Полный текст (425 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
-[الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم]-
كود المادة: IUQR٣٢١٣
المرحلة: بكالوريوس
المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية
الناشر: جامعة المدينة العالمية
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
الدرس: ١ مقدمة في وجوه الإعجاز .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الأول
(مقدمة في وجوه الإعجاز)
ماذا نعني بإعجاز القرآن ؟
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، اللهم صلِّ على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وآل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد؛ وبعد:
فهذه المادة المباركة من المواد التي ينبغي أن يحرص المسلم على تعلمها؛ لأنها تربطه بكتاب ربه .
وموضوع درسنا هو: "مقدمة في وجوه الإعجاز".
فقبل الدخول في تفاصيل المنهج والخوض في جزئياته التي نتناولها بالدراسة، لا بد أن نقف مع مجموعة من الأسئلة، يتبين لنا من خلال الإجابة عنها أهمية المادة التي ندرسها؛ وذلك يحفّز همم الطلاب للاهتمام بها عقلًا وحسًّا لما فيها من ثمار تعود على كل منا بالنفع في أمر دينه ودنياه، وهذه الأسئلة أيها الطلاب الكرام تعد بمثابة التمهيد والمدخل للدراسة:
أولًا: ماذا نعني بإعجاز القرآن؟
ثانيًا: ما الفرق بين معجزة القرآن وسائر المعجزات التي اختص بها الله رسله؟
ثالثًا: ما أوجه الإعجاز في القرآن الكريم؟
رابعًا: كيف تحدى نبينا الكريم -صلوات الله وسلامه عليه- العرب بالقرآن الكريم؟
خامسًا: لماذا ينصب اهتمامنا حول الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم؟
стр. 3
وأخيرًا: ما ثمرة دراسة إعجاز القرآن؟
نبدأ بالسؤال الأول وهو: ماذا نعني بإعجاز القرآن؟
الإجابة عن هذا السؤال تتطلب منا توضيح المقصود بكلٍّ من الإعجاز والقرآن:
فالإعجاز في اللغة: من العجز وعدم القدرة والاستطاعة، فنقول: عجز فلان عن فعل كذا؛ أي عن القيام به، والقدرة على إنفاذه وفعله، ويقال: أعجزني فلان: إذا عجزت طلبه وإدراكه؛ ومن ثم سُميت آيات الرسل معجزات؛ لظهور عجز المرسَل إليهم عن معارضتها بأمثالها.
المعجزة في اصطلاح العلماء: أمرٌ خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم من المعارضة.
والقرآن: مصدر قرأ على وزن فُعلان بالضم، كالغفران والشكران، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (القيامة: ١٨). ثم صار لفظ القرآن علما شخصيّا على الكتاب المنزل على محمد ﷺ وهو الأغلب في استخدامه في كتاب الله، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: ٩).
وروعي في تسميته كونه مقروءًا أي متلوًّا بالألسن، وحده العلماء بأنه كلام الله تعالى المنزل على محمد ﷺ المتعبد بتلاوته؛ كلام الله تعالى يُخرج كلام البشر وكلام غيرهم من المخلوقات، فهو كلام الله والمنزل على محمد ﷺ يُخرج سائر الكتب التي أنزلت على الرسل من قبله كالتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم والزبور على داود ﵇ والمتعبد بتلاوته: يُخرج ما لا يتعبد بتلاوته مما هو مقدس ومما هو له قدسيته عند المسلمين؛ كأحاديث النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- والأحاديث القدسية
стр. 4
والقراءات التي توسم بأنها قراءات آحاد، لا تصل إلى حد التواتر؛ فلا يتعبد بتلاوتها.
وعرّف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ القرآن في (العقيدة الواسطية) بأنه: كلام الله منزّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، تكلم به حقيقة، وألقاه إلى جبريل، فنزل به على محمد ﷺ .
فاهتمّ ﵀ في حده بإبطال قول أهل الزيغ والضلال بخلق القرآن.
ومن خلال بيان معنى الإعجاز والقرآن، يتضح المقصود بإعجاز القرآن، وهو:
إعجازه الناس أن يأتوا بمثله لعدم قدرتهم على ذلك، أو إثبات القرآنِ عجزَ الخلقِ عن الإتيان بما تحداهم به، أو كما قال أبو البقاء في (الكليات): ارتقاؤه في البلاغة إلى أن يخرج عن طوق البشر ويعجزهم عن معارضته.
الفرق بين معجزة القرآن وسائر المعجزات
أما السؤال الثاني الذي طرحناه وهو: الفرق بين معجزة القرآن وسائر المعجزات:
فالإجابة عنه نحتاجها لبيان ما اختصّ به الله خير الأنام محمد -صلوات الله وسلامه عليه- دون سائر الرسل والأنبياء، فما من نبي إلا وكان معه آية صدقه ودليل تفضيله على من أُرسل إليهم بالاصطفاء، فالله يصطفي من خلقه ما يشاء ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ (القصص: ٦٨).
هذا الاصطفاء وهذا الاختيار من الله سُنة سَنها في إرساله الرسل؛ أن يكون معهم ما يثبت أنهم يُخالفون من أرسل إليهم فيأتون أقوامهم بما يَعجزون عنه في وقتٍ يُعلم فيه أن هؤلاء يبرعون فيما عجزوا عنه؛ بمعنى: أن ما من رسول
стр. 5
يرسل إلى قوم إلا بمعجزة من جنس ما برعوا فيه؛ ليثبت لهم أنه يختلف عنهم، وأنه مرسل من قِبَل ربه .
مثال: عندما ظن السحرة أنهم بلغوا في هذا الفن منتهاه جاء موسى ﵇ ليُبطله بعصاه، وعندما برع بعد ذلك بنو إسرائيل في الطب جاءهم عيسى ﵇ بما يَعجز الأطباء عنه، فما من طبيب يستطيع أن يُحيي الموتى، فجاء عيسى ﵇ بمعجزة إحياء الموتى، وكذلك الأمراض التي لا علاج لها كالعمى والبرص جاءهم عيسى ﵇ ليبرئ الأكمه والأبرص، فكانت هذه المعجزات الحسية دليلًا على صدق نبوتهم ﵈ وعلى أنهم مرسلون من قبل الله كذلك معجزة النبي ﷺ مع العرب، لما ارتقى العرب ذروة الفصاحة والبيان جاءهم القرآن؛ ليعلمهم أن لا قول ولا كلام ولا شيء مما برعوا فيه من فنون الأدب -شعرها ونثرها وسجعها وغيرها من الأرجاز والمسجوع والفنون التي برع فيها العرب أيما براعة- أن كل ذلك لا يضاهي القرآن ولا يشابه القرآن في شيء وأن القرآن نسق يختلف عما يتداولونه في كلامهم وفي آدابهم التي بلغوا فيها القمة ووصلوا إلى أعلى درجاتها.
هذا يتفق فيه الرسل.
إذًا ما الفرق بين القرآن وبين المعجزات الأخر؟
نقول: إن الفرق بين القرآن وبين المعجزات السابقة يتركز في ثلاث نقاط:
الأولى: هي أن معجزة الأنبياء حسية، حسية بمعنى مُشاهدة، يؤمن بها من رآها بعينه، ومن لم يرها قد ينكرها؛ لأنها بالنسبة له خبر إن شاء صدقه وإن شاء رفضه، بمعنى: أنه موسى ﵇ مع قومه شاهدوا أن البحر قد انشق وأنه
стр. 6
جمدت فيه المياه وشكّلت هيئة جبل ومر موسى ﵇ ومن معه ثم عاد البحر كما كان قبل أن يمر موسى ﵇ ومن معه، وكذلك عيسى ﵇ عندما أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص، نظروا في هذا المعجزة وعلموها مع وجود عيسى ﵇ وشاهدوها بأعينهم، فهذه المعجزات التي أتى بها الأنبياء حتى معجزة إبراهيم ﵇ عندما حطم الأصنام وعندما جابه أهل الأوثان وبين لهم فساد معتقداتهم وجاءوا به ﵇ ليجعلوه عبرة لمن يتطاول على آلهتهم وسعّروا النيران وجعلوها مؤججة عالية تلتهم أي شيء يقربها حتى أن الطير إذا حام حولها سقط فيها من شدة لهيبها، هذه النيران التي جعلوها ليُلقوا فيها إبراهيم ﵇ على أعين الناس لعلهم يشهدون، هذه النيران سُلبت خاصيتها وهي الإحراق، فدخل إبراهيم ﵇ وجلس هانئًا مطمئنًا لا يشعر بحرها، بل إنها كانت بردًا وسلامًا عليه، ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيم﴾ (الأنبياء: ٦٩) هذه المعجزات لا يعرفها إلا من شهدها فهو يؤمن بها، أما من جاء بعدهم كانت بالنسبة له أخبار تحكى، وقول يسمعه إن آمن به آمن وإن جحد به كان له أن ينكر ذلك ويدعي أنه لا يصدقه.
هذا بالنسبة لمعجزات الأنبياء، أما القرآن على خلاف هذا، القرآن معجزة عقلية باقية خالدة إلى أن تقوم الساعة، القرآن حتى الآن هو معجزة النبي ﷺ الذي يُتحدى بها كل من لا يؤمن به، الذي لا يؤمن بالقرآن يقال له: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ (البقرة: ٢٣) يقال له: هذا كتاب الله أنزله على رسوله صدقًا إلى أن تقوم الساعة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فليس بالمعجزة الحسية وإنما هو معجزة عقلية، هذه هي النقطة الأولى.
стр. 7
النقطة الثانية: أن معجزات الأنبياء ﵈ من فعل الله أجراه على أيديهم، وفعل الله يزول بزوال من أُجري على يديه هذا الفعل؛ يعني بعد رفع عيسى ﵇ إلى السماء وبعد موت موسى ﵇ هذه المعجزات التي كانت تُرى على أيديهم لا تُرى؛ لأنها من فعل الله أجراه على أيدي النبيين الكريمين، فلما انقضى وقت إرسالهما زالت هذه المعجزة مع عدم وجودهما ﵉ أما معجزة القرآن هي صفة من صفات الله والصفة باقية؛ لأنها كلام الله فالصفة باقية ببقاء فاعلها .
أما النقطة الثالثة: هي أن الرسل الذين أنزلت عليهم الكتب "التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم" الرسل الكرام الذين أنزلت عليهم الكتب- لم تكن الكتب هي معجزتهم التي أرسلوا بها، وإنما كانت الكتب بالنسبة إليهم منهاجًا يسيرون عليه وشرعًا يحتكمون إليه ويوجهون أتباعهم إليه، فكانت لهم معجزات بخلاف الكتب المنزلة عليهم، ورسولنا الكريم ﷺ كانت معجزته هي عين منهجه؛ بمعنى أن القرآن منهج ومعجزة؛ القرآن منهج وضعه الله للأنام ليسيروا عليه وليعلموا شرع ربهم، وكذلك هو معجزة النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
هذا لا يعني أننا نقول: إن النبي ﷺ لم يكن له معجزات حسية، لا، كان النبي ﷺ له معجزات حسية مشاهدة كما ثبت في الصحيح من حنين الجذع إليه، ومن قول الشاة له؛ إنها مسمومة، وغير ذلك مما ذكر في الصحاح ومما ثبت من معجزات مشاهَدة لنبينا ﷺ ولكنها لم تكن هي المعجزة التي أُرسل بها، وإنما كانت ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، وكانت لتثبيت أصحابه -رضوان الله عليهم- وتثبيته هو -صلى الله عليه وصحبه وسلم- في
стр. 8
أحلك المواقف التي وضع فيها كفعله برسوله الكريم عندما أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ورفعه إلى السموات العلى وجعله يرى من آيات ربه الكبرى؛ كل ذلك من المعجزات، ولكن ذلك ليس هو عين معجزة النبي ﷺ فعين معجزة النبي -صلوات الله وسلامه عليه- في الكتاب الذي أرسل به للعالمين -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
لذلك نجد الفرق بين القرآن والكتب الأخرى؛ القرآن تكفل الله بحفظه؛ لأنه هو عين معجزة النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- بخلاف الكتب الأخرى لم يتكفل الله بحفظها، فدخلها التحريف والتبديل والنسيان، أما القرآن تعهد الله به: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) وذلك لبقاء المعجزة بمنهجها وحفظ المنهج بالمعجزة.
أوجه إعجاز القرآن
أما السؤال الثالث الذي نتعرض له فهو كما يقال: بيت القصيد، وغاية المريد؛ بمعنى: أن هذا السؤال هو الذي يستحق أن نقف عنده، لماذا؟ لأنه هو موضوع مادتنا طوال العام إن شاء الله .
وهو الوقوف على أوجه إعجاز القرآن، أو بيان كيفية إعجازه أهل الفصاحة والبيان وإخراسه كل إنسان:
في ذلك المضمار الذي هو بيان أوجه الإعجاز تسابق المتسابقون واجتهد المصنفون، بدليل أن دراستنا حول وجه من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم وهو الجانب اللغوي؛ ليتبين لنا لما عجز العرب عن معارضة القرآن والإتيان بمثله، ذلك السؤال الذي تنازعه أهل الأهواء وأهل الحق على السواء؛ فذهب المعتزلة
стр. 9
إلى القول بالصرفة وسيأتي بيانها، وذهب الأشاعرة إلى أن سر الإعجاز ما به من الإخبار عن الغيبيات ولنا مع ذلك وقفة أيضا إن شاء الله، وهناك من يقول: إن إعجاز القرآن في معانيه دون ألفاظه، وهناك من يقول: إن إعجاز القرآن في نظمه، وهناك من يقول: إن إعجاز القرآن في خلوه من التناقض، وفي العصر الحديث عصر العلم والتكنولوجيا كما يحلو لهم أن يطلقوا عليه ظهر الاهتمام بما يسمى الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، وهناك جهود وجهود حول إبراز أوجه جديدة للإعجاز في القرآن الكريم، كما فعل الأستاذ رءوف أبو سعدة في كتابه العلم الأعجمي في القرآن مفسرا بالقرآن، ووضع تحت هذا العنوان عبارة "وجه جديد في إعجاز القرآن الكريم".
كذلك لا بد لنا قبل أن نبين أوجه الإعجاز أن نفرق بين شيئين:
أولًا: بين إعجاز القرآن في ذاته، وبين تحديه: أي نفرق بين كون القرآن في ذاته معجزًا وبين كونه تحدى به رسول الله ﷺ العرب، فالقرآن في ذاته كله إعجاز؛ لأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فمن ثَم فأسراره لا تنتهي وعلومه لا تنقضي فكما أن منزله كما قال أبي العتاهية:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد
فإن كتابه الأسمى وكلامه الأعظم يجوز لنا أن نقول وفي كل حرف له آية تدل على أنه المعجز، فأما إعجازه في تحديه فهو بيان سبب عجز من أنزل عليهم عن الإتيان بمثله أو معارضته وهم أرباب الفصاحة وأهل البلاغة، بلغوا ذراها وخبروا منتهاها ومع
стр. 10
ذلك لم يلجئوا إلا إلى السيف في إخماد دعوة الحق معلنين عجزهم عن الإتيان بمثله أو عشر سور مثله مفتريات أو سورة من مثله كما سنبين إن شاء الله.
وما ورد من محاولة بعضهم معارضة القرآن كان عبارة عن سفاهات وافتراءات وكلام، كما قال الباقلاني في كتابه (إعجاز القرآن) هو أخس من أن نشتغل به وأسخف من أن نفكر فيه، ومن كان له عقل لم يشتبه عليه سخف هذا الكلام؛ يقصد ما حكي عن مسيلمة الكذاب في ادعائه أنه يستطيع أن يعارض القرآن وفي ادعائه أنه أوحي إليه مثل القرآن، وأن الله جعله نبيّا مشاركًا لرسولنا الكريم -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- وان الله أنزل عليه مثل ما أنزل على النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-؛ هذا القول الذي ورد في الكتب عنه كما قال الباقلاني أخس من أن نشتغل به:
يعني يقول: والليل الدامس والذئب الهامس ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس، ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى أخرج منها نسمة تسعى ما بين صفاء وحشا، ضفدع بنت ضفدعين نقي ما تنقين أعلاكِ في الماء وأسفلكِ في الطين لا الشارب تمنعين ولا الماء تكدرين، لنا نصف الأرض ولقريش مثلها ولكن قريشا قوم يعتدون والمبديات ذرعا والحاصدات حصدا والذاريات قمحا والطاحنات طحنا والخابزات خبزا.
كلام هراء وكلام يعني لا يستحق أن يوقف عنده، ولكنه ذُكر في الكتب لبيان كيف أن هذا الكذاب الضال خدع بعض الناس وتبعه بعض الناس على هذا الهراء الذي يقول؛ لتعلم أيها الابن الكريم كيف عصمك الله وشرّفك بهذا الدين، هذا الاستفسار الذي سأله أبو بكر ﵁ وأرضاه عندما جاءه بعض الناس من اليمامة وسألهم عما يقول مسيلمة فأخبروه بمثل هذا الكلام أو نحوه، فقال: سبحان الله هذا الكلام لا يكون عن إل؛ أي لا يخرج عن ربوبية يعني فكيف كنتم تصنعون يعني كيف استطاع أن يخدع بعضكم وأن يسير البعض وراءه وهو يقول هذا الهراء.
فمن ثَم كان الاهتمام ببيان إعجاز القرآن في لغته، وكيف جاء بديع النظم عجيب التأليف متناهيًا في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه؛ لأن هذا هو أساس التحدي الذي أعلنه النبي ﷺ : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى
стр. 11
أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: ٨٨) وهو تحدّ باق إلى قيام الساعة، هذا التحدي الذي مضى أكثر من أربعة عشر قرنا على إعلانه ولم يبطله جاحد به ولا مكذّب له.
وقد تبارى الناس في بيان ذلك على مر العصور ابتداءً بالخطابي والرماني والباقلاني، ومرورًا بعبد القادر الجرجاني وختامًا بالرافعي ودراز والسامرائي وغيرهم كثير من المتخصصين المعاصرين كأبي موسى وبيومي ولاشين وفضلا عن المفسرين كالزمخشري والآلوسي وسيد قطب وابن عاشور، وما ذكرته من أسماء إنما هو على سبيل التمثيل لا الحصر، فكم من متعرض لهذا المجال وكم من أناس تحدثوا عن إعجاز القرآن الذي بهر العقول بما فيه من جمال؛ لأنه تنزيل رب العالمين .
هذا الوجه من الإعجاز هو الذي جعل القرآن معجزًا من جميع الوجوه؛ نظمًا ومعنىً ولفظًا، لا يشبهه شيء من كلام المخلوقين أصلًا مميزًا عن خطب الخطباء وشعر الشعراء باثني عشر معنى لو لو يكن للقرآن غير معنى واحد من تلك المعاني لكان معجزًا، فكيف إذا اجتمعت جميعًا فيه.
هذا كلام الفيروز أبادي عندما عرض لأوجه الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم، أوجزها بوجود اثني عشر معنى في القرآن الكريم، وبدأ في بيانها والتمثيل لها، فذكر:
أولها: إيجاز اللفظ مع تمام المعنى على سبيل الحذف، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (يوسف: ٨٢) أي واسأل أهل القرية. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ (البقرة: ١٧٧) أي: ولكن البر بر من آمن. أو على سبيل الاختصار كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٧٩).
стр. 12
ثانيها: تشبيه الشيء بالشيء كقوله تعالى ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ (النور: ٣٦) ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ (إبراهيم: ١٨) وكما قيل الأمثال سرج القرآن.
وثالثها: استعارة المعاني البديعة كالتعبير عن تكوير الليل والنهار بالسلخ ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ (يس: ٣٧)، والتعبير عن المضي والقيام بالصدع ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ (الحجر: ٩٤) هذه الآية الكريمة عندما سمعها أعرابي سجدَ، فسألوه عن سبب سجوده قال: سجدت في هذا المقام لفصاحة هذا الكلام.
أما رابعها: فهو تلاؤم الكلمات والحروف بما فيه من جمال المقال وكمال الكلام: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ (النمل: ٤٤) ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ (يوسف: ٨٤) ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ (يوسف: ١٩) تلاؤم الحروف؛ كل ذلك- أذكر كلام الفيروز أبادي مع التمثيل لأنه هو موضوع دراستنا؛ سنقف عند كل شيء من ذلك بالتفصيل إن شاء الله أما في هذا الدرس فهو معرض لما سنتناوله ومدخل لما سندرسه؛ فلذلك أكتفي بذكر المثال دون التعريج بتوضيحه كاملا.
أما خامسها: فهو فواصل الآيات ومقاطعها، فصورةٌ فواصلها على حرف كسورة طه ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: ١ - ٥) تجد أنها تنتهي بحرف الألف، كذلك سورة القمر تنتهي بحرف الراء: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (القمر: ٢) إلى آخر الآيات، وهناك صور تنتهي فواصلها على حرفين كصورة الفاتحة بين الميم والنون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
стр. 13
نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (الفاتحة: ١ - ٧)، فبين الميم والنون سورة الفاتحة وكذلك صورة ق تجدها على حرفين أيضا.
وأما سادس هذه المعاني: فهو تجانس الألفاظ: وتجانس الألفاظ يكون على سبيل المزاوجة: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (النساء: ١٤٢) ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ (الشورى: ٤٠) ﴿هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَان﴾ (الرحمن: ٦٠)، أو من قبيل المناسبة كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُم﴾ (التوبة: ١٢٧) ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ﴾ (النور: ٣٧) فهذا من التلاؤم والتناسب بين الكلمات.
أما سابعها: فهو تصريف القصص والأحوال بألفاظ مختلفة وعبارات متنوعة، لو تأملها الغوّاص لعلم أن ما كرر فيها من ألفاظ إنما جاء للطائف وأسرار.
فثامنها: تضمين الحكم والأسرار، فعلى سبيل المثال سورة الفاتحة نصفها الأول يتضمن أحكام الربوبية ونصفها الثاني يقتضي أسباب العبودية، وذلك مثال وكذلك كل ما في القرآن من كلمة؛ إنما هي عبارة عن كنز معان وبحر حقائق، وكما تضمنت آيات القرآن جوامع الأشياء فهناك آية تجمع مكارم الأخلاق كقوله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين﴾ (الأعراف: ١٩٩)، وهناك آية تجمع حاجات الكائن الحي: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا﴾ (النازعات: ٣١) وهناك آيةٌ تبين كيف يُساس الناس وما هو مقاصد التشريع، وما الذي يريده الله منهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٩٠) هذا جانب تعرّض له العلماء، ولنا معه وقفه ان شاء الله في الآيات الجوامع.
стр. 14
أما تاسعها: فهو المبالغة في الأمر والنهي باستخدام الأسماء تارة وباستخدام الأفعال تارة أخرى؛ الأسماء كقوله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيد﴾، والأفعال: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا﴾ (الإسراء: ١٢) ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ (الإنسان: ١٦) ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ (الفرقان: ٣٩).
أما عاشرها: فهو حسن البيان: حسن البيان لجميع أحكام الشريعة؛ المقاصد والأغراض والمصالح والأسباب، كل ذلك مؤيد بالآيات القرآنية فإذا أردت دليلا للوحدانية تجد قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء: ٢٢) وإذا أردت آية ترشد لمصالح الصيانة والعفة تجد قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ (النور: ٣٢) ولرعاية مصالح النفوس: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (البقرة: ١٧٩) ولبيان أركان الإسلام: ﴿أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ (النساء: ٧٧) ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (البقرة: ١٨٣) ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (آل عمران: ٩٧)، ولبيان المعاملات: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥) ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (البقرة: ٢٨٢)، ذلك كثير في كتاب الله مما يميز حسن البيان في بيان الأحكام الشرعية وأحكام الشريعة التي جاء بها النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
أما الحادي عشر: فهو الإخبار عما كان، وضرب له الفيروزآبادي أمثلة من تخليق العرش والكرسي وحال الحملة والخزنة وكيفية اللوح والقلم ووصف السدرة وطوبى وسير الكواكب ودور الأفلاك ورفع السماء وتمهيد الأرض.
وأما الثاني عشر: فهو الإخبار عما يكون، كأخبار الموت والقبر والبعث والنشر والقيامة والحساب والعقاب والعرض والحوض والسؤال ووزن الأعمال والميزان والصراط ... إلى غير ذلك مما جاء به القرآن الكريم وبينه رسولنا -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
стр. 15
هذا الذي ذكره صاحب (البصائر) أي الفيروزآبادي لا نستطيع الزعم بأنه كل معاني الإعجاز، بل لا نسلم بأنه جلها فكم من أشياء أخر ذكرها المهتمون بهذه القضية، بل لا نستطيع حصر الإعجاز والتحدي في الجانب اللغوي فقط؛ لأن اللغة إطار توضع فيه المعاني، وكم في المعاني من أسرار لا يعلمها إلا مكور الليل على النهار ومن جاد عليهم من عباده الأخيار؛ فذلك علم يمنحه الله هبة وفضلا لمن يشاء.
ولك أن تتأمل -أيها الطالب النجيب- كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وكون القرآن أنه معجزة ليس هو من جهة فصاحته وبلاغته فقط أو نظمه وأسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط، ولا من جهة صرف الدواعي عن معارضته فقط، ولا من جهة سلب قدرتهم عن معارضته فقط؛ بل هو آيةٌ بينة معجزة من وجوه متعددة؛ من جهة اللفظ ومن جهة النظم ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أمر بها ومعانيه التي أخبر بها عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته، وغير ذلك، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الميعاد، ومن جهة ما بين فيه من الدلائل اليقينية والأقيسة العقلية، التي هي الأمثال المضروبة كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (الكهف: ٥٤)، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا﴾ (الإسراء: ٨٩) وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (الزمر: ٢٧، ٢٨).
وكل ما ذكره الناس من الوجوه في إعجاز القرآن هو حجةٌ على إعجازه، ولا يناقض ذلك، بل كل قوم تنبهوا بما تنبهوا.
стр. 16
ما أجمل كلام شيخ الإسلام ﵀.
لذلك قال شيخنا محمد أبو موسى: أما أن وجه إعجازه هو الإخبار بالغيب أم لأمر يرجع إلى لفظه أم لأمر يرجع إلى معناه أو نظمه- فذلك مما وسّع الله فيه على الأمة؛ ولهذا اختلفت فيه مقالتهم واتسعت؛ الأمر فيه سعة كما يقال.
وما أجمل ما قاله الرافعي ﵀ في كتابه (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية) يقول: وما أشبه القرآن الكريم في تركيب إعجازه وإعجاز تركيبه بصورة كلامية من نظام هذا الكون الذي اكتنفه العلماء من كل جهة وتعاوروه من كل ناحية ولقوا جوانبه بحثًا وتفتيشًا، ثم هو بعد لا يزال عندهم على ذلك خلقًا جديدًا ومرامًا بعيدًا وصعبًا شديدًا، وإنما بلغوا منه إذ بلغوا منه نذرًا تهيأت بضعفه أسبابه، وقليلًا عُرف لقتله حسابه وبقي ما وراء ذلك من الأمر المتعذر الذي وقفت عنده الأعذار ولابتغاء المعجز الذي حط عنده قدر الإنسان؛ لأنه مما سمحت به الأقدار.
وكأنه ﵀ يشير إلى حقائق التنزيل اليقينية: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا﴾ (الإسراء: ٨٥) ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ (البقرة: ٢٥٥) فالبحث في هذا المجال واسع واسع واسع.
كيفية تحدي نبينا ﷺ للعرب
أما السؤال الرابع: وهو كيفية تحدي نبينا الكريم -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- للعرب يستلزم منا بيان شيئين:
الأول: هو ما أكده الله في حق كتابه ورسوله.
الثاني: صور التحدي وتصعيد درجته.
стр. 17
أولًا: نقول: إن الله أكد في كتابه أن كتابه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه تنزيل رب العالمين، وأنه أُرسل إلى رسولنا -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأكد الله أن رسوله ﷺ ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى، وأكد أن النبي ﷺ لم يكن يتلو قبل بعثته كتابًا ولا يعرف القراءة: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُون﴾ (العنكبوت: ٤٨) وأن النبي ﷺ لم يقل مثلما قال قبل بعثته: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ (يونس: ١٦).
وأكد أن القرآن ليس بقول شاعر لا بقول كاهن، وأن النبي ﷺ ليس مجنونا ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُون﴾ (التكوير: ٢٢) هذا الافتراءات التي ذكرها أهل مكة في محاربة النبي ﷺ فزعموا أنه شاعر وزعموا أنه ساحر وزعموا أنه كاهن وزعموا أنه مجنون؛ كل ذلك أبطله القرآن، ولكن هذا الخطاب لأهل الإيمان، فلما لم يؤمنوا واستمروا على عنادهم كانت النقطة الثانية هي التحدي.
صورة التحدي التي واجه بها النبي - صلى الله عليه وآلة وصحبه وسلم - هؤلاء المشركين: لماذا؟ لأنهم كما قال الله ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ (الأنعام: ١١١)، ولأنهم بلغوا من الوقاحة والتبجح أن ادّعوا ما لا يستطيعون ﴿لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِين﴾ (الأنفال: ٣١) من هنا كان التحدي، فأعلنها رسول الله ﷺ صريحة: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: ٨٨)؛ ليكون ذلك إعلانًا على عجزهم ونداءً على كذبهم فيما ادعوا، فتمادوا في عنادهم وادعوا أن القرآن كذب وافتراء ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (الفرقان: ٥) مع تيقنهم من كذب دعواهم؛ فأنى للأمي صلوات الله وسلامه عليه أن
стр. 18
يكتب؟ وكيف تعلمها؟ ومن أين تعلمها؟ وهو لم يخرج من بين ظهرانيهم، وهم لا علم لهم بهذه الأخبار التي يخبرهم بها -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- فكان التحدي الثاني ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (هود: ١٣) فإن كانت المسألة كذبًا وافتراءا وأساطير فما عليكم إلا أن تأتوا بمثلها، بل بمثل عشر سور فقط مفتراة كما تدّعون، فإن كنتم نسبتم إليه -صلوات الله وسلامه عليه- الكذب والافتراء وأنتم اللذين لقبتموه بالصادق الأمين فما الذي يحول بينكم وبين الافتراء وأنتم أرباب ذلك؟ افتراء افتراء!! فعليكم أن تفتروا مثلما افترى عشر سور مثله مفتريات، فلما عجزوا أيضا بلغ التحدي ذروته فوصل للدرجة العليا ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٣، ٢٤).
فلم يعد لهم حجة في الادعاء والإنكار والتكذيب، فليسوا مطالبين بأكثر من سورة ومع ذلك هم عاجزون بل لم ولن، انظر -رحمك الله- إلى التعبير بـ"لم ولن" لم تفعلوا ولن تفعلوا، لم نفي الماضي ولن نفي المستقبل، فهم لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يأتوا بسورة من مثله، فكانت الحجة القاطعة بعدم الاستطاعة إلى قيام الساعة، فلن نفت المستقبل والخطاب لهم ولمن بعدهم، وكأن الله يعلمنا هذه العبارة نقولها لكل من سوّلت له نفسه الطعن في القرآن أو تكذيب خير الأنام؛ أن نقول له: فأتوا بسورة من مثله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 19
الدرس: ٢ تابع: مقدمة في وجوه الإعجاز - الصرفة، والإخبار بالغيبيات .
стр. 20
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني
(تابع: مقدمة في وجوه الإعجاز - الصرفة، والإخبار بالغيبيات)
لماذا نهتم بالإعجاز اللغوي في القرآن ؟
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، اللهم صلِّ على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وآل بيته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد؛ وبعد:
انتهينا إلى الحديث عن: لماذا نهتم بالإعجاز اللغوي؟
لا يشك عاقل أن لغة القرآن تختلف عن لغة البشر، وأن تراكيبها وأسلوبها ونظمها متناهٍ في البلاغة والفصاحة، إلى درجةٍ لا يصل إليها أحدٌ من البشر، ولو كان سيدهم -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَي إِلَيَّ﴾ (يونس: ١٥).
فيكفيك دليلًا أن فصاحة سيد الفصحاء وإمام البلغاء لا ترقى لفصاحة القرآن، فما بالكم بمن دونه من البشر وذلك سائر البشر؛ ولذلك كان الاهتمام بالجانب اللغوي في القرآن لإبراز الفروق بين كلام الرحمن وكلام الإنسان، وصنفت في ذلك التصانيف؛ فالباقلاني في (إعجاز القرآن) أسهب في إثبات أن القرآن ليس شعرًا ولا سجعًا، وعرض نماذج لما يفتخر به العرب من شعرهم ونثرهم، ووازن بينه وبين القرآن لبيان الفرق الشاسع بينهما، والجرجاني صنف كتابه (دلائل الإعجاز) للاستدلال بنظرية النظم على تفرد القرآن في ذلك، وابن أبي الإصبع المصري صنف كتابًا سماه (تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن) فيتضح لك من العنوان مراد الرجل أن من تأمل الشعر والنثر بان له إعجاز القرآن في الجانب اللغوي؛ ولذلك أذكر لكم موازنة ذكرها الباقلاني في كتابه (إعجاز القرآن)؛ ليستدل بها على الفروق بين كلام الله وبين كلام العرب، فجعل الفروق في نقاط:
стр. 21
النقطة الأولى: هي أن النظم القرآني خارج عن المعهود من نظم كلامهم، فليس من الشعر ولا من النثر المرسل ولا المسجوع.
النقطة الثانية: هي أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة على هذا القدر من الطول، وما نُسب من الفصيح لحكيمهم فكلمات معدودة، ولشاعرهم فقصائد محصورة.
النقطة الثالثة: أن نظم القرآن لا يتفاوت على ما يتصرف فيه، والوجوه من قصص ووعظ واحتجاج وحكم وأحكام ووعد ووعيد ووصف وتعليم وأخلاق كريمة وغير ذلك مما حواه القرآن، بينما كلام بلغائهم يختلف بحسب الأغراض؛ فمنهم من يجيد الوصف دون الغزل، ومن يحسن إذا رغب والآخر إذا طرب وغيرهما إذا ركب، فهم ليسوا على درجة سواء من الفصاحة في شتى الأغراض؛ يعني: يقصد ببساطة أن القرآن كله فصيح، وكله على أعلى درجات الفصاحة في شتى أغراضه؛ سواء كانت حكمًا أو مواعظ أو تشريعًا أو قصصًا أو غير ذلك، فكلها على درجة من الفصاحة، وكلها على أعلى درجات الفصاحة، بينما الشعراء والخطباء يجيدون تارة ويخفقون أخرى؛ فلذلك نقول ذلك يحسن إذا طرب؛ يعنى إذا تحدث في الشعر الذي يتعلق بالوصف وغير ذلك، والآخر إذا رغب؛ يعني إذا تحدث في المدح والآخر إذا ركب يعني إذا فاخر أو تحدث في وصف خيله وكذا، فكانوا يحسنون في مجالات دون الأخرى.
النقطة الرابعة: أن المعاني التي جاء بها القرآن اتسقت في أسلوب بديع يتعذر على البشر، وهي معاني مبتكرة غير متداولة؛ كالاحتجاج بالدين وبيان الشريعة والرد على الملحدين، فهذه المعاني الجديدة الأصل أن يكون فيها من الصعوبة ما ليس في غيرها من المعاني المتداولة، ومع ذلك كان القرآن يعرض هذه المعاني بنسق بديع لا يستطيع البشر أن ينسقوا على منواله مع المعاني المتداولة وليست المبتكرة التي جاء بها القرآن الكريم.
стр. 22
النقطة الخامسة: أنه عليك أن تتأمل موقع الآية القرآنية وسط الكلام، حين يُتمثل بها في تضاعيف الكلام؛ ليظهر لك فضل القرآن على سائر الكلام، فالآية المستشهد بها وسط خطبة مثلًا تجدها هي غرة الخطبة، وهي واسطة عقدها، وتنادي على نفسها بالتميز والاختصاص بالرونق والجمال، ومن ثم نقول: إن وجه الإعجاز الحق هو ما اتسم به القرآن من بلاغة، تحير فيها أهل الفصاحة من العرب وأعيان البلاغة، من بينهم فسلموا ولم يشغلوا أنفسهم بمعارضته لعلمهم بالعجز عن بلوغ مداه، وقوله تعالى حكاية عنهم ﴿لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ (الأنفال: ٣١) يحمل دليل عجزهم، فلو كانوا على ما وصفوا به أنفسهم من القدرة على المجيء بمثل القرآن لتجاوزوا الوعد إلى الوفاء بما ادعوا، فلما لم ينجزوا ما وعدوا عُلم عجزهم وقصور باعهم.
ثمرة دراسة إعجاز القرآن
هذا السؤال المبارك طرحه الدكتور العواجي وأجاب عنه في كتابه، فذكر بعض النقاط قال:
أولًا: تقرير الكشف عن إعجاز القرآن وأنه قد تحقق ولا زال يتحقق عبر العصور والأزمان.
ثانيًا: إقامة الصلة بين قلب المسلم وكتاب الله ، فيزداد الإيمان بإدراك القدرة والأسرار.
ثالثًا: تجدد حياة المسلم بتدبر معاني القرآن وإدراك أسرار الإعجاز بشتى أنواعه.
رابعًا: إدراك أن المعجزة القرآنية قائمة ما دامت الحياة وما عاشت الأجيال.
خامسًا: إدراك صدق النبي ﷺ وإلزام المعاند بذلك، وهذا صنف فيه شيخ الإسلام ﵀ كتابًا كاملا (الجواب الصحيح).
سادسًا: بيان صحة هذا الدين وثبوت كونه من عند الله .
стр. 23
واما النقطة السابعة التي ذكرها الدكتور العواجي: فهي حصول هداية الخلق وقيام الحجة على الجميع والمعذرة إلى الله .
ونستطيع أن نضيف إلى ما ذكره شيخنا من هذه النقاط السبعة، نقطة في غاية الأهمية، قد تكون مستنبطة من كلامه وإن لم يصرح بها؛ وهي الوقوف في وجه تيار الإلحاد المنتشر كالهشيم عبر الفضائيات وشبكة المعلومات؛ من الطعن في القرآن وادعاء أن فيه تناقضًا وإشكاليات لغوية؛ فالذي يدرس إعجاز القرآن يستطيع إقامة الحجة بالبرهان على كذب هؤلاء الهالكين؛ إذ لو كان لما قالوا أدنى احتمال ما سكت عنه من تُحدوا به، فإن النبي ﷺ تحدى العرب وهم أهل الفصاحة والبيان، بل وصلوا إلى قمتها عند بعثته -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولم يجدوا مطعنًا في القرآن وأسلوبه وفصاحته، فكيف يأتي هؤلاء الصبيان الذين لا يفرقون بين أنواع الكلام وهم عن الفصاحة بمعزل وكلامهم غث وغثيان- فيذكرون الآن أن في القرآن طعنا وأن في القرآن تناقضًا وأن في القرآن غير ذلك!! تعالى الله وكلامه عما يقولون علوا عظيمًا.
مسألة الصرفة
وبعد هذه المقدمة ننطلق إلى أولى جزئيات المنهج المطروحة للنقاش وهي "مسألة الصرفة" وهل هي سر إعجاز القرآن؟
الصرفة مسألة من المسائل التي شغلت أهل هذا الفن؛ يعني الذين اهتموا بمسألة إعجاز القرآن، فالصرفة تعد عند المعتزلة هي سر الإعجاز، هذه المسالة مسألة فيها تفاصيل، حتى إ ن الدكتور محمد أبو موسى سماها قصة الصرفة، في كتابه (الإعجاز البلاغي) أفرد فصلا للصرف وسماها قصة الصرفة، قصة الصرفة بمعنى
стр. 24
أن هذه المسالة تحتاج إلى وقفة وإلى بيان، وهو جزاه الله خيرا أفرد لها ما يزيد عن خمس وأربعين صفحة، وبين ما يتعلق بهذه المسالة، وإن كان لنا يعني وقفة مع بعض ما قاله الشيخ حفظه الله، فمسألة الصرفة من المسائل التي اختلفت فيها أقوال أهل العلم، وكان منشأ اختلافهم هو اختلافهم في المقصود بالصرفة، وهل هي من الصرف أم من الانصراف؟ وبعد ذلك اختلفوا هل انصرافهم عن الإتيان بمثله لفظًا ومعنى أم بمثله معنى فحسب؟ أو الإتيان بمثل نظمه الذي جاء على خلاف لغة العرب وكلامهم؟
والذي أراه أن منشأ هذا الخلاف هو أن أول من قال بالصرفة هو أبو إسحاق النظام رأس المعتزلة في عصره، والرجل تراثه بين طلابه؛ أي ليس له مصنف نستطيع من خلاله الوقوف على قوله صراحةً، فالمسألة أثارها تلميذه الجاحظ ونسبها إليه، ودحضها في كتابه (البيان والتبيين) ولعل هذا ما دفع الأكابر كابن تيمية ﵀ إلى الاهتمام ببيان فساد القول دون الاهتمام بقائله، ولكن كون قائله النظّام وهو رأس في البلاغة والفصاحة دفع آخرين لرفض صدور هذا الكلام بهذا الفهم من مثله وهو من هو، وخاصة أن من النصوص المذكورة ما يبرّئ ساحة الرجل من الوقوع في مثل هذا القول الضعيف المردود المتهافت، الذي لا يصدر عمن هو دونه لغةً وفصاحة.
وبعد هذه التساؤلات والافتراضات لعلك أيها الطالب قد شُحذت همتك وعلت رغبتك في معرفة تفاصيل هذه القصة، ومن ثم فهناك مصادر أحيلك عليها إذا أردت الاستزادة أو الوقوف على هذه المسألة تفصيلًا؛ فعندك كتاب العلامة أبي موسى (الإعجاز البلاغي) الفصل الثامن، وعندك كتاب (إعجاز القرآن) للباقلاني وعندك الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز) وشيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه
стр. 25
(الجواب الصحيح) والدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه (النبأ العظيم) والدكتور محمد رجب بيومي في (الموسوعة القرآنية المتخصصة) تناول هذه المسالة، والدكتور أحمد أحمد بدوي في كتابه (من بلاغ القرآن) كل هؤلاء تعرضوا لهذه المسألة، فإن أردت المزيد من التفاصيل فعليك أن ترجع إلى هذه المراجع.
أما إن لم تكن همتك قد ارتقت إلى هذا الحد، وإنما تريد خلاصة القول فانتبه معي -رحمك الله- لهذه النقاط التي تحوي الإجابة الشافية إن شاء الله :
أولًا: الصَّرفَة لغةً واصطلاحًا:
الصرفة في اللغة: هو الرد والمنع كما ذكر الجرجاني في (التعريفات) ويقال: صرف الله عنك السوء، ومن المجاز صرف عن عمله أي عزل، وهو لفظ قرآني: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين﴾ (يوسف: ٢٤) ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ (آل عمران: ١٥٢) ومن هذا المعنى اللغوي انطلقت تفاسير العلماء للصرفة؛ فهي تعني أن العرب لم يكونوا عاجزين عن معارضة القرآن ولا الإتيان بمثله طبْعًا، إلا أن الله صرف همتهم وحبس لسانهم وسلبهم قدرتهم لطفًا بنبيه ﷺ وفضلًا منه عليه؛ وذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء: ١١٣) هذا ما ذكره الفيروزآبادي في (بصائر ذوي التمييز) وعلق على هذا الكلام بأنه قول مردودٌ غير مرضي.
والصرفة: هي أن العربي كان على مثل نظم القرآن قادرًا، وإنما صرفه الله عن ذلك ضربًا من الصرف أو منعه من الإتيان بمثله ضربًا من المنع، أو قصرت دواعيه إليه دونه مع قدرته عليه؛ ليتكامل ما أراده الله من الدلالة ويحصل ما قصده من إيجاد الحجة، أو هو أن الله صرف قلوب الأمم عن معارضته مع قيام
стр. 26
المقتضى التام، أو سلبهم القدرة المعتادة في مثله سلبًا عامًّا مثل قوله تعالى لزكريا ﵇: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ (مريم: ١٠)، فإن زكريا ﵇ لم يكن مريضًا ولا به علة تمنعه من الكلام، إلا أن الله جعل عدم كلامه آية وعلامة على البشارة التي بُشر بها ﵇، وهذا الذي ذكره في معنى الصرفة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
طبعًا هذا القول الذي قيل من أن الله صرفهم عن أن يقولوا مثل القرآن مع إمكانيتهم أن يقولوا مثله- هذا القول باطل فاسد مردود من وجوه عدة:
اتفق أهل العلم على رفض هذا القول، وأسهبوا في بيان بطلانه، واحتجوا لذلك بأدلة منها:
أولًا: لو كانت المسألة بالصرف والمنع لم يكن هناك داعٍ لأن يكون القرآن على هذا النظام العجيب، وأن يظهر فيه من الفصاحة هذا النصيب العالي، بل يظفر من الفصاحة بأوفى نصيب.
ثانيًا: أنهم لو كانوا مصروفين لم يكن من قبلهم من العرب مصروفين؛ لأنهم لم يُتحدوا به، ولم نعثر في تراث العرب على ما يُشابه القرآن.
ثالثًا: أنه لو كانت المعارضة ممكنة لولا الصرف لما كان القرآن معجزًا؛ لكون الإعجاز في المنع، ليس في القرآن؛ فإذًا لا يتضمن القرآن في نفسه فضيلة على غيره، ولا أمكن من جاء بعد زمن التحدي معارضته.
رابعًا: لو كان الإعجاز بالصرفة لما استعظم العرب بلاغة القرآن وتعجبوا من حسن فصاحته، كما أُثر عن الوليد ابن المغيرة وقصته المشهورة عند سماعه
стр. 27
القرآن، وعندما سئل عن رأيه فيه، فقال: "إن أعلاه لمورق وإن أسفله لمغدق، وإنا له لطلاوة وإن عليه لحلاوة"، والقصة المشهورة من غيرهم عندما كانوا يتسللون لسماع القرآن انبهارًا ببلاغته وبجمال قوله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، عندما كان يتلو آيات ربه، فلو كانت المسألة بالصرفة لما استعظم العرب بلاغة القرآن، وتعجبوا من حسنها وفصاحتها.
خامسًا: أن العجز يشمل الإنس والجن، والقول بالصرفة يُدخل رسولنا الكريم ﷺ فيه، وهذا يعني أن النبوة أوجبت أن يُمنع النبي ﷺ شطرًا من بيانه وفصاحته، وهو أفصح العرب؛ هو بذلك لا يستطيع أن يقول مثل القرآن، وأنه ﷺ عندما تلا عليهم قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ (الإسراء: ٨٨) تلا عليهم هذه الآية وتحداهم مع استطاعته أن يأتي بمثل القرآن، لولا أن الله صرفه عن ذلك، إلا أن يقولوا تبجحًا وجهالة: إنه -صلوات الله وسلامه عليه- كان دونهم في الفصاحة.
ويرد هذا القول إن قيل -عياذا بالله-: أنه ﷺ أفصح العرب، ولا يشك في ذلك عربيٌّ سمع كلامه -صلوات الله وسلامه عليه-؛ بمعنى أن النبي ﷺ أفصح العرب، لغته وفصاحته أقل من فصاحة القرآن الكريم، لو كانوا يستطيعون ذلك -العرب لو كانوا يستطيعون أن يعارضوا القرآن- وصرفت عنه قرائحهم، لقالوا للرسول ﷺ : ما لنا قد نقصنا في قرائحنا وقد حدث كلول في أذهاننا، بسبب سحرك الذي سحرته لنا؛ إن آية التحدي تدل على فساد هذا القول؛ فهي نص في عدم استطاعتهم، لا في الحول بينهم وبين فعل ذلك: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ فالله نص على أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثله، وليست الآية في أنهم حيل بينهم وبين أن يأتوا بمثل القرآن.
стр. 28
وأخيرًا إن لجوءهم إلى السيف في محاربة النبي ﷺ وإلى سيادة منطق القوة واضطهاد النبي ﷺ وأتباعه؛ دليلٌ قاطع على عجزهم عن القول، وإلا فالتحدي واضح، فالنبي ﷺ أثار قرائحهم، والنبي ﷺ سفّه آلهتهم، وعاب أحلامهم، وبيّن سفههم، وواجههم بما لو كانوا يستطيعون أن يردوه لردوا، ولو كانوا يستطيعون أن يقولوا مثل القرآن لقالوا، أما قولهم: ﴿لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِين﴾ فذلك يدل على رغبتهم في الرد، فلما عجزوا لفصاحة القرآن ونظمه على غير مثال كلامهم اكتفوا بالادعاء، وهذه عادة من لا يستطيع أن يفعل شيئًا، فيقول: أستطيع أن أفعل، فيدعي، عندما يعلم عجزه يكتفي بأن يتكلم، فالقول بالصرفة بمعنى أن الله صرفهم عن ذلك هذا قول فاسد، واهتم الباقلاني ببيان فساده واهتم كذلك عبد القادر الجرجاني ببيان فساده، وما قلته هو ملخص ما ذكره الإمامان في هذه المسألة.
ثالثًا: ننتقل إلى النقطة الثالثة في الصرفة:
وهى فهم آخر للصرفة، ليس بالمعنى الذي ذكرنا، معنى آخر للصرفة، هذا المعنى قبله أهل العلم الثقات ورضوا به، هذا المعنى يتركز في الآتي:
بمنتهى البساطة كما يقال أن معنى الصرفة الذي ذكر لا يليق بشخص مثل النظام، هذا النظام يعني يروى أنه بدأ شاعرًا وانتهى متكلمًا، وأنه كان على درجة عالية من الفصاحة والبيان، وأنه في مواقف كثيرة له يذب ويدافع عن فصاحة القرآن وعن بلاغة القرآن، فكيف يخرج من النظام فهم مثل هذا الفهم الذي قيل من أن الله صرفهم عن القرآن قهرًا، وأن الله جعلهم لا يقولون مثل القرآن؛ فلذلك رفض أهل التحقيق مثل الدكتور محمد محمد أبو موسى والدكتور محمد
стр. 29
رجب بيومي رفضا أن يكونا هذا الفهم هو فهم النظام أو هذا القول هو كلام النظام لأسباب؛ منها ألا فصاحة هذا الرجل وأنه على درجة عالية من الفصاحة، فلا يليق منه أن يخرج هذا الكلام، وثانيًا أنه قال هذا الكلام إن قيل على معنى آخر ليس بمعنى أن الله صرفهم قهرًا.
كيف فسر هذان العالمان الجليلان القول بالصرفة؟
قال الدكتور محمد رجب بيومي: الصرفة عن المعارضة بمعنى أن العرب حين دُهشوا من روعة القرآن وبهرهم تأثيره بما فوق القدرة؛ انصرفوا تلقائيّا عن معارضته؛ لأنهم علموا أنهم مهما حاولوا هذه المعارضة وجمعوا لها أساطين القول من بلغائهم المعدودين فلن يأتوا بسورة من مثله، فكانت الصرفة عن المعارضة التي توقعوا استحالتها- هي وجه الإعجاز الذي عناه النظام.
وشبها المسألة بالمهندس الذي يشيد بناءً رائعًا، وهذا المهندس هو عبقري في عمله فيأتي بزملائه ويقول لهم: اصنعوا بناءً مثل الذي صنعته، فيعترفون بعجزهم عن صناعة مثل هذا اعترافًا منهم بأن هذا البناء لا يستطيعون أن يفعلوا مثله، فهذا معنى الصرفة الذي فهمه والذي ذكره الدكتور محمد رجب بيومي واستحسنه، ويقول: إن هذا المعنى هو الذي يليق بالنظام.
أيضًا الدكتور أبو موسى، رأى هذا المعنى واستدل عليه بأشياء منها فصاحة وبلاغة النظّام تُنافيان عدم إدراكه الفرق الفائت بين القرآن وكلام الناس، ومنها
стр. 30
أن النظام ذكر مع الصرفة الإخبار بالغيب، فبذلك يكون القرآن معجزًا بأمرين -لا بالصرفة فحسب- وهذا يؤكد أن النظام يدرك أن نظم القرآن متفرد في معانيه، وأن الصرفة وحدها ليست هي سر الإعجاز، ومنها أنه أراد أن يسد باب الشبهة وأن يحسم الأمر مرة واحدة في وجه أهل الزيغ الذين يثيرون ما ينقد حجة النبوة، ولم يشأ أن يجادلهم في أمر النظم؛ لأنهم لا ذوق لهم وهم أهل عناد، كما قال الله في أسلافهم: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ (الأعراف: ١٤٦).
واستأنس شيخنا بقول ابن كثير ﵀ عن الصرفة بأنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة والمنافحة عن الحق، مع أنها غير مُرضية، ونص على أن القول بالصرفة بالفهم المذكور ليس قادحًا في الدين بل هو آية صدق النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
شيخنا أبو موسى استدل بأن الفهم الحسن للصرفة هو فهم الخطابي، وذكر أنه فهم جيد وأنه عرض جيد للصرفة.
قال الخطابي: ولو كان الله بعث نبيّا في زمن النبوات، وجعل معجزته في تحريك يده أو مدّ رجله في وقت قعوده بين ظهراني قومه ثم قيل له: ما آيتك؟ فقال: آيتي أن أحرك يدي أو أمد رجلي، ولا يمكن أحد أن يفعل مثل فعلي، والقوم أصحاء الأبدان لا آفة بشيء من جوارحهم، فحرك يده أو مد رجله، فراموا أن يفعلوا مثل فعله، فلم يقدروا عليه- كان ذلك آية دالة على صدقه، وليس يُنظر في المعجزة إلى عظم حجم ما يأتي به النبي ولا إلى فخامة منظره، وإنما تُعتبر صحتها بأن تكون أمرًا خارقًا عن مجال العادات ناقضًا لها.
طبعا نعلق على كلام الشيخين تعليقا بسيطًا:
стр. 31
أولًا: قضية الصرفة عمومًا يبطلها أن العرب حاولوا الإتيان بمثل القرآن؛ يعني القائل بالصرفة هذا يلزمه أن يُثبت تاريخيّا أنه لم يحاول أحد أن يعارض القرآن أو أن يقول مثل القرآن؛ لأن الله صرفهم، فلو كان الله صرفهم عن قول القرآن أو عن محاكاة القرآن لما رأينا في الكتب المحاولات التي كانت من مسيلمة في ادعائه قرآنًا وغير ذلك من المحاولات التي وردت عن بعض الملاحدة والزنادقة، وقد أسهب وذكر ذلك شيخنا مصطفى صادق الرافعي في كتابه (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية) ذكر قصص والمحاولات التي وردت في معارضة القرآن.
فإذًا القول بالصرفة يبطل بشهادة التاريخ، كما يقال: أن الناس حاولوا أن يُعارضوا القرآن ولكنهم لم يصلوا إلى ذلك، فلو كانت المسألة صرفة ابتداءً لما سمعنا أن أحدًا حاول أن يعارض القرآن، فهم حاولوا ولكنهم عجزوا وفشلوا، حتى المحاولات قائمة إلى عصرنا هذا، وما نبأ ما ذُكر عبر الإنترنت وغير ذلك ممن حاولوا أن يبدّلوا ويغيروا في القرآن، وأن يأتوا بأشياء يلبّسون بها على من لا صلة لهم بالقرآن، ممن ينتسبون إلى دين الإسلام، ويلبِسون الحق بالباطل، وهذه المحاولات مستمرة حتى يومنا هذا.
ثانيا: ذكر الدكتور أحمد بدوي في كتابه (من بلاغة القرآن) عبارة صريحة، قال: قال النظام: إن الله تعالى ما أنزل القرآن ليكون حجة على النبوة، بل هو كسائر الكتب المنزلة لبيان الأحكام من الحلال والحرام، والعرب إنما لم يعارضوه لأن الله تعالى صرفهم عن ذلك.
هذه العبارة واضحة في أن النظام ذكر الصرف بالمعنى المذموم صراحةً، ولكن هذه العبارة لا نستطيع أن نجزم بنسبتها إلى النظّام، حتى إن أستاذنا أستاذ أحمد
стр. 32
بدوي ﵀ لم يذكر مرجعًا لهذه العبارة، وعبارات النظام -كما قلت- ليس هناك كتاب نستطيع أن نأخذ منه عبارة النظام بنصها، فواضح أن هذا هو ما اشتهر عن النظّام، صاغه أستاذنا بهذه العبارة.
إن تركيب الكلام في حد ذاته ليس على مقدار فصاحة النظام التي تحدثوا عنها وذكروها، من هنا نأتي إلى النقطة الثالثة:
أنه ليست قضيتنا الدفاع عن المعتزلة، وبيان ما يليق بمكانتهم، وأنهم أهل فصاحة وأهل بلاغة وأهل بيان، وأن هذه المسألة قال بها كثير من المعتزلة ممن يُعرفون بإدراكهم لبلاغة القرآن وفصاحته، هذا الكلام ليس قضيتنا، وليس هو مناط حديثنا؛ لأن المعتزلة كم لهم من سقطات في الاعتقادات، بلغت درجة الضلالات، ونسأل الله السلامة والعافية من أهل البدع والأهواء عمومًا.
فالقضية ليست دفاعًا عن المعتزلة، وإن هؤلاء مع فصاحتهم ومع بلاغتهم وقعوا في أخطر من القول بالصرفة؛ يعني وقعوا في أشياء أخطر من الصرفة.
ورابعًا: خلاصة الصرفة: أن القول بالصرفة بمعنى صرفهم قهرًا عن الإتيان بمثل القرآن- مردود، ولا يُقبل من صاحبه النظام أو غيره.
أما القول بها بمعنى أنهم انصرفوا عن معارضته اعترافًا بالعجز عن مضاهاته إدراكًا لتفرده وعلو شأنه وتفرد نظمه- فهذا يُقبل ولا شيء فيه؛ لأنه يندرج تحت الجهود الأخرى التي تعرضت لإعجاز القرآن في نظمه وأسلوبه وتراكيبه، كما سندرس إن شاء الله.
فشتان ما بين الصرف والانصراف؛ الصرف: يكون بفعل خارج عنهم، أما الانصراف فيكون بفعل منهم؛ ﴿ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُم﴾ (التوبة: ١٢٧).
هذه مسألة الصرفة، قد فرغنا منها، وقلنا فيها ما يكفي إن شاء الله .
стр. 33
الإخبار عن الغيبيات
والآن ننتقل إلى جزئية أخرى من جزئيات المنهج المقرر وهي جزئية "الإخبار عن الغيبيات":
الخلاصة: أن الفرق الكلامية التي تحدثت عن هذه المسألة فرقة المعتزلة وهذه قالت بالصرفة، وناقشنا كلامهم، والفرقة الأخرى هم الأشاعرة؛ الأشاعرة ينسبون الإعجاز في القرآن الكريم على الإخبار عن الغيبيات، أن القرآن اشتمل عن أخبار لا يكون للنبي ﷺ معرفةً بها؛ هذه الأخبار التي أخبر بها النبي ﷺ من أنباء الغيب، سواء أكان شيئًا حدث أو شيئًا سيحدث فإن النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- أخبر عن هذه الأشياء، وهي آية صدقه، وهذا هو الموضوع الذي نقف معه.
اهتم علماؤنا ببيان هذه الخاصية، وهي أن القرآن يشتمل على الغيبيات.
الإخبار عن الغيبيات قسمها العلماء إلى قسمين: إخبار القرآن عن غيبيات ماضية، وإخبار القرآن عن غيبيات مستقبلة.
أولًا: لابد أن نفرق بين إخبار القرآن عن غيب لا يعرفه العرب ولم يشاهدوه أو لم يتطرقوا إليه؛ أذكر هذا الكلام ابتداءً لأن الفيروزآبادي في (بصائر ذوي التمييز) جعل إخبار القرآن عما كان وعما يكون متعلق بالأمور الغيبية؛ يعني الأمور الغيبية التي يُطالب بها أهل الإيمان، من الإيمان بالبعث والحساب والصراط ومن الإيمان بما كان قبل الخلق، وكيف نشأ الخلق، وكيف خلق الله السموات والأرض، فهذه الأشياء تبصرة لأهل الإيمان، أما أهل الجحود أو الذين لا يؤمنون بالقرآن فكان مدار الحديث معهم على الأشياء التي أخبر بها
стр. 34
النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهم لهم إدراك بها ويستطيعون أن يجادلوه فيها، وأن يحدثوه في أمرها؛ لذلك كلامنا عن الغيبيات الماضية من أحداث وقعت، والغيبيات المستقبلة من أحداث ستقع.
هذا معنى الكلام عن الغيبيات:
أولا إخبار القرآن عن الغيبيات الماضية: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: من دلالات القرآن على أخبار الأمم السالفة وأحوالهم مع أنبيائهم وصالحيهم قصة أهل الكهف. يقول: والأمر على ما ذكر السلف، فإن قصة أصحاب الكهف هي من آيات الله، فإن مكثهم نيامًا لا يموتون ثلاثمائة سنة آية دالة على قدرة الله ومشيئته؛ أنه يخلق ما يشاء، فليس كما يقوله أهل الإلحاد، وهي آية على معاد الأبدان، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ (الكهف: ٢١). وكان الناس قد يتنازعون في زمانهم: هل تعاد الأرواح دون الأبدان أم الأرواح والأبدان؟ فجعل الله أمرهم آية لمعاد الأبدان.
هذا مثال ذكره شيخ الإسلام لما أخبر النبي ﷺ عنه من الغيبيات الماضية، وتساعد أيضًا قضية الإيمان، ذكر أيضا إخبار النبي ﷺ بقصتهم من غير أن يعلمه بشر، فذلك دليل على نبوته، فكانت قصتهم آية على أصول الإيمان الثلاثة؛ الإيمان بالله واليوم الآخر والإيمان برسوله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
ومن هذا المبدأ آيات الله في هذه السورة، في حد ذاتها سورة الكهف قصص آخر ذكره النبي ﷺ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا﴾ فأخبر النبي ﷺ عن قصة ذي القرنين، وكذلك في سورة يوسف كلها أشياء
стр. 35
تعرّض لها النبي ﷺ وأسئلة سألوا عنها النبي ﷺ ، وأجاب عنها -صلوات الله وسلامه عليه- من الأخبار الماضية ومن الغيبيات الماضية، التي يعلمون يقينًا أن النبي ﷺ لم يكن يعلمها ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ (يوسف: ١٠٢) وقول الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ*حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ*لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: ١٠٩ - ١١١).
هذه القصة التي حُكيت من أولها إلى آخرها على رسولنا -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- قصة يوسف ﵇ كما ذكرها المولى أحسن القصص ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (يوسف: ٣) وكثير في القرآن يسألونك ويسألونك، والقرآن مملوء بالأخبار عن الغيب الماضي الذي لا يعلمه أحد من البشر إلا من جهة الأنبياء، الذين أخبرهم الله بذلك، ليس هو الشيء الذي تزعمه الملاحدة والمتفلسفة؛ فإن هذه الأمور الغيبية المعينة المفصّلة، لا يؤخذ خبرها قط إلا عن نبي كموسى ﵇ ومحمد -عليه أفضل الصلاة والسلام- وليس لأحد ممن يدعي المكاشفات لا من الأولياء ولا من غير الأولياء، أن يخبر بشيء من ذلك، فكان الإخبار الذي يخبر به النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- آيةً على صدقه وآية على أنه -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- لا ينطق عن الهوى، وأنه يخبرهم بما أخبره به الله ، قصص كثيرة جدًّا في الإخبار، والله وضّحها في القرآن في أكثر من موضع: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ (يوسف: ١٠٢) ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (آل عمران: ٤٤) كثير جدّا في القرآن الكريم:
стр. 36
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ (القصص: ٤٤) غير ذلك من الآيات كثيرة كثيرة توضح هذه المسألة، فجعل الإخبار عن الغيب الماضي علامة على إعجاز القرآن.
الجزئية الثانية: الإخبار عن الغيبيات المستقبلة، الإخبار عن المستقبل هذا كثير في القرآن الكريم، نبدأ بوقعة كان أهل الشرك وأهل العناد والمعاندة لرسولنا -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- كانوا يستطيعون من خلال هذه الواقعة ومن خلال هذه الآية أن ينقدوا الإسلام نقدا، وأن يكذبوا النبي ﷺ كذبًا، ولكنهم لم يفعلوا ذلك؛ لأن ذلك نبأ مستقبل أخبر به النبي ﷺ .
تتساءل أيها الابن الحبيب: ما هذه الآية أو ما هذا الأمر؟ هو أمر أبي لهب؛ عم النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- فأبو لهب هذا كان حيّا يعيش في مكة ويسمع أنه من الهالكين، ويسمع أن امرأته هالكة معه، ومع ذلك لم يفكر أبو لهب ولا زوجه أن يُكذّبوا النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- بمعنى: أنهم لو لم يكن ذلك إعجازًا ووحيًا من الله وأن ذلك أمر الله كان يمكن هذا الكافر اللعين أن يقول: آمنت بمحمد، فيكذّب خبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- في قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ*سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ (المسد: ١ - ٣) فكيف يكون أمن وسيكون سيصلى نارًا ذات لهب؟! ولكن هذا اللعين لم يفعل ذلك، ودل ذلك على أن النبي ﷺ أخبر عن شيء مستقبل وغيب لم يحدث بعد، وهو أنه سيصلى نارًا ذات لهب وأن امرأته كذلك هالكة خاسرة، ومع ذلك لم يكذبا ولم يفعلا ما يناقض كلام النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فكان ذلك إعجازًا.
стр. 37
ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أشياء كثيرة عن الغيبيات المستقبلة، يقول: وفي القرآن من الأخبار المستقبلات شيء كثير، كقوله تعالى: ﴿الم*غُلِبَتِ الرُّومُ*فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ*فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ*بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (الروم١ - ٥). هذه القصة العجيبة قصة فارس والروم ذكرها النبي ﷺ متى؟ ذكرها وقت انتصار الفرس، هل كان النبي ﷺ يستطيع أن يخبر بأن الروم ستنتصر وأن دولة الفرس ستهزم على يد الروم، وأن ذلك سيحدث في بضع سنين، في الأمر الذي كان يعرّض فيه للتكذيب، ولأنه ﷺ يُحارب بشتى صور المحاربة، يخبر النبي ﷺ بهذا الخبر وهو ليس وحيًا يوحى به إليه من الله ، لم يكن من العقل أن يحدث ذلك من رجل يدعو الناس لنبذ معتقداتهم ولترك ما هم عليه من الباطل، فكان خبره ﷺ بهذا النصر وبهذا الفرح الذي جمع فرح إعجاز في هذه الآية و ﴿يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وافق انتصار الروم على الفرس انتصار المسلمين في غزوة بدر على المشركين، فجُمع الفرح ﴿يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وكذلك خبره -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (النور: ٥٥).
هذا الوعد في وقت كانوا تحت طحن المشركين كما يقال وتحت المحاربة الشديدة، وكان وعد الله بالاستخلاف في الأرض وحدث ذلك في زمن النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فما قُبض رسول الله ﷺ إلا وكان العرب جميعًا تحت لوائه -صلوات الله وسلامه عليه، كذلك المسألة المشهورة في قصة الحديبية والفتح في سورة الفتح: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (الفتح: ٢٨).
стр. 38
نختم الكلام عن الغيبيات المستقبلة بما ذكره شيخ الإسلام لبن تيمية من بعض الدلائل في القرآن، نختم بها حديثنا، آيات قرآنية كلها أخبر بها النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- وحدثت في زمنه، وكما أخبر -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولم تكن قد حدثت بعد:
من ذلك: قول الله خبرًا عن المسيح: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران: ٥٥). وكان كما أخبر.
قوله ﷺ : ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ (البقرة: ٢٤) فكان كما أخبر، فهم لن يستطيعوا أن يجاروا القرآن أو يعارضوه.
وأنزل الله في مكة قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ*سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (القمر٤٤: ٤٥) فكان كما أخبر وهزم الجمع وولوا الدبر.
وقال : ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (الفتح: ٢٢) وكان كما أخبر.
وأنزل الله ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (المائدة: ١٤) وكان كما أخبر رسول الله ﷺ .
وقال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ (المائدة: ٦٤) إلى أن قال : ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ (المائدة: ٦٤) وكان كما أخبر .
стр. 39
وقال: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (آل عمران: ١١١، ١١٢).
كل هذه الآيات الكريمة، والخطاب الذي أخبر به رسولنا -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- كان كما أخبر -صلوات الله وسلامه عليه- في شأن اليهود وفي شان ما كادوه وما فعلوه معه -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فكل ذلك دليلٌ على أن النبي ﷺ أخبر عن غيبيات مستقبلة، كانت لم تقع بعد ووقعت في عهده ﷺ كما أخبر.
ونختم بقصة جميلة كانت لأصحاب الرسول -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- في غزوة الأحزاب: عندما تكالب أساطين الكفر في الجزيرة على رسول الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- وتجمعوا من كل فوج واتوا ليقضوا على الإسلام وعلى دعوة خير الأنام، وأحاطوا بالمدينة- كانت بشارة النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- بأن فتحت له أو ظهرت له كنوز كسرى وقيصر، وكان الصحابة كما يصفون أحوالهم في هذا الحال: لا يأمنون أن يخرجوا إلى الخلاء!! وكان ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- بعد ذلك؛ بأن دانت الفرس والروم لدولة الإسلام، ودخل الناس في دين الله بعد ذلك.
كل ذلك أخبر به رسول الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- ومصدره القرآن الكريم والآيات الكريمة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 40
الدرس: ٣ أوجه إعجاز القرآن الكريم: حفظ التشريع ودوامه .
следующие страницы →