← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 31077

الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (425 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ (القصص: ٤٤) غير ذلك من الآيات كثيرة كثيرة توضح هذه المسألة، فجعل الإخبار عن الغيب الماضي علامة على إعجاز القرآن. الجزئية الثانية: الإخبار عن الغيبيات المستقبلة، الإخبار عن المستقبل هذا كثير في القرآن الكريم، نبدأ بوقعة كان أهل الشرك وأهل العناد والمعاندة لرسولنا -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- كانوا يستطيعون من خلال هذه الواقعة ومن خلال هذه الآية أن ينقدوا الإسلام نقدا، وأن يكذبوا النبي ﷺ كذبًا، ولكنهم لم يفعلوا ذلك؛ لأن ذلك نبأ مستقبل أخبر به النبي ﷺ . تتساءل أيها الابن الحبيب: ما هذه الآية أو ما هذا الأمر؟ هو أمر أبي لهب؛ عم النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- فأبو لهب هذا كان حيّا يعيش في مكة ويسمع أنه من الهالكين، ويسمع أن امرأته هالكة معه، ومع ذلك لم يفكر أبو لهب ولا زوجه أن يُكذّبوا النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- بمعنى: أنهم لو لم يكن ذلك إعجازًا ووحيًا من الله وأن ذلك أمر الله كان يمكن هذا الكافر اللعين أن يقول: آمنت بمحمد، فيكذّب خبر النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- في قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ*سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ (المسد: ١ - ٣) فكيف يكون أمن وسيكون سيصلى نارًا ذات لهب؟! ولكن هذا اللعين لم يفعل ذلك، ودل ذلك على أن النبي ﷺ أخبر عن شيء مستقبل وغيب لم يحدث بعد، وهو أنه سيصلى نارًا ذات لهب وأن امرأته كذلك هالكة خاسرة، ومع ذلك لم يكذبا ولم يفعلا ما يناقض كلام النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فكان ذلك إعجازًا.

стр. 37

ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أشياء كثيرة عن الغيبيات المستقبلة، يقول: وفي القرآن من الأخبار المستقبلات شيء كثير، كقوله تعالى: ﴿الم*غُلِبَتِ الرُّومُ*فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ*فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ*بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (الروم١ - ٥). هذه القصة العجيبة قصة فارس والروم ذكرها النبي ﷺ متى؟ ذكرها وقت انتصار الفرس، هل كان النبي ﷺ يستطيع أن يخبر بأن الروم ستنتصر وأن دولة الفرس ستهزم على يد الروم، وأن ذلك سيحدث في بضع سنين، في الأمر الذي كان يعرّض فيه للتكذيب، ولأنه ﷺ يُحارب بشتى صور المحاربة، يخبر النبي ﷺ بهذا الخبر وهو ليس وحيًا يوحى به إليه من الله ، لم يكن من العقل أن يحدث ذلك من رجل يدعو الناس لنبذ معتقداتهم ولترك ما هم عليه من الباطل، فكان خبره ﷺ بهذا النصر وبهذا الفرح الذي جمع فرح إعجاز في هذه الآية و ﴿يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وافق انتصار الروم على الفرس انتصار المسلمين في غزوة بدر على المشركين، فجُمع الفرح ﴿يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وكذلك خبره -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (النور: ٥٥). هذا الوعد في وقت كانوا تحت طحن المشركين كما يقال وتحت المحاربة الشديدة، وكان وعد الله بالاستخلاف في الأرض وحدث ذلك في زمن النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فما قُبض رسول الله ﷺ إلا وكان العرب جميعًا تحت لوائه -صلوات الله وسلامه عليه، كذلك المسألة المشهورة في قصة الحديبية والفتح في سورة الفتح: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (الفتح: ٢٨).

стр. 38

نختم الكلام عن الغيبيات المستقبلة بما ذكره شيخ الإسلام لبن تيمية من بعض الدلائل في القرآن، نختم بها حديثنا، آيات قرآنية كلها أخبر بها النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- وحدثت في زمنه، وكما أخبر -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ولم تكن قد حدثت بعد: من ذلك: قول الله خبرًا عن المسيح: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران: ٥٥). وكان كما أخبر. قوله ﷺ : ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ (البقرة: ٢٤) فكان كما أخبر، فهم لن يستطيعوا أن يجاروا القرآن أو يعارضوه. وأنزل الله في مكة قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ*سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (القمر٤٤: ٤٥) فكان كما أخبر وهزم الجمع وولوا الدبر. وقال : ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (الفتح: ٢٢) وكان كما أخبر. وأنزل الله ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (المائدة: ١٤) وكان كما أخبر رسول الله ﷺ . وقال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ (المائدة: ٦٤) إلى أن قال : ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ (المائدة: ٦٤) وكان كما أخبر .

стр. 39

وقال: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (آل عمران: ١١١، ١١٢). كل هذه الآيات الكريمة، والخطاب الذي أخبر به رسولنا -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- كان كما أخبر -صلوات الله وسلامه عليه- في شأن اليهود وفي شان ما كادوه وما فعلوه معه -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فكل ذلك دليلٌ على أن النبي ﷺ أخبر عن غيبيات مستقبلة، كانت لم تقع بعد ووقعت في عهده ﷺ كما أخبر. ونختم بقصة جميلة كانت لأصحاب الرسول -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- في غزوة الأحزاب: عندما تكالب أساطين الكفر في الجزيرة على رسول الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- وتجمعوا من كل فوج واتوا ليقضوا على الإسلام وعلى دعوة خير الأنام، وأحاطوا بالمدينة- كانت بشارة النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- بأن فتحت له أو ظهرت له كنوز كسرى وقيصر، وكان الصحابة كما يصفون أحوالهم في هذا الحال: لا يأمنون أن يخرجوا إلى الخلاء!! وكان ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- بعد ذلك؛ بأن دانت الفرس والروم لدولة الإسلام، ودخل الناس في دين الله بعد ذلك. كل ذلك أخبر به رسول الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- ومصدره القرآن الكريم والآيات الكريمة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 40

الدرس: ٣ أوجه إعجاز القرآن الكريم: حفظ التشريع ودوامه .

стр. 41

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث (أوجه إعجاز القرآن الكريم: حفظ التشري ع ودوامه) نظم القرآن إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وآل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد؛ وبعد: كنا قد انتهينا من الحديث عن الصرفة والغيبيات باعتبارهما من وجوه إعجاز القرآن الكريم التي تناولها من تناول قضية الإعجاز، وبينا فيها الكلام في النقطتين. واليوم إن شاء الله نشرع في تفاصيل الكلام فيما ذكروه من أوجه إعجاز القرآن الكريم، وعندنا عنوان عام وهو "التشريع؛ دوامه وحفظه" أي هذا التشريع الرباني الذي شرعه الله لعباده في كتابه الأعظم القرآن الكريم يمتاز بميزتين عظيمتين: الأولى: هي أنه دائم بمعنى أن دوام هذا التشريع طيلة الدهور إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، هو في حد ذاته آية من آيات إعجاز هذا الكتاب الكريم. والثانية: حفظ هذا التشريع، الذي هو حفظ كتاب الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) فإن الله تكفّل بحفظ كتابه، والله كذلك كتب لكتابه الدوام، وهذا الذي جعل العلماء يفكّرون فيما يخصّ هذا الكتاب العزيز من أشياء أدت إلى هاتين الخاصيتين العظيمتين؛ خاصية الدوام وخاصية الحفظ. من هنا كان الانطلاق في موضوعنا اليوم، فيا ترى هل يرجع ذلك إلى نظم القرآن أم إلى قدسيته أم إلى إعجازه اللغوي أم إعجازه العلمي أم الإعجاز العددي الموجود في ثناياه أم التصوير الذي هو سمةٌ تكاد تكون أصلًا في عبارات القرآن وألفاظه، وتكاد تكون هي الأساس الذي يُبنى عليه التعبير في كثير من النصوص، إذا ما نحينا جانب التشريع، فكل ذلك طُرح ونوقش في هذه المسألة. ونتناول الآن نقطةً نقطةً من هذه النقاط، ونقتصر على ثلاث مما ذكرت نقتصر في كلامنا على نظمه وعلى قدسيته وعلى إعجازه اللغوي.

стр. 42

نبدأ بالنقطة الأولى وهي نظمه: لا شك أن النظم هو سر الإعجاز في القرآن الكريم، لماذا؟ لأننا لو نظرنا فيما قيل قبل ذلك من أن المسألة هي مسألة صرفة أو وجود غيبيات أو إعجاز علمي أو غير ذلك من الأوجه التي نوهنا عليها في الدرس الأول نجد أن هذه الوجوه ال إ عجازية لا نستطيع أن نتحصل عليها إلا في القرآن جملة؛ بمعنى أن القرآن في جملته يحوي الغيبيات ويحوي الإعجاز العلمي ويحوي الإعجاز البلاغي ويحوي الإعجاز العددي، وغير ذلك من أوجه الإعجاز؛ كل ذلك لا يتأتى لنا إلا من خلال الكتاب ككل، من خلال القرآن الكريم جملة، أما مسألة النظم هذه يتأملها أو يستطيع أن يستكشفها من ينظر في أدنى سورة من سور القرآن في أقصر سورة من سور القرآن الكريم- يستطيع أن يتبين روعة هذا النظم، وهذا السبك الذي يدل على أن هذا الكلام ليس من قول البشر وإنما هو كلام رب البشر . عمومًا قضية النظم لها درس مستقل سنتعرض له فيما بعد إن شاء الله ، ونكتفي الآن ببيان معنى النظم بإيجاز، وذكر أقوال بعض العلماء في هذه الخاصية. فالنظم بإيجاز: هو توخي معاني النحو، بمعنى: أن الناس يتعاملون مع اللغة، واللغة فيها تقديم وتأخير، وفيها ذكر وحذف، وفيها بيان الأوجه مثال: أن أريد أن أستخدم الحال فهل أستخدم الحال جملة أم مفردا أم شبه جملة، وإذا استخدمته جملة هل آتي بجملة فعلية أم جملة اسمية، وإذا استخدمته شبه جملة فأيهما أولى الظرف أم الجار والمجرور، هذا في الاستخدام أيهما أول أقدم أم أؤخر؟ يعني أقدم الخبر على المبتدأ أم أقدم المبتدأ على أصله في التقديم؟ أقدم

стр. 43

المفعول على الفاعل أم أؤخر المفعول على أصله في الترتيب؟ كل هذه القضايا هي التي تظهر فلي كلامنا، فالذي يتحدث بلغة العرب والذي يكتب على لغة العرب لابد أن يتوخى هذه المعاني عند كتابته، وبالتفاوت في هذه المعاني يتفاوت الكاتب ويتفاوت من يتكلم بلغة العرب. ننظر مثال فيما ذكره الرافعي ﵀ في كتابه (إعجاز القرآن) يقول: الكلام يتركب من ثلاثة: حروف وهي من الأصوات وكلمات هي من الحروف وجمل هي من الكلم، وقد رأينا سر الإعجاز في نظم القرآن يتناول هذه كلها؛ بحيث خرجت من جميعها تلك الطريقة المعجزة التي قامت به؛ أي أن القرآن معجزٌ في حروفه في كلماته في جمله، فبالتالي هو معجز في نظمه ككل، فيقول: إن نظم القرآن يقتضي كل ما فيه منها اقتضاءً طبيعيّا؛ بحيث يبنى هو عليها لأنها في أصل تركيبه ولا تبنى هي عليه، فليست فيها استعارة ولا مجاز ولا كناية ولا شيء، من مثل هذا يصح في الجواز أو فيما يسعه الإمكان أن يصلح غيره في موضعه إذا تبدلته منه، فضلا عن أن يفي به وفضلا عن أن يربى عليه أي يزيد عليه، ولو أدرت اللغة كلها على هذا الموضع، فكأن البلاغة فيه إنما هي وجهٌ من نظم حروفه، بخلاف ما أنت واجد من كلام البلغاء، فإن بلاغته إنما تصنع لموضعها وتبنى عليه، فربما وفت وربما أخلفت، ولو هي رفعت من نظم الكلام ثم نزل غيرها في مكانها لرأيت النظم نفسه غير مختلف، بل لكان عسى أن يصح ويجود في مواضع كثيرة من كلامهم. بمعنى: يقول الشيخ ﵀: أن القرآن نظمه يتميز بهذه الميزة العظيمة؛ أنك لا تستطيع أن تضع حرفا مكان حرف أو كلمة مكان كلمة أو تغير من ترتيب الكلام بتقديم أو تأخير وغير ذلك، بعكس كلام البشر وكلام العرب؛ فإنك

стр. 44

تستطيع أن تبدل في الأشعار وأن تضع كلمات موزونة تفي بالوزن العروضي وتفي بالمعنى المراد، وتستطيع كذلك في كلام الخطباء أن تأتي بكلمة مكان كلمة، وربما يأتي النقاد ويقولون لو قال الشاعر كذا مكان كذا لكان أولى والحديث المشهور والقصة المشهورة بين الخنساء وحسان بن ثابت ﵄ في بيته المشهور: لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا تسيل من نجدة دما فهذا البيت سنتعرض له في قضية النظم تفصيلا، أما هذه المسألة في إجمالها في مسألة النظم؛ أي الحرف الواحد من القرآن معجز في موضعه؛ لأنه يمسك الكلمة التي هو فيها، ليمسك بها الآية والآيات الكثيرة، هذا هو السر في إعجاز جملته إعجازا أبديّا، فهو أمر فوق الطبيعة الإنسانية. هذا المعنى الذي ذكره شيخنا الرافعي ﵀ أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية قبله فقال -وليس شيخ الإسلام هو من تكلم عن قضية النظم في أولها وإنما الكتاب المشهور (دلائل الإعجاز) لعبد القاهر الجرجاني وهو قائم على نظرية النظم وسيتضح ذلك بعد ذلك إن شاء الله . يقول الإمام ابن تيمية نفس نظم القرآن وأسلوبه عجيب بديع، ليس من جنس أساليب الكلام المعروفة ولم يأتي أحد بنظير هذا الأسلوب فإنه ليس من جنس الشعر ولا الرجز ولا الرسائل ولا الخطابة، ولا نظمه ن ظم شيء من كلام الناس عربهم وعجمهم، ونفس فصاحة القرآن وبلاغته هذا عجيب خارق للعادة، ليس له نظير في كلام جميع الخلق، وبسط هذا تفصيله طويل يعني يعرفه من له نظر وتدبر. فأتى الإمام وأشار هنا إلى قضية النظم جملة بأنها ليست على طريقة كلام العرب، فأتى بمعنى جديد يعني غير ما ذكره الإمام شيخنا الرافعي، أتي بمعنى جديد

стр. 45

في هذه المسألة أيضا المعنى سبق أن ذكره الباقلاني في (إعجازه القرآن) وهو أن القرآن جاء على نظم ليس على صورة ما تحدث به العرب وما ألفه العرب في كلامهم. فنرجع لقضية النظم بإعطاء نموذج يوضح هذه المسألة، لماذا يا بني؟ لأنك تعرف أن الغرض من مادتك هذه أن تتذوق القرآن الكريم، وهذا هدف أسمى من أهداف تدريس المادة؛ أن تنظر في كتاب الله وترى ما فيه من إعجاز، هذا يساعدك على تذوق كلام ربك وعلى التقرب منه . هذا النموذج التطبيقي نراه في أية من آيات الله، هذه الآية لها قصة وشأن عند أهل البلاغة؛ يعني يروى أن بعض من حاول من الملاحدة معارضة القرآن واجتهد في أن يكتب مثل القرآن وأخفى ذلك وجعله سرّا حتى لا يفتضح أمره ويعرف أنه زنديق فيقتل أو يؤذى بهذا، فكتم الأمر وحاول أن يعارض القرآن إلى أن جاء إلى هذه الآية الكريمة في سورة هود فانصدع، كما يقال: إنه لم يستطع أن يقاوم فسلّم واعترف أنه لا يستطيع أن يعارض القرآن، ورواية أخرى: أنه أصيب بانفجار مرارته ومات كمدًا؛ لأنه لا يستطيع أن يكتب مثل هذا النظم ومثل هذا القول الكريم، هذه الآية هي قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (هود: ٤٤). فإنك إذا أخذت كل كلمة على حدتها من غير نظر إلى ما قامت به من أداء حظها المقسوم لها في معنى الجملة كلها- فقد لا تجد لها من التأثير ما تجده لها وهي بين أخواتها تؤدي معناها، وهنا يحق لنا أن نسأل عن فضل الكلمة في موضعها، ونتبين جمال اختيارها، وندرك ما لها من الميزة على صاحبتها، وإذا سلكنا هذا

стр. 46

المسلك في الآية الكريمة رأينا الآية تصور ما حدث بعد الطوفان من ابتلاع الأرض ماءها ونقاء السماء بعد أن كانت تغطَّى بسحبها واستواء السفينة على الجودي الجبل المعروف، وقد طهرت الأرض من رجس المشركين، فصوّر الله ذلك تصويرًا حسيًّا يؤكد في نفسك استجابة هذه الطبيعة العظيمة وخضوعها لأمر الله، فهذا المطر المدرار ينهمر من السماء، وهذا الماء الطاغي يجتاح نواحي الأرض، وهذا الاضطراب في أرجاء الكون لم يلبث أن سكن واستقر وعادت الطبيعة إلى هدوئها عندما تلقت أمر الله لها أن تسكن وتهدأ، ولكن لما كان هذا الأمر قد صدر إلى الكون من غير أن يسمعه من في الكون أو يروا قائله بُني الفعل للمجهول كما ترى، وأوثر في نداء الأرض "يا" دون الهمزة. يبدأ هنا الشيخ دكتور أحمد بدوي في ذكره تحليل الآية في كتابه (من بلاغة القرآن) يبدأ معنا -أبنائي الكرام- أن يبين سر الإعجاز في نظم الآية باختيار شيء دون غيره، بمعنى قال الله : "وقيل" لم يقل وقلت أو وقال، إنما قال "قيل" قيل بصيغة البناء للمجهول، وقال الله : "يا أرض" ولم يقل أأرض بنداء بالهمزة مثلا أو أيا أرض بالنداء بـ أيا من غيرها من أدوات النداء، فاستخدمت "يا" بمعنى، يبدأ الشيخ في توضيح قيمة استعمال أداة بدلا من سواها، فقول الله : "قيل" صيغة البناء للمجهول واستخدام حرف النداء يا، يدعو بدلًَا من الهمزة؛ لأن اجتماع الهمزة في همزة النداء مع همزة كلمة أرض يؤدي إلى ثقل على اللسان في النطق فيهما، فيقال أأرض يكون فيها نوع من الثقل!! وفضلت كذلك على أيا لما في هذه من زيادة تنبيه ليست الأرض، وهي رهن أمر الله في حاجة إليه، وأوثر تنكير الأرض لما في ذلك من تصغير أمرها؛ يعني لم يقل يا أيتها الأرض، فقال الله : "يا أرض" فإن أمرها صغير وإن أمرها واضح في أنها رهن أمر الله ، فالمقام هنا يستدعي ذلك التصغير ويستدعي الإسراع بتلبية الأمر، وذلك لا يكون مع التعريف المقتضي

стр. 47

لإطالة الكلام بأيتها، وجاءت كلمة "ابلعي" هنا مصوّرة لما يراد أن تصنعه الأرض بمائها وهو أن تبتلعه في سرعة، فهي هنا أفضل من امتصي مثلا؛ لأنها لا تدل على الإسراع في التشرب، وفي إضافة الماء إليها ما يُوحي بأنها جديرة بأن تمتص ماءً هو ماؤها. انظر رحمك الله: ابلعي ماءكِ، ابلعي ماءكِ!! وإضافة الماء إلى الكاف -كاف الخطاب- توضح أنها تبلع شيئًا هو لها، فيكون ذلك أسرع ويكون ذلك أبين للمراد، فكأنها لم تتكلف شيئًا من الأمر، وقل مثل ذلك في قوله تعالى: "ويا سماء أقلعي" ولاحظ هذا التنافس الموسيقي بين ابلعي وأقلعي، وبُني غيض للمجهول مصورا بذلك إحساس من شاهدوا هذا المنظر الطبيعي، فهم قد رأوا الماء يغيض والأمر يتم، وكأنما قد حدث ذلك من تلقاء نفسه من غير أن يكون ثمة فاعل قد فعل، واختيرت كلمة "استوت" دون رست -مثلا- لما في كلمة استوى من الدلالة على الثبات والاستقرار وبني الفعل قيل للمجهول إشارة إلى أن هذا القول قد صدر ممن لا يعد كثرة؛ يعني كأنما قال هذا القول أكثر من مصدر، حتى لكأن أرجاء الكون تردد هذا الدعاء؛ بعدا للقوم الظالمين، فجاءت كلمة بعدا دون هلاكا، مثلا إشارة إلى أن هلاك هؤلاء القوم الظالمين إنما قصد به إبعادهم عن الفساد في الأرض والسخرية بمن آمن وعمل صالحًا، وأوثر المجيء بالموصوف هنا لأنه لا يراد الدعاء على الظالمين لاتصافهم بالظلم، وإنما يراد الدعاء على هؤلاء القوم بالبعد لاتصافهم بالظلم، فالمقام هنا مقام حديث عن قوم ظلموا أنفسهم فاستحقوا لذلك أن يُتخلص منهم. فانظر رحمك الله إلى النسق القرآني البديع في هذه الآية، وتوضيح مراد الله في تصوير هذه السورة الرائعة بهذه الألفاظ التي لا نستطيع أن نأتي بكلمة مكان كلمة أو

стр. 48

نقدم أو نؤخر في صياغة الآية الكريمة، وذلك لنا معه شأن -إن شاء الله- عند إفراد الحديث عن النظم وما به من جمال وآيات عظيمة في كتاب الله . قدسية القرآن ننتقل إلى النقطة الثانية وهي نقطة "قدسيته": أي القرآن كتاب مقدس القرآن منزل من عند الله وكما قلنا تكفل الله بحفظه، فكان من أوجه قداسته وطهارته وتنزيهه أنه خلا من التناقض ولم تتطرق إليه يد التحريف ولم يعتريه عُرى النسيان، فإنما هو بكامل قداسته وطهارته وتنزيهه منزّل من الله ، وهذا الأمر له مصدرٌ لا بد أن نقف معه، وهو أن مصدر الوحي هو الله ، وهذا مدار حديثنا عن هذه النقطة وهي نقطة قدسية القرآن الكريم، فهو من الله ، لم يقله بشر ولا ملك، وأدلة ذلك فيه؛ بمعنى أن المتأمل للقرآن الكريم والناظر فيه يتبين له يقينا أن هذا الكلام لا يمكن أن يكون من عند محمد -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- وأن هذا الكلام له قدسية ومنزّل من إله قادر قاهر، يملك محمدًا ﷺ وسائر البشر بل يملك كل شيء له ملك السماوات والأرض وما فيهن، جل في علاه. انظر معي -رحمك الله- إلى هذا الكلام البديع الذي تناوله الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه (النبأ العظيم) يتحدث فيه عن هذه المسألة -مسألة قدسية القرآن ومصدره وأنه وحي من الله يقدم الشيخ بحقيقة نسلم بها جميعًا يقول: لقد علم الناس أجمعون علما لا يخالطه شك أن هذا الكتاب العزيز جاء على لسان رجل عربي أمي ولد بمكة في القرن السادس الميلادي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، هذا القدر لا خلاف فيه بين مؤمن وملحد؛ لأن شهادة التاريخ المتواتر به لا يماثلها ولا يدانيها شهادته لكتاب غيره ولا لحادث غيره ظهر على وجه الأرض، هذا أمر مسلّم به وأن النبي ﷺ كان دوره مع القرآن الكريم يتركز في أربع نقاط:

стр. 49

الأولى: الوعي والحفظ؛ أن يعيه ويحفظه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. الثانية: الحكاية والتبليغ؛ أن يحكيه وأن يبلغه بالناس. الثالثة: البيان والتفسير؛ أن يبينه ﷺ ويفسر معناه لمن يتلوه عليهم. والرابعة: التطبيق والتنفيذ؛ هذا دور النبي ﷺ مع القرآن. أما ابتكار المعاني وصياغة المباني فما هو منها بسبيل وليس له من أمرهما شيء -صلوات الله وسلامه عليه، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٤)، ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ (الأعراف: ٢٠٣)، ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (يونس: ١٥). القرآن صريحٌ في أنه لا صنعة فيه لمحمد ﷺ ولا لأحد من الخلق، وإنما هو منزّل من عند الله بلفظه ومعناه. بعد ذلك يتناول الشيخ افتراضًا وهو أنه يُخاطب من لا يؤمن بهذا الكتاب، ومن لا يؤمن بهذا الكتاب لا بد أن يُقارع وأن تقام عليه الحجة بالدليل، فاجتهد الشيخ ﵀ في ذكر بعض الأدلة من القرآن؛ طبعًا هذه الأدلة التي يذكرها هؤلاء العلماء مستمدة من الأولين وليست ابتكارًا، وهذا شأن أن العالم يستفيد ممن سبقه، ولكن يمكنه أن يعرض الشيء عرضًا مميزًا، كما كان شأن الشيخ دراز في كتابه (النبأ العظيم) الذي قيل عنه: إنه هدية من السماء إلى الأرض في عصرنا هذا؛ من روعة أسلوبه ﵀ في الكتاب يقول يستدل الشيخ على من يعاند في هذه المسألة بأربعة أشياء:

стр. 50

الأولى: أن النبي ﷺ كانت تنزل به نوازل من شأنها أن تحفّزه إلى القول، وكانت حاجته القصوى تلح عليه أن يتكلم؛ بحيث لو كان الأمر إليه لوجد له مقالًا ومجالًا، ولكنه كانت تمضي الليالي والأيام تتبعها الليالي والأيام ولا يجد في شأنها قرآنًا يقرأه على الناس، فأول دليل أن الكلام ليس من عند النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، هذه النوازل التي كانت تنزل بالنبي ولا يجد فيها قرآنًا يقرأه على أصحابه وهو في أشد الحاجة إلى أن يتحدث في هذا الأمر، فلو كان الأمر من عنده ﷺ لكان من السهل أن يتحدث وأن يُخرج نفسه من هذه النازلة أو هذا المأزق الذي نزل به وبأصحابه -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-؛ مثال ذلك: الحادثة المشهورة "حادثة الإفك" فقد اتهم اتهمت عائشة ﵂ في عرضها، وهذا شيء يمس النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهذا أمر خطير تحدث فيه الناس، ومع ذلك كان انتظار الوحي من الله ليحكم وليقضي في هذه المسألة، وكانت العبارة الشهيرة في الحديث: ((يا عائشة، أما إنه بلغني كذا وكذا؛ فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتي ألممتِ بذنب فاستغفري الله)) هذا كلام النبي ﷺ قبل أن ينزل الوحي تبريء عائشة ﵂ وأرضاها وعن أبيها، الصديقة بنت الصديق. النقطة الثانية: يقول الشيخ: أن النبي ﷺ كان يجيئه القول في القرآن في بعض الأوقات على غير ما يحبه ويهواه، فيخطّئه في الرأي يراه؛ أي الوحي يخطئ النبي ﷺ فيما يرى من رأي، ويأذن له في الشيء لا يميل إليه، فإذا تلبَّس فيه يسيرًا تلقّاه القرآن بالتعنيف الشديد والعتاب القاسي والنقض المُرّ، حتى في أقل الأشياء خطرًا، وهذه مسألة يستدل بها لكل من ينظر في كتاب الله هناك آيات في كتاب الله هي عتابٌ للنبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فلو كان الأمر من النبي ﷺ لتغاضى عن هذه الأشياء ولم يذكرها، حتى لا تبقى بعده تبين هذه المواقف، وهذا دليلٌ على

стр. 51

قدسية هذا الوحي وعلى أن النبي ﷺ لا يملك إلا أن يبلّغ ما قاله الله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ (التحريم: ١) ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (الأحزاب: ٣٧) ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ (التوبة: ٤٣) ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (التوبة: ١١٣) ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: ٦٧) ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال: ٦٨) ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ (عبس: ٥ - ١٠). كثير من الآيات في كتاب الله تحمل هذا المعنى الجميل من العتاب الرقيق لخير الخلق محمد -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهذا وجهٌ يدل على قدسية هذا الكتاب وأنه منزّل من عند رب الأرض والسماء ، وذكر الشيخ قصة جميلة في هذا المجال؛ وهو ما حدث مع عبد الله بن أبي كبير المنافقين عليه سحائب اللعائن عندما مات وكفّنه النبي ﷺ في ثوبه وأراد أن يستغفر له ويصلي عليه، فقال عمر ﵁: "أتصلي عليه وقد نهاك ربك" فقال ﷺ : ((إنما خيرني ربي فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُم﴾ (التوبة: ٨٠) وسأزيده على السبعين))، وصلى عليه فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهَِ﴾ (التوبة: ٨٤)، فترك ﷺ الصلاة عليهم. كل ذلك دليل على النقطة الثانية؛ أن النبي ﷺ كان يأتيه الأمر من ربه . النقطة الثالثة: أن النبي ﷺ كان يجيئه الأمر أحيانًا بالقول المجمل أو الأمر المشكِل الذي لا يستبينه هو ولا أصحابه تأويله، حتى ينزّل الله عليهم بيانه بعد؛ بمعنى

стр. 52

أنه كان ينزّل الأمر على النبي ﷺ مجملًا أي غير واضح في الدلالة القطعية على أمرٍ ما، فربما يتحير النبي ﷺ وأصحابه في المراد بهذا القول الكريم، حتى يفسّره الله له ويبينه له . من ذلك القصة المشهورة في خواتيم سورة البقرة، وما كان من شأن أصحاب النبي ﷺ عندما نزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: ٢٨٤) نزلت هذه الآية الكريمة على أصحاب النبي ﷺ ، فكان لها من الشأن الذي يشغلهم والذي يجعلهم يحتارون في هذه المسألة؛ يُحاسبون على ما يخفون في أنفسهم!! فهذا لا يطيقه أحد، هم يحاسبون على ما يفعلون أو ما يظهر من أمرهم أما أن ذلك ينزل بحساب الخواطر وبحساب حركات القلب وبحساب ما يريد الإنسان فعله ولم يفعله؛ فهذا أمر عظيم استعظمه أصحاب النبي ﷺ ، فذهبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه في هذا الأمر وفي أن هذه الآية صعبة عليهم، فما كان منه ﷺ إلا أن قال: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم "سمعنا وعصينا" بل قولوا: "سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" فجعلوا يتضرعون بهذه الدعوات حتى أنزل الله بيانها بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٨٦). فنزلت الآيات بردًا وسلامًا على أصحاب النبي ﷺ ؛ فيها التعليم وفيها البشارة وفيها الإخبار لهم بأن يتضرعوا إلى ربهم بهذه الدعوات المباركات، ويلجئوا به إلى الله ؛ فذلك دليل واضح على أن النبي ﷺ لو كان يعلم تأويلها من أول الأمر لبين لهم خطأهم ولأزال اشتباههم من فوره؛ لأنه لم يكن ليكتم عنهم هذا العلم وهم في أشد الحاجة إليه، ولم يكن يتركهم في هذا الهلع الذي كاد يخلع

стр. 53

قلوبهم وهو بهم رءوف رحيم -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- ولكنه كان مثلهم ينتظر تأويلها ولأمر ما أخر الله عنهم هذا البيان وذلك واضح أيضا في قوله تعالى ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ١٩) أن الله هو الذي يوضح للنبي ﷺ ما أنزل من آيات. النقطة الرابعة والأخيرة: هي أن النبي ﷺ كان حين ينزل عليه القرآن في أول عهده بالوحي يتلقفه متعجلًا فيحرك به لسانه وشفتيه طالبًا لحفظه وخشية ضياعه من صدره، ولم يكن ذلك معروفًا من عادته في تحضير كلامه لا قبل دعواه النبوة ولا بعدها، ولا كان ذلك من عادة العرب، ولكن النبي ﷺ كان شديد الحرص على المتابعة الحرفية حتى ضمن الله له حفظه وبيانه بقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ (القيامة: ١٦) وقوله ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤) فهل هذا توجيه لأحد كتب الكلام من تلقاء نفسه وقاله من ذاته؟ لا والله، فكل ذلك دليل قاطع على أن القرآن كتاب مقدس من عند الله وليس من كلام النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. الإعجاز اللغوي النقطة الثالثة التي نحن معها ونختم بها -إن شاء الله- هي نقطة الإعجاز اللغوي: وكما يقال نعود إلى ما ابتدأنا به وما سنستمر عليه -إن شاء الله- فهذه النقطة هي مادتنا وهي منهجنا طيلة عامنا الدراسي، وهي الإعجاز اللغوي، بالطبع لن نذكر في هذا المقام إلا أن نبين أن الإعجاز اللغوي هو الذي دار حوله الكلام في القرآن الكريم، ونحاول أن نبين في عجالة المراد بالإعجاز اللغوي وما قيل في إعجاز القرآن من الناحية اللغوية، وما تُعرض له في هذا المجال بإجمال؛ لأننا سنفصل بعد ذلك وجوه الإعجاز اللغوي، فأشير فقط إلى أن القرآن معجز بالمعنى الذي يفهم منه لفظ الإعجاز على إطلاقه؛ معجز في تاريخه دون سائر الكتب، ومعجز في أثره الإنساني، ومعجز كذلك في حقائقه.

стр. 54

فإذا ما نظرنا إلى إعجازه اللغوي جاز لنا أن نكرر ما قاله الرافعي ﵀: أن العرب قامت فيهم دولة الكلام، ولكنها بقيت بلا مَلك حتى جاءهم القرآن، فملك القرآن سر الفصاحة، وجاءهم منها بما لا قبل لهم برده ولا حيلة لهم معه، فكانوا يفرون منه في كل وجه ثم لا ينتهون إلا إليه؛ إذ يرونه أخذ عليهم بفصاحته وإحكام أساليبه جهات النفس العربية. هذا مجمل قضية الإعجاز اللغوي؛ أنت العرب أقروا أن هذا الكلام لا طاقة لهم به ولا يستطيعون أن يضاهوه أو أن يحاكوه. هذه المسألة نناقشها بكلام علمي، سمة البحث العلمي هو تناول المسألة بهذا الجانب؛ بمعنى أننا نعرض كلامًا في هذه المسألة، هذا الذي يشكك في أن القرآن معجز في لغته، وفي أن القرآن تكوّن من كلام العرب وأساليب العرب، وهو كما يقولون يقال؛ أي أن القرآن لم يخرج عن سنن العرب في كلامهم؛ يعني الشيخ أثار المسألة بهذا الوجه، يقول يأتي قائل ويقول إني أقرأ القرآن فلا أجده يخرج عن معهود العرب في لغتهم العربية؛ فمن حروفهم ركبت كلماته، ومن كلماتهم ألفقت جمله وآياته، وعلى مناهجهم في التأليف جاء تأليفه، فأي جديد في مفردات القرآن لم يعرفه العرب من موادها وأبنيتها؟ وأي جديد في تركيب القرآن لم تعرفه العرب من طرائقها ولم تأخذ به في مذاهبها؟ حتى نقول إنه قد جاءهم بما فوق طاقتهم اللغوية!! هذه هي الشبهة التي يثيرها من لا إيمان له، يأتي ويقول هذا الكلام، أي جديد في لغة القرآن ليس في كلام العرب كي نقول أن القرآن معجزة لغوية؟ يجيب الشيخ ويقول: أما أن القرآن الكريم لم يخرج في لغته عن سنن العرب في كلامهم إفرادًا وتركيبًا؛ فذلك في جملته حق لا ريب فيه، وبذلك كان أدخل في

стр. 55

الإعجاز وأوضح في قطع الأعذار، هذا كلام الله : ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيّ﴾ (فصلت: ٤٤) فهم لو جاءهم الكتاب على غير لغة العرب لكان ذلك أدعى للبس عليهم ولقالوا: لا نفهمه ولا نعرفه!! إنما القرآن جاء على لغتهم ليكون أدعى في الإعجاز كيف ذلك؟ اللغة فيها العام والخاص، يقول الشيخ: وذلك أن اللغة فيها العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين، وفيها العبارة والإشارة والفحوة والإيماء، وفيها الخبر والإنشاء وفيها الجمل الاسمية والفعلية، وفيها النفي والإثبات وفيها الحقيقة والمجاز، وفيها الإطناب والإيجاز، وفيها الذكر والحذف وفيها الابتداء والعطف وفيها التعريف والتنكير وفيها التقديم والتأخير، ومن كل هذه المسالك ينفذ الناس إلى أغراضهم، غير ناكبين بوضع منها عن أوضاع اللغة جملةً، بل هم في شعابها يتفرقون وعند حدودها يلتقون. بيد أنه ليس شيء من هذه المسالك بالذي يَجمُل في كل موطن، وليس شيء منها بالذي يقبح في كل موطن، إذًا لهان الأمر على طالبه ولأصبحت البلاغة في لسان الناس طعمًا واحدًا وفي سمعهم نغمة واحدة، فإن الطريق الواحد قد يبلغك مأمنك حينًا ويقصر بك عن غايتك حينًا آخر، ورب كلمة تراها في موضع ما كالخرزة الضائعة، ثم تراها بعينها في موضع آخر كالدرة اللامعة، فالشأن إذًا في اختيار هذه الطرق؛ أيها أحق بأن يسلك في غرض غرض وأيها أقرب توصيلًا إلى مقصد مقصد. إذًا الجديد في لغة القرآن أنه في كل شأن يتناوله من شئون القول يتخير له أشرف المواد وأمسها رحمًا بالمعنى المراد، وأجمعها وأمسها رحمًا بالمعنى المراد،

стр. 56

وأجمعها للشوارد وأقبلها للامتزاج، ويضع كل مثقال ذرة في موضعها الذي هو أحق بها وهي أحق به؛ بحيث لا يجد المعنى في لفظه إلا مرآته ناصعة وصورته الكاملة ولا يجد اللفظ في معناه إلا وطنه الأمين وقراره المكين، لا يومًا أو بعض يوم، بل على أن تذهب العصور وتجيء العصور، فلا المكان يريد بساكنه بدلا، ولا الساكن يبغي عن منزله حولا، وعلى الجملة يجيئك من هذا الأسلوب بما هو المثل الأعلى في صناعة البيان. هذا ما يتميز به القرآن الكريم؛ أنه في لغته عمومًا بهذه الصورة التي هي فوق طاقة البشر ويستدل الشيخ بشيء جميل على هذه المسألة؛ أننا لا نستطيع أن نقدر قيمة القرآن كما قدره هؤلاء الذين آمنوا به وهؤلاء الذين لم يؤمنوا به وكفروا به وجحدوا، فيقول الشيخ: أنت أحد اثنين؛ إما أنك تعرف لغة العرب معرفة وثيقة وتستطيع أن تحكم، وإما أنك جاهل بلغة العرب وأسرار كلامهم، فلا تستطيع أن تحكم؛ فإن كنت جاهلًا بلغة العرب يكفيك شهادة العربي الفصيح، فإن قلت: أقبل شهادة من عربي يؤمن بالقرآن نأتيك بشهادة من كفر بالقرآن: هذا مثال ذكره الشيخ بقصة الوليد بن المغيرة، هذا الوليد!! ماذا يقول الوليد؟ عندما أتاه أبو جهل وعرض عليه أن يطعن في القرآن بعدما سمعه من النبي ﷺ يقول الوليد لأبي جهل: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم مني بالشعر؛ لا برجزه ولا بقصيدِه ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقوله شيئًا من هذا!! ووالله إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة!! وإنه لمنير أعلاه مشرق أسفله!! وإنه ليعلو ولا يُعلى!! وإنه ليحطم ما تحته!!

стр. 57

هذه شهادة الوليد بن المغيرة -الذي لم يؤمن بالقرآن- في القرآن كلغة وكمعجزة لغوية. أما إن كنت الرجل الثاني؛ بمعنى أنك تعرف لغة العرب، فيقول الشيخ: أما إن كنت قد أُوتيت حظك من معرفة فروق الكلام والميز بين أساليبه، فاقرأ ما شئت من خطب العرب وأشعارها وحِكمها وأمثالها ورسائلها ومحاورتها متتبعًا في ذلك عصور الجاهلية والإسلام على اختلاف طبقاتها، ثم افتح صفحةً من هذا الكتاب العزيز وانظر ماذا ترى؟ أسلوب عجب، ومنهج في الحديث فذٌّ مبتكر، كأن ما سواه من أوضاع الكلام منقول، وكأنه بينها على حد قول بعض الأدباء وضع مرتجل، لا ترى سابقًا جاء بمثاله ولا لاحقًا طَبع على غراره، فلو أن آيةً منه جاءتك في جمهرة من أقوال البلغاء لدلت على مكانها، واستمازت من بينها كما يستميز اللحن الحساس بين ضروب الألحان، أو الفاكهة الجديدة بين ألوان الطعام. كلام جميل من شيخنا دراز يوضّح به الإعجاز اللغوي للقرآن الكريم، ونحمد الله ونصلي على رسولنا -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 58

الدرس: ٤ الإعجاز العلمي، والعددي، والتصوير في القرآن الكريم .

стр. 59

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع (الإعجاز العلمي، والعددي، والتصوير في القرآن الكريم) الإعجاز العلمي في القرآن الكريم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ وبعد: فإن الإعجاز العلمي أمر شغل الناس كثيرًا، وظهر في عصرنا هذا بصورة واضحة وكثر الكلام فيه، فكان لا بد لنا في مادتنا مع أنها تمس الجانب اللغوي أن نقف مع هذه النقطة، ونوضح ما فيها من أشياء عسى أن ينفعنا الله بما نقول ونسمع. ويتركز حديثنا حول الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في النقاط التالية: أولًا: ما المقصود بالإعجاز العلمي؟ المقصود بالإعجاز العلمي هو إخبار القرآن بحقيقة كونية أثبتها العلم التجريبي، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول ﷺ ، مما يُظهر صدقه فيما بلّغ عن رب العزة . ثانيًا: ما الفرق بني الإعجاز العلمي والتفسير العلمي؟ البعض يخلط في هذه المسألة، فيتحدث عن التفسير العلمي بأنه إعجاز علمي، أو يذكر أوجه الإعجاز العلمي على أنها تفسير علمي للقرآن الكريم، فما الفرق بينهما؟ الفرق هو أن الإعجاز العلمي الذي يُقصد به سبق القرآن الكريم إلى الإخبار بحقيقة كونية قبل أن يكتشفها العلم التجريبي، هذا المقصود بالإعجاز، أما التفسير العلمي للقرآن فيُراد به الكشف عن معانٍ جديدة للآية القرآنية في ضوء ما

стр. 60

ترجحت صحته من نظريات العلوم الكونية، دون إسراف في التأويل، ذلك عندما تدرس في مادة التفسير ومناهج التفسير تجد إسهابًا في الحديث عن هذه المسألة وهي مسألة التفسير العلمي للقرآن الكريم، هذه المسألة انتشر اجتهاد المجتهدين فيها، وكلام الناس فيها، ولكنها لها حدود لا بد أن نقف عندها. ومنها ننتقل إلى نقطتنا الثالثة في هذا الموضوع: وهي ما الضوابط التي نلجأ إليها عند حديثنا عن الإعجاز العلمي؟ أو ما الأشياء التي نحتكم إليها في البحث عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم؟ هل كل أحدٍ يقول ما يقول وما يحلو له أن يقوله يذكره ويقول: هذا إعجاز علمي؟ لا نستطيع ابتداءً أن نسلم بهذا الكلام، وما أوتي النقد من أعداء الإسلام إلا من تسرع بعض الناس في إثبات أو في الحديث عن نظريات علمية كانت في محل التجريب، ولم تثبت ثبوتًا قطعيًّا، فأرادوا أن يفسروها على آيات من القرآن، وجاءوا بآيات من القرآن قالوا: إنها تفسر هذا المعنى التجريبي أو العلمي الذي توصل إليه، وبعد ذلك يثبت خطأ هذه النظرية، فيرمي هؤلاء الملاحدة على القرآن الكريم بأنه تحدث عن حقيقة تغيرت أو عن مسألة علمية تغير وضعها. لا والله، الخطأ لم يكن قطعًا في كتاب الله ، حاشا لله، وإنما الخطأ من هذا الذي تسرع وحمل الآية على هذا المعنى، لذلك كان لا بد لنا في حديثنا عن الإعجاز العلمي أن نضع ضوابط البحث في الإعجاز العلمي، فهذه قضية شائكة تقابلها رافض وتقابلها متحمس، فالبعض يتحمس لها والبعض يرفضها، وكما قال شيخ الإسلام: "كلا طرفي قصد الأمور ذميم". من هنا نتحدث عن الضوابط:

стр. 61

أول هذه الضوابط: أن توقن بأن علم الله هو العلم الشامل المحيط الذي لا يعتريه خطأ ولا يشوبه نقص، وأن علم الإنسان محدود يقبل الازدياد ومعرّض للخطأ، ومن ثم فإنه لا يوجد تعارض بين نصوص الوحي القاطعة التي تصف الكون وأسراره على كثرتها، وبين الحقائق العلمية المكتشفة على وفرتها، هذا ما أسهب فيه شيخ الإسلام في كتابه (درء تعارض العقل والنقل). الضابط الثاني: هو أنك تقر أن الحقيقة العلمية التي يعرف رجال العلم معناها وحدودها لا تبطل مع الزمن، ولكنها قد تزداد مع جهود العلماء المتتابعة تفصيلًا أو وضوحًا وجلاءً؛ أي تظهر باجتهاد العلماء وببحثهم فيها، ويكفينا أن القرآن يكون قد أشار إلى هذه الحقيقة العلمية في ذاتها. الضابط الثالث: أن الذي يتعرض للحديث عن الإعجاز العلمي لا بد أن يتقيّد بما تدل عليه اللغة العربية، فلا بد أن يُراعي معاني المفردات، وفقه استعمالها وأن يراعي القواعد النحوية ودلالاتها، وأن يراعي القواعد البلاغية والبيانية ودلالاتها، لا بد لمن يتعرض للحديث عن الإعجاز العلمي أن يكون ملمًّا بلغة العرب، وأن يكون عارفًا بطريقة العرب في أساليبهم وكلامهم. الضابط الرابع: هو أن يبتعد عن التأويل، التأويل الذي يحمل التعسف والذي يحمل -كما يُقال- لوي النص، يُقال أنه يرغم النص على معنى يريده أو على حقيقة ثبتت عنده، أو يريد أن يحمل كلام الله عليها عنوة كما يُقال. الضابط الخامس: ألا تُجعل حقائق القرآن موضع نظر، يعني أن لا يجعل الباحث في الإعجاز العلمي أنه يريد أن يبحث في الحقيقة القرآنية، وينظر من خلالها: هل هي أثبتت ذلك أم لم تثبته.

стр. 62

أما الضابط السادس: أنه يجب على المجتهدين من العلماء أن يكونوا ملمين من علوم القرآن بالقدر الكافي، وأن يكون لديهم استعداد شخصي يعززه رجوعهم إلى أمهات كتب التفسير، فهذا أقل مقتضيات التحري وعدم التورط في الكلام في كتاب الله بغير علم؛ أن يكون عارفًا بأحكام القرآن وبكلام القرآن وبطرق التفسير كما أوجز ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في عبارتين: أنه يكون عارفًا بكلام أهل التفسير، وأنه يكون عارفًا بلغة العرب. أما الضابط السابع: فإنه يجب على المجتهدين من الباحثين أن يكونوا على معرفة تامة بالظاهرة العلمية قيد البحث، وتاريخ المصطلحات الفنية المتعلقة بها. هذه ضوابط وضعها العلماء للكلام في الإعجاز العلمي. النقطة الرابعة التي نتناولها: هي أوجه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم: هذه نقطة واسعة، الناظر في القرآن يجد آيات كثيرة بها إعجاز علمي، بالمعنى الذي ذكرناه في بداية التعريف، حقيقة علمية أثبتها العلم التجريبي، ما كان للنبي ﷺ وصحابته الكرام أن يتعرفوا عليها في زمانهم، هذا المعنى بهذا المصطلح نجده في آيات كثيرة في كتاب الله . أوجه الإعجاز العلمي في القرآن شملت أشياء كثيرة، في السماء في الأرض في الجبال في البحار وفي النبات وفي عالم الحيوان وفي عالم الحشرات، وفي عالم الطيور وفي الآفاق وفي الأنفس، بل في القضايا العلمية المعاصرة؛ قضايا الاستنساخ والتلوث البيئي واحتمالات الحياة على كواكب أخرى، كل ذلك تعرّض له القرآن الكريم، وهناك آيات أسهمت في هذا المجال ووضحته، وكان ذلك آيةَ إعجاز في كتاب الله في هذه المسألة.

стр. 63

مثال: لو ذكرنا في آيات السماء، نجد قوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (الحج: ٦٥) أليس ذلك هو ما يسميه العلماء باتزان الأجرام السماوية، وأن الأرض موضوع شقها تجد قول الله : ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْع﴾ (الطارق: ١٢) وأن الجبال عمقها داخل الأرض وهي عوامل الثبات لهذا الكون ولهذه الأرض التي نسير عليها تجد قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادً﴾ (النبأ ٦، ٧). وفي البحار: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ (النور: ٤٠). وفي النبات: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: ٩٩). وفي عالم الحيوان: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأنعام: ٣٨). وفي عالم الحشرات يكفيك ما جاء في شأن النحل وحياتها: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل ٦٨، ٦٩). والطيور: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النحل: ٧٩).

стр. 64

والآيات في الكون وتكوير الأرض، هذه المسألة التي تعرض لها شيخ الإسلام ﵀ ابن تيمية، والتي أثبت العلماء أن شيخ الإسلام كان من السابقين في بيان الكلام عن الإعجاز العلمي، وهذا الكلام الجميل الذي ذكره الشيخ ﵀ في موضوع الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وفي إجابته على من كانوا يجادلون في أمر الدين: أن القرآن به آيات كونية، وأسهب في الحديث عن مسألة تكوير الأرض، وأن الأرض كروية، ودليل ذلك في كتاب الله ، وذكر الآيات: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: ٣٧ - ٤٠). هذا المعنى الجميل الذي تراه في قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ ومعروف ما تحمله كلمة فلك من معنى استدارة، والتي يُعرف هذا المعنى منها، أن الأرض كروية كما نص على ذلك العلم الحديث بدلالة القرآن الكريم. ومن اللطائف قول من تنبه إلى أن قوله تعالى "كل في فلك" يُقرأ من يمينه كما يُقرأ من يساره فإذا رأيت هذا الحركة في تكوين الكلمات تجدها تدور حول بعضها بالحركة الكروية، ولكن هذه اللطائف كما يُقال تُشم ولا تؤكل، فهي لطائف بعض المستبصرين، ولكنها لا يؤخذ منها علم في التأويل ولا التفسير. هذا ما يتعلق بالإعجاز العلمي، وبقي أن أشير إلى أن الجهود في هذا المجال كثيرة في عصرنا هذا وهناك كثير من المصنفات والمؤلفات التي تحدثت عن الإعجاز العلمي، وكلّ في تخصصه، عندنا (من دلائل الإعجاز العلمي في القرآن والسنة النبوية) للدكتور موسى الخطيب، (دورة حياة الإنسان بين العلم والقرآن)

стр. 65

للدكتور كريم حسنين، (الخلق بين العنكبوتية الداروينية والحقيقة القرآنية) أيضًا للدكتور كريم حسنين، وغير ذلك من المصنفات التي كُتبت؛ كلٌّ يعرف علمًا ينظر في كتاب الله ويتوصل لهذه الحقيقة وهي وجود الإعجاز العلمي في كتاب الله، فضلًا عما ذكره العلماء السابقون في هذا المجال من مسائل واضحة في القرآن؛ من خلق الجنين وتكوينه، وكذلك من الكون وما فيه مصداق قول الله : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق﴾ (فصلت: ٥٣)، هذا والله أعلم يكفينا في حديثنا عن الإعجاز العلمي. الإعجاز العددي في القرآن الكريم النقطة الثانية هي: الإعجاز العددي: العرب أمة لا تعرف الكتابة وأيضًا لا تعرف الحساب، بمعنى: أنها في هذين المجالين ضعيفة في مجال الحساب والأعداد وفي مجال القراءة والكتابة؛ لأنها أمة أمية، فنجد أن القرآن تناول في ثناياه ما سُمي بالإعجاز العددي في الحديث عن الأعداد وحساباتها، ومعلوم أن النبي ﷺ لم يكن يعرف هذه القواعد من قواعد الحساب التي ذكرها القرآن وتحدث فيها المولى . وهذه المسألة لا نريد أن نطيل فيها الكلام؛ لأنها تُعد أيضًا لطيفة من اللطائف التي تنبه إليها بعض العلماء في أن القرآن الأرقام فيه هي طبق الأرقام التي وُجدت في أسفار وفي كتب السابقين، ويُستشهد على ذلك بقصة نوح ﵇ في القرآن في قول الله : ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (العنكبوت: ١٤)، ففي سفر التكوين من التوراة أنه عاش تسعمائة وخمسين سنة، وكذلك في قصة أصحاب الكهف عند أهل الكتاب أنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة شمسية، هذا ما هو موجود في كتب أهل الكتاب، فإذا ما نظرنا في القرآن الكريم

стр. 66

نجد قول الله : ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعً﴾ (الكهف: ٢٥)، وهذه السنون التسع هي الفرق ما بين عدد السنين الشمسية والقمرية، قال ذلك الزجاج ﵀ فيعني بتكميل الكسر يعني هذه الفروق تسع سنوات تفصل بين السنوات الشمسية والسنوات القمرية التي يعرفها العرب في حساباتهم، فانظر رحمك الله إلى هذا الحساب الدقيق في أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، فهذا ما يتعلق بالإعجاز العددي، وما عدا ذلك مما ذُكر فهي اجتهادات كما تنبه إليها الفيروزآبادي في (لطائف ذوي التمييز) في استخدام الأعداد أربعة وأربعين وسبع وسبعين وهذه الأشياء مما يتعلق بما سموه أو بما أطلق عليه الإعجاز العددي. مسألة التصوير والآن ننتقل إلى النقطة الرئيسة في درسنا وهي "مسألة التصوير": هذه مسألة عظيمة تستحق أن نقف عندها، وهي جديرة بأن تكون موضع درس بمفردها، وهي مسألة التصوير في القرآن الكريم، أصل هذه المسألة يتعلق بما تحدث فيه البلاغيون في قضية "الحقيقة والمجاز". اللفظ في كلام العرب وفي لغة العرب إما أن يُحمل على حقيقته أو أن يُحمل على المجاز، يتعلق هذا الأمر ابتداءً بقضية الحقيقة والمجاز، فاللفظ يُحمل على الحقيقة ويُحمل على المجاز؛ فالمجاز هو خلاف الحقيقة، بمعنى: أننا لو قلنا: رأيت رجلًا فهذه حقيقة، ولو قلنا: رأيت أسدًا فهذا مجاز، لأنني لا أريد به الأسد المعروف لدى الناس، ولكنني أريد به أن أصف رجلًا بصفات الأسد من الشجاعة وغيرها، كما يُقال عن الطيارين مثلًا بأنهم نسور الجو، وهذه العبارات التي تُستخدم في كلامنا.

стр. 67

وباب الحقيقة والمجاز باب واسع في كتاب الله ، والكلام فيه تطرق إليه العلماء ما بين مثبت وما بين معارض، ولكن هذه المسألة لا نريد أيضًا أن نخوض في تفاصيل الحديث عن مسألة الحقيقة والمجاز، ولكننا ننتقل منها لمسألة هي من أروع المسائل التي تتعلق بهذا الباب وهو موضوع "التصوير في القرآن الكريم". التصوير يأتي من كلمة صورة، أي أن عبارات القرآن ترسم لك -أيها السامع- صورة تراها بعينك وتسمعها بأذنك وتشاهدها أمامك كأنها تتحرك وكأنك ترى أحداثها، التصوير بهذا المعنى ذكر أهل العلم المحدثين الذين اهتموا بهذه المسائل أنه لم يكن معروفًا بهذه الصورة عند قدماء الدارسين أو عند البلاغيين القدامى في دراستهم لكتاب الله ، وبيان ما في كتاب الله ، إلى أن أتى في العصر الحديث أستاذ سيد قطب، وكتب كتابه (التصوير الفني في القرآن)، في هذا الكتاب أسهب ﵀ في بيان هذه المسألة والاستدلال لها وذكر شواهدها، وهذا من المتعة التي سنتناولها -إن شاء الله- بشيء من التفصيل في هذا المجال، وقبل أن نتحدث عن كلام الأستاذ سيد قطب وما طرحه في هذه المسألة نذكر جهود القدامى ﵏ في بيان مسألة التصوير: التصوير عند القدماء ينحصر فيما يُسمى بالصورة البيانية، علم البيان فرع من فروع علوم البلاغة الثلاثة فهي تشمل ثلاثة فروع كما تعرف -أيها الابن الكريم-؛ تشمل المعاني وتشمل البيان وتشمل البديع. فعلم البيان الذي يشمل التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية، هذا العلم به يُنسب إليه ما يُطلق عليه التصوير في كتب القدامى، التصوير أي الصورة البيانية في

стр. 68

القرآن الكريم، التي تظهر جلية في باب الاستعارة، وحتى إن بعضهم يُسمي بهذا التسمية، يقول: التصوير عن طريق الاستعارة، فدراسة الأقدمين لهذه المسألة كانت قاصرة على توضيح نوع الاستعارة وبيان إجراء استعارة والحديث عما فيها من وجه بلاغي، هذا المعنى هو الذي نجده في كتب السابقين وفي بيان ما يُسمى بالتصوير أو بالصورة في القرآن الكريم. وهذا الاقتصار هو السمة الغالبة في مصنفاتهم، حتى إن الدكتور أحمد بدوي مثلًا يقول: ولم أرَ إلى ما ندُر من وقوف بعضهم يتأمل بعض هذه اللمحات الفنية المؤثّرة، وليس مثل هذه الدراسة بمجدٍ في تذوق الجمال وإدراك أسراره، يقول: إنه لم يرَ من المصنفين السابقين إلا النادر أو القليل الذي كان يهتم بإبراز مظاهر التصوير أو الجمال الفني في التصوير في القرآن الكريم؛ لأنه به يظهر أسرار القرآن في جماله في الصور التي تجعل القارئ يحسّ بالمعنى أكمل إحساس وأوفاه، وتصوّر المنظر للعين وتنقل الصوت للأذن، وتجعل الأمر المعنوي ملموسًا محسّنًا، وبدأ يذكر بعض الصور التي ذكرها القدامى في هذا المجال؛ فمنها قول الله : ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعً﴾ (الكهف: ٩٩)، فكلمة يموج لا تقف عند حد استعارتها لمعنى الاضطراب، بل إنها تصور للخيال هذا الجمع الحاشد من الناس احتشادًا لا تدرك العين مداه، حتى صار هذا الحشد الزاخر كبحر، وترى العين منه ما تراه في البحر الزاخر من حركة وتموّج واضطراب، ولا تأتي كلمة "يموج" إلا موحية بهذا المعنى ودالة عليه. هذه صورة من الصور التي ذُكرت عند الأقدمين في الاستعارة لكلمة يموج، وما توحي به من ازدياد الحشد وكثرة العدد في هذا المنظر، الذي تراه بعينك، وكذلك عند حديثهم عن قوله : ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (مريم: ٤)، فإن كلمة

стр. 69

"اشتعل" لا تقف عند معنى انتشر وحسب، ولكنها تحمل معنى دبيب الشيب في الرأس في بطء وثبات، كما تدب النار في الفحم مبطئة، ولكن في دأب واستمرار، حتى إذا تمكنت من الوقود اشتعلت في قوة لا تبقي ولا تذر، كما يحرق الشيب ما يجاوره من شعر الشباب، حتى لا يظهر شيئًا إلا التهمه وأتى عليه، ويقول: وفي إسناد الاشتعال إلى الرأس ما يوحي بها الشمول الذي التهم كل شيء في الرأس. وبدأ ﵀ يذكر أمثلةً على ما تنبه إليه القدامى في هذه المسألة من باب الاستعارة التي تحمل صورة بيانية لمن يسمعها ولمن ينظر فيها، وأن القرآن قد يجسِّم المعنى، ويهب للجماد العقل والحياة زيادة في تصوير المعنى وتمثيله للنفس، وذلك بعض ما يعبر عنه البلاغيون بالاستعارة المكنية، وذكر مثالًا لها قول الله : ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ (الأعراف: ١٥٤)، ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ (الأعراف: ١٥٠)، فهنا كلمة الغضب تشعرك بأنه إنسان يدفع موسى ويحثه على الانفعال والثورة، ثم يسكت ويكفّ عن دفع موسى وتحريضه، وهذه صورة بيانية جميلة ذكرها السابقون في مجال الاستعارة. هذا -كما يُقال- هو حد الدرس في مسألة التصوير عند البلاغيين الذين يهتمون بهذه المسألة، أما النقْلة التي حدثت في عصرنا هذا هو ما أحدثه الأستاذ سيد قطب في كتابه (التصوير الفني) فبين المسألة بصورة تستدعي منا أن نقف معها ونرى فكر الرجل في هذه المسألة العظيمة: بدأ ﵀ أن يبين لنا مسألة هي بمثابة التمهيد لهذه المسألة، وهي أن القرآن قد سحر من آمن به ومن لم يؤمن به، وهذا ظاهر في قول الوليد: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَر﴾ (المدثر: ٢٤)، فيقول: الوليد بن المغيرة شغله القرآن ونظر فيه

стр. 70

وفي معانيه فعرف أنه يخرج عن طوق العرب في كلامهم، وكذلك عمر ﵁ كان سبب إيمانه هو سماعه آيات من القرآن في رواية أو قراءته آيات من سورة طه في رواية أخرى، فكان ذلك دافعًا لإيمانه ﵁ وأرضاه- وكانت عباراته المشهورة: "فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام"، والعبارة الأخرى عندما قرأ الآيات قال: "ما أحسن هذا الكلام وأكرمه" فذلك دليل بيّن، على أن القرآن أثر العرب في بداياته. مدخل جميل لهذه المسألة؛ أرجو منك أيها الابن الكريم أن تتأمله معي، أن القرآن سحر العرب ببيانه وأسلوبه بداية، فهنا نطرح سؤالًا: إذا قلنا الإعجاز في القرآن من ناحية التشريع، أو الإعجاز في القرآن من ناحية الإخبار بالحقائق الكونية، أو الإعجاز في القرآن من ناحية الحديث عن النبوءات الغيبية الأشياء المستقبلة، هذا الكلام نستطيع أن نقبله من القرآن ككلام عام، كما ذكرنا في الدرس الماضي جملةً على الجملة لماذا؟ لأنك لو قرأت في القرآن كله ستجد هذه الآيات وهذه العلامات البيّنة على إعجاز القرآن في هذه الوجوه؛ في جانب التشريع وفي جانب الحقائق الكونية وفي جانب النبوءات الغيبية. أما السؤال الذي يُطرح الآن: أين هذه الأشياء من الوليد بن المغيرة عندما ذكر هذا الكلام بعد سماعه آيات من القرآن ونزلت قصته في سورة (ن) تصوّر حاله عندما سمع وعندما قال بعد ذلك قولته العظيمة الباهتة الظالمة في القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ (المدثر: ٢٤، ٢٥)، هذه الآيات في سورة (ن)، وسورة (ن) من أولى السور التي نزلت من القرآن الكريم، واختلف أهل العلم في ترتيب نزولها: هل هي الثالثة أم بعد الثالثة؟ ولكنهم

стр. 71

اتفقوا على أنها من السور الأولى التي نزلت في القرآن الكريم على النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- فلا شك أن الرجل حكم هذا الحكم وتأثر هذا التأثير عند سماعه سِور من السور التي نزلت في بداية الوحي قبل التفصيل في مسائل التشريع وقبل بيان مسائل الحقائق الكونية ومسائل الغيبيات، فكانت عبارات وجيزة وآيات قصيرة، أُنزلت على النبي -صلى الله عليه آله وصحبه وسلم- فمن هنا جاء كلامنا عن هذه المسألة، لا شك أن القرآن سحرهم، هذا اللفظ تجاوزًا على اعتبار كلامهم ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَر﴾ (المدَّثر: ٢٤) واسترعى انتباههم لما فيه من عبارات، وبما فيه من ميزة عن كلامهم ليست بالطبع هي الحقائق الكونية أو الحقائق التشريعية أو النبوءات الغيبية. فلا بد لنا أن نبحث عن منبع آخر لجمال النص القرآني. من هنا بدأ الأستاذ سيد قطب في كلامه عن قضية التصوير الفني أن هذا التصوير الذي نجده في آيات القرآن جملة وتفصيلًا في قصار السور وفي طوالها وفي الآيات، ربما تقتصر آية على صورة عظيمة من صور التصوير. وبين ذلك أيضًا في حديثه عن جهود السابقين فأشار إلى أن الزمخشري كان ينتبه إلى هذه المسألة، ولكنه لم يتحدث فيها تفصيلًا، وإلى أن عبد القاهر ﵀ في (دلائل الإعجاز) نبه أيضًا عل هذه المسألة، ولكنه لم يفصلها تفصيلًا واضحًا، فتبنى ﵀ تفصيل هذه القضية في (بيان التصوير الفني في القرآن الكريم)، فقال: التصوير هو الأداة المفضّلة في أسلوب القرآن، فهو يعبّر بالصورة المحسّة المتخيلة عن المعنى الذهني وعن الحالة النفسية وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية، ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة أو الحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة.

стр. 72

فهذا التصوير تصوير باللون وبالحركة وتصوير بالتخييل تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل، وكثيرًا ما يشترك الوصف والحوار وجرس الكلمات ونغم العبارات وموسيقى السياق في إبراز صورة من الصور تتملاها العين والأذن والحس والخيال والفكر والوجدان. هذه إجمال معنى التصوير؛ نقل صورة أمامك تشاهدها، وبالمثال يتضح المقال، بدأ الشيخ يعرض سورًا من القرآن الكريم فيها روعة التصوير الفني الذي يعرفه من ينظر في هذه الآيات الكريمة، وكما ذكرت آنفًا الآن في عباراته؛ أنه ذكر أن القرآن عبّر عن المعاني الذهنية في صورة حسية، وكذلك عبر القرآن عن المعاني المجردة والحالات النفسية بصورة حسية، وكذلك عرَض القرآن نموذجًا إنسانيًّا واضحًا للإنسان في شخصيته وفي تصرفاته، وكذلك رسم القرآن مشاهد لحوادث وقعت في عهد النبي ﷺ ورسم القرآن حوادثَ ضُربت كمثال من القصة في القرآن الكريم؛ كل ذلك كانت عمدته الأساسية في التعبير عنه هي طريقة التصوير. ونعيش الآن مع نماذج مما ذكرها الأستاذ سيد قطب ﵀. يضرب مثال ً اللمعاني الذهنية التي خرجت في صورة حسية لأشياء عديدة؛ منها هذه الصورة، القرآن يريد أن يجسّم ضعف هؤلاء الآلهة أو الأولياء الذين اتخُذوا من دون الله عامة، ويبين أنهم لجئوا إلى ملجأ ضعيف واحتموا بشيء لا يستطيع حمايتهم، فبماذا عبر القرآن؟ قال الله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: ٤١)، تأمل هذه السورة الكريمة؛ يصور الله -

стр. 73

هؤلاء الذين اتخذوا أولياء من دون الله بمن يتخذ بالعنكبوت الذي يتخذ بيتًا، فهم عناكب ضئيلة واهنة تأوي مَن حمى هؤلاء الآلهة أو الأولياء إلى بيت كبيت العنكبوت أوهن وأضأل، ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾، ولكنهم لا يعلمون حتى هذه البديهية المنظورة، فهم يضيفون إلى الضعف والوهن جهلًا وغفلة، حتى لا يعجزون عن إدراك البديهي المنظور. يعني: يريد الشيخ بأن تتأمل هذه الصورة لهؤلاء الذين يعبدون من دون الله أولياء أو أناسًا أو أصنامًا أو غير ذلك، فهذه الصورة التي رسمها الله لهم بهذه الآية الكريمة. وصورة أخرى لمعنى مجرد، وهذا المعنى هو أن المشرك لا منبت له ولا جذور، ولا بقاء له ولا استقرار، فهذا المعنى كيف يُصوّر؟ انظر إلى قول الله : ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيق﴾ (الحج: ٣١) هكذا في ومضة يخرّ من السماء من حيث لا يدري أحد، فلا يستقر على الأرض لحظة، إن الطير لتخطفه وإن الريح لتهوي به، وتهوي به في مكان سحيق حيث لا يدري أحد كذلك، وذلك هو المقصود. انظر -رحمك الله- إلى هذا التصوير لهذا المعنى، وهو معنى عدم استقرار المشرك، وأنه لا بقاء له، وكيف صوّره القرآن الكريم. هناك معاني أخرى تصور الحالة النفسية والمعنوية، هذا الذي لا يؤمن أو هذا الذي لا ينتفع بالعلم الذي أنزله الله يهيئ الله له المعرفة فيفرّ منها كأنها لم تهيئ له، ويعيش بعد ذلك مترددًا بين أهواء نفسه، فلا هو استراح بالغفلة ولا استراح بالعلم والمعرفة، نريد أن نصوّر أو أن نعبّر عن هذا المعنى، فماذا يُقال؟ انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ منْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ

стр. 74

فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ (الأعراف: ١٧٥، ١٧٦). انظر إلى هذه السورة وما فيها من تحقير وتقذير لهذا الذي ينسلخ ويترك ما رزقه الله من العلم والمعرفة، وهذه الحركة الدائبة في وضعه، فهي في تثبيت المعنى المراد أشد وأقوى، وهذا المنظر الذي تراه من الصورة التي رسمت للكلب: ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾، فهو على كل حال مضطرب فزِع خائف، سواء أمنته أو سواء أرهبته، في الحالين هو يلهث بهذه الصورة المقززة الحقيرة. وصورة أخرى لمعنى آخر، وهو معنى من تتزعزع عقيدته، يعني إنسان ليس على يقين، وليس على ثبات من أمر الله ، فهو كما يُقال: إذا الريح مالت مال حيث تميل، في هذه الصورة يقول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ (الحج: ١١)، هنا الخيال يجسّم هذا الحرف، الحرف الجبل، الذي يعبد الله عليه هذا البعض من الناس، وإنه ليكاد يتخيل الاضطراب الحسي في وقفتهم، وهم يتأرجحون بين الثبات والانقلاب، وإن هذه الصورة لترسم حالة التزعزع بأوضح ما يؤديه وصف التزعزع؛ لأنها تنطبع في الحس وتتصل منه بالنفس، انظر إلى هذه الصورة وما استطاعت أن توصله إليك من بيان حال هذا الذي يشك والذي لا يثبت على شيء وعقيدته مضطربة مهتزة؛ يعبد الله على الأحوال التي تصيبه، فتارة يطمئن وتارة يضطرب، كحال من يتعبد على جبل مرتفع.

стр. 75

ينتقل بعد ذلك لرسم صور للإنسان بشخصه، وهذه الصورة تكون واضحة لمن ينظر فيها، صورة بسيطة، أنا لا أريد أيضًا أن أسهب في ذكر هذه الصور لأن لنا وقفة مع صور يوم القيامة ومشاهد يوم القيامة في القرآن الكريم، وكيف صوّرها القرآن لأهل الإيمان. هذه صورة لإنسان ضعيف العقيدة، ضعيف العزيمة، مستور الحال، لا يتبين ضعفه في فترة الرخاء، فإذا جدّ الأمر وجاءت الشدة ظهر هذا الضعف على أتمّه، هذه الصورة يصورها القرآن في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (محمد: ٢٠). انظر لهذه الصورة التي يعرفها كلّ منا من حال من يُغشى عليه من الموت وما يُرى على وجهه من شحابة ومن خوف وفزع واضطراب يصيبه، هذا حالهم عندما ينزل أمر الله بالجهاد والقتال؛ ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، صورة تبرز في الضمير مصحوبة بالسخرية والتحقير، وهذه صورة من الصور العظيمة التي صوّرها القرآن لحادثٍ حدث في عهد النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. ويكفي أهل الإيمان أن ينظروا في الآيات ليتبينوا هذا المنظر وكأنهم يرونه رأي العين، وكيف استطاع القرآن أن يصف هذا المنظر بهذه الصورة الفنية الرائعة، وهي حادثة الأحزاب، وما كان في أمر هذه الغزوة؛ يتحدث المولى عن الهزيمة فيرسم مشهدًا كاملًا تبرز فيه الحركات الظاهرة والانفعالات المضمرة، وتلتقي فيه الصورة الحسية بالصورة النفسية، وكأنما الحادث معروض من جديد دون أن يُغفل منه قليل أو كثير: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا *
следующие страницы →