءهم، ويغنم أموالهم وديارهم، ويتم له ذلك حتى يفتح الأرض وينسب ذلك كله إلى أمر الله له به ومحبته له، والرب تعالى يشاهده وهو يفعل بأهل الحق ما يفعل من افتراء عليه لمدة ثلاث وعشرين سنة وهو مع ذلك كله يؤيده، وينصره، ويعلي أمره، ويمكن له من أسباب النصر. هذا إن كان الأمر كذلك، فهذا طعن في الرب ﵎ لأنه كيف يتركه الله أن يفعل ذلك كله ولا يعاقبه، وسنة الله التي قد خلت من قبل أنه لا يترك أحدًا يفتري عليه ويكذب عليه، ولذلك يقول تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ (الطور: ٣٠، ١٣). هذا والله أعلم.

стр. 110

الدرس: ١٠ تابع الإيمان بالرسل - الإيمان بالملائكة والكتب السماوية .
следующие страницы →