← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 31077

الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (425 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فلا صلة بين الجملتين؛ ولذا تعين الفصل وعدم الوصل بالواو. الحالة الثالثة: ما يسميه البلاغيون شبه كمال الاتصال، وهو: أن تكون الجملة الثانية جوابًا عن سؤال يفهم من الجملة الأولى، وهذا ما اهتم به الجرجاني وذكر له أمثلة عديدة في كتابه (دلائل الإعجاز) من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (يوسف: ٥٣) ففصلت الجملة الثانية ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ عن الأولى؛ لأنها واقعة في جواب سؤال مقدر، وكأنه قيل: هل النفس أمارة بالسوء؟ فقيل: ﴿إنّ النّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾. وكذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ (هود: ٤٦)، ففصلت الجملة الثانية ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ عن الأولى ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ لأن الثانية وقعت جوابًا لسؤال الجملة الأولى، وهو كيف لا يكون من أهلي وهو ابني؟! فكان الجواب عن ذلك: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ فالجملة الثانية مرتبطة بالأولى ارتباطًا وثيقًا كما يرتبط الجواب بالسؤال ولهذا ترك العطف؛ لأنّ الجواب لا يعطف على السؤال. ومنْ ذَلك كل ما ورد في القرآن الكريم من الجُمل المصدرة بلفظ "قال" مفصولًا عما قبله كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ (الذاريات: ٢٤ - ٢٨). كأنها حوار فيه استفسارات وإجابات عنها وارجع إلى (الدلائل) فإنه بينها تمام البيان. الموضع الرابع من مواضع الفصل: هو شبه كمال الانقطاع: وهو أنتسبق جملة بجملتين، يَصِحُّ عطفها على إحداهما، ولا يصح عطفها على الأخرى لفساد المعنى؛ فيترك العطف كلية، دفعًا لتوهم أن تكون الجملة

стр. 387

معطوفة على التي لا يصح العطف عليها، وهذا الموضع فيه كلام، واستدل له البلاغيون بشواهد من الشعر، وبينوا أن هذه الشواهد يُمكن أن تحمل على شبه كمال الاتصال فتدخل فيه؛ فلذا رأى العلامة أبو موسى أن هذا الوجه الرابع من أوجه التكلف، ولكننا نوضح البيت الذي استشهدوا به جريًا على ما صنفوا في تصانيفهم في هذا الباب وهو قول الشاعر من بحر الكامل: وتَظُنّ سَلْمَى أنّني أبْغِي بها بدلًا أُرَاها في الضلال تهيمُ فجملة "أراها في الضلال تهيم" لم توصل بالواو، وفصلت مع وجود الجهة الجامعة بين الجملتين؛ وذلك لئلا يتوهم السامع أنها معطوفة على جملة "أبغي بها بدلًا" لقربها منها؛ فتكون حينئذٍ من مضمونات سلمى، ويصير المعنى: "أن سلمى تظن أنني أبغي بها بدلًا، وتظن أنني أظنها تهيم في الضلال" وليس هذا مراد الشاعر وإنما مراده: أن سلمى مخطئة في زعمها أنني أبغي بها بدلًا. والموضع الخامس وهو: التوسط بين الكمالين مع قيام المانع من الوصل، وهو: أن تكون الجملتان متفقتين خبرًا أو إنشاءً، وبينهما رابطة قوية، لكن يمنع من العطف مانع، وذلك بأن يكون للجملة الأولى حكم، لم يقصد إعطاؤه للثانية. ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (البقرة: ١٤، ١٥)، ففصلت جملة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ عن جملة ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ مع التناسب ووجود الجامع بينهما المصحح للعطف، لوجود المانع وهو أنه لم يقصد تشريك جملة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ لجملة ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ في الحكم الإعرابي، وهو أنها مقول القول؛ فيقتضي ذلك

стр. 388

أن جملة ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ تكون من مقول المنافقين، وهي ليست كذلك بل هي من كلام الله ولذلك فصل بينها. وهذا باب دقيق من أبواب البلاغة -كما ذكرت لكم- وبهذا تنتهي الصور الخمس لمواضع الفصل التي ذكرها البلاغيون، ويبقى لنا فقط تعليق على هذه المواضع من كلام العلامة أبي موسى، وبيان محسنات الوصل، واستخدامه في الكلام. وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

стр. 389

الدرس: ٢١ الفصل والوصل في القرآن .

стр. 390

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الحادي والعشرون (الفصل والوصل في القرآن) تعليق الدكتور محمد أبي موسى على مسألة الفصل والوصل في القرآن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه- وسلم تسليما كثيرًا، وبعد: نبدأ بما انتهينا به من الحديث عن مبحث الفصل والوصل، وقلنا: إن لنا تعليقًا على دراسة هذا المبحث من الناحية البلاغية، وهذا التعليق لأستاذنا العلامة الدكتور/ محمد أبو موسى أشار إليه في كتابه (دلالات التراكيب: دراسة بلاغية)، فعقب على دراسة البلاغيين لهذا المبحث بالنظر إلى الأسلوب القرآني، وهذا الذي هو غاية دراستنا، فلذا يجدر بنا أن نقف مع هذا التعليق للدكتور/ محمد أبو موسى. عندما يعرض أستاذنا هذا المبحث يجد أشياء ينبه إليها، فيقول: "قد تجد هذه الأساليب وقد جاءت موصولة بالواو"، أي: ما نص البلاغيون على أنه يجب فيه الفصل، وعدم الوصل بالواو جاء بعضه موصولًا بالواو، فأشار إلى مواضع: الموضع الأولى: هو ما أطلقوا عليه كمال الاتصال، يقول: "ومما وقعت فيه الواو مع الجملة المنزلة منزلة التوكيد قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (الأحزاب: ٧)، فعطف قوله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ على سابقه، وإن كان الميثاق هنا هو الميثاق هناك، والأخذ هنا هو الأخذ هناك، ليوهم أنه لما وصف بأنه غليظ صار كأنه ميثاق آخر، وذلك تفخيم لشأن الميثاق، وتنويه به، وعلى طريقته قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (هود: ٥٨) فقد عطف ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ﴾ على ﴿نَجَّيْنَا هُودًا﴾ وإن كانت النجاة واحدة وذلك؛ لأنه لما ذكر ما نجاهم منه كانت النجاة الثانية كأنها نجاة مختلفة عن الأولى، فعطفها عليها تمييزًا لها، وتفخيمًا لشأنها،

стр. 391

والجملة التي تأتي في عقب الكلام مؤكدة له، والتي تتكاثر في القرآن قد ترد بالواو كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (النمل: ٣٤). نجد أمثال هذا في القرآن يأتي بغير الواو كثيرًا، وقد آذنت هذه الواو أن ذلك عادة من عاداتهم، ووجه هذه الدلالة أن الواو تشير إلى المغايرة، فكأنهم يفعلون ذلك، ويفعلون مثله، وقد جاء قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ (الشعراء: ١٥٣، ١٥٤)، من غير واو في حكاية ما قالته ثمود لصالح ﵇، وجاء في حكاية ما قاله أصحاب الأيكة لشعيب: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * ومَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ (الشعراء: ١٨٥، ١٨٦) بالواو". هذا أول ما نبه إليه أستاذنا في ورود بعض الأساليب التي نصوا على أنها يجب فيها الفصل جاءت موصولة بالواو؛ ولذلك يقول: "هذا هو كمال الاتصال بشعبه الثلاثة: التوكيد والبيان والبدل، وهو حال من أحوال الفصل وإن كنا نراه والذي يليه حالا من أحوال الوصل؛ لأن الوصل في الحقيقة وصلان: وصل ظاهر بحرف الوصل، ووصل خفي تتصل فيه الجملة من ذات نفسها، وهو أقوى الوصلين". ويعقب أيضًا على ما ذكر في شبه كمال الانقطاع، يقول: "أما شبه كمال الانقطاع، فهو أن تكون الجملة الثانية بمنزلة المنقطعة عن الأولى يعني: أنها صالحة لأن تعطف، ولكن عطفها عليها يوهم عطفها على غيرها، فيلتبس المعنى وحينئذٍ يجب القطع، فيقول: قد نبهوا إلى أن هذه السور يمكن أن تكون من شبه كمال الاتصال، وبذلك يبقى شبه كمال الانقطاع بابًا فارغًا من أي شاهد، وهذا هو الوجه الذي نرضاه".

стр. 392

فيشير إلى أننا نستطيع أن نستغني عما يسمى بشبه كمال الانقطاع، وأنه يندرج في شبه كمال الاتصال، ويستدل على ذلك بآيات من كتاب الله، فيقول: "قد جاءت آيات على هذا النسق ومعها الواو من ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (العنكبوت: ١٢)، وهذا شبيه بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (البقرة: ١٤، ١٥)، فقوله سبحانه: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (العنكبوت: ١٢)، شبيه بقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ من جهة أنه ليس داخلًا في الكلام السابق، وقد جاء بالواو وهي الواو التي يعطف بها مضمون كلام، ولا يتوهم دخولها في حكم ما قبلها يعني في حيز قول ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ويمكن أن تكون عاطفة لهذه الجملة، وما بعدها على جملة ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وبهذا تدخل في حيز القول لأنها معطوفة عليه، وليست معطوفة على معموله، وتكون الواو هنا مفيدة معنى خبرًا ثانيا عنهم يعني: أنهم قالوا لهم: اتبعوا سبيلنا ونحمل خطاياكم وأنهم لن يحملوه". ويعقب أيضًا على مسألة عطف الخبر على الإنشاء، ويقول: "وجدنا الواو تقع كثيرًا بين الخبر والإنشاء ومن ذلك ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّه﴾ (البقرة: ٢٨٢) وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (الأنعام: ١٢١)، وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (الحج: ٢٢)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة: ١٢٥)، وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى * وَهَلْ أَتَاكَ

стр. 393

حَدِيثُ مُوسَى﴾ (طه: ٧ - ٩)، وقوله سبحانه: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ * وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ (ص: ٢٠، ٢١)، فواضح من الآيات الكريمة عطف الخبر على الإنشاء، والإنشاء على الخبر"، وهذا الذي ذكره الدكتور أبو موسى يقره كل منصف في تناوله لهذا المبحث؛ ولهذا حصر الدكتور منير سلطان أوجه القصور في دراسة مبحث الفصل والوصل في خمس نقاط، وهي: أولًا: هذه القواعد التي قرروها خصت الفصل والوصل بالجمل، والقرآن الكريم قد فصل ووصل بين الجمل وبين المفردات أيضًا. ثانيًا: أنها حصرت الفصل في أداة واحدة، وهي طرح الواو بينما فصل القرآن بواو الاستئناف والفاء وثم وبل وأم المنقطعة، وضمائر الفصل والجملة المعترضة، والاستثناء المنقطع كما حصرت الوصل في الواو فقط، بينما وصل القرآن بجميع حروف العطف، وجميع حروف الربط. ثالثًا: أنها سمت الفصل بين الخبرية والإنشائية كمال الانقطاع، وجعلت الاتفاق بين ركني الجملة خبرًا أو إنشاءً مبررًا للوصل بينما جوز سيبويه، وبعض أئمة النحو عطف الخبرية على الإنشائية، وعدد ذلك الدكتور عضيمة في كتابه (دراسات لأسلوب القرآن الكريم). رابعًا: أن ما أطلق عليه كمال الانقطاع مع إيهام الفصل خلاف المقصود، وضربوا له مثلًا: لا وعافاك الله، يعتبر دليلًا على عطف الإنشائية على الخبرية، ولا بمعنى أنفي ذلك فهي جملة خبرية، وعافاك الله جملة خبرية لفظًا إنشائية معنى؛ لأنها أفادت الدعاء.

стр. 394

وخامسًا: أن هذه القواعد لم تراعِ المعنى العام، ولا السياق الجامع المتجانس الذي اقتضى فصلًا هنا ووصلًا هناك، وانكمشت في أمثلة تعليمية وشواهد محدودة غاضة الطرف عن رحاب القرآن الفسيحة، وهذا كلام نقر فيه ما ذكره الدكتور منير سلطان موجزًا أوجه القصور في دراسة مبحث الفصل والوصل، ولعل ذلك مدعاة للدارسين والباحثين أن يولوا هذا المبحث اهتمامًا بالرجوع إلى القرآن الكريم، والانطلاق مما قدم من جهود أمثال جهود الشيخ عضيمة ﵀ في حصر الأساليب ودراسة هذه الأساليب بصورة بلاغية نقدية، مرجعها أهل التفسير والذوق في تلقي وبيان كلام الله على أسس لغوية معتبرة. محسنات الوصل: الوصل بين الجملتين يقتضي أن يكون الجملة الثانية لها تعلق، وترابط بالجملة الأولى، فإن من شأن التناسب أن يزيد الوصل حسنًا، ويضفي عليه جمالًا وبهاءً، ومن التناسب أن تتفق الجملتان في الاسمية أو الفعلية والاسميتان في نوع المسند إليه والمسند فيهما، والفعليتان في نوع الفعل فيهما. فمن التناسب في الاسمية قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (الانفطار: ١٣، ١٤)، فالجملتان مع اتفاقهما في الاسمية نجد تناسبا واضحًا بين المسند إليه فيهما، فالأبرار ضد الفجار، وكذلك المسند فيهما، فالكون في النعيم ضد الكون في الجحيم، وقد يكون بين الجملتين تناسب في المضي كقوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٨١)، فالمسند إليه في الجملتين واحد، والمناسبة ظاهرة بين الفرح والكراهية في المسند، ولك أن تشعر بجمال الوصل في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ

стр. 395

سُطِحَتْ﴾ (الغاشية: ١٧ - ٢٠)، فالمطلوب في الآية التأمل في خلق الله؛ ليصلوا إلى الإيمان بالبعث. والتناسب بين الجمل واضح فقد بدأ حديثه بالإبل التي هي عنصر أساسي في في حياة البدوي في صحرائه، وانتقل من الإبل إلى ما يرونه أمامهم في كل حين من سماء رفعت بلا عمد، وللسماء عند البدوي مكانة خاصة يتجه إليها ببصره يستنزل منها الغيث ويهتدي بنجومها في سراه بالليل، فإذا هبط ببصره قليلًا رأى هذه الجبال الشامخة منصوبة تناطح السماء بقممها، وترسو في ثبات واطمئنان على أرض مهدت له، وسطحت أمامه أو لا نرى أن تنقل البصر بين هذه المخلوقات تنقل هادئ طبيعي لا قفز فيه، وأن ارتباط بعضها ببعض في طبيعة البدوي مهد للربط بينهما وعطف بعضها على بعض. هذا ما أشار إليه أستاذنا أحمد بدوي في كتابه (من بلاغة القرآن) بضرب أمثلة لجمال الوصل وما فيه من تأمل وأشار أيضًا بمثال آخر يقول: "وقد يحتاج معرفة الوصل بين الجملتين إلى مزيد عناية وتدبر كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ (البقرة: ١٨٩)، فقد يبدو لأول النظر أنه لا ارتباط بين أحكام الأهلة وبين حكم إتيان البيوت من ظهورها، ولكن الربط نشأ من أن ناسا من العرب كانوا إذا أحرموا بالحج لم يدخل أحدهم بيتًا ولا خيمة ولا خباءً من باب، بل إن كان من أهل المضر ثقب ثقبًا من ظاهر البيت؛ ليدخل منه وخرج من خلف الخيمة أو الخباء إن كان من أهل الوبر، فلما تحدث القرآن عن الأهلة، وأنها مواقيت للحج ناسب ذلك أن يتحدث عن عادتهم هذه في الحج ذاكرًا أنها ليست من البر في شيء. وقد أشار إلى ذلك أيضًا الزمخشري، وكان ذلك الكلام مستمدا من كلام الزمخشري في (الكشاف) ".

стр. 396

من محسنات الوصل أيضًا ما يسمى بعطف القصة على القصة أو مضمون كلام على مضمون كلام آخر قبله. انظر في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ (البقرة: ٢٤، ٢٥)، فيرى الزمخشري أن جملة ﴿وَبَشِّرِ﴾ هي وصف جملة ثواب المؤمنين معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين كما جوّز أن يكون معطوفًا على قوله: ﴿فَاتَّقُوا﴾. وأخيرًا هذه الإشارة إلى استخدام القرآن الكريم للواو، فإن الواو وإن كانت لمطلق الجمع ولا تقتضي ترتيبًا ولا تعقيبًا؛ فليس معنى ذلك أن الآية القرآنية تجمع بين معطوفات على غير ترتيب ولا نظام بل تقديم المعطوف عليه يكون مشيرًا إلى مغزى، ودالًا على هدف حتى تصبح الآية بتكوينها تابعة لمنهج نفسي يتقدم فيها، ما تجد النفس تقديمه أفضل من التأخير. فمثلًا يتقدم بعض المعطوفات على بعض كما يتقدم السبب على المسبب كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥)، فتقديم العبادة على الاستعانة تقديم للوسيلة قبل طلب الحاجة، وذلك أنجح في توقع حصولها، وكذلك تتقدم الكلمة لتقدمها في العمل كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (الحج: ٧٧)، فالركوع قبل السجود، وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (المائدة: ٦)، فمسح الرأس يتبع غسل الوجه، فغسل الوجه مقدم على مسح الرأس، وأيضًا يتقدم الكثير على ما دونه كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (التغابن: ١٤) لأن العداوة في

стр. 397

الأزواج أكثر منها في الأولاد وقدمت الأموال على الأولاد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (التغابن: ١٥)، لأن الأموال أكثر فتنة من الأولاد كما قدمت في الآية الكريمة ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف: ٤٦)، ولكنه سبحانه عندما ذكر الشهوات قدم النساء والبنين عليها فقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران: ١٤). هكذا نرى القرآن الكريم لا ينهج في ترتيب كلماته سوى هذا المنهج الفني الذي يقدم ما يقدم لمعنى نفهمه وراء رصف الألفاظ، وحكمة ندركها من هذا النسيج المحكم المتين. الفروق في الاستخدامات، وما بها من إعجاز بياني في نظم القرآن ونتناول ثلاث ظواهر؛ الأولى: الحال. النحاة عندما يتحدثون عن الحال يقولون عنه: إنه وصف فضلة منتصب يبين هيئة صاحبه أو يصلح جوابًا لكيف، وأنه يأتي نكرة وصاحبه يأتي معرفة، وأنه يكون منتقلًا غالبًا، وأنه يأتي جملة ومفردًا، وما بينهما أي شبه جملة فإنها إذا قدرت بكائن صارت ناحية المفرد، وإذا قدرت باستقر صارت ناحية الجملة، وهذه الدراسة النحوية للحال تفيدنا كثيرًا عندما نتحدث عن الحال في الجانب البلاغي، فإن سألت كيف هذا؟

стр. 398

نقول لك: إن البلاغيين اهتموا في الكلام عن الحال بكونها تأتي مفردة، وتأتي جملة، وأسهبوا في بيان الكلام عن الجملة؛ لأنها التي يظهر فيها الفروق في الاستخدام، وهذا ما أشار إليه الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز)، ونبدأ في كلامنا المستمد من كلام النحاة، أن كلام النحاة في الحال وفي أقسامها وفي تنوعها غالبًا ما يكون مستمدًا من الناحية المعنوية والبلاغة تهتم بالمعاني مع الألفاظ، فإن قلنا في التعريف: إنهم يذكرون أن الحال وصف، وأنه فضلة، وأنه منتصب نقول: إن الوصف يعنون به ما هو مشتق، والفضلة يعنون بها ما ليس ركنًا أساسيًا في الجملة، والمنتصب هذه الناحية اللفظية في نطقه أنه يكون منصوبًا بالفتحة أو ما ناب عنها. مثال الفتحة ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ (النمل: ١٩)، أو ما ناب عنها ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (البقرة: ٦٠)، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ (الدخان: ٣٨)، إلى غير ذلك مما هو كثير في كتاب الله . لم يقتصر كلام النحاة على هذا الشكل، إنما اهتموا ببيان أحوال الحال المفردة، والحال المفردة لاهتمام النحاة بها، والله أعلم لم يولها البلاغيون كثير اهتمام؛ لأن النحاة أوْلَوا أو سددوا أو بينوا هذه الاستخدامات في الحال المفردة، فعندما يتحدثون عنها بأنها تكون منتقلة غالبًا، وتأتي لازمة، وأنها تكون عمدة في المعنى فضلة في الموقع الإعرابي، وأنها تكون مؤكدة لعاملها أو لصاحبها أو لمضمون جملة قبلها؛ هذا كله لعلم المعاني أقرب منه لعلم النحو، وهو موجود في كلام النحاة، وباين وظاهر في أقوالهم وفي مصنفاتهم، وخاصة ممن يهتمون بنحو ذلك كابن هشام ﵀.

стр. 399

يقولون: إن الحال تأتي مشتقة أو وصفًا، فإذا ما أتت جامدة كان هذا الإتيان لغرض أو لبيان معنى ما وكونها تأتي جامدة، فذلك ينقسم عندهم إلى جامدة مؤولة بالمشتق، وجامدة غير مؤولة بالمشتق، فإذا نظرنا في أساليب القرآن نجد هذه الضروب جميعها موجودة في كتاب الله ، فذلك يؤكد ما يميل الرأي إليه من أن النحاة استمدوا هذه القواعد وهذه التقسيمات من كتاب الله ومن استخدامات القرآن الكريم للحال. فكون الحال مشتقة هذا الأعم الأغلب بأنها تأتي اسم فاعل كقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا﴾ (القصص: ٢١)، وبأنها تأتي اسم مفعول كقوله تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ (الأعراف: ١٨)، أو تأتي صيغة مبالغة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ (الشعراء: ١٣٠)، إلى غير ذلك من صيغ الاشتقاق، ولكنها تأتي أيضًا في القرآن جامدة ومثال إتيانها جامدة غير مؤولة بالمشتق: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ (الأعراف: ٧٤)، فإن ﴿بُيُوتًا﴾ تقع موقع الحال، ومع ذلك هي جمع بيت، وهي كلمة جامدة ليست بمشتقة، وهذا الجمود فيها قد يكون ممهدًا لمشتق بعدها، ومن ثم أطلقوا على بعض الحال ما يسمى بالحال الموطئة أو الحال الممهدة؛ لأنها تمهد لمشتق يأتي بعدها، وهي في الأصل جامدة من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (يوسف: ٢)، فكلمة قرآن جامدة، وكلمة ﴿عَرَبِيًّا﴾ بمعنى منسوب إلى العرب مشتقة، فجاءت كلمة ﴿قُرْآنًا﴾ في الآية الكريمة حالًا موطئة لكلمة ﴿عَرَبِيًّا﴾ التي وقعت صفة لها، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (مريم: ١٧)، فـ ﴿بَشَرًا﴾ هي التي تعرب حالًا، وفي الحقيقة الحال في استوائه بأنه على صورة سوية مألوفة لمن يراها بأنه بشر.

стр. 400

وكون الحال فضلة لا يعني أنه يستغنى عنها، فإنها قد تأتي غير مستغنى عنها من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ (الدخان: ٣٨) فلا نستطيع حذف الحال، وإلا فسد المعنى، وكونها منتقلة هذا في الأعم الأغلب؛ لأنه كما يقال: دوام الحال من المحال، فعندما نقول: جاء محمد ضاحكًا، فإن محمدا لا يظل دهره ضاحكًا، وإنما ينتقل من حال إلى أخرى، ومع ذلك تأتي الحال لازمة وذلك شواهده كثيرة في كتاب الله ، وإن كان النحاة يمثلون بقولهم: خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها على أن كلمة أطول وقعت حالا، وطول يد الزرافة عن رجلها مسألة لا تنتقل، فهي لازمة إلا أننا لو نظرنا في القرآن نجد أمثلة واضحة تؤكد هذا الاستخدام خير مما مثل به النحاة كقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (آل عمران: ١٨)، فـ ﴿قَائِمًا﴾ وقعت حالا، وهي لازمة كذلك قوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (الحديد: ٢٩)، فشبه الجملة ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾ وقعت حالًا، وكون الفضل بيد الله لا ينتقل البتة. وأيضًا الحال تدل على الوصف حالة النطق بها، والاستخدام القرآني يبين لنا أن الحال قد تأتي بعد النطق بها، وهي ما تسمى بالحال المقدرة أو المستقبلة التي تقع في المستقبل، كقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (البقرة: ١٦٢)، وكقوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ (الأنعام: ١٤١)، وكقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ فلم تكن الجبال وقت النحت بيوتًا، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ (يوسف: ١٠٠)، فالسجود يكون بعد الخرور. واهتموا أيضًا ببيان الحال المؤكدة، والحال المؤكدة هي التي يستفاد معناها بدونها أي: أنها كما يقال: لا تفيد جديدًا في وصف الهيئة، فالهيئة ظاهرة أو الكلام

стр. 401

مفهوم من الفعل أو من الصاحب أو من الكلام السابق لها، فلذلك تسمى مؤكدة، فهي تؤكد ما قبلها، وهذا اهتمام بجانب المعنى، وضرب من ضروب المعاني والبلاغة، فأشار إليه النحاة، وبينوه فمن المؤكدة لعاملها قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ فإن الضحك يستفاد من التبسم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ (النساء: ٧٩)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ وتأتي الحال مؤكدة لصاحبها كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (البقرة: ٢٩)، فكلمة ﴿جَمِيعًا﴾ وقعت حالًا، وهي مؤكدة لصاحبها، وهو ما في الأرض، وما في الأرض عام وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ (يونس: ١٥)، فآيات الله لا تكون إلا بينات وتأتي الحال مؤكدة لمضمون الجملة التي قبلها كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ (البقرة: ٩١)، فـ ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال، وأكدت مضمون الجملة الاسمية قبلها، وهو ﴿الْحَقُّ﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ (الأنعام: ١٢٦)، فالاستقامة لزمت صراط الله . الغاية من دراسة الفروق في الحال الفروق في الحال اهتم البلاغيون بإظهارها، وهي كون الحال تأتي جملة، فالحال الجملة لابد لها من رابط يربطها بصاحبها هذا الرابط يكون واحدًا من ثلاث؛ إما أن يكون الرابط هو الواو أو الضمير أو الواو والضمير معًا، والواو هي التي اهتم بها البلاغيون، فتحدث عنها الجرجاني، وقعد لها السكاكي في كتابه (مفتاح العلوم) والدكتور منير سلطان في كتابه بين المواضع التي نصوا عليها في ذكر الواو وعدم ذكرها مع الحال، فبين أن خلاصة ما ذكره الجرجاني في

стр. 402

(الدلائل) أن الجملة الاسمية الحالية تفصل، وكذلك الجملة الفعلية الحالية تفصل بمعنى ألا تربط بالواو أي: لا تكون الواو رابطة لها، فيقول: "فصل جمل الحال الاسمية إذا كان الخبر في جملة من المبتدأ والخبر ظرفًا ثم قدم على المبتدأ، كقولنا: عليه سيف، وفي يده سوط كثر فيها أن تجيء بغير واو، فمما جاء منه قول بشار في مدح خالد بن برمك: إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها ... خرجت مع البازي علي سواد فجملة "علي سواد" وقعت في موقع الحال، ولم ترتبط بالواو، وقد يجيء ترك الواو فيما ليس الخبر فيه كذلك، ولكنه لا يكثر كقولهم: كلمته فوه إلى في، هذا بالنسبة للجملة الاسمية، وأما الجملة الفعلية، فجملة الحال ذات المضارع المثبت أي: الجملة الفعلية الواقعة حالًا، والمضارع فيها مثبت يقول: وهذه لا تكاد تجيء بالواو بل ترى الكلام على مجيئها عارية من الواو كقولك: جاءني زيد يسعى غلامه بين يديه. أما ذات المضارع المنفي أي يأتي الحال جملة فعلية، فعلها مضارع وهو منفي يقول: يتغير الحكم فتجيء الواو، وتترك كثيرًا وذلك مثل قولهم: كنت ولا أخشّى بالذئب أي: لا أخوف به، أما الجملة الفعلية التي فعلها ماضٍ لا تقع حالًا إلا مع قد مظهرة أو مقدرة أما مجيئها بالواو فالكثير الشائع، تقول: أتاني وقد جهده السير، وتأتي بغير الواو، واستدل لها ببيت شعر". هذا خلاصة ما ذكره الجرجاني، وعدده الدكتور منير سلطان تحت عنوان جمل الحال المفصولة. وضع السكاكي هذا الكلام في قواعد، من هذه القواعد: أن الجملة الحالية ذات المضارع المثبت إذا جاءت فعلية، مضارعها مثبت نحو: جاءني زيد يسرع أو يتكلم أو يعدو فرسه، فالوجه ترك الواو والجملة الحالية ذات المضارع المنفي يجوز فيها الفصل والوصل، والفصل أرجح نحو: جعلت أمشي ما أدري أين أضع

стр. 403

رجلي. أما الجملة الحالية ذات الماضي المثبت، والمنفي، فيجوز فيها الفصل والوصل، والوصل أرجح نحو قولك: أتاني وقد جهده السير أو أتاني قد جهده السير، والجملة بعد النكرة إن وصلت تكون حالًا وإن فصلت تكون صفة، والجملة الاسمية المنفية بليس تأتي مفصولة وموصولة، ولكنها مع الواو أدور مثل قولك: أتاني وليس معه غيره وأتاني ليس معه غيره. والحال الظرف يجوز فيها الفصل والوصل نحو قولك: رأيته على كتفه سيف، ورأيته وعلى كتفه سيف، هذا بإيجاز ما عدده الأستاذ منير سلطان فيما ذكره الجرجاني والسكاكي في مجيء الحال موصولة بالواو أو مفصولة بترك الواو، التي هي عند النحاة رابط من روابط الحال. هذا الكلام لابد أن يكون لنا وقفة معه؛ ليتبين لنا هذا الذي ذكر في مجيء الواو في جملة الحال، وترك الواو وما ذهب إليه البلاغيون، وما انتهى إليه الباحثون المعاصرون في هذا الأمر، ولا نستطيع أن نصل إلى ذلك إلا بالعودة إلى المنابع الأصيلة، بمعنى أننا ننظر في كلام الجرجاني نفسه في (دلائل الإعجاز) وننظر في التطبيق العملي لما ذكره الجرجاني لماذا؟ لأن ما ذكر سواء عند الجرجاني أو السكاكي ينقصه مواضع الاستشهاد، فإنهم أكثروا من الاستشهاد بالشعر وبالأمثال والأقوال، وتركوا الغاية التي أرادوا منها بيان الإعجاز، وهو التطبيق على القرآن الكريم، وهذا ملمح يلمحه من ينظر في مواضع كلامهم في الكتابين (دلائل الإعجاز) و (مفتاح العلوم). ونكتفي بـ (دلائل الإعجاز) وعرضه على الدراسة التي قام بها العلامة الشيخ عضيمة ﵀ في كتابه (دراسات لأسلوب القرآن الكريم) فقد أحصى ﵀ مواضع مجيء الحال بالواو وصور مجيئها، والآيات التي جاء فيها هذا الأمر من كتب التفسير التي اعتمدها في دراسته، والتي رجع إليها، وهذا يبين أن ما ذكره الشيخ عضيمة ﵀ لا يعد حصرًا شاملًا؛ لأنه

стр. 404

اكتفى على مراجع، وعلى ما قاله المفسرون، فإذًا الذي ينظر نظرة أخرى في كتاب الله قد يجد مواضع أخرى تؤكد هذا الإحصاء الذي ذكره الشيخ، وتزيد عليه إذا ما أطلق المرء لنفسه أن ينظر في هذه الأساليب، ويقيسها على ما ذكره هؤلاء الأكابر في كلامهم. يقول الجرجاني: "اعلم أن أول فرق في الحال أنها تأتي مفردًا، وجملة والقصد ها هنا إلى الجملة أي: أن اهتمامهم بالكلام عن الحال الجملة كما ذكرت، وأول ما ينبغي أن يضبط من أمرها أنها تجيء تارة مع الواو، وأخرى بغير الواو، فمثال مجيئها مع الواو، قولك: أتاني وعليه ثوب ديباج، ورأيته وعلى كتفه سيف، ولقيت الأمير والجند حواليه، وجائني زيد وهو متقلد سيفه، ومثال مجيئها بغير الواو: جاءني زيد يسعى غلامه بين يديه، أتاني عمرو يقود فرسه. وفي تمييز ما يقتضي الواو مما لا يقتضيه صعوبة"، ويبين أن ذكر الواو هو ضرب من ضروب الإعجاز بقوله: "وإذ قد رأيت الجمل الواقعة حالًا قد اختلف بها الحال هذا الاختلاف الظاهر، فلابد من أن يكون ذلك إنما كان من أجل علل توجبه وأسباب تقتضيه فمحال أن يكون ها هنا جملة لا تصلح إلا مع الواو، وأخرى لا تصلح فيها الواو، وثالثة تصلح أن تجيء فيها بالواو، وأن تدعها فلا تجيء بها ثم لا يكون لذلك سبب وعلة، وفي الوقوف على العلة في ذلك إشكال وغموض ذلك لأن الطريق إليه غير مسلوك، والجهة التي منها تعرف غير معروفة". ثم أخذ في بيان لماذا تستخدم الواو في الجمل، وهذا هو سر الإعجاز في استخدامها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 405

الدرس: ٢٢ لمحات الجرجاني في (دلائل الإعجاز)، وإحصاء الشيخ عضيمة .

стр. 406

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني والعشرون (لمحات الجرجاني في (دلائل الإعجاز)، وإحصاء الشيخ عضيمة) موازنة بين ما انتهى إليه الجرجاني وعضيمة في استخدام الحال الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا؛ وبعد: عقد الموازنة بين ما انتهى إليه عبد القاهر الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز) من لمحات في استخدام الحال، وبين ما أحصاه الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة في كتابه (دراسات في أسلوب القرآن الكريم) فنقف مع هذه الفروق كتطبيق لما انتهى إليه الجرجاني من أحكام في استخدام الحال. ونستطيع أن نطلق على هذه الموازنة: ضوابط الربط اللغوي بين الجرجاني والنص القرآني، قَسّم الجرجاني الجملة التي تحتاج إلى رابط إلى نوعين: "جملة اسمية، وجملة فعلية" وتحدث عن الجملة الاسمية بذكر أربعة أحكام: أولًا: الجُملة إذا كانت من مبتدأ وخبر؛ فالغَالِبُ عليها أن تجيء مع الواو، وهذا الكلام واضح جلي في كتاب الله : ﴿لَّكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ (النساء: ١٦٦) ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ (الأنعام: ٩٣) ﴿وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ (الأنفال: ٤٢) ﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ﴾ (هود: ٧٠ - ٧١) ﴿قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُون﴾ (يوسف: ١٤). ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ﴾ (النحل: ١٠١) ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ (العنكبوت: ٤١) ﴿لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَد * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَد﴾ (البلد: ١ - ٢) ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُون * وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِين﴾ (القلم: ٥١ - ٥٢) ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (التوبة: ٣٢)

стр. 407

فهذه الآيات التي قرأتها عليكم تلاحظوا فيها أن جملة الحال في كل منها الرابط فيها هو حرف الواو: ﴿وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ (النساء: ١٦٦) ﴿وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ (الأنعام: ٩٣) ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ (الأنفال: ٤٢) ﴿وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ﴾ (هود: ٧١) ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ (يوسف: ٨) ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ (النحل: ١٠١) ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَد﴾ ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ فهذه جمل اسمية وقعت في موقع الحال، وإنْ كَانَ بعضُها يحتَمِلُ أوجهًا أخرى، إلا أن المفسرين نصوا على جواز الحالية في جميعها. والحُكم الثاني الذي ذكره الجرجاني هو: "أنه إن كان المبتدأ من الجملة ضمير ذي الحال، لم يصلح لغير واو البتة"، يقصد إذا

стр. 408

كانت الجملة الاسمية الواقعة حالًا المبتدأ فيها هو الضمير الذي يعود على صاحب الحال، ضمير ذي الحال يعني: صاحب الحال، فيتعين هنا وجود الواو، ولا يصلح البتة عدم الربط بالواو، وهذا مُشاهد واضح في كتاب الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ (البقرة: ٢٤٣) ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيم﴾ (الصافات: ١٤٢) ﴿وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ﴾ (هود: ٥٢) ﴿وَأَنتُم مِّعْرِضُون﴾ (البقرة: ٨٣) ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم﴾ (النحل: ٥٨) ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِين﴾ (المائدة: ١١٤) ﴿وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُون﴾ (التوبة: ٥٤) وغيرها كثير في كتاب الله عندها يتعين الربط بالواو إذا كان المبتدأ ضميرًا يعود على صاحب الحال. والحكم الثالث في الجملة الاسمية هو: "أنه إن كان الخبر في الجملة من المبتدأ والخبر ظرفًا، ثم كان قد قُدّم على المُبتدأ كثر فيها أن تجيء بغير الواو، يقصد إذا كانت جملة الحال مكونة من مبتدأ وخبر، الخبرُ فيها شبه جملة؛ فمُصطلح الظرف يُطلق تجاوزًا على الظرف على الحقيقة، وعلى الجَارّ والمجرور، أي: الخبر شبه الجملة؛ فإذا قُدّم الخبر شبه الجملة على المبتدأ كثر فيها أن تجيء بغير الواو، وذلك أيضًا مشاهد في كتاب الله : ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (البقرة: ٢٤٨) ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ جملة اسمية في موضع حال، ولم تربط بالواو وخبرها شبه الجملة المقدم فيه، والمبتدأ فيها كلمة "سكينة" التي هي مبتدأ مؤخر. كذلك ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِين * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ (آل عمران: ٩٦ - ٩٧) كذلك ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ (النساء: ٥٧) ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ﴾ (المائدة: ٤٣) ﴿فِيهَا حُكْمُ اللهِ﴾ جملة اسمية في موضع نصب حال، وخبرها "فيها" شبه جملة خبر مقدم. ﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ (المائدة: ٤٦) كالآية السابقة ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ (الحج: ٩) فجملة: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ جملة حالية وخبرها شبه الجملة المقدم "له" ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ (الحج: ٣٦) ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ أيضًا جملة اسمية في موضع نصب حال، وخبرها شبه الجملة المقدم لكم، وخير مبتدأ مؤخر. وكذلك ﴿وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيد﴾ (ق: ٢١) ﴿مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيد﴾ ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَان * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَان﴾ (الرحمن: ١٩ - ٢٠) "بينهما" شبه جملة خبر مقدم و"برزخ" مبتدأ مؤخر، والجملة في موضع نصب حال ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَام * فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ (الرحمن: ٩ - ١٠) ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ

стр. 409

فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (الحديد: ٢٥) ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَب * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَد﴾ (المَسَد: ٤ - ٥) هكذا يتضح بالنص القرآني أنه يكثر مجيء جملة الحال بغير الواو، بل إنّها لم تَرِد في القرآن على هذه الصورة مربوطة بالواو، أو الرابط فيها الواو. وآخر الأحكام التي أطلقها حول الجملة الاسمية: "أنه قد يجيء ترك الواو فيما ليس الخبر فيه كذلك، ولكنه لا يكثر"، وهذا الحكم هو الذي نقف معه، ونعقب عليه: هذه العبارة التي أطلقها الجرجانيوأكدها بقوله: "ويَدُلّ على أن ليس مجيء الجملة من المبتدأ والخبر حالًا بغير الواو أصلًا قلّته، وأنه لا يجيء إلا في الشيء بعد الشيء". ويقول أيضًا: "ويجوز أن يكون ما جاء من ذلك إنّما جاء على إرادة الواو، كما جاء الماضي على إرادة قد". هذه العبارات التي أطلقها الجرجاني، وأكدها في كتابه (دلائل الإعجاز) نتج عنها أنّ ذهب الزمخشري إلى أن جملة الحال إذا وقعت اسمية لا بد فيها من الرابط بـ"الواو" وهذا الحكم خلاف ما توارد من النصوص القرآنية، وما اتفق العلماء على جواز الوقوع حال لجمل اسمية لم تكن الواو رابطًا فيها. وقد رد ابن هشام على الزمخشري في ذلك، وعرض بعض الآيات، وهذا ذكر لمجموعة من الآيات التي ورد الحال فيها جملة اسمية، ومع ذلك لم تربط بالواو كقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ (البقرة: ٣٦) فجملة ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ في موضع نصب حال، ولم تربط بالواو.

стр. 410

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ فجملة ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ جملة حالية، ولم تربط بالواو، وكذلك ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا﴾ (البقرة: ٢٦٥) جملة اسمية وقعت في محل نصب حال، ولم تربط بالواو. ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ (النساء: ٨٧) كذلك لم تربط بالواو ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَاد * سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ (إبراهيم: ٤٩ - ٥٠) جملة اسمية في موضع نصب حال، ولم تربط بالواو. ﴿وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَار﴾ (إبراهيم: ٢٦) فجملة ﴿مَا لَهَا مِن قَرَار﴾ كما تجوز أن تكون صفة تجوز أن تكون حال من ضمير "اجتثت" ومع ذلك لم تربط بالواو. ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُون﴾ (الأنبياء: ٩٨) فكذلك ﴿أَنتُمْ لَهَا وَارِدُون﴾ ف ي محل نصب حال، ومع ذلك لم تربط بالواو ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ (الإسراء: ٩٧) جملة حالية لم تربط بالواو ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ (سبأ: ١٢) لم تربط بالواو، وغير ذلك من الآيات. حتى إن ابن هشام قد تندر على هذه الآية الكريمة في سورة الزمر: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ (الزُّمَر: ٦٠) فجملة ﴿وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ في موضع نصب حال، ومع ذلك لم تربط بالواو، فتندر بأن أحد من يدعي العلم قال: ألا ترى الواو في أولها.

стр. 411

وانتقل بعد ذلك إلى الحديث عن الجملة الحالية إذا وقعت جملة فعلية فوضع أيضًا نقاط: الأولى: إن كان الفعل مضارعًا مثبتًا غير منفي، لم يكد يجيء بالواو؛ سواء كان الفعل لذي الحال، يعني صاحب الحال، كقولهم: جاءني زيد يُسرع، أو لمن هو من سببه، كقولهم جاءني زيد يسعى غلامه بين يديه. وقال: وعليه التنزيل والكلام، وهذا واضح في كتاب الله ، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِر﴾ (المدَّثر: ٦) وقوله سبحانه: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ (الليل: ١٨) وقوله سبحانه: ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون﴾ (الأعراف: ١٨٦) وقوله سبحانه: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ (مريم: ٢٧) وقوله سبحانه: ﴿نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ (الأنبياء: ٤٤) فهذه الجمل "تستكثر" و"يتزكى" و"يعمهون" و"تحمله" و"ننقصها" جمل فعلية في موضع نصب حال، ولم تربط بالواو. ولكنه مع ذلك قد جاءت آيات في كتاب الله الحال فيها جملة فعلية، ورُبطت بالواو، وقد عَقّب الجرجاني بقوله: "ولم يكد يجيء بالواو، وهذا خلاف ما نراه في النصوص القرآنية التي أحصاها الشيخ عضيمة في كتابه، ولكننا للإنصاف نقول: إن معظم النصوص، وأغلبها التي استشهد بها الشيخ عضيمة، تحتمل غير الحالية، بمعنى أنها ليست نصًّا في الحال، وإنْ كان المفسرون أجازوا فيها الحالية. ورُبّما ذكر الجرجاني ذلك بناء على القاعدة المشهورة: ما يتطرق إليه الاحتمال يسقط به الاستدلال". فلذلك لم يعد ما ورد من ذلك في كتاب الله مع كثرته أنه من باب مجيء الحال جملة فعلية، فعلها مضارع مثبت، ومع ذلك مقترنة أو

стр. 412

مربوطة بالواو من هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ (البقرة: ٢٠٤) وقوله سبحانه: ﴿قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ﴾ (البقرة: ٩١) فجملة: ﴿وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ﴾ وجملة: ﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ تحتمل الحالية، وفعلها مضارع مثبت، ومع ذلك ربطت بالواو. وقد رجح العلماء الحالية في بعض الآيات كقوله سبحانه: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم﴾ (آل عمران: ١٧٠) فجملة: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم﴾ في موضع نصب حال ومقترنة بالواو، وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِين﴾ (المائدة: ٨٤) فجملة: ﴿وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِين﴾ جملة حالية، ومع ذلك ارتبطت بالواو، أو رُبطت بالواو. وكذلك آية الأحزاب: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ (الأحزاب: ٣٧) فجملة: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ وجملة: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ في محل نصب حال، واقترنت بالواو. وإن كان بعض العلماء يرفض ذلك، وإن أقر فيها الحالية، فإنما يصرفها على أن الجملة اسمية وليست فعلية، وأن هذه الجملة الفعلية خبر لمبتدأ محذوف هذا المبتدأ هو الضمير الذي عائد على صاحب الحال، والتقدير: "وأنت تخفي في نفسك ما الله مبديه"، و"أنت تخشى الناس" إلى غير ذلك مما يقدر في الآيات كقوله سبحانه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ (المجادلة: ١) أي: وهي

стр. 413

تشتكي إلى الله، وإلى غير ذلك من الآيات ولكننا نبهنا على ذلك؛ لأن هذا الإحصاء الذي أحصاه الشيخ عضيمة في اثنين وعشرين موضعًا في كتاب الله، جاءت فيها الجملة الحالية مضارعة مثبتة، ومع ذلك ربطت بالواو. ويقول: الحكم الثاني: فإنْ دخل على المضارع حرف نفي تغير الحكم، فجاء بالواو وبتركها كثيرًا. وهذا مثاله أيضًا في كتاب الله كثير؛ مثال الربط بالواو، وهي الجملة منفية قوله تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ﴾ (المائدة: ٥٤) ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ (الأنعام: ٨٠) ﴿أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُون﴾ (يونس: ٧٧) ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ﴾ (الرعد: ٣٦) على قراءة من قرأ بالرفع "ولا أشرِكُ به". ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ (الشمس: ١٤ - ١٥) هذه الآيات واضحة في الربط بالواو، وهي جملة منفية بـ"لا". وأيضًا مما ورد بالنفي في القرآن النفي بـ"لم" والنفي بـ"لما" فقد جاء بالواو وبغير الواو مثال الواو قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ (البقرة: ٢٨٣) فجملة ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا﴾ في محل نصب حال وقرنت بالواو وهي مضارعة منفية بلم، وقوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ (آل عمران: ٤٧) فجملة: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ حالية واقترنت بالواو، وهي منفية بلم. ومثال وقوع الحالية منفية بلم ولم تقترن بالواو قوله تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ وقوله سبحانه: ﴿فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِين﴾ (الأعراف: ١١) وقوله سبحانه: ﴿فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ

стр. 414

وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ (آل عمران: ١٧٤) فجلمة: ﴿لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِين﴾ ﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ كلها جمل حالية وقعت، ولم تقترن بالواو. ومثال النفي بـ"لما" مقترنة بالواو قوله سبحانه: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ (يونس: ٣٩) وقوله سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ﴾ (آل عمران: ١٤٢) هذا يؤكد ورود الجمل المضارعة المنفية مُقترنة بالواو وغير مقترنة بها، أما إذا كانت الجملة الفعلية فعلها ماض؛ فقد قال الجرجاني: "يجيء بالواو وغير الواو، ولا يقع حالًا إلا مع قد مظهرة أو مقدرة، أما مجيئها بالواو فالكثير الشائع". وهذا يؤكده ما ورد من إحصاءات الشيخ عضيمة، حيث أحصى خمسة وثلاثين موضعًا في كتاب الله غير ما يوجد أيضًا في كتاب الله ولم يذكره الشيخ؛ لأننا كما ذكرنا أن الشيخ ﵀ اعتمد ما ورد في كتب التفسير. ومما ورد في كتب التفسير: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ (الأنعام: ٨٠) ﴿أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ (آل عمران: ٤٠) ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا﴾ (البقرة: ٢٤٦) ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (النساء: ٢١) ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِين﴾ (الدخان: ١٣) وغير ذلك من الآيات أما إذا كان الماضي منفي؛ فيأتي بالواو وبغير الواو، ومثال المنفي بالواو: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُون﴾ (البقرة: ٧١) ﴿لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ﴾ (آل عمران: ٦٥) فهذه جمل حالية ﴿وَمَا كَادُواْ﴾ ﴿وَمَا أُنزِلَتِ﴾ وفعلها ماض منفي بـ"ما".

стр. 415

ومما ورد في القرآن من مجيء الجملة الحالية مصدرة بـ"قد" وغير مقترنة بالواو قوله : ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ (الطلاق: ١١) فجملة: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ جملة حالية، ولم تقترن بالواو، وصدرت بـ"قد". أما مجيء الجملة التي فعلها ماض من غير "قد"وكما يقول الجرجاني مع قد مظهرة أو مقدرة؛ فإنهم يقدرون وجود "قد" في هذه الجمل فهي مواضع عديدة في كتاب الله ، وجرت عادتهم أن يُقدروا فيها "قد" قبل الفعل، مثال قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ يقدرون "وقد كنتم أمواتًا". ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ (البقرة: ٩٣) أي: وقد أشربوا في قلوبهم العجل ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ (البقرة: ٦٣) ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَاب﴾ (البقرة: ١٦٦) أي: و"قد رأوا العذاب" و"قد تقطعت بهم الأسباب". ﴿لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ (البقرة: ٢٦٦) أي: وقد أصابه الكبر. وعلى ذلك ما ورد في كتاب الله يُقدرون مع الماضي "قد". وانتقل الجرجاني بعد هذه الأحكام حول الجملة الاسمية والفعلية إلى ذكر المواضع التي يلطف فيها الاستغناء عن الواو، وذكر في ذلك ثلاثة مواضع: أول هذه المواضع: أن تصدر الحالية بـ"ليس" أي: تكون جملة اسمية منسوخة بليس التي هي من أخوات كان، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (النساء: ١٧٦) فجملة "ليس له ولد" حال من الضمير في "هلك" غير مقترنة بالواو، وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ

стр. 416

لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ﴾ (الأنعام: ٥١) فجملة: ﴿لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ﴾ حال من ضمير "يحشروا". والموضع الثاني الذي ذكره الجرجاني هو: دخول حرف على الجملة الحالية، ومثل له بـ"كأن" وقال: "مما ينبغي أن يراعى أنك ترى الجملة قد جاءت حالًا بغير واو، ويحسن ذلك ثم تنظر فترى ذلك إنما حسن من أجل حرف دخل عليها، مثاله قول الفرزدق: فقلت عسى أن تبصريني كأنما ... بني حوالي الأسود الحوارد فنظر إلى أنّ الجمال في دخول "كأن" على الجملة؛ فحسن لذلك حذف الواو وعدم ذكرها. وهذا أيضًا ما نشاهده في آيات الله في القرآن الكريم، من عدم اقتران الجملة الحالية المصدرة بكأن بالواو من ذلك قوله تعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُون﴾ (البقرة: ١٠١) فجملة: ﴿كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُون﴾ جملة حالية، وصاحب الحال كلمة فريق وعاملها نبذ. وكذلك قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا﴾ (النمل: ١٠) جملة: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ حال ثانية، فالحال الأولى جملة تهتز. وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ (لقمان: ٧) وغير ذلك كثير في كتاب الله كقوله سبحانه: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَة﴾ (الحاقة: ٧) ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُون﴾ (المعارج: ٤٣) ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِين * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَة﴾ (المدَّثر: ٤٩ - ٥٠) ﴿تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ

стр. 417

مُّنقَعِر﴾ (القمر: ٢٠) ﴿يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾ (القمر: ٧) وغير ذلك من الآيات. الموضع الثالث: الذي يحسن فيه نزع الواو، ويلطف ذلك بلاغيًّا هو: وقوع الحال الجملة بعد المفرد، وذلك يؤدي بنا إلى الحديث عن مسألة الترتيب بين الأحوال، إذا ما جاء الحال أو تعدد الحال فمن الذي يصدر؟ المفرد أم الجملة أم شبهة الجملة؟ جرت العادة أن يذكروا أن الأولى بالتقديم هو المفرد، ثم شبه الجملة، ثم الجملة على أصل الترتيب بينهم، وذلك قول على الأولى أو على الشائع أو على الافتراض القياسي. أما بالنظر للنصوص القرآنية والنصوص الأدبية الواردة في ترتيب الأحوال: نجد أنّ هذا الكلام لا أصل له ولا صحة له؛ فقد يتقدم الجملة على المفرد، وقد يتقدم المفرد على الجملة، ويتقدم الظرف على المفرد، ويتقدم المفرد على الظرف، وكل ذلك في كتاب الله وقد عرض له الشيخ عضيمة بأمثلة متنوعة من الترتيب بين الأحوال، ويُلاحظ في هذا الترتيب أنّه تُقَدّم الحال التي هي مقدمة في السياق أو التي يراد إبرازها في سياق الآيات؛ فهو الذي يحتكم إليه في الترتيب، وليس نوع الحال مجردًا هل هو مفرد؟ أم جملة؟ أم شبه جملة؟. ومن النماذج المُختلفة لذلك في الترتيب من مجيء الحال الجملة الفعلية بعد المفرد قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلا﴾ (النساء: ١٤٢) ﴿كُسَالَى﴾ حال مفردة ﴿يُرَآؤُونَ النَّاسَ﴾ حال جملة فعلية، وجاءت بعد المفردة.

стр. 418

ومن مجيء الجملة الاسمية بعد المفرد قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوص﴾ (الصف: ٤) فصفًّا حال أولى مفردة و ﴿كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوص﴾ حال ثانية جملة، ولم تقترن بالواو كذلك ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَة﴾ (الحاقة: ٧) على أساس أن الرؤية من البصر، فتكون صرعى حال أما إذا كانت الرؤية منامية، أو ظنية فتكون صرعى مفعولًا ثانيًا لـ"ترى". الشاهدُ: أن الترتيب -كما ذكر- يكون على أساس واحد، هذا الأساس هو الأولى في التصدير في السياق، وليس نوع الحال. ونختم كلامنا مع الجرجاني من أنه نصّ على أن الاقتران بالواو، عدم الاقتران به لا يكون إلا لغرض إعجازي أو لغرض بلاغي، فقال ﵀: "فاعلم أن كل جملة وقعت حالًا ثم امتنعت من الواو؛ فذاك لأجل أنك عَمَدت إلى الفعل الواقع في صدرها، فضممته إلى الفعل الأول في إثبات واحد، وكل جملة جاءت حالًا ثم اقتضت الواو؛ فذاك لأنك مستأنف بها خبرًا، وغير قاصد إلى أن تضمها إلى الفعل الأول في الإثبات". وبدأ ﵀ يشرح ذلك مبينًا بالأمثلة عندما تقول: "جاءني زيد يسرع" كان قولك بمنزلة "جاءني زيد مسرعًا" في أنك تثبت مجيئًا فيه إسراع، وتَصِلُ أحد المعنيين بالآخر، وتجعل الكلام خبرًا واحدًا؛ كأنك تريد أن تقول: "جاءني بهذه الهيئة". أما إذا قلت: "جاءني وغلامه يسعى بين يديه" أو "رأيتُ زيدًا وسيفه على كتفه" كان المعنى على أنك بدأت، فأثبت المجيء والرؤية، ثم استأنفت خبرًا وابتدأت إثباتًا ثانيًا لسعي الغلام بين يديه، ولكون السيف على كتفه، ولما كان المعنى على

стр. 419

استئناف الإثبات، احتيج إلى ما يربط الجملة الثانية بالأولى؛ فجيء بالواو كما جيء بها في قولك: "زيد منطلق وعمرو ذاهب" و"العلم حسن والجهل قبيح". ويقول: "وتسميتنا لها واو الحال لا يخرجها عن أن تكون مجتلبة لضم جملة إلى جملة" فبين بذلك ﵀ أن لا يكون الربط بالواو، وعدم الربط إلا لغرض إعجازي، وغرض بلاغي، وهذا ما تستطيع أن تستنتجه مما ذكرنا من آيات في مجيء الحال والربط بالواو فيها. الفروق في استخدام الأفعال بأزمنتها المختلفة وننتقل الآن إلى ذكر الفروق في استخدام الأفعال بأزمنتها الثلاثة المختلفة، كما تعلم أنّ الفِعْلَ لا يخرج عن أحد أزمنة ثلاث: إما أن يكون ماضيًا أو يكون حاليًا أو يكون مستقبلًا، وهذه القسمة نجدها في كتاب الله ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (مريم: ٦٤) "فما بين أيدينا" هو المستقبل، و"ما خلفنا" هو الماضي، وما بين ذلك هو الحاضر؛ فهذه قسمة معلومة. وقد اهتم النحاة ببيان الكلام عن أزمنة الثلاثة للفعل، وبيان تناوبها في الاستخدام، بمعنى: أن الماضي قد يدل على المستقبل بدلالة السياق أو بالقرائن، وأن المضارع ينقلب إلى الماضي إذا ما سبقته لم، وأن الأمر يدل على الاستقبال، وقد يدل على الاستمرار؛ كما نقول في سورة الفاتحة ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم﴾ (الفاتحة: ٦) فإننا نطلب الثبات والدوام على الهداية، ولا ننشئ الهداية؛ فإنك أيها الابن العزيز لو لم تكن مهتديًا ما وقفت بين يدي الله تصلي له وتتعبد.

стр. 420

وأيضًا نبهوا على عملية الماضي أنه يأتي على المستقبل بقرينة المعنى، كقول أخوة يوسف ﵇ ﴿فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ (يوسف: ٦٣) فقولهم: ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ لو أخذ على ظاهره لكان اتهامًا لهم بالكذب؛ لأنّ يوسف ﵇، وفاهم الكيل وأحسن إليهم وطالبهم بأن يعودوا له بأخ له من أبيه فإنما قالوا: ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ على معنى "سيمنع منا الكيل إن لم تعطنا أخانا" وذلك واضح بدلالة السياق. هذا كله تمهيد لما نحن بصدده، أو بالكلام عنه أنّ البلاغي يهتم في هذه المسألةباستخدام الفعل بصيغة غير التي وضع لها في الأساس، أو بمعنى آخر العدول من صيغة إلى صيغة؛ بأن يقع الماضي بين مضارعين، أو أن يراد بالماضي المضارعة، أو أن يراد بالمضارع الماضي وعكس ذلك. وهذا ما أشار إليه ابن الأثير في كتابه (المثل السائر) ووضح المسألة وعد ذلك من الالتفات، وذكر أنه من شجاعة العربية، وضرب أمثلة جميلة لك أن تتأملها لترى ما فيها من إبداع وإعجاز في النظم القرآني. يقول: "ليس الانتقال من صيغة إلى صيغة طلبًا للتوسع في أساليب الكلام فقط؛ بل لأمر وراء ذلك، وإنّما يُقصد إليه تعظيمًا لحال من أجرى عليه الفعل المُستقبل، وتفخيمًا لأمره، وبالضد في ذلك فيما أجرى عليه فعل الأمر". فهو هنا يتحدث عن الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر؛ فيرى أن ذلك لا يكون إلا لغرض بلاغي فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِين * إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُون﴾ (هود: ٤٤ - ٥٤).

стр. 421

فقال هود ﵇: ﴿أُشْهِدُ اللهِ وَاشْهَدُواْ﴾ ولم يقل: "أشهد الله وأشهدكم" ليكون موازنًا وبمعناه؛ لأن إشهاده الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بهم، ودلالة على قلة المبالاة بأمرهم؛ ولذلك عدل به عن اللفظ الأول لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه يقول له: "اشهد علي أنك أحبك" تهكمًا به واستهانة بحاله. فهو هنا يريد أن يقول لك: أن اختلاف الصيغة كان لأمر واضح يتعلق بالمعنى؛ فلم يأت موازنًا على المضارعة، وإنّما عُدِلَ إلى الأمر؛ لبيان قلة المبالاة بأمر هؤلاء الذين لا يؤمنون بالله . يقول: وكذلك يرجع عن الفعل الماضي إلى فعل الأمر، ويفعل ذلك توكيدًا لما أجري عليه فعل الأمر؛ لمكان العناية بتحقيقه كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ كأنّ تقديرَ الكلام "أمر ربي بالقسط وبإقامة وجوهكم عند كل مسجد" فعُدل عن ذلك إلى فعل الأمر للعناية بتوكيده في نفوسهم؛ فإن الصلاة من أوكد فرائض الله على عباده، ثم أتبعها بالإخلاص الذي هو عمل القلب؛ إذ عمل الجوارح لا يصح إلا بإخلاص النية؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((الأعمال بالنيات)). فابن الأثير هنا يبين لك العدول عن صيغة إلى صيغة أخرى لغرض يتصل بالمعنى، ويقُول عبارة جميلة: "واعلم أيها المتوشح بمعرفة علم البيان؛ أن العدول عن صيغة من الألفاظ إلى صيغة أخرى لا يكون إلا لنوع خصوصية اقتضت ذلك، وهو لا يتوخاها في كلامه إلا العارف برموز الفصاحة والبلاغة،

стр. 422

الذي اطلع على أسرارها، وفتش عن دفائنها، ولا تجد ذلك في كل كلام؛ فإنه من أشكل ضروب علم البيان، وأدقها فهمًا، وأغمضها طريقًا". وذلك يوضح أن النظر في استخدام الأفعال إنّما ذلك يكون عن حسن فهم وتذوق لكلام الله . ينتقل بعد ذلك بالكلام عن الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل، وعن المستقبل بالماضي؛ يقول: "اعلم أن الفعل المستقبل إذا أتي به في حالة الإخبار عن وجود الفعل، كان ذلك أبلغ من الإخبار بالفعل الماضي، وذلك لأنّ الفِعْل المستقبل يوضح الحال التي يقع فيها، ويستحضر تلك الصورة حتى كأنّ السّامِعَ يُشاهدها، وليس كذلك الفعل الماضي، ورُبّما أُدخل في هذا الموضع ما ليس منه جهلًا بمكانه، فعنده ليس كل فعل مستقبل يعطف على ماض بجار هذا المجري". يعني: يريد أن ينبهك إلى أن استخدام الماضي والمستقبل كل منهما محل الآخر، هذا يكون لغرض يريده المتحدث هذا الغرض أحد غرضين: إما أن يكون غرضًا بلاغيًّا أو غرضًا غير بلاغي؛ فمن الأغراض البلاغية التي تُحتاج في هذا الجانب هو إخبار عن ماض بمستقبل لإبراز صورة معينة يريدها المتحدث، من ذلك قوله : ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُور﴾ (فاطر: ٩). فإنما قال : "فتثير" مستقبلًا وما قبله وما بعده ماض "أرسل" "فسقنا" أفعال ماضية وتثير فعلًا مضارعًا، لذلك المعنى المُراد وهو حكاية الحال التي يقع فيها إثارة الريح السحاب، واستحضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة.

стр. 423

وانظر أيضا لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيق﴾ (الحج: ٣١) فقال أولًا: ﴿خَرَّ مِنَ السَّمَاء﴾ بلفظ الماضي، ثم عطف عليه بالمستقبل الذي هو: ﴿فَتَخْطَفُهُ﴾ و ﴿تَهْوِي﴾ وعدل في ذلك إلى المستقبل لاستحضار صورة خطف الطير إياه، وهوي الريح به والفائدة في ذلك هو: استحضار الصورة عند قراءة الآية الكريمة. فلم يقل : "خر فخطفته فهوت" وإنما: ﴿فَتَخْطَفُهُ﴾ ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾. كذلك في قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ "كفروا، وصدوا" لا ﴿كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ﴾ لماذا؟ لأن كفرهم كان ووجد، ولم يستجدوا بعده كفرًا ثانيًا أما الصد؛ فهو متجدد على الأيام لم يمض كونه، وإنما هو مستمر يستأنف في كل حين. ومقابل ذلك الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل؛ فهو عكس ما تقدم وله فائدة: أنّ الفعل الماضي إذا أُخبر به عن الفعل المُستقبل الذي لم يوجد بعد كان ذلك أبلغ وأوكد في تحقيق الفعل وإيجاده؛ لأنّ الفعل الماضي يعطي من المعنى أنه قد كان ووجد، وإنما يفعل ذلك إذا كان الفعل المستقبل من الأشياء العظيمة التي يستعظم وجودها. انظر إلى قوله : ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ﴾ (النمل: ٨٧) فإنما قال : ﴿فَفَزِعَ﴾ بلفظ الماضي بعد قوله: ﴿يُنفَخُ﴾ وهو بلفظ المستقبل للإشعار بتحقيق الفزع، وأنه كائن لا محالة؛ لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعًا به.

стр. 424

وكذلك قوله : ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (الكهف: ٤٧) فإنما قال : ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ ولم يقل: "ونحشرهم" للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير والبروز؛ ليشاهدوا تلك الأحوال، كأنه قال سبحانه: "وحشرناهم قبل ذلك" لأن الحشر هو المهم؛ لأن من الناس من ينكره كالفلاسفة وغيرهم، ومن أجل ذلك ذكر بلفظ الماضي. ولك أن تتأمل الآية المشهورة في أول سورة النحل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فعبر المولى بلفظ الماضي؛ لأنّ ذلك أمر محقق واقع، هذا بعض ما تبدى للبلاغيين في ذكر الفروق في استخدام الأفعال الثلاثة بأزمنتها المختلفة. استخدام الجملة الاسمية والفعلية أما استخدام الجملة الاسمية والفعلية؛ فيُعدل عن الفعلية إلى الاسمية لغرض معين ذكرناه قبل ذلك في باب التوكيد، كما نص عليه أيضًا ابن الأثير في كتابه إذ يقول: "وإنما يُعدل عن أحد الخطابين إلى الآخر؛ لضرب من التأكيد والمبالغة". فمما جاء من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُون﴾ (البقرة: ١٤). فإنهم خاطبوا المؤمنين بجملة الفعلية "آمنا" وخاطبوا شياطينهم بالجملة الاسمية المؤكدة بـ"إنّ" لأنهم في مخاطبتهم إخوانهم بما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اعتقاد الكفر والبعد من أن يزلوا عنه على صدق ورغبة ووفور نشاط؛ فكان ذلك متقبلًا منهم ورائجًا عند إخوانهم، أما الذي خاطبوا به المؤمنين؛ فإنهم قالوه تكلفًا وإظهارًا للإيمان خوفًا ومداجاة، وكانوا يعلمون أنهم لو قالوه

стр. 425

بأوكد لفظ وأسده؛ لما راج لهم عند المؤمنين إلا رواجًا ظاهرًا لا باطنًا، ولأنهم ليس لهم في عقائدهم باعث قوي على النطق في خطاب المؤمنين بمثل ما خاطبوا به إخوانهم من العبارة المؤكدة؛ فلذلك قالوا في خطاب المؤمنين "آمنا" وفي خطاب إخوانهم "إنا معكم". وهذه نكت تخفى على من ليس له قدم راسخة في علم الفصاحة والبلاغة. هذا نموذج قرأته لك من كلام ابن الأثير حول هذه المسألة، وقد اهتم العلماء أيضًا في مسألة الجملة، وذلك عرضناه لك في ثنايا ما تحدثنا عنه في المنهج من مسألة التقديم والتأخير، ومسألة استخدام النكرة والمعرفة، وغير ذلك داخل الجمل. ونكون بذلك -أيها الابن النجيب- قد انتهينا من منهجنا. وأسأل الله أن يرزقنا وإياكم الفهم الصحيح، وأن يرزقنا العلم الصحيح، وأن يكون ذلك مدعاة للقرب من الله وطريقا إلى رضاه وجزاكم الله خيرًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.